الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 72

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ (١) .

هَكَذَا حَكَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ أَذَانَ (الْمَلَكِ) النَّازِل مِنَ السَّمَاءِ، وَوَافَقَهُ عُمَرُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ: فَقُمْ مَعَ بِلاَلٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ (٢) "

وَأَخَذَ الشَّافِعِيَّةُ بِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ (٣)، وَهُوَ بِنَفْسِ الأَْلْفَاظِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، مَعَ زِيَادَةِ التَّرْجِيعِ (٤) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي أَوَّل الأَْذَانِ مَرَّتَانِ فَقَطْ مِثْل آخِرِهِ وَلَيْسَ أَرْبَعًا؛ لأَِنَّهُ عَمَل السَّلَفِ بِالْمَدِينَةِ، وَلِرِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِيهَا التَّكْبِيرُ فِي أَوَّل الأَْذَانِ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ (٥) .

_________

(١) الاختيار ١ / ٤٢، والمغني ١ / ٤٠٤

(٢) رواه أبو داود وهذا لفظه، وروى نحوه كل من الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (سنن أبي داود وتعليق محمد محيي الدين عبد الحميد عليها ١ / ١٩٦ مطبعة السعادة، وسنن الترمذي ١ / ٣٥٩ ط الحلبي) .

(٣) حديث أذان أبي محذورة رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي (جامع الأصول ٥ / ٢٨٠ نشر دار البيان) .

(٤) المهذب ١ / ٦٣ ط دار المعرفة.

(٥) البدائع ١ / ١٤٧ ط أولى شركة المطبوعات العلمية، وفتح القدير ١ / ٢١١، والزرقاني ١ / ١٥٧ ط دار الفكر، والشرح الصغير ١ / ٢٤٩ ط دار المعارف، والفواكه الدواني ١ / ٢٠١ - ٢٠٢ ط دار المعرفة.

التَّرْجِيعُ فِي الأَْذَانِ:

١١ - التَّرْجِيعُ هُوَ أَنْ يَخْفِضَ الْمُؤَذِّنُ صَوْتَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ إِسْمَاعِهِ الْحَاضِرِينَ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِهِمَا. وَهُوَ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا فِي الرَّاجِحِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ بِلاَلًا لَمْ يَكُنْ يُرَجِّعُ فِي أَذَانِهِ، وَلأَِنَّهُ لَيْسَ فِي أَذَانِ الْمَلَكِ النَّازِل مِنَ السَّمَاءِ (١) .

وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَفِي الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لِوُرُودِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ، وَهِيَ الصِّفَةُ الَّتِي عَلَّمَهَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَعَلَيْهَا السَّلَفُ وَالْخَلَفُ (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ مُبَاحٌ وَلاَ يُكْرَهُ الإِْتْيَانُ بِهِ لِوُرُودِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ. وَبِهَذَا أَيْضًا قَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ (٣)، وَقَال الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّهُ رُكْنٌ فِي الأَْذَانِ (٤) .

التَّثْوِيبُ:

١٢ - التَّثْوِيبُ هُوَ أَنْ يَزِيدَ الْمُؤَذِّنُ عِبَارَةَ (الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ) مَرَّتَيْنِ بَعْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ، أَوْ بَعْدَ الأَْذَانِ كَمَا يَقُول بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لأَِبِي مَحْذُورَةَ: فَإِذَا كَانَ صَلاَةُ الصُّبْحِ قُلْتَ: الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ (٥)، كَذَلِكَ لَمَّا أَتَى

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٢٥٩

(٢) منح الجليل ١ / ١١٩ ط النجاح، والفواكه الدواني ١ / ٢٠١ - ٢٠٢، والمجموع ٣ / ٩٠ - ٩١، ومغني المحتاج ١ / ١٣٦

(٣) المغني ١ / ٤٠٥، وكشاف القناع ١ / ٢١٤ - ٢١٥

(٤) المجموع ٣ / ٩٠ - ٩١

(٥) حديث " الصلاة خير من النوم " أخرجه أبو داود بهذا اللفظ وأخرج نحوه ابن أبي شية وابن حبان، وصححه ابن خزيمة من طريق ابن جريج (سنن أبي داود ١ / ١٩٦ - مطبعة السعادة نصب الراية ١ / ٢٦٥)

بِلاَلٌ ﵁ النَّبِيَّ ﷺ يُؤْذِنْهُ بِالصُّبْحِ فَوَجَدَهُ رَاقِدًا فَقَال: الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: مَا أَحْسَنَ هَذَا يَا بِلاَل، اجْعَلْهُ فِي أَذَانِكَ. وَخُصَّ التَّثْوِيبُ بِالصُّبْحِ لِمَا يَعْرِضُ لِلنَّائِمِ مِنَ التَّكَاسُل بِسَبَبِ النَّوْمِ (١) .

وَأَجَازَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ التَّثْوِيبَ فِي الصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ؛ لأَِنَّ الْعِشَاءَ وَقْتُ غَفْلَةٍ وَنَوْمٍ كَالْفَجْرِ (٢)

وَأَجَازَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِي جَمِيعِ الأَْوْقَاتِ؛ لِفَرْطِ الْغَفْلَةِ عَلَى النَّاسِ فِي زَمَانِنَا (٣)، وَهُوَ مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ بِلاَلٍ أَنَّهُ قَال: أَمَرَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ أُثَوِّبَ فِي الْفَجْرِ وَنَهَانِي أَنْ أُثَوِّبَ فِي الْعِشَاءِ (٤) . وَدَخَل ابْنُ عُمَرَ مَسْجِدًا يُصَلِّي فِيهِ فَسَمِعَ رَجُلًا يُثَوِّبُ فِي أَذَانِ الظُّهْرِ فَخَرَجَ، فَقِيل لَهُ: أَيْنَ؟ فَقَال: أَخْرَجَتْنِي الْبِدْعَةُ (٥) .

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٢٦٠ والهداية ١ / ٤١ ط المكتبة الإسلامية ومغني المحتاج ١ / ١٣٦ ومنح الجليل ١ / ١١٨ ومنتهى الإرادات ١ / ١٢٦ - ١٢٧

(٢) البدائع ١ / ١٤٨، والمجموع ٣ / ٩٧ - ٩٨

(٣) المجموع ٣ / ٩٧ - ٩٨

(٤) حديث بلال: " أمرني. . . " أخرجه ابن ماجه واللفظ له، ورواه الترمذي وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي إسرائيل الملائي، وليس بالقوي ولم يسمعه من الحكم، وأخرج البيهقي نحوه، وأعله وقال: عبد الرحمن لم يلق بلالا (نصب الراية ١ / ٢٧٩، وسنن ابن ماجه ١ / ٢٣٧ ط الحلبي) .

(٥) كشاف القناع ١ / ٢١٥، والمغني ١ / ٤٠٨، والحطاب ١ / ٤٣١، والمجموع ٣ / ٩٧ - ٩٨، والبدائع ١ / ١٤٨، والهداية ١ / ٤١، والأثر عن مجاهد ذكره في جامع الأصول ٥ / ٢٨٧

هَذَا هُوَ التَّثْوِيبُ الْوَارِدُ فِي السُّنَّةِ.

١٣ - وَقَدِ اسْتَحْدَثَ عُلَمَاءُ الْكُوفَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بَعْدَ عَهْدِ الصَّحَابَةِ تَثْوِيبًا آخَرَ، وَهُوَ زِيَادَةُ الْحَيْعَلَتَيْنِ أَيْ عِبَارَةِ " حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ " مَرَّتَيْنِ بَيْنَ الأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ فِي الْفَجْرِ، وَاسْتَحْسَنَهُ مُتَقَدِّمُو الْحَنَفِيَّةِ فِي الْفَجْرِ فَقَطْ، وَكُرِهَ عِنْدَهُمْ فِي غَيْرِهِ، وَالْمُتَأَخِّرُونَ مِنْهُمُ اسْتَحْسَنُوهُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا - إِلاَّ فِي الْمَغْرِبِ لِضِيقِ الْوَقْتِ - وَذَلِكَ لِظُهُورِ التَّوَانِي فِي الأُْمُورِ الدِّينِيَّةِ وَقَالُوا: إِنَّ التَّثْوِيبَ بَيْنَ الأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ فِي الصَّلَوَاتِ يَكُونُ بِحَسَبِ مَا يَتَعَارَفُهُ أَهْل كُل بَلَدٍ، بِالتَّنَحْنُحِ، أَوِ الصَّلاَةَ، الصَّلاَةَ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. كَذَلِكَ اسْتَحْدَثَ أَبُو يُوسُفَ جَوَازَ التَّثْوِيبِ؛ لِتَنْبِيهِ كُل مَنْ يَشْتَغِل بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَمَصَالِحِهِمْ، كَالإِْمَامِ وَالْقَاضِي وَنَحْوِهِمَا، فَيَقُول الْمُؤَذِّنُ بَعْدَ الأَْذَانِ:

السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الأَْمِيرُ، حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، الصَّلاَةَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ (١) وَشَارَكَ أَبَا يُوسُفَ فِي هَذَا الشَّافِعِيَّةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَكَذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ إِنْ لَمْ يَكُنِ الإِْمَامُ وَنَحْوُهُ قَدْ سَمِعَ الأَْذَانَ (٢)، وَاسْتَبْعَدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ؛ لأَِنَّ النَّاسَ سَوَاسِيَةٌ فِي أَمْرِ الْجَمَاعَةِ وَشَارَكَهُ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ (٣) .

١٤ - وَأَمَّا مَا يَقُومُ بِهِ بَعْضُ الْمُؤَذِّنِينَ مِنَ التَّسْبِيحِ

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٢٦١، وفتح القدير ١ / ٢١٤ - ٢١٥، والبدائع ١ / ١٤٨

(٢) المهذب ١ / ٦٦، والتاج والإكليل بهامش الحطاب ١ / ٤٢٧، وكشاف القناع ١ / ٢١٥

(٣) الحطاب ١ / ٤٣١

وَالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِي آخِرِ اللَّيْل فَقَدِ اعْتَبَرَهُ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ بِدْعَةً حَسَنَةً، وَقَال عَنْهُ الْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ مِنَ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ، وَلاَ يَلْزَمُ فِعْلُهُ وَلَوْ شَرَطَهُ الْوَاقِفُ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ (١) .

الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ الأَْذَانِ:

١٥ - يَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الصَّلاَةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْمُؤَذِّنِ بَعْدَ الأَْذَانِ سُنَّةٌ، وَعِنْدَهُمْ يُسَنُّ لِلْمُؤَذِّنِ مُتَابَعَةُ قَوْلِهِ سِرًّا مِثْلَهُ كَالْمُسْتَمِعِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ أَدَاءِ الأَْذَانِ وَالْمُتَابَعَةِ، وَرُوِيَ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَذَّنَ فَقَال كَلِمَةً مِنَ الأَْذَانِ قَال مِثْلَهَا سِرًّا؛ لِيَكُونَ مَا يُظْهِرُهُ أَذَانًا وَدُعَاءً إِلَى الصَّلاَةِ، وَمَا يُسِرُّهُ ذِكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَمِعَ الأَْذَانَ.

بِذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يَشْمَل الْمُؤَذِّنَ الأَْمْرُ الْوَارِدُ فِي قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْل مَا يَقُول، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لاَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إِلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَل اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ (٢) .

وَاعْتَبَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بِدْعَةً حَسَنَةً وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الْبِشْبِيشِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْمُسَمَّاةِ بِالتُّحْفَةِ السَّنِيَّةِ فِي أَجْوِبَةِ الأَْسْئِلَةِ الْمَرْضِيَّةِ أَنَّ أَوَّل مَا زِيدَتِ

_________

(١) الحطاب ١ / ٤٣٠، وكشاف القناع ١ / ٢٢١

(٢) منتهى الإرادات ١ / ١٣٠، والمغني ١ / ٤٢٨، ومغني المحتاج ١ / ١٤١. وحديث: " إذا سمعتم المؤذن. . . " رواه مسلم (صحيح مسلم ١ / ٢٨٨)

الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ كُل أَذَانٍ عَلَى الْمَنَارَةِ زَمَنَ السُّلْطَانِ الْمَنْصُورِ حَاجِّيِّ بْنِ الأَْشْرَفِ شَعْبَانَ وَذَلِكَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ ٧٩١ هـ وَكَانَ قَدْ حَدَثَ قَبْل ذَلِكَ فِي أَيَّامِ السُّلْطَانِ يُوسُفَ صَلاَحِ الدِّينِ بْنِ أَيُّوبَ أَنْ يُقَال قَبْل أَذَانِ الْفَجْرِ فِي كُل لَيْلَةٍ بِمِصْرَ وَالشَّامِ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُول اللَّهِ وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ إِلَى سَنَةِ ٧٧٧ هـ فَزِيدَ فِيهِ بِأَمْرِ الْمُحْتَسِبِ صَلاَحِ الدِّينِ الْبُرُلُّسِيِّ أَنْ يُقَال: الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُول اللَّهِ ثُمَّ جَعَل ذَلِكَ عَقِبَ كُل أَذَانٍ سَنَةَ (٧٩١) هـ (١) .

النِّدَاءُ بِالصَّلاَةِ فِي الْمَنَازِل:

١٦ - يَجُوزُ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَقُول عِنْدَ شِدَّةِ الْمَطَرِ أَوِ الرِّيحِ أَوِ الْبَرْدِ: أَلاَ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ الأَْذَانِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَذَّنَ بِالصَّلاَةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ، ثُمَّ قَال: أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَال، ثُمَّ قَال: إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ ذَاتُ بَرْدٍ وَمَطَرٍ أَنْ يَقُول: أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَال (٢)، وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا ابْتَلَّتِ النِّعَال فَالصَّلاَةُ فِي الرِّحَال (٣) .

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٢٦١، والدسوقي ١ / ١٩٣ ط دار الفكر.

(٢) حديث ابن عمر " أنه أذن. . . " أخرجه النسائي (٢ / ١٥)

(٣) هامثس الحطاب ١ / ٤٢٧، ومنتهى الإرادات ١ / ٢٨١، والمجموع ٣ / ١٢٩ - ١٣٠، والشلبي على الزيلعي ١ / ١٣٣ ط دار المعرفة وحديث " إذا ابتلت النعال " لم يرد بهذا اللفظ في كتب الحديث وذكره ابن الأثير في النهاية وقال الشيخ تاج الدين الفزاري في الأقليد لم أجده في الأصول وإنما ذكره أهل العربية وللحديث شاهد آخر " إذا كان مطر وابل فصلوا في نعالكم " رواه الحاكم وعبد الله بن الإمام أح (تلخيص الحبير ٢ / ٣١)

شَرَائِطُ الأَْذَانِ

يُشْتَرَطُ فِي الأَْذَانِ لِلصَّلاَةِ مَا يَأْتِي:

دُخُول وَقْتِ الصَّلاَةِ:

١٧ - دُخُول وَقْتِ الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ شَرْطٌ لِلأَْذَانِ، فَلاَ يَصِحُّ الأَْذَانُ قَبْل دُخُول الْوَقْتِ - إِلاَّ فِي الأَْذَانِ لِصَلاَةِ الْفَجْرِ عَلَى مَا سَيَأْتِي - لأَِنَّ الأَْذَانَ شُرِعَ لِلإِْعْلاَمِ بِدُخُول الْوَقْتِ، فَإِذَا قُدِّمَ عَلَى الْوَقْتِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ، وَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ قَبْل الْوَقْتِ أَعَادَ الأَْذَانَ بَعْدَ دُخُول الْوَقْتِ، إِلاَّ إِذَا صَلَّى النَّاسُ فِي الْوَقْتِ وَكَانَ الأَْذَانُ قَبْلَهُ فَلاَ يُعَادُ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ بِلاَلًا أَذَّنَ قَبْل طُلُوعِ الْفَجْرِ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِيَ: أَلاَ إِنَّ الْعَبْدَ قَدْ نَامَ، فَرَجَعَ فَنَادَى: أَلاَ إِنَّ الْعَبْدَ قَدْ نَامَ. (١)

وَالْمُسْتَحَبُّ إِذَا دَخَل الْوَقْتُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي أَوَّلِهِ، لِيَعْلَمَ النَّاسُ فَيَأْخُذُوا أُهْبَتَهُمْ لِلصَّلاَةِ، وَكَانَ بِلاَلٌ لاَ يُؤَخِّرُ الأَْذَانَ عَنْ أَوَّل الْوَقْتِ (٢)

أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْفَجْرِ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الأَْذَانُ لِلْفَجْرِ

_________

(١) الحطاب ١ / ٤٢٨، وكشاف القناع ١ / ٢٢٠، والمجموع ٣ / ٨٧، والبدائع ١ / ١٥٤، وحديث (إن بلالا أذن) . . أخرجه أبو داود وقال: هذا الحديث لم يروه عن أيوب إلا حماد ابن سلمة، وذكر الترمذي لفظ الحديث وقال: هذا حديث غير محفوظ (سنن أبي داود ١ / ٢١٠ ط السعادة، وانظر نصب الراية ١ / ٢٨٥)

(٢) المغني ١ / ٤١٢، والأثر عن بلال أخرجه ابن ماجه ١ / ٢٣٦ ط عيسى الحلبي.

قَبْل الْوَقْتِ، فِي النِّصْفِ الأَْخِيرِ مِنَ اللَّيْل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ، وَفِي السُّدُسِ الأَْخِيرِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَيُسَنُّ الأَْذَانُ ثَانِيًا عِنْدَ دُخُول الْوَقْتِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ بِلاَلًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ. (١)

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - غَيْرِ أَبِي يُوسُفَ - لاَ يَجُوزُ الأَْذَانُ لِصَلاَةِ الْفَجْرِ إِلاَّ عِنْدَ دُخُول الْوَقْتِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ؛ لِمَا رَوَى شَدَّادٌ مَوْلَى عِيَاضِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِبِلاَلٍ: لاَ تُؤَذِّنْ حَتَّى يَسْتَبِينَ لَكَ الْفَجْرُ. (٢)

١٨ - وَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَمِثْل بَاقِي الصَّلَوَاتِ لاَ يَجُوزُ الأَْذَانُ لَهَا قَبْل دُخُول الْوَقْتِ، وَلِلْجُمُعَةِ أَذَانَانِ، أَوَّلُهُمَا عِنْدَ دُخُول الْوَقْتِ، وَهُوَ الَّذِي يُؤْتَى بِهِ مِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ - عَلَى الْمِئْذَنَةِ وَنَحْوِهَا - وَقَدْ أَمَرَ بِهِ سَيِّدُنَا عُثْمَانُ ﵁ حِينَ كَثُرَ النَّاسُ.

وَالثَّانِي وَهُوَ الَّذِي يُؤْتَى بِهِ إِذَا صَعِدَ الإِْمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَيَكُونُ دَاخِل الْمَسْجِدِ بَيْنَ يَدَيِ الْخَطِيبِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ حَتَّى أَحْدَثَ عُثْمَانُ الأَْذَانَ الثَّانِيَ.

وَكِلاَ الأَْذَانَيْنِ مَشْرُوعٌ إِلاَّ مَا رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ

_________

(١) البدائع ١ / ١٥٤، ومغني المحتاج ١ / ١٣٩، ومنتهى الإرادات ١ / ١٢٩ والحطاب ١ / ٤٢٨، وحديث: " إن بلالا يؤذن. . " متفق عليه (نصب الراية ١ / ٢٨٨)

(٢) حديث شداد: (لا تؤذن حتى. . . " أخرجه أبو داود بزيادة " هكذا " ومد يده عرضا، وسكت عنه وأعله البيهقي بالانقطاع وقال في المعرفة: شداد مولي عياض لم يدرك بلالا. وقال ابن القطان: شداد مجهول ولا يعرف بغير رواية جعفر بن برقان عنه (سنن أبي داود ١ / ٢١٠، ونصف الراية ١ / ٢٨٣)

مِنْ أَنَّهُ اسْتَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لِلْجُمُعَةِ أَذَانٌ وَاحِدٌ عِنْدَ الْمِنْبَرِ (١) . هَذَا وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَذَانَيِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَحْكَامٍ وَأَيِّهِمَا الْمُعْتَبَرِ فِي تَحْرِيمِ الْبَيْعِ (ر: بَيْعٌ، وَصَلاَةُ الْجُمُعَةِ) .

النِّيَّةُ فِي الأَْذَانِ:

١٩ - نِيَّةُ الأَْذَانِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لِحَدِيثِ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ (٢)، وَلِذَلِكَ لَوْ أَخَذَ شَخْصٌ فِي ذِكْرِ اللَّهِ بِالتَّكْبِيرِ ثُمَّ بَدَا لَهُ عَقِبَ مَا كَبَّرَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ الأَْذَانَ مِنْ أَوَّلِهِ، وَلاَ يَبْنِي عَلَى مَا قَال. وَالنِّيَّةُ لَيْسَتْ شَرْطًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الأَْرْجَحِ وَلَكِنَّهَا مَنْدُوبَةٌ، إِلاَّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ عِنْدَهُمْ عَدَمُ الصَّارِفِ فَلَوْ قَصَدَ تَعْلِيمَ غَيْرِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ.

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلاَ تُشْتَرَطُ عِنْدَهُمُ النِّيَّةُ لِصِحَّةِ الأَْذَانِ وَإِنْ كَانَتْ شَرْطًا لِلثَّوَابِ عَلَيْهِ (٣) .

أَدَاءُ الأَْذَانِ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ:

٢٠ - اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ كَوْنَ الأَْذَانِ بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ عَلَى الصَّحِيحِ وَلاَ يَصِحُّ الإِْتْيَانُ بِهِ بِأَيِّ لُغَةٍ أُخْرَى وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ أَذَانٌ.

_________

(١) منح الجيل ١ / ١١٨، والبدائع ١ / ١٥٢، والمغني ٢ / ٢٩٧ والمجموع ٣ / ١٢٤

(٢) حديث " إنما الأعمال. . . . متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب ﵁ واللفظ للبخاري (اللؤلؤ والمرجان ص ٤٩٦)

(٣) منتهى الإرادات ١ / ١٢٩، والحطاب ١ / ٤٢٤، ونهاية المحتاج ١ / ٣٩٤، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١١ ط الجمالية.

أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَعِنْدَهُمْ إِنْ كَانَ يُؤَذِّنُ لِجَمَاعَةٍ وَفِيهِمْ مَنْ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ لَمْ يَجُزِ الأَْذَانُ بِغَيْرِهَا، وَيُجْزِئُ إِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يُحْسِنُهَا، وَإِنْ كَانَ يُؤَذِّنُ لِنَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ لاَ يُجْزِئُهُ الأَْذَانُ بِغَيْرِهَا وَإِنْ كَانَ لاَ يُحْسِنُهَا أَجْزَأَهُ (١) . وَلَمْ يَظْهَرْ لِلْمَالِكِيَّةِ نَصٌّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

خُلُوُّ الأَْذَانِ مِنَ اللَّحْنِ:

٢١ - اللَّحْنُ الَّذِي يُغَيِّرُ الْمَعْنَى فِي الأَْذَانِ كَمَدِّ هَمْزَةِ اللَّهُ أَكْبَرُ أَوْ بَائِهِ يُبْطِل الأَْذَانَ، فَإِنْ لَمْ يُغَيِّرِ الْمَعْنَى فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: اللَّحْنُ الَّذِي يُغَيِّرُ الْكَلِمَاتِ لاَ يَحِل فِعْلُهُ (٢) .

التَّرْتِيبُ بَيْنَ كَلِمَاتِ الأَْذَانِ:

٢٢ - يُقْصَدُ بِالتَّرْتِيبِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤَذِّنُ بِكَلِمَاتِ الأَْذَانِ عَلَى نَفْسِ النَّظْمِ وَالتَّرْتِيبِ الْوَارِدِ فِي السُّنَّةِ دُونَ تَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ لِكَلِمَةٍ أَوْ جُمْلَةٍ عَلَى الأُْخْرَى، وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ التَّرْتِيبَ عِنْدَهُمْ وَاجِبٌ فَإِنْ فَعَل الْمُؤَذِّنُ ذَلِكَ اسْتَأْنَفَ الأَْذَانَ مِنْ أَوَّلِهِ؛ لأَِنَّ تَرْكَ التَّرْتِيبِ يُخِل بِالإِْعْلاَمِ الْمَقْصُودِ، وَلأَِنَّهُ ذِكْرٌ يُعْتَدُّ بِهِ فَلاَ يَجُوزُ الإِْخْلاَل بِنَظْمِهِ، وَقِيل: إِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى الْمُنْتَظِمِ مِنْهُ، فَلَوْ قَدَّمَ الشَّهَادَةَ بِالرِّسَالَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ بِالتَّوْحِيدِ أَعَادَ الشَّهَادَةَ بِالرِّسَالَةِ، وَإِنْ كَانَ

_________

(١) مراقي الفلاح ص ١٠٦، وابن عابدين ١ / ٢٥٦، وكشاف القناع ١ / ٢١٥، والمجموع ٣ / ١٢٩

(٢) منتهى الإرادات ١ / ١٣٠، والحطاب ١ / ٤٣٨، والمجموع ٣ / ١٠٨ - ١١٠ وابن عابدين ١ / ٢٥٩، والاختيار ١ / ٤٤