الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢
إِدْلاَءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - فِي اللُّغَةِ: أَدْلَى الدَّلْوَ أَرْسَلَهَا فِي الْبِئْرِ لِيَسْتَقِيَ بِهَا، وَأَدْلَى بِحُجَّتِهِ أَحْضَرَهَا (١)، وَأَدْلَى إِلَيْهِ بِمَالِهِ دَفَعَهُ، وَأَدْلَى إِلَى الْمَيِّتِ بِالْبُنُوَّةِ وَصَل بِهَا، وَالإِْدْلاَءُ إِرْسَال الدَّلْوِ فِي الْبِئْرِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ فِي إِرْسَال كُل شَيْءٍ مَجَازًا. وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلإِْدْلاَءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٢ - أَغْلَبُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلَفْظِ: (إِدْلاَءٍ) فِي بَابَيِ الإِْرْثِ وَالْحَضَانَةِ، فَيَذْكُرُونَ الإِْدْلاَءَ بِالنَّسَبِ وَهُمْ يَقْصِدُونَ الصِّلَةَ الَّتِي تَصِل الإِْنْسَانَ بِالْمَيِّتِ أَوْ بِالْمَحْضُونِ، وَيُقَدِّمُونَ مَنْ يُدْلِي بِنَفْسِهِ عَلَى مَنْ يُدْلِي بِغَيْرِهِ، وَمَنْ يُدْلِي بِجِهَتَيْنِ عَلَى مَنْ يُدْلِي بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ (٣) .
إِدْمَانٌ
انْظُرْ: خَمْرٌ - مُخَدِّرٌ
_________
(١) اللسان والمغرب، والمصباح
(٢) دستور العلماء ١ / ٦٣
(٣) السراجية ص ٨٥، ٨٦ ط مصطفى الحلبي، والمهذب ٢ / ١٦٩ ط عيسى الحلبي.
أَذًى
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْذَى فِي اللُّغَةِ يُطْلَقُ عَلَى الشَّيْءِ تَكْرَهُهُ وَلاَ تُقِرُّهُ (١)، وَمِنْهُ الْقَذَرُ (٢) . وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الأَْثَرِ الَّذِي يَتْرُكُهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ إِذَا كَانَ أَثَرًا يَسِيرًا، جَاءَ فِي تَاجِ الْعَرُوسِ عَنِ الْخَطَّابِيِّ: الأَْذَى: الْمَكْرُوهُ الْيَسِيرُ (٣) .
وَالأَْذَى يَرِدُ فِي اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ أَيْضًا (٤)، فَهُمْ يُطْلِقُونَهُ عَلَى الشَّيْءِ الْمُؤْذِي، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ رَسُول اللَّهِ ﷺ: وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَْذَى عَنِ الطَّرِيقِ. (٥)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الضَّرَرُ:
٢ - الشَّرُّ عِنْدَمَا يَكُونُ يَسِيرًا يُسَمِّيهِ أَهْل اللُّغَةِ " أَذًى "، وَعِنْدَمَا يَكُونُ جَسِيمًا يُسَمُّونَهُ " ضَرَرًا ". قَال فِي تَاجِ الْعَرُوسِ: " الأَْذَى: الشَّرُّ الْخَفِيفُ، فَإِنْ زَادَ فَهُوَ ضَرَرٌ (٦) ".
_________
(١) أساس اللغة لابن فارس مادة: أذى (بتصرف) .
(٢) المصباح المنير مادة: أذى.
(٣) تاج العروس، والمرجع للعلايلي مادة: أذى.
(٤) مفردات الراغب الأصفهاني مادة: أذى.
(٥) حديث: (وأدناها إماطة الأذى. . .) أخرجه مسلم في كتاب الأيمان باب عدد شعب الأيمان.
(٦) تاج العروس مادة: أذى.
أَمَّا الْفُقَهَاءُ فَإِنَّ اسْتِعْمَالَهُمُ الْعَامَّ لِهَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ (أَذًى، ضَرَرٌ) يَدُل عَلَى أَنَّهُمْ يَعْتَمِدُونَ هَذَا الْفَرْقَ وَيُرَاعُونَهُ فِي كَلاَمِهِمْ، فَهُمْ يَقُولُونَ: عَلَى الطَّائِفِ حَوْل الْكَعْبَةِ أَلاَّ يُؤْذِيَ فِي طَوَافِهِ أَحَدًا (١)، وَيَقُولُونَ: عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَلاَّ يُؤْذُوا أَحَدًا مِنْ أَهْل الْهُدْنَةِ مَا دَامُوا فِي هُدْنَتِهِمْ (٢)، وَنَحْوُ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ. بَيْنَمَا هُمْ يَقُولُونَ: لاَ يَجُوزُ لِمَرِيضٍ أَنْ يُفْطِرَ إِنْ كَانَ لاَ يَتَضَرَّرُ بِالصَّوْمِ (٣) .
وَيَقُولُونَ: ضَمَانُ الضَّرَرِ، وَلاَ يَقُولُونَ: ضَمَانُ الأَْذَى، كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي كِتَابِ الضَّمَانِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
فَنِسْبَةُ الأَْذَى لِلضَّرَرِ كَنِسْبَةِ الصَّغَائِرِ إِلَى الْكَبَائِرِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
أ - الأَْذَى بِمَعْنَى الضَّرَرِ الْبَسِيطِ:
٣ - الأَْذَى حَرَامٌ، وَتَرْكُهُ وَاجِبٌ بِالاِتِّفَاقِ (٤) مَا لَمْ يُعَارَضْ بِمَا هُوَ أَشَدُّ، فَعِنْدَئِذٍ يُرْتَكَبُ الأَْذَى، عَمَلًا بِالْقَاعِدَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا: يُرْتَكَبُ أَخَفُّ الضَّرَرَيْنِ لاِتِّقَاءِ أَشَدِّهِمَا (٥) . وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا: كِتَابُ الْحَجِّ، عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى لَمْسِ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ، وَفِي كِتَابِ الرِّقِّ، عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى مُعَامَلَةِ الرَّقِيقِ، وَفِي كِتَابِ الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الْكَثِيرُ مِنْ هَذَا الْقَبِيل.
ب -
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٦٦، طبع بولاق الأولى.
(٢) حاشية قليوبي ٤ / ٢٣٨، طبع مصطفى البابي الحلبي.
(٣) الفروع ٢ / ٢١، طبع مطبعة المنار سنة ١٣٤١ هـ
(٤) انظر: الدر المختار بحاشية ابن عابدين ٢ / ١٦٦، طبع بولاق الأولى، وحاشية قليوبي ٤ / ٩٤ و٢٣٨، والفروع ٢ / ٣٨٨
(٥) انظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم بحاشية الحموي ص ١٢٠
الأَْذَى بِمَعْنَى الشَّيْءِ الْمُؤْذِي:
٤ - يُنْدَبُ إِزَالَةُ الأَْشْيَاءِ الْمُؤْذِيَةِ لِلْمُسْلِمِينَ أَيْنَمَا وُجِدَتْ، فَقَدِ اعْتَبَرَ الرَّسُول ﷺ إِمَاطَةَ الأَْذَى عَنِ الطَّرِيقِ مِنَ الإِْيمَانِ بِقَوْلِهِ: الإِْيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَفْضَلُهَا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَْذَى عَنِ الطَّرِيقِ. (١)
وَقَال أَبُو بَرْزَةَ: يَا رَسُول اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ. قَال: اعْزِل الأَْذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ. (٢) وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بِنَبْلِهِ فِي مَكَانٍ يَكْثُرُ فِيهِ النَّاسُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَ بِنَصْلِهِ؛ لِئَلاَّ يُؤْذِيَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣) . وَمَنْ رَأَى عَلَى أَخِيهِ أَذًى فَعَلَيْهِ أَنْ يُمِيطَهُ عَنْهُ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ أَحَدَكُمْ مِرْآةُ أَخِيهِ، فَإِنْ رَأَى بِهِ أَذًى فَلْيُمِطْهُ عَنْهُ (٤) .
وَالْمَوْلُودُ يُحْلَقُ شَعْرُهُ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ وَيُمَاطُ عَنْهُ الأَْذَى (٥) .
_________
(١) حديث: (الأيمان بضع وسبعون شعبة. . . .) أخرجه مسلم في كتاب الأيمان باب عدد شعب الأيمان.
(٢) حديث: (اعزل الأذى. . . .) أخرجه مسلم - انظر شرح النووي لمسلم ١٦ / ١٧١، طبع المطبعة الأزهرية، والإمام أحمد في المسند ٤ / ٤٢٣، الطبعة الأولى.
(٣) شرح النووي لمسلم ١٦ / ١٦٩
(٤) حديث " إن أحدكم مرآة. . . " أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة، وقال: " يحيى بن عبيد الله ضعفه شعبة، وفي الباب عن أنس " وأخرجه الطبراني في الأوسط، والضياء بلفظ: " المؤمن مرآة المؤمن " قال المناوي: بإسناد حسن (تحفة الأحوذي ٢ / ٤١٦ ط. التجارية) .
(٥) مسند الإمام أحمد ٤ / ١٨، والمغني ٨ / ٦٤٦، طبع المنار الثالثة.
وَيُقْتَل الْحَيَوَانُ الْمُؤْذِي (١) وَلَوْ وُجِدَ فِي الْحَرَمِ، كَفًّا لأَِذَاهُ عَنِ النَّاسِ.
٥ - الأَْشْيَاءُ الْمُؤْذِيَةُ إِذَا وُجِدَتْ فِي بِلاَدِ الْحَرْبِ فَإِنَّهَا لاَ تُزَال إِضْعَافًا لِلْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ، فَلاَ يُقْتَل الْحَيَوَانُ الْمُؤْذِي فِي بِلاَدِهِمْ (٢)، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ.
أَذَانٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْذَانُ لُغَةً: الإِْعْلاَمُ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ (٣)﴾ أَيْ أَعْلِمْهُمْ بِهِ (٤)
وَشَرْعًا: الإِْعْلاَمُ بِوَقْتِ الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ، بِأَلْفَاظٍ مَعْلُومَةٍ مَأْثُورَةٍ، عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ. أَوِ الإِْعْلاَمُ بِاقْتِرَابِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْفَجْرِ فَقَطْ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ (٥) .
_________
(١) مغني المحتاج ١ / ٥٢٨، طبع مصطفى البابي الحلبي، والفتاوى الهندية ١ / ٢٥٢، طبع بولاق، والموطأ ١ / ٣٥٧، طبع عيسى البابي الحلبي، والمغني ٣ / ٣٤١ وما بعدها.
(٢) ابن عابدين ٣ / ٢٣٠، طبع بولاق الأولى، وحاشية الشرقاوي على التحرير ٢ / ٤٠٨، طبع مصطفى البابي الحلبي.
(٣) سورة الحج / ٢٧
(٤) لسان العرب والمصباح المنير.
(٥) شرح منتهى الإرادات ١ / ١٢٢ ط دار الفكر، والاختيار ١ / ٤٢ ط دار المعرفة بيروت، ومنح الجليل ١ / ١١٧ نشر مكتبة النجاح ليبيا.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الدَّعْوَةُ - النِّدَاءُ:
٢ - كِلاَ اللَّفْظَيْنِ يَتَّفِقُ مَعَ الأَْذَانِ فِي الْمَعْنَى الْعَامِّ وَهُوَ النِّدَاءُ وَالدُّعَاءُ وَطَلَبُ الإِْقْبَال (١) .
ب - الإِْقَامَةُ:
٣ - لِلإِْقَامَةِ فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ عِدَّةٌ، مِنْهَا الاِسْتِقْرَارُ، وَالإِْظْهَارُ، وَالنِّدَاءُ وَإِقَامَةُ الْقَاعِدِ.
وَهِيَ فِي الشَّرْعِ: إِعْلاَمٌ بِالْقِيَامِ إِلَى الصَّلاَةِ بِأَلْفَاظٍ مَعْلُومَةٍ مَأْثُورَةٍ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ (٢) .
ج - التَّثْوِيبُ:
٤ - التَّثْوِيبُ فِي اللُّغَةِ: الرُّجُوعُ، وَهُوَ فِي الأَْذَانِ: الْعَوْدُ إِلَى الإِْعْلاَمِ بَعْدَ الإِْعْلاَمِ، وَهُوَ زِيَادَةُ عِبَارَةِ: (الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ) مَرَّتَيْنِ بَعْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ فِي أَذَانِ الصُّبْحِ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ، أَوْ زِيَادَةُ عِبَارَةِ (حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ) بَيْنَ الأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ، كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ (٣) .
صِفَتُهُ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ):
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الأَْذَانَ مِنْ خَصَائِصِ الإِْسْلاَمِ وَشَعَائِرِهِ الظَّاهِرَةِ، وَأَنَّهُ لَوِ اتَّفَقَ أَهْل بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِ قُوتِلُوا، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ، فَقِيل: إِنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ فِي الْحَضَرِ وَالْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَهْل الْمِصْرِ، وَاسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير.
(٢) لسان العرب، وشرح منتهى الإرادات ١ / ١٢٢، ومغني المحتاج ١ / ١٣٣ ط الحلبي.
(٣) لسان العرب، وشرح منتهى الإرادات ١ / ١٢٧ ومغني المحتاج ١ / ١٣٦، وابن عابدين ١ / ٢٦٠، ٢٦١ ط بولاق.
الْمَالِكِيَّةِ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ. كَذَلِكَ نُقِل عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، بِنَاءً عَلَى اصْطِلاَحِهِمْ فِي الْوَاجِبِ. وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِذَلِكَ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ (١)، وَالأَْمْرُ هُنَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ عَلَى الْكِفَايَةِ؛ وَلأَِنَّهُ مِنْ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ الظَّاهِرَةِ، فَكَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ كَالْجِهَادِ وَقِيل: إِنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَبِهِ قَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ لِلْجَمَاعَةِ الَّتِي تَنْتَظِرُ آخَرِينَ لِيُشَارِكُوهُمْ فِي الصَّلاَةِ، وَفِي السَّفَرِ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَمُطْلَقًا فِي رِوَايَةٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، وَهِيَ الَّتِي مَشَى عَلَيْهَا الْخِرَقِيُّ. وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِذَلِكَ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِلأَْعْرَابِيِّ الْمُسِيءِ صَلاَتَهُ: افْعَل كَذَا وَكَذَا وَلَمْ يَذْكُرِ الأَْذَانَ مَعَ أَنَّهُ ﷺ ذَكَرَ الْوُضُوءَ وَاسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ وَأَرْكَانَ الصَّلاَةِ (٢) . وَعَلَى كِلاَ الرَّأْيَيْنِ لَوْ أَنَّ قَوْمًا صَلَّوْا بِغَيْرِ أَذَانٍ صَحَّتْ صَلاَتُهُمْ وَأَثِمُوا، لِمُخَالَفَتِهِمُ السُّنَّةَ وَأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقِيل هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي الْجُمُعَةِ دُونَ غَيْرِهَا وَهُوَ رَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّهُ دُعَاءٌ لِلْجَمَاعَةِ، وَالْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ فِي الْجُمُعَةِ، سُنَّةٌ فِي غَيْرِهَا عِنْدَ
_________
(١) حديث: " إذا حضرت الصلاة. . " أخرجه البخاري (١ / ١٥٣ ط صبيح) واللفظ له، ومسلم من حديث مالك بن الحويرث (تلخيص الحبير ١ / ١٩٣)
(٢) حديث المسيء صلاته متفق عليه (اللؤلؤ والمرجان رقم ٢٢٤)
الْجُمْهُورِ (١) .
بَدْءُ مَشْرُوعِيَّةِ الأَْذَانِ:
٦ - شُرِعَ الأَْذَانُ بِالْمَدِينَةِ فِي السَّنَةِ الأُْولَى مِنَ الْهِجْرَةِ عَلَى الأَْصَحِّ؛ لِلأَْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَال: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلاَةَ وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَال بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْل نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَال بَعْضُهُمْ: قَرْنًا مِثْل قَرْنِ الْيَهُودِ، فَقَال عُمَرُ ﵁: أَوَلاَ تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلاَةِ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: يَا بِلاَل قُمْ فَنَادِ بِالصَّلاَةِ، ثُمَّ جَاءَتْ رُؤْيَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَال: لَمَّا أَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالنَّاقُوسِ لِيُعْمَل حَتَّى يُضْرَبَ بِهِ لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ لِلصَّلاَةِ طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِل نَاقُوسًا، فَقُلْتُ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ فَقَال: مَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قُلْتُ: نَدْعُو بِهِ لِلصَّلاَةِ، فَقَال: أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟، قُلْتُ: بَلَى، قَال: تَقُول: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَذَكَرَ الأَْذَانَ وَالإِْقَامَةَ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ، فَقَال: إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلاَلٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ
_________
(١) الإنصاف ١ / ٤٠٧ ط أولى، والمغني ١ / ٤١٧ - ٤١٨ ط الرياض، والحطاب ١ / ٤٢٢ - ٤٢٣ ط النجاح ليبيا، والمجموع ٣ / ٨١ ط المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، ومغني المحتاج ١ / ١٣٤ ط الحلبي، وفتح القدير ١ / ٢٠٩ - ٢١٠ ط دار إحياء التراث العربي، والاختيار ١ / ٤٢ ط دار المعرفة بيروت.
فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ. (١)
وَقِيل: إِنَّ الأَْذَانَ شُرِعَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَقِيل: إِنَّهُ شُرِعَ بِمَكَّةَ قَبْل الْهِجْرَةِ، وَهُوَ بَعِيدٌ لِمُعَارَضَتِهِ الأَْحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ.
وَقَدِ اتَّفَقَتِ الأُْمَّةُ الإِْسْلاَمِيَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الأَْذَانِ، وَالْعَمَل بِهِ جَارٍ مُنْذُ عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا بِلاَ خِلاَفٍ (٢) .
حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الأَْذَانِ:
٧ - شُرِعَ الأَْذَانُ لِلإِْعْلاَمِ بِدُخُول وَقْتِ الصَّلاَةِ، وَإِعْلاَءِ اسْمِ اللَّهِ بِالتَّكْبِيرِ، وَإِظْهَارِ شَرْعِهِ وَرِفْعَةِ رَسُولِهِ، وَنِدَاءِ النَّاسِ إِلَى الْفَلاَحِ وَالنَّجَاحِ (٣) .
فَضْل الأَْذَانِ:
٨ - الأَْذَانُ مِنْ خَيْرِ الأَْعْمَال الَّتِي تُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَفِيهِ فَضْلٌ كَثِيرٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِي فَضْلِهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: لَوْ يَعْلَمُ
_________
(١) حديث رؤيا عبد الله بن زيد رواه أبو داود في سننه من طريق محمد بن إسحاق، ورواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وقال: " سألت عنه البخاري، فقال هو عندي صحيح ". ورواه ابن حبان وابن خزيمة وقال عنه البيهقي. ثابت صحيح (نصب الراية ١ / ٢٥٩) .
(٢) انظر مسلم بشرح النووي ٤ / ٧٥ وسبل السلام ١ / ١٨٨ ط التجارية، وابن عابدين ١ / ٢٥٧ ط بولاق، والحطاب ١ / ٤٢١ ط النجاح ليبيا، وفتح القدير ١ / ١٦٧ والمغني ١ / ٤٠٣، ط الرياض.
(٣) البحر الرائق ١ / ٢٧٩ ط المطبعة العلمية بالقاهرة.
النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَْوَّل ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا. (١) وَقَوْلُهُ ﷺ: الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَل النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (٢) وَقَدْ فَضَّلَهُ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى الإِْمَامَةِ لِلأَْخْبَارِ الَّتِي وَرَدَتْ فِيهِ قَالُوا: وَلَمْ يَتَوَلَّهُ النَّبِيُّ ﷺ وَلاَ خُلَفَاؤُهُ لِضِيقِ وَقْتِهِمْ، وَلِهَذَا قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَوْلاَ الْخِلاَفَةُ لأَذَّنْتُ (٣) .
٩ - وَنَظَرًا لِمَا فِيهِ مِنْ فَضْلٍ وَدَعْوَةِ الرَّسُول ﷺ إِلَى الإِْقْبَال عَلَيْهِ فَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّهُ إِذَا تَشَاحَّ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ عَلَى الأَْذَانِ قُدِّمَ مَنْ تَوَافَرَتْ فِيهِ شَرَائِطُ الأَْذَانِ، فَإِنْ تَسَاوَوْا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ. وَقَدْ تَشَاحَّ النَّاسُ فِي الأَْذَانِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ (٤) .
أَلْفَاظُ الأَْذَانِ:
١٠ - أَلْفَاظُ الأَْذَانِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي رُؤْيَاهُ الَّتِي قَصَّهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ هِيَ الَّتِي أَخَذَ بِهَا الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهِيَ:
_________
(١) حديث " لو يعلم. . " متفق عليه، من حديث أبي هريرة (تلخيص الحبير ١ / ٢٠٩) .
(٢) المغني ١ / ٤٠٢ والحطاب ١ / ٤٢٢ والمهذب ١ / ٦١، وحديث " المؤذنون أطول. . " أخرجه مسلم من حديث معاوية (تلخيص الحبير ١ / ٢٠٨) .
(٣) المغني ١ / ٤٠٣ والحطاب ١ / ٤٢٢ والمهذب ١ / ٦١، والأثر عن عمر رواه كل من أبي الشيخ، والبيهقي بلفظ: " لولا الخليفا لأذنت " وسيد بن منصور يلفظ: " لو أطيق مع الخليفا لأذنت ". (تلخيص الحبير ١ / ٢١١)
(٤) المغني ١ / ٤٢٩ - ٤٣٠، والمهذب ١ / ٦٢