الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 70

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

(ر: احْتِكَارٌ) . وَإِنْ كَانَ لِتَأْمِينِ حَاجَاتِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ فَهُوَ الاِدِّخَارُ.

وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ الاِدِّخَارِ فِي الْجُمْلَةِ دُونَ تَقْيِيدٍ بِمُدَّةٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ الأَْوْجَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - وَلَهُمْ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ يُكْرَهُ ادِّخَارُ مَا فَضَل عَنْ كِفَايَتِهِ لِمُدَّةِ سَنَةٍ (١) .

وَدَلِيلُهُمْ فِي ذَلِكَ: مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَال، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَل مَال اللَّهِ، فَعَمِل بِذَلِكَ رَسُول اللَّهِ ﷺ حَيَاتَهُ (٢) . وَبِمَا رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَبِيعُ نَخْل بَنِي النَّضِيرِ وَيَحْبِسُ؛ لأَِهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ (٣) .

عَلَى أَنَّ الْحَطَّابَ نَقَل عَنِ النَّوَوِيِّ إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ عِنْدَ إِنْسَانٍ (أَيْ مَا يَحْتَاجُهُ النَّاسُ) أَوِ اضْطُرَّ النَّاسُ إِلَيْهِ وَلَمْ يَجِدُوا غَيْرَهُ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ النَّاسِ. وَهُوَ مَا يَتَّفِقُ مَعَ قَاعِدَةِ: (يُتَحَمَّل الضَّرَرُ الْخَاصُّ لِدَفْعِ ضَرَرٍ عَامٍّ) .

ادِّخَارُ لُحُومِ الأَْضَاحِي:

١١ - يَجُوزُ ادِّخَارُ لُحُومِ الأَْضَاحِي فَوْقَ ثَلاَثٍ فِي قَوْل

_________

(١) حاشية الجمل ٣ / ٩٣، وشرح الحطاب على مختصر خليل ٤ / ٢٢٧ - ٢٢٨، ومطالب أولي النهى ٣ / ٦٥، والمحلى ٩ / ٦٤ ومجلة الأحكام العدلية م ٢٦

(٢) حديث:، (حبس نفقة سنة. . " أخرجه البخاري في النفقات ومسلم والترمذي.

(٣) حديث: " بيع نخل بني النضير)، أخرجه البخاري في صحيحه (فتح الباري ٩ / ٥٠١)

عَامَّةِ أَهْل الْعِلْمِ. وَلَمْ يُجِزْهُ عَلِيٌّ وَلاَ ابْنُ عُمَرَ ﵄؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الأَْضَاحِي فَوْقَ ثَلاَثٍ (١) .

وَلِلْجُمْهُورِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الأَْضَاحِي فَوْقَ ثَلاَثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ - وَرَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِلدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ. فَكُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا. وَقَال أَحْمَدُ فِيهِ أَسَانِيدُ صِحَاحٌ. أَمَّا عَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ فَلَمْ يَبْلُغْهُمَا تَرْخِيصُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَدْ كَانُوا سَمِعُوا النَّهْيَ فَرَوَوْا عَلَى مَا سَمِعُوا (٢) .

ادِّخَارُ الدَّوْلَةِ الضَّرُورِيَّاتِ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ:

١٢ - إِذَا تَوَقَّعَتِ الدَّوْلَةُ نُزُول نَازِلَةٍ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ جَائِحَةٍ أَوْ قَحْطٍ أَوْ حَرْبٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَدَّخِرَ لَهُمْ مِنَ الأَْقْوَاتِ وَالضَّرُورِيَّاتِ مَا يَنْهَضُ بِمَصَالِحِهِمْ، وَيُخَفِّفُ عَنْهُمْ شِدَّةَ هَذِهِ النَّازِلَةِ، وَاسْتُدِل لِذَلِكَ بِقِصَّةِ يُوسُفَ ﵇ مَعَ مَلِكِ مِصْرَ. وَقَدْ قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَلَيْسَ فِي شَرْعِنَا مَا يُخَالِفُهُ، فَقَال جَل شَأْنُهُ: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٣) قَال تَزْرَعُونَ

_________

(١) " النهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث. . . " ثبت في حديث متفق عليه عن عائشة مرفوعًا.

(٢) المغني مع الشرح الكبير ١١ / ١١٠ ط الأولى بالمنار.

(٣) سورة يوسف / ٤٦

سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ . (١)

قَال الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ لِهَذِهِ الآْيَاتِ: " وَهَذَا يَدُل عَلَى جَوَازِ احْتِكَارِ الطَّعَامِ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ (٢) ".

إِخْرَاجُ الْمُدَّخَرَاتِ وَقْتَ الضَّرُورَةِ:

١٣ - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنِ ادَّخَرَ شَيْئًا مِنَ الأَْقْوَاتِ الضَّرُورِيَّةِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِعِيَالِهِ وَاضْطُرَّ إِلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرُهُ كَانَ عَلَيْهِ بَذْلُهُ لَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ حَالًا؛ لأَِنَّ الضَّرَرَ لاَ يُزَال بِالضَّرَرِ (٣) .

وَيَأْثَمُ بِإِمْسَاكِهِ عَنْهُ مَعَ اسْتِغْنَائِهِ، وَإِنْ كَانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا هَل يَبْذُلُهُ لَهُ بِالْقِيمَةِ أَوْ بِدُونِهَا. وَمَحَل تَفْصِيل ذَلِكَ مُصْطَلَحُ: (اضْطِرَارٌ) . دَلِيل وُجُوبِ الإِْخْرَاجِ فِي هَذِهِ الْحَال مِنَ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْل زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ زَادَ لَهُ. (٤) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَال: بَعَثَ رَسُول اللَّهِ بَعْثًا

_________

(١) سورة يوسف / ٤٧، ٤٨

(٢) تفسير القرطبي ٩ / ٢٠٣ - ٢٠٤ طبع دار الكتب المصرية.

(٣) الاختيار شرح المختار ٣ / ٧١، طبع مصطفى البابي الحلبي، وحاشية الدسوقي ٢ / ١١١ و١١٢ طبع المطبعة الميمنية، وأسنى المطالب شرح روض الطالب ١ / ٥٧٢، و٥٧٣ طبع المطبعة الميمنية، والمغني ٨ / ٦٠٣ طبع مكتبة الرياض الموافقة للطبعة الثالثة. والطرق الحكمية لابن القيم ص ٢٦١ طبع مطبعة السنة المحمدية، ومطالب أولي النهى ٣ / ٦٥

(٤) حديث: " من كان عنده فضل زاد. . " أخرجه مسلم في صحيحه.

قِبَل السَّاحِل فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَهُمْ ثَلاَثُمِائَةٍ وَأَنَا فِيهِمْ، فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الْجَيْشِ، فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ، فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ، فَكَانَ يَقُوتُنَا كُل يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى فَنِيَ، فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلاَّ تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ، فَقُلْتُ: وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ، فَقَال: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ - أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَّل كِتَابِ الشَّرِكَةِ.

قَال فِي عُمْدَةِ الْقَارِي: قَال الْقُرْطُبِيُّ: جَمْعُ أَبِي عُبَيْدَةَ الأَْزْوَادَ وَقَسْمُهَا بِالسَّوِيَّةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ حُكْمًا حَكَمَ بِهِ لَمَّا شَاهَدَ مِنَ الضَّرُورَةِ، وَخَوْفُهُ مِنْ تَلَفِ مَنْ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ زَادٌ، فَظَهَرَ أَنَّهُ وَجَبَ عَلَى مَنْ مَعَهُ أَنْ يُوَاسِيَ مَنْ لَيْسَ لَهُ زَادٌ، أَوْ يَكُونُ عَنْ رِضًا مِنْهُمْ، وَقَدْ فَعَل ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ سَيِّدُنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ (١) .

ادِّخَارُ غَيْرِ الأَْقْوَاتِ:

١٤ - ادِّخَارُ غَيْرِ الأَْقْوَاتِ الضَّرُورِيَّةِ جَائِزٌ بِالاِتِّفَاقِ كَالأَْمْتِعَةِ وَالأَْوَانِي وَنَحْوِ ذَلِكَ (٢) .

وَعَلَى الدَّوْلَةِ أَنْ تَدَّخِرَ مِنْ غَيْرِ الضَّرُورِيَّةِ مَا قَدْ يَنْقَلِبُ ضَرُورِيًّا فِي وَقْتٍ مِنَ الأَْوْقَاتِ كَالْخَيْل مَثَلًا وَالْكُرَاعِ وَالسِّلاَحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ فِي أَوْقَاتِ السِّلْمِ، وَلَكِنَّهُ يُصْبِحُ ضَرُورِيًّا أَيَّامَ الْحَرْبِ، وَعَلَى الدَّوْلَةِ بَذْلُهُ لِلْمُحْتَاجِ حِينَ اضْطِرَارِهِ إِلَيْهِ (٣) .

_________

(١) عمدة القاري ١٣ / ٤٢، المطبعة المنيرية.

(٢) حاشية الجمل ٣ / ٩٣، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢١٨، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٣٤

(٣) المغني ٦ / ٤١٥

ادِّعَاءٌ

انْظُرْ: دَعْوَى

ادِّهَانٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِدِّهَانُ فِي اللُّغَةِ: الاِطِّلاَءُ بِالدُّهْنِ، وَالدُّهْنُ مَا يُدْهَنُ بِهِ مِنْ زَيْتٍ وَغَيْرِهِ (١) . وَالاِطِّلاَءُ أَعَمُّ مِنَ الاِدِّهَانِ؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ بِالدُّهْنِ وَغَيْرِهِ، كَالاِطِّلاَءِ بِالنُّورَةِ.

وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - الاِدِّهَانُ بِالطِّيبِ أَوْ بِغَيْرِهِ مِمَّا لاَ نَجَاسَةَ فِيهِ مُسْتَحَبٌّ فِي الْجُمْلَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلإِْنْسَانِ، إِذْ هُوَ مِنَ التَّجَمُّل الْمَطْلُوبِ لِكُل مُسْلِمٍ، وَهُوَ مِنَ الزِّينَةِ الَّتِي يَشْمَلُهَا قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ (٢)﴾ . وَقَدْ رُوِيَتْ فِي الْحَثِّ عَلَى

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمغرب.

(٢) سورة الأعراف / ٣٢

الاِدِّهَانِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: اسْتَاكُوا عَرْضًا وَادَّهِنُوا غِبًّا (١) وَوَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُكْثِرُ دَهْنَ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ.

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الاِدِّهَانُ غِبًّا، وَهُوَ أَنْ يَدْهُنَ، ثُمَّ يَتْرُكَ حَتَّى يَجِفَّ الدُّهْنُ، ثُمَّ يَدْهُنَ ثَانِيًا، وَقِيل: يَدْهُنُ يَوْمًا وَيَوْمًا لاَ (٢) .

وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُ الاِدِّهَانِ لِصَلاَةِ الْجُمُعَةِ، وَالْعِيدِ، وَمَجَامِعِ النَّاسِ. وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الرِّجَال وَالصِّبْيَانُ وَالْعَبِيدُ، إِلاَّ النِّسَاءَ، فَلاَ يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ مِنْهُنَّ حُضُورَ الْجُمُعَةِ (٣) .

وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْحُكْمِ بَعْضُ الْحَالاَتِ الَّتِي يَحْرُمُ فِيهَا الاِدِّهَانُ أَوْ يُكْرَهُ، كَحَالاَتِ الإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ وَالاِعْتِكَافِ، وَالصَّوْمِ، وَالإِْحْدَادِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ (٤) .

_________

(١) حديث " استاكوا عرضًا. . . " وتمامه " واكتحلوا وترًا " قال النووي في شرح المهذب (١ / ٣١٣ ط العالمية): هذا الحديث ضعيف غير معروف، قال ابن الصلاح: بحثت عنه فلم أجد له أصلا ولا ذكرا في شيء من كتب الحديث ". أهـ.

