الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢
أَدَاةٌ
انْظُرْ: آلَةٌ
أَدَبٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - أَصْل مَعْنَى كَلِمَةِ " أَدَبٍ " فِي اللُّغَةِ: " الْجَمْعُ (١) "، وَمِنْهُ: الأَْدَبُ بِمَعْنَى الظَّرْفِ وَحُسْنِ التَّنَاوُل (٢) . سُمِّيَ أَدَبًا؛ لأَِنَّهُ يَأْدِبُ - أَيْ يَجْمَعُ - النَّاسَ إِلَى الْمَحَامِدِ (٣) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، فَلِلأَْدَبِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالأُْصُولِيِّينَ عِدَّةُ إِطْلاَقَاتٍ:
أ - قَال الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ: الأَْدَبُ: الْخِصَال الْحَمِيدَةُ (٤)، وَلِذَلِكَ بَوَّبُوا فَقَالُوا: " أَدَبُ الْقَاضِي "، وَتَكَلَّمُوا فِي هَذَا الْبَابِ عَمَّا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَفْعَلَهُ
_________
(١) أساس اللغة لأحمد بن فارس، مادة (أدب) .
(٢) القاموس المحيط، مادة (أدب) .
(٣) لسان العرب، مادة (أدب) .
(٤) فتح القدير ٥ / ٤٥٣، طبع بولاق سنة ١٣١٦ هـ، وانظر البحر الرائق ٦ / ٢٧٧، طبع المطبعة العلمية، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٤٦٣
وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْتَهِيَ عَنْهُ. وَكَذَلِكَ قَالُوا: " آدَابُ الاِسْتِنْجَاءِ "، " وَآدَابُ الصَّلاَةِ ". وَعَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: الأَْدَبُ: وَضْعُ الأَْشْيَاءِ مَوْضِعَهَا (١) .
ب - كَمَا يُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ وَالأُْصُولِيُّونَ لَفْظَ " أَدَبٍ " أَيْضًا أَصَالَةً عَلَى الْمَنْدُوبِ (٢)، وَيُعَبِّرُونَ عَنْ ذَلِكَ بِتَعْبِيرَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْهَا: النَّفَل، وَالْمُسْتَحَبُّ، وَالتَّطَوُّعُ، وَمَا فِعْلُهُ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِ، وَمَا يُمْدَحُ بِهِ الْمُكَلَّفُ وَلاَ يُذَمُّ عَلَى تَرْكِهِ، وَالْمَطْلُوبُ فِعْلُهُ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ ذَمٍّ عَلَى تَرْكِهِ، وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ (٣) .
ج - وَقَدْ يُطْلِقُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ كَلِمَةَ " آدَابٍ " عَلَى كُل مَا هُوَ مَطْلُوبٌ سَوَاءٌ أَكَانَ مَنْدُوبًا أَمْ وَاجِبًا (٤) . وَلِذَلِكَ بَوَّبُوا فَقَالُوا: " آدَابُ الْخَلاَءِ وَالاِسْتِنْجَاءِ " وَأَتَوْا فِي هَذَا الْبَابِ بِمَا هُوَ مَنْدُوبٌ وَمَا هُوَ وَاجِبٌ، وَقَالُوا: إِنَّ الْمُرَادَ بِكَلِمَةِ " آدَابٍ " هُوَ كُل مَا هُوَ مَطْلُوبٌ.
د - وَيُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ أَحْيَانًا (الأَْدَبَ) عَلَى الزَّجْرِ وَالتَّأْدِيبِ بِمَعْنَى التَّعْزِيرِ. (ر: تَعْزِيرٌ) .
_________
(١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٤١ طبع المطبعة العامرة العثمانية سنة ١٣٠٤ هـ
(٢) شرح المنار لابن ملك وحواشيه ص ٥٨٨، طبع المطبعة العثمانية سنة ١٣١٥ هـ، وفتح الغفار شرح المنار ٢ / ٦٦، طبع مصطفى البابي الحلبي سنة ١٣٥٥ هـ، والفتاوى البزازية بهامش الفتاوى الهندية ٤ / ٢٥، طبع بولاق سنة ١٣١٠ هـ، وحاشية القليوبي ١ / ٣٨، طبع مصطفى البابي الحلبي.
(٣) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٤١ - ٤٢
(٤) انظر: حاشية البجيرمي على منهج الطلاب ١ / ٥١، / ٣١٦ طبع المكتبة الإسلامية في ديار بكر - تركيا.
حُكْمُهُ:
٢ - الأَْدَبُ فِي الْجُمْلَةِ هُوَ مَرْتَبَةٌ مِنْ مَرَاتِبِ الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ، وَهُوَ غَالِبًا يُرَادِفُ الْمَنْدُوبَ، وَفَاعِلُهُ يَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ بِفِعْلِهِ، وَلاَ يَسْتَحِقُّ اللَّوْمَ عَلَى تَرْكِهِ (١) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - لَقَدْ نَثَرَ الْفُقَهَاءُ الآْدَابَ عَلَى أَبْوَابِ الْفِقْهِ، فَذَكَرُوا فِي كُل بَابٍ مَا يَخُصُّهُ مِنَ الآْدَابِ، فَفِي الاِسْتِنْجَاءِ ذَكَرُوا آدَابَ الاِسْتِنْجَاءِ، وَفِي الطَّهَارَةِ بِأَقْسَامِهَا ذَكَرُوا آدَابَهَا، وَفِي الْقَضَاءِ ذَكَرُوا آدَابَ الْقَضَاءِ، بَل صَنَّفَ بَعْضُهُمْ كُتُبًا خَاصَّةً فِي الآْدَابِ الشَّرْعِيَّةِ، كَالآْدَابِ الشَّرْعِيَّةِ لاِبْنِ مُفْلِحٍ، وَأَدَبِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ لِلْمَاوَرْدِيِّ، وَغَيْرِهِمَا.
ادِّخَارٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - أَصْل كَلِمَةِ " ادِّخَارٍ " فِي اللُّغَةِ هُوَ " اذْتِخَارٌ " فَقُلِبَ كُلٌّ مِنَ الذَّال وَالتَّاءِ دَالًا مَعَ الإِْدْغَامِ فَتَحَوَّلَتِ الْكَلِمَةُ إِلَى (ادِّخَارٍ) . وَمَعْنَى ادَّخَرَ الشَّيْءَ: خَبَّأَهُ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ (٢) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
_________
(١) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ٤٢ ط، العثمانية.
(٢) انظر لسان العرب وتاج العروس وأساس اللغة، والنهاية، مادة " ذخر " بالذال المعجمة.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِكْتِنَازُ:
٢ - الاِكْتِنَازُ لُغَةً: إِحْرَازُ الْمَال فِي وِعَاءٍ أَوْ دَفْنُهُ (١)، وَشَرْعًا: هُوَ الْمَال الَّذِي لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَدْفُونًا. فَالاِدِّخَارُ أَعَمُّ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ مِنَ الاِكْتِنَازِ.
ب - الاِحْتِكَارُ:
٣ - الاِحْتِكَارُ لُغَةً: حَبْسُ الشَّيْءِ انْتِظَارًا لِغَلاَئِهِ. وَشَرْعًا: اشْتِرَاءُ طَعَامٍ وَنَحْوِهِ وَحَبْسُهُ إِلَى الْغَلاَءِ (٢) . فَالاِدِّخَارُ أَعَمُّ مِنَ الاِحْتِكَارِ؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ فِيمَا يَضُرُّ حَبْسُهُ وَمَا لاَ يَضُرُّ.
ادِّخَارُ الدَّوْلَةِ الأَْمْوَال مِنْ غَيْرِ الضَّرُورِيَّاتِ:
٤ - الأَْمْوَال إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِيَدِ الدَّوْلَةِ، أَوْ بِيَدِ الأَْفْرَادِ. فَإِنْ كَانَتْ بِيَدِ الدَّوْلَةِ، وَقَدْ فَاضَتْ عَنْ مَصَارِفِ بَيْتِ الْمَال، فَفِي جَوَازِ ادِّخَارِ الدَّوْلَةِ لَهَا اتِّجَاهَاتٌ:
الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل: لاَ يَجُوزُ لِلدَّوْلَةِ ادِّخَارُ شَيْءٍ مِنَ الأَْمْوَال، بَل عَلَيْهَا تَفْرِيقُهَا عَلَى مَنْ يَعُمُّ بِهِ صَلاَحُ الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ تَدَّخِرُهَا، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ (٣)، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ. وَقَدِ اسْتَدَلُّوا عَلَى
_________
(١) المصباح ولسان العرب (كنز) .
(٢) ابن عابدين ٥ / ٢٧٨، والمصباح المنير (حكر) .
(٣) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٣٤، ط بولاق، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢١٨، ط بولاق الأولى، وانظر الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٣٧، وتفسير القرطبي ٨ / ١٢٥، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٢١٥، ط مصطفى البابي الحلبي، وفتح الباري ٣ / ٢١١ ط البهية المصرية.
ذَلِكَ بِفِعْل الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَبِمَبَادِئِ الشَّرِيعَةِ، أَمَّا فِعْل الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: فَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَصَنِيعُهُمَا بِبَيْتِ الْمَال، قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَرْقَمَ: " اقْسِمْ بَيْتَ مَال الْمُسْلِمِينَ فِي كُل شَهْرٍ مَرَّةً، اقْسِمْ بَيْتَ مَال الْمُسْلِمِينَ فِي كُل جُمُعَةٍ مَرَّةً، اقْسِمْ بَيْتَ مَال الْمُسْلِمِينَ فِي كُل يَوْمٍ مَرَّةً "، ثُمَّ قَال رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ أَبْقَيْتَ فِي بَيْتِ الْمَال بَقِيَّةً تَعُدُّهَا لِنