الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢
الاِسْتِئْنَافُ أَوْلَى (١) .
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَعِنْدَهُمُ التَّرْتِيبُ سُنَّةٌ، فَلَوْ قَدَّمَ فِي الأَْذَانِ جُمْلَةً عَلَى الأُْخْرَى أَعَادَ مَا قَدَّمَ فَقَطْ وَلاَ يَسْتَأْنِفُهُ مِنْ أَوَّلِهِ (٢) .
الْمُوَالاَةُ بَيْنَ أَلْفَاظِ الأَْذَانِ:
٢٣ - الْمُوَالاَةُ فِي الأَْذَانِ هِيَ الْمُتَابَعَةُ بَيْنَ أَلْفَاظِهِ بِدُونِ فَصْلٍ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَمِنَ الْفَصْل بَيْنَ أَلْفَاظِهِ مَا يَحْدُثُ دُونَ إِرَادَةٍ كَالإِْغْمَاءِ أَوِ الرُّعَافِ أَوِ الْجُنُونِ. وَالْفَصْل بَيْنَ كَلِمَاتِ الأَْذَانِ بِأَيِّ شَيْءٍ كَسُكُوتٍ أَوْ نَوْمٍ أَوْ كَلاَمٍ أَوْ إِغْمَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، إِنْ كَانَ يَسِيرًا فَلاَ يُبْطِل الأَْذَانَ وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَيُسَنُّ اسْتِئْنَافُ الأَْذَانِ فِي غَيْرِ السُّكُوتِ وَالْكَلاَمِ. هَذَا مَعَ اتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ عَلَى كَرَاهَةِ الْكَلاَمِ الْيَسِيرِ إِنْ كَانَ لِغَيْرِ سَبَبٍ أَوْ ضَرُورَةٍ.
أَمَّا إِذَا طَال الْفَصْل بَيْنَ كَلِمَاتِ الأَْذَانِ بِكَلاَمٍ كَثِيرٍ، وَلَوْ مُضْطَرًّا إِلَيْهِ كَإِنْقَاذِ أَعْمَى، أَوْ نَوْمٍ طَوِيلٍ أَوْ إِغْمَاءٍ أَوْ جُنُونٍ فَيَبْطُل الأَْذَانُ وَيَجِبُ اسْتِئْنَافُهُ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ طَرِيقَةُ الْخُرَاسَانِيِّينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، قَال الرَّافِعِيُّ: وَالأَْشْبَهُ وُجُوبُ الاِسْتِئْنَافِ عِنْدَ طُول الْفَصْل، وَقَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِعَدَمِ الْبُطْلاَنِ مَعَ اسْتِحْبَابِ الاِسْتِئْنَافِ.
وَأَلْحَقَ الْحَنَابِلَةُ بِحَالاَتِ بُطْلاَنِ الأَْذَانِ وَوُجُوبِ
_________
(١) مغني المحتاج ١ / ١٣٧، ومنتهى الإرادات ١ / ١٢٨، والحطاب ١ / ٤٢٥
(٢) بدائع الصنائع ١ / ١٤٩
اسْتِئْنَافِهِ الْفَصْل بِالْكَلاَمِ الْيَسِيرِ الْفَاحِشِ كَالشَّتْمِ وَالْقَذْفِ (١) .
رَفْعُ الصَّوْتِ بِالأَْذَانِ:
٢٤ - أَوْجَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالأَْذَانِ؛ لِيَحْصُل السَّمَاعُ الْمَقْصُودُ لِلأَْذَانِ، وَهُوَ كَذَلِكَ رَأْيٌ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْغَرَضُ إِعْلاَمَ غَيْرِ الْحَاضِرِينَ بِصَلاَةِ الْجَمَاعَةِ، أَمَّا مَنْ يُؤَذِّنُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِحَاضِرٍ مَعَهُ فَلاَ يُشْتَرَطُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ إِلاَّ بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ أَوْ يَسْمَعُهُ الْحَاضِرُ مَعَهُ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ لأَِبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ وَبَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلاَةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلاَ إِنْسٌ إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٢) وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: عَلِّمْهُ بِلاَلًا فَإِنَّهُ أَنْدَى وَأَمَدَّ صَوْتًا مِنْكَ.
٢٥ - هَذَا وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُجْهِدَ الْمُؤَذِّنُ نَفْسَهُ بِمَا فَوْقَ طَاقَتِهِ مُبَالَغَةً فِي رَفْعِ صَوْتِهِ
_________
(١) البحر الرائق ١ / ٢٧٢، وابن عابدين ١ / ٢٦٠ - ٢٦١، والبدائع ١ / ١٤٩، والحطاب ١ / ٤٢٧، ومغني المحتاج ١ / ١٣٧، والمجموع ٣ / ١١٤ وكشاف القناع ١ / ٢١٨، والمغني ١ / ٤٢٤
(٢) منتهى الإرادات ١ / ١٢٩، وكشاف القناع ١ / ٢١٧، وحاشية الجمل على شرح المنهج ١ / ٢٩٨، ٣٠٢ وابن عابدين ١ / ٢٦١ والبدائع ١ / ١٤٩، ومغني المحتاج ١ / ١٣٧، والحطاب ١ / ٤٢٦ - ٤٣٧، والرهوني ١ / ٣١٤ ط بولاق، والجواهر ١ / ٣٦، وحديث " إني أراك. . " رواه البخاري ١ / ١٥٠ ط صبيح والنسائي ومالك والبيهقي (تلخيص الحبير ١ / ١٩٣)
بِالأَْذَانِ خَشْيَةَ حُدُوثِ بَعْضِ الأَْمْرَاضِ لَهُ.
٢٦ - وَلِكَيْ يَكُونَ الأَْذَانُ مَسْمُوعًا وَمُحَقِّقًا لِلْغَرَضِ مِنْهُ اسْتَحَبَّ الْفُقَهَاءُ أَنْ يَكُونَ الأَْذَانُ مِنْ فَوْقِ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ يُسَاعِدُ عَلَى انْتِشَارِ الصَّوْتِ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ أَكْبَرُ عَدَدٍ مُمْكِنٍ مِنَ النَّاسِ كَالْمِئْذَنَةِ وَنَحْوِهَا.
سُنَنُ الأَْذَانِ
اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ:
٢٧ - يُسَنُّ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ حَال الأَْذَانِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَلَوْ تَرَكَ الاِسْتِقْبَال يُجْزِئُهُ وَيُكْرَهُ، لِتَرْكِهِ السُّنَّةَ الْمُتَوَاتِرَةَ؛ لأَِنَّ مُؤَذِّنِي النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا يُؤَذِّنُونَ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ (١)،
وَجَازَ عِنْدَ بَعْضِ كُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ الدَّوَرَانُ حَال الأَْذَانِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ أَسْمَعَ لِصَوْتِهِ، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الإِْعْلاَمُ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا لَمْ يَتِمَّ الإِْعْلاَمُ بِتَحْوِيل وَجْهِهِ عِنْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ فَقَطْ مَعَ ثَبَاتِ قَدَمَيْهِ فَإِنَّهُ يَسْتَدِيرُ بِجِسْمِهِ فِي الْمِئْذَنَةِ (٢) .
_________
(١) حديث " كانوا يؤذنون مستقبلي القبلة " أخرج ابن عدي والحاكم من طريق عبد الرحمن بن سعد القرظ، حدثني أبي عن آبائه: أن بلالا كان إذا كبر بالأذان استقبل القبلة. وسئل يحيى بن معين عن عبد الرحمن بن سعد هذا فقال: مدني ضعيف، ولم نجد نقلا في ذلك عن فعل غير بلال من مؤذني النبي ﷺ (الدراية ١ / ١١٧ ونصب الراية ١ / ٢٧٥)
(٢) ابن عابدين ١ / ٢٥٩ - ٢٦٠، والبدائع ١ / ١٤٩، والبحر الرائق ١ / ٢٧٢، والحطاب ١ / ٤٤١، والدسوقي ١ / ١٩٦، والمجموع ٣ / ١٠٦، ومغني المحتاج ١ / ١٣٦ - ١٣٧، وكشاف القناع ١ / ٢١٧، والمغني ١ / ٤٢٦
وَعِنْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ أَيْ قَوْلِهِ (حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ) يُسَنُّ أَنْ يَلْتَفِتَ الْمُؤَذِّنُ فَيُحَوِّل وَجْهَهُ - فَقَطْ دُونَ اسْتِدَارَةِ جِسْمِهِ - يَمِينًا وَيَقُول: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يُحَوِّل وَجْهَهُ شِمَالًا وَهُوَ يَقُول: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ مَرَّتَيْنِ، هَكَذَا كَانَ أَذَانُ بِلاَلٍ وَبِهَذَا قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ.
التَّرَسُّل أَوِ التَّرْتِيل:
٢٨ - التَّرَسُّل هُوَ التَّمَهُّل وَالتَّأَنِّي، وَيَكُونُ بِسَكْتَةٍ - تَسَعُ الإِْجَابَةَ - بَيْنَ كُل جُمْلَتَيْنِ مِنْ جُمَل الأَْذَانِ، عَلَى أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ كُل تَكْبِيرَتَيْنِ بِصَوْتٍ وَيُفْرِدَ بَاقِيَ كَلِمَاتِهِ؛ لِلأَْمْرِ بِذَلِكَ فِي قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّل (١)، وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الأَْذَانِ هُوَ إِعْلاَمُ الْغَائِبِينَ بِدُخُول وَقْتِ الصَّلاَةِ، وَالتَّرَسُّل أَبْلَغُ فِي ذَلِكَ مِنَ الإِْسْرَاعِ وَقَدْ لَخَّصَ ابْنُ عَابِدِينَ مَا فِي مَسْأَلَةِ حَرَكَةِ رَاءِ التَّكْبِيرَاتِ فَقَال " الْحَاصِل أَنَّ التَّكْبِيرَةَ الثَّانِيَةَ فِي الأَْذَانِ سَاكِنَةُ الرَّاءِ لِلْوَقْفِ حَقِيقَةً وَرَفْعُهَا خَطَأٌ، وَأَمَّا التَّكْبِيرَةُ الأُْولَى مِنْ كُل تَكْبِيرَتَيْنِ مِنْهُ وَجَمِيعُ تَكْبِيرَاتِ الإِْقَامَةِ فَقِيل مُحَرَّكَةُ الرَّاءِ بِالْفَتْحَةِ عَلَى نِيَّةِ الْوَقْفِ، وَقِيل بِالضَّمَّةِ إِعْرَابًا، وَقِيل سَاكِنَةٌ بِلاَ حَرَكَةٍ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الأَْمْدَادِ وَالزَّيْلَعِيِّ وَالْبَدَائِعِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالَّذِي يُظْهِرُ الإِْعْرَابَ لِمَا ذَكَرَهُ عَنِ الطَّلَبَةِ، وَلِمَا فِي
_________
(١) حديث " إذا أذنت فترسل " رواه الترمذي والحاكم والبيهقي وابن عدي وضعفوه، إلا الحاكم فقال: ليس في إسناده مطعون غير عمرو بن قائد، وهو في رواية الحاكم وليس في رواية الباقين وعندهم فيه عبد المنعم صاحب السقاء وهو كاف في تضعيف الحديث، وقد تكلم المحدثون في كل رواياته بالتضعيف. (تلخيص الحبير ١ / ٢٠٠)
الأَْحَادِيثِ الْمُشْتَهِرَةِ لِلْجِرَاحِيِّ أَنَّهُ سُئِل السُّيُوطِيُّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَال هُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ كَمَا قَال الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْل إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَمَعْنَاهُ كَمَا قَال جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الرَّافِعِيُّ وَابْنُ الأَْثِيرِ أَنَّهُ لاَ يَمُدُّ. وَإِطْلاَقُ الْجَزْمِ عَلَى حَذْفِ الْحَرَكَةِ الإِْعْرَابِيَّةِ لَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا فِي الصَّدْرِ الأَْوَّل، وَإِنَّمَا هُوَ اصْطِلاَحٌ حَادِثٌ فَلاَ يَصِحُّ الْحَمْل عَلَيْهِ (١) ".
صِفَاتُ الْمُؤَذِّنِ
مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مِنَ الصِّفَاتِ:
الإِْسْلاَمُ:
٢٩ - إِسْلاَمُ الْمُؤَذِّنِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ، فَلاَ يَصِحُّ أَذَانُ الْكَافِرِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْعِبَادَةِ؛ وَلأَِنَّهُ لاَ يَعْتَقِدُ الصَّلاَةَ الَّتِي يُعْتَبَرُ الأَْذَانُ دُعَاءً لَهَا، فَإِتْيَانُهُ بِالأَْذَانِ ضَرْبٌ مِنَ الاِسْتِهْزَاءِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ (٢)، وَلاَ يُعْتَدُّ بِأَذَانِهِ، وَفِي حُكْمِ إِسْلاَمِهِ لَوْ أَذَّنَ يُنْظَرُ مُصْطَلَحَ: (إِسْلاَمٌ) .
الذُّكُورَةُ:
٣٠ - مِنَ الشُّرُوطِ الْوَاجِبَةِ فِي الْمُؤَذِّنِ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا، فَلاَ يَصِحُّ أَذَانُ الْمَرْأَةِ؛ لأَِنَّ رَفْعَ صَوْتِهَا قَدْ يُوقِعُ فِي الْفِتْنَةِ، وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلاَ يُعْتَدُّ بِأَذَانِهَا لَوْ أَذَّنَتْ. وَاعْتَبَرَ الْحَنَفِيَّةُ الذُّكُورَةَ مِنَ السُّنَنِ، وَكَرِهُوا أَذَانَ
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٢٥٨ - ٢٥١، والحطاب ١ / ٤٢٦، ٤٣٧، ومغني المحتاج ١ / ١٣٦، والمغني ١ / ٤٠٧، ومنتهى الإرادات ١ / ١٢٦
(٢) منتهى الإرادات ١ / ١٢٥، ومنح الجليل ١ / ١٢٠، والمهذب ١ / ٦٤، وابن عابدين ١ / ٢٦٣ - ٢٦٤
الْمَرْأَةِ، وَاسْتَحَبَّ الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ إِعَادَةَ الأَْذَانِ لَوْ أَذَّنَتْ، وَفِي الْبَدَائِعِ: لَوْ أَذَّنَتْ لِلْقَوْمِ أَجْزَأَ، وَلاَ يُعَادُ، لِحُصُول الْمَقْصُودِ، وَأَجَازَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَذَانَهَا لِجَمَاعَةِ النِّسَاءِ دُونَ رَفْعِ صَوْتِهَا (١) .
الْعَقْل:
٣١ - يُشْتَرَطُ فِي الْمُؤَذِّنِ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا، فَلاَ يَصِحُّ الأَْذَانُ مِنْ مَجْنُونٍ وَسَكْرَانَ لِعَدَمِ تَمْيِيزِهِمَا، وَيَجِبُ إِعَادَةُ الأَْذَانِ لَوْ وَقَعَ مِنْهُمَا؛ لأَِنَّ كَلاَمَهُمَا لَغْوٌ، وَلَيْسَا فِي الْحَال مِنْ أَهْل الْعِبَادَةِ (٢)، وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَكَرِهَ الْحَنَفِيَّةُ أَذَانَ غَيْرِ الْعَاقِل، وَاسْتُحِبَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إِعَادَةُ أَذَانِهِ (٣) .
الْبُلُوغُ:
٣٢ - الصَّبِيُّ غَيْرُ الْعَاقِل (أَيْ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ) لاَ يَجُوزُ أَذَانُهُ بِاتِّفَاقٍ؛ لأَِنَّ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ لاَ يُعْتَدُّ بِهِ، أَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ فَيَجُوزُ أَذَانُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (مَعَ كَرَاهَتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَيْضًا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا اعْتَمَدَ عَلَى بَالِغٍ عَدْلٍ فِي مَعْرِفَةِ دُخُول الْوَقْتِ (٤) .
_________
(١) منتهى الإرادات ١ / ١٢٥، ومنح الجليل ١ / ١٢٠، وابن عابدين ١ / ٢٦٣، والبدائع ١ / ١٥٠، ومغني المحتاج ١ / ١٣٥، ١٣٧
(٢) منتهى الإرادات ١ / ١٢٥، ومنح الجليل ١ / ١٢٠، والمهذب ١ / ٦٤
(٣) البدائع ١ / ١٥٠، وابن عابدين ١ / ٢٦٤
(٤) المغني ١ / ٤١٣ - ٤١٤، ومغني المحتاج ١ / ١٣٧، والمهذب ١ / ٦٤، ومنح الجليل ١ / ١٢٠، والبدائع ١ / ١٥٠، وابن عابدين ١ / ٢٦٣، والحطاب ١ / ٤٣٤
مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَّصِفَ بِهِ الْمُؤَذِّنُ:
٣٣ - يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ طَاهِرًا مِنَ الْحَدَثِ الأَْصْغَرِ وَالأَْكْبَرِ؛ لأَِنَّ الأَْذَانَ ذِكْرٌ مُعَظَّمٌ، فَالإِْتْيَانُ بِهِ مَعَ الطَّهَارَةِ أَقْرَبُ إِلَى التَّعْظِيمِ، وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: لاَ يُؤَذِّنُ إِلاَّ مُتَوَضِّئٌ (١)، وَيَجُوزُ أَذَانُ الْمُحْدِثِ مَعَ الْكَرَاهَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَدَثِ الأَْكْبَرِ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَدَثِ الأَْصْغَرِ كَذَلِكَ (٢) .
٣٤ - وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا؛ لأَِنَّهُ أَمِينٌ عَلَى الْمَوَاقِيتِ، وَلْيُؤَمِّنْ نَظَرَهُ إِلَى الْعَوْرَاتِ. وَيَصِحُّ أَذَانُ الْفَاسِقِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يُعْتَدُّ بِأَذَانِ ظَاهِرِ الْفِسْقِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُقْبَل خَبَرُهُ، وَفِي الْوَجْهِ الآْخَرِ يُعْتَدُّ بِأَذَانِهِ؛ لأَِنَّهُ تَصِحُّ صَلاَتُهُ بِالنَّاسِ، فَكَذَا أَذَانُهُ (٣) .
٣٥ - وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ صَيِّتًا، أَيْ حَسَنَ الصَّوْتِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: فَقُمْ مَعَ بِلاَلٍ، فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ (٤)؛ وَلأَِنَّهُ أَبْلَغُ فِي الإِْعْلاَمِ، هَذَا مَعَ
_________
(١) حديث أبي هريرة: " لا يؤذن إلا متوضئ "، رواه الترمذي من حديث الزهري عن أبي هريرة، وهو منقطع والراوي له عن الزهري ضعيف، ورواه أيضا من رواية يونس عن الزهري عنه موقوفا وهو أصح. (تلخيص الحبير ١ / ٢٠٦)
(٢) منح الجليل ١ / ١٢٠، ومنتهى الإرادات ١ / ١٢٧، ومغني المحتاج ١ / ١٣٨، والبدائع ١ / ١٥١
(٣) مغني المحتاج ١ / ١٣٨، والمغني ١ / ٤١٣، وابن عابدين ١ / ٢٦٣، والحطاب ١ / ٤٣٦
(٤) حديث: " فقم مع بلال. . . " " رواه أبو داود (١ / ١٨٨ عون المعبود - ط المطبعة الأنصارية بدهلي، وابن ماجه رقم ٧٠٦ - ط عيسى الحلبي، والترمذي رقم ١٨٩ - ط مصطفى الحلبي، وقال عنه: " حسن صحيح ".
كَرَاهَةِ التَّمْطِيطِ وَالتَّطْرِيبِ (١) .
٣٦ - وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَل أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ حَال الأَْذَانِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِلاَلًا بِذَلِكَ وَقَال: إِنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِكَ (٢) .
٣٧ - وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِبِلاَلٍ: قُمْ فَأَذِّنْ بِالصَّلاَةِ (٣)، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُل مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ أَنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ؛ لأَِنَّهُ أَبْلَغُ فِي الإِْسْمَاعِ. وَلاَ يُؤَذِّنُ قَاعِدًا إِلاَّ لِعُذْرٍ، أَوْ كَانَ الأَْذَانُ لِنَفْسِهِ كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ رَاكِبًا إِلاَّ فِي سَفَرٍ، وَأَجَازَ أَبُو يُوسُفَ وَالْمَالِكِيَّةُ أَذَانَ الرَّاكِبِ فِي الْحَضَرِ (٤)
٣٨ - وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِأَوْقَاتِ الصَّلاَةِ؛ لِيَتَحَرَّاهَا فَيُؤَذِّنَ فِي أَوَّلِهَا، حَتَّى كَانَ الْبَصِيرُ أَفْضَل مِنَ الضَّرِيرِ، لأَِنَّ الضَّرِيرَ لاَ عِلْمَ لَهُ بِدُخُول الْوَقْتِ (٥)
٣٩ - وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ هُوَ الْمُقِيمَ؛ لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ، حِينَ أَذَّنَ
_________
(١) منتهى الإرادات ١ / ١٢٥ - ١٣٠، ومغني المحتاج ١ / ١٣٨، وابن عابدين ١ / ٢٥٩، والحطاب ١ / ٤٣٧
(٢) كشاف القناع ١ / ٢١٨، والمهذب ١ / ٦٤، والحطاب ١ / ٤٣٩، والبدائع ١ / ١٥١، وحديث: " جعل الأصبعين. . . "، أخرجه ابن ماجه في سننه، والحاكم في المستدرك، وسكت عنه، والطبراني في معجمه وضعفه ابن أبي حاتم (نصب الراية ١ / ٢٧٨)
(٣) حديث: " قم فأذن. . " متفق عليه، وهذا اللفظ للنسائي، ولفظهما: " قم يا بلال فناد بالصلاة) . (تلخيص الحبير ١ / ٢٠٣)
(٤) كشاف القناع ١ / ٢١٦، والحطاب ١ / ٤٤١، المهذب ١ / ٦٤، والبدائع ١ / ١٥١، وابن عابدين ١ / ٢٦٣
(٥) المغني ١ / ٤١٤، والبدائع ١ / ١٥٠، والحطاب ١ / ٤٣٦، ومغني المحتاج ١ / ١٣٧
فَأَرَادَ بِلاَلٌ أَنْ يُقِيمَ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ أَخَا صُدَاءٍ قَدْ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ (١) .
٤٠ - وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ مُحْتَسِبًا، وَلاَ يَأْخُذَ عَلَى الأَْذَانِ أَجْرًا؛ لأَِنَّهُ اسْتِئْجَارٌ عَلَى الطَّاعَةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ: مَنْ أَذَّنَ سَبْعَ سِنِينَ مُحْتَسِبًا كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ (٢)، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مُتَطَوِّعٌ رَزَقَ الإِْمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَال مَنْ يَقُومُ بِهِ؛ لِحَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِ.
٤١ - وَبِالنِّسْبَةِ لِلإِْجَارَةِ عَلَى الأَْذَانِ فَقَدْ أَجَازَهُ مُتَأَخِّرُو الْحَنَفِيَّةِ، لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَأَجَازَهُ كَذَلِكَ الإِْمَامُ مَالِكٌ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (٣) (ر: إِجَارَةٌ) .
مَا يُشْرَعُ لَهُ الأَْذَانُ مِنَ الصَّلَوَاتِ:
٤٢ - الأَْصْل أَنَّ الأَْذَانَ شُرِعَ لِلصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ فِي حَال الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَالْجَمَاعَةِ وَالاِنْفِرَادِ، أَدَاءً وَقَضَاءً، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ (٤)، إِلاَّ مَا قَالَهُ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ أَنَّهُ
_________
(١) البدائع ١ / ١٥١، ومنتهى الإرادات ١ / ١٢٨، والمهذب ١ / ٦٦، ومنح الجليل ١ / ١٢٢، وحديث: " إن أخا صداء. . . " رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي، واللفظ له، وقال الترمذي: إنما يعرف من حديث عبد الرحمن بن زياد الأفريقي، وقد ضعفه القطان وغيره. قال: ورأيت محمد بن إسماعيل - يعني الإمام البخاري - يقوي أمره ويقول: هو مقارب الحديث. قال: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم (تلخيص الحبير ١ / ٢٠٩)
(٢) حديث: " من أذن. . " أخرجه ابن ماجه رقم ٧٢٧ - ط عيسى الحلبي، وقال عنه البوصيري: " أخرجه الترمذي وقال: جابر بن يزيد الجعفر ضعفوه "، يعني الذين في إسناده.
(٣) البدائع ١ / ١٥٢، والمغني ١ / ٤١٥، والمهذب ١ / ٦٦، والحطاب ١ / ٤٥٥، وابن عابدين ٥ / ٣٤
(٤) البحر الرائق ١ / ٢٧٦ ط المطبعة العلمية بالقاهرة، والإنصاف ١ / ٤٠٦ ط أولى، ونهاية المحتاج ١ / ٣٨٤
يُكْرَهُ الأَْذَانُ لِلْفَائِتَةِ، وَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ لاَ أَذَانَ فِي الْحَضَرِ لِلْمُنْفَرِدِ، وَلِلْجَمَاعَةِ غَيْرِ الْمُسَافِرَةِ الْمُجْتَمِعِينَ بِمَوْضِعٍ وَلاَ يُرِيدُونَ دُعَاءَ غَيْرِهِمْ؛ لأَِنَّ الأَْذَانَ إِنَّمَا جُعِل لِيُدْعَى بِهِ الْغَائِبُ، وَلاَ غَائِبَ حَتَّى يُدْعَى. وَيُنْدَبُ لَهُمُ الأَْذَانُ فِي السَّفَرِ (١) وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الأَْصْل بَعْضُ الْفُرُوعِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا الْفُقَهَاءُ وَهِيَ:
الأَْذَانُ لِلْفَوَائِتِ:
٤٣ - سَبَقَ أَنَّ مَذْهَبَ الْمَالِكِيَّةِ كَرَاهَةُ الأَْذَانِ لِلْفَوَائِتِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَإِنَّ الْفَائِتَةَ الْوَاحِدَةَ يُؤَذَّنُ لَهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ الأَْنْصَارِيُّ ﵁ وَفِيهِ قَال: فَمَال رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الطَّرِيقِ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَال: احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلاَتَنَا، فَكَانَ أَوَّل مَنِ اسْتَيْقَظَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَالشَّمْسُ فِي ظَهْرِهِ. قَال: فَقُمْنَا فَزِعِينَ. ثُمَّ قَال: ارْكَبُوا فَرَكِبْنَا، فَسِرْنَا، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ نَزَل. ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ. قَال فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ. قَال: وَبَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ. ثُمَّ قَال لأَِبِي قَتَادَةَ: احْفَظْ عَلَيْنَا مِيضَأَتَكَ، فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ ثُمَّ أَذَّنَ بِلاَلٌ بِالصَّلاَةِ، فَصَلَّى رَسُول اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ، فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُل يَوْمٍ (٢) .
_________
(١) الحطاب ١ / ٤٥١، ومنح الجليل ١ / ١٢٢
(٢) حديث التعريس رواه مسلم (مسلم ١ / ٤٧٢ ط عيسى الحلبي) .