(٢) يدل على ذلك حديث عائشة رضى الله عنها: " كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يحرم يتطيب ما يجد، ثم أجد وبيض الدهن في رأسه ولحيته بعد ذلك ". أخرجه مسلم (٢ / ٨٤٨ ط عيسى الحلبي) . وانظر تفسير القرطبي ٧ / ١٩٨ ط دار الكتب المصرية، والآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٢١ ط المنار، وزاد المعاد ١ / ٤٤ ط مصطفى الحلبي، وفيض القدير ٥ / ٤٣ ط مصطفى محمد، والمجموع ١ / ٢٨٠، ٢٩٣ ط المنيرية، والمغني ١ / ٩٣ ط الرياض.

(٣) المجموع ٤ / ٥٣٧، والمغني ٢ / ٢٠٢ ط المنار، ومنح الجليل ١ / ٢٦٣ نشر ليبيا.

(٤) ابن عابدين ٢ / ٢٠٢، ٦١٧ ط بولاق. والمغني ٣ / ٣٠٠ و٧ / ٥١٨، ومنح الجليل ١ / ٤٢٧، ٥١٢

٣ - أَمَّا الاِدِّهَانُ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الإِْنْسَانِ، كَدَهْنِ الْحَبْل، وَالْعَجَلَةِ، وَالسَّفِينَةِ، وَالنَّعْل، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ جَائِزٌ بِمَا لاَ نَجَاسَةَ فِيهِ، أَمَّا الْمُتَنَجِّسُ فَفِيهِ خِلاَفٌ عَلَى أَسَاسِ جَوَازِ الاِنْتِفَاعِ بِالْمُتَنَجِّسِ أَوْ عَدَمِ الاِنْتِفَاعِ بِهِ (١) .

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٤ - لِلاِدِّهَانِ أَحْكَامٌ مُتَعَدِّدَةٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِل الْفِقْهِيَّةِ مُفَصَّلَةٌ أَحْكَامُهَا فِي أَبْوَابِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ ادِّهَانُ الْمُحْرِمِ فِي بَابِ الْحَجِّ، وَالْمُعْتَكِفِ فِي بَابِ الاِعْتِكَافِ، وَالصَّائِمِ فِي بَابِ الصَّوْمِ، وَالْمُحِدَّةِ فِي بَابِ الْعِدَّةِ. كَذَلِكَ الاِدِّهَانُ بِالْمُتَنَجِّسِ فِي بَابِ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ.

إِدْرَاكٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - يُطْلَقُ الإِْدْرَاكُ فِي اللُّغَةِ وَيُرَادُ بِهِ اللُّحُوقُ وَالْبُلُوغُ فِي الْحَيَوَانِ، وَالثَّمَرِ، وَالرُّؤْيَةِ. وَاسْمُ الْمَصْدَرِ مِنْهُ الدَّرَكُ بِفَتْحِ الرَّاءِ. وَالْمُدْرَكُ بِضَمِّ الْمِيمِ يَكُونُ مَصْدَرًا وَاسْمَ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، تَقُول: أَدْرَكْتُهُ مُدْرَكًا، أَيْ إِدْرَاكًا، وَهَذَا مُدْرَكُهُ، أَيْ مَوْضِعُ إِدْرَاكِهِ أَوْ زَمَانِهِ (٢) .

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٢٢٠، والحطاب ١ / ١١٧، نشر ليبيا، والمغني ١ / ٣٨

(٢) لسان العرب، وأساس البلاغة، والمصباح المنير.

وَقَدِ اسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ الإِْدْرَاكَ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: أَدْرَكَهُ الثَّمَنُ، أَيْ لَزِمَهُ، وَهُوَ لُحُوقٌ مَعْنَوِيٌّ، وَأَدْرَكَ الْغُلاَمُ: أَيْ بَلَغَ الْحُلُمَ، وَأَدْرَكَتِ الثِّمَارُ: أَيْ نَضِجَتْ. وَالدَّرَكُ بِفَتْحَتَيْنِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ لُغَةٌ فِيهِ: اسْمٌ مِنْ أَدْرَكْتُ الشَّيْءَ، وَمِنْهُ ضَمَانُ الدَّرَكِ (١) .

وَيُطْلِقُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الإِْدْرَاكَ وَيُرِيدُ بِهِ الْجُذَاذَ (٢) .

وَقَدِ اسْتَعْمَل الأُْصُولِيُّونَ وَالْفُقَهَاءُ (مَدَارِكَ الشَّرْعِ) بِمَعْنَى مَوَاضِعَ طَلَبِ الأَْحْكَامِ، وَهِيَ حَيْثُ يُسْتَدَل بِالنُّصُوصِ، كَالاِجْتِهَادِ، فَإِنَّهُ مُدْرَكٌ مِنْ مَدَارِكِ الشَّرْعِ (٣) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

اللاَّحِقُ وَالْمَسْبُوقُ:

٢ - يُفَرِّقُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ الْمُدْرِكِ لِلصَّلاَةِ مَثَلًا وَاللاَّحِقِ بِهَا وَالْمَسْبُوقِ، مَعَ أَنَّ الإِْدْرَاكَ وَاللِّحَاقَ فِي اللُّغَةِ مُتَرَادِفَانِ. فَالْمُدْرِكُ لِلصَّلاَةِ مَنْ صَلاَّهَا كَامِلَةً مَعَ الإِْمَامِ، أَيْ أَدْرَكَ جَمِيعَ رَكَعَاتِهَا مَعَهُ، سَوَاءٌ أَدْرَكَ التَّحْرِيمَةَ أَوْ أَدْرَكَهُ فِي جُزْءٍ مِنْ رُكُوعِ الرَّكْعَةِ الأُْولَى. وَاللاَّحِقُ مَنْ فَاتَتْهُ الرَّكَعَاتُ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا بِعُذْرٍ بَعْدَ اقْتِدَائِهِ. أَمَّا الْمَسْبُوقُ فَهُوَ مَنْ سَبَقَهُ الإِْمَامُ بِكُل الرَّكَعَاتِ أَوْ بَعْضِهَا (٤) .

_________

(١) النظم المستعذب ١ / ٣٤٩ ط الحلبي، والمصباح المنير مادة (درك)، وطلبة الطلبة.

(٢) القليوبي ٣ / ٦٤ ط مصطفى الحلبي.

(٣) المصباح المنير، مادة (درك) .

(٤) حاشية ابن عابدين - ١ / ٣٩٩، ٤٠٠ ط بولاق.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٣ - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ لِلإِْدْرَاكِ تَبَعًا لِلاِسْتِعْمَالاَتِ الْفِقْهِيَّةِ أَوِ الأُْصُولِيَّةِ، فَاسْتِعْمَالُهُ الأُْصُولِيُّ سَبَقَتِ الإِْشَارَةُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ مَدَارِكِ الشَّرِيعَةِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

أَمَّا الاِسْتِعْمَال الْفِقْهِيُّ فَيَصْدُقُ عَلَى أُمُورٍ عِدَّةٍ. فَإِدْرَاكُ الْفَرِيضَةِ: اللُّحُوقُ بِهَا وَأَخْذُ أَجْرِهَا كَامِلًا عِنْدَ إِتْمَامِهَا عَلَى الْوَجْهِ الأَْكْمَل، مَعَ الْخِلاَفِ بِأَيِّ شَيْءٍ يَكُونُ الإِْدْرَاكُ. وَإِدْرَاكُ فَضِيلَةِ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ يَكُونُ بِاشْتِرَاكِ الْمَأْمُومِ مَعَ الإِْمَامِ فِي جُزْءٍ مِنْ صَلاَتِهِ، وَلَوْ آخِرَ الْقَعْدَةِ الأَْخِيرَةِ قَبْل السَّلاَمِ، فَلَوْ كَبَّرَ قَبْل سَلاَمِ إِمَامِهِ فَقَدْ أَدْرَكَ فَضْل الْجَمَاعَةِ (١) . أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَعِنْدَهُمْ تُدْرَكُ الصَّلاَةُ وَيَحْصُل فَضْلُهَا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ مَعَ الإِْمَامِ (٢) .

٤ - وَفِي الْمُعَامَلاَتِ نَجِدُ فِي الْجُمْلَةِ الْقَاعِدَةَ التَّالِيَةَ: وَهِيَ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ آخَرَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ كُل أَحَدٍ، إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مِلْكُهُ بِالْبَيِّنَةِ، أَوْ صَدَّقَهُ مَنْ فِي يَدِهِ الْعَيْنُ (٣) .

وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَسْأَلَةُ (ضَمَانُ الدَّرَكِ) وَهُوَ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ (٤) . فَعِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ يَصِحُّ ضَمَانُ الدَّرَكِ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ رَجُلٍ فَهُوَ أَحَقُّ

_________

(١) مجمع الأنهر ١ / ١٤٣ المطبعة العثمانية، والإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ٢ / ٦ ط محمد علي صبيح، والمقنع ١ / ١٩٢ ط السلفية.

(٢) مواهب الجليل ٢ / ٨٢ - ٨٣ ط ليبيا.

(٣) نيل الأوطار ٥ / ٢٤٠ المطبعة العثمانية المصرية.

(٤) ابن عابدين ٤ / ٢٦٤

بِهِ، وَيَتْبَعُ الْبَيْعَ مَنْ بَاعَهُ (١) وَلِكَوْنِ الْحَاجَةِ تَدْعُو إِلَيْهِ (٢) .

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٥ - يَبْحَثُ الْفُقَهَاءُ مُصْطَلَحَ (إِدْرَاكٍ) فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاطِنِ. فَمَسْأَلَةُ إِدْرَاكِ الصَّلاَةِ بُحِثَتْ فِي الصَّلاَةِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ إِدْرَاكِ رَكْعَةٍ فِي آخِرِ الْوَقْتِ: (إِدْرَاكُ الْفَرِيضَةِ، صَلاَةُ الْجُمُعَةِ، صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ، صَلاَةُ الْخَوْفِ)، وَمَسْأَلَةُ إِدْرَاكِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فِي الْحَجِّ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَمَسْأَلَةُ زَكَاةِ الثَّمَرَةِ إِذَا أَدْرَكَتْ فِي الزَّكَاةِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ زَكَاةِ الثِّمَارِ، وَضَمَانُ الدَّرَكِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الضَّمَانِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْبَيْعِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْكَفَالَةِ، أَمَّا الْحَنَابِلَةُ وَيُسَمُّونَهُ عُهْدَةَ الْمَبِيعِ - فَبَحَثُوهُ فِي السَّلَمِ، عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ أَخْذِ الضَّمَانِ عَلَى عُهْدَةِ الْمَبِيعِ، وَمَسْأَلَةُ إِدْرَاكِ الْغُلاَمِ وَالْجَارِيَةِ فِي الْحَجْرِ، عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ بُلُوغِ الْغُلاَمِ، وَمَسْأَلَةُ بَيْعِ الثَّمَرِ عَلَى الشَّجَرِ قَبْل الإِْدْرَاكِ وَبَعْدَهُ فِي الْمُسَاقَاةِ، عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ إِدْرَاكِ الثَّمَرِ، وَمَسْأَلَةُ إِدْرَاكِ الصَّيْدِ حَيًّا فِي الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ.

_________

(١) حديث " من وجد عين ما له. . . " رواه أحمد ٥ / ١٣، وأبو داود ٢ / ٢٥٩، والنسائي ٧ / ٣١٤ عن الحسن عن سمرة. وفي سماع الحسن عنه خلاف، وبقية رجاله ثقات (نيل الأوطار ٥ / ٣٦٠) وروى أحمد أوله أيضا ببعض اختلاف في اللفظ بسند صحيح (مسند أحمد بتحقيق أحمد شاكر ١٢ / ٩١)

(٢) ابن عابدين ٤ / ٢٦٤، وحاشية الدسوقي ٣ / ١١ ط عيسى الحلبي، والمهذب ١ / ٣٤٩ ط مصطفى الحلبي، والمغني ٤ / ٣٥١ ط المنار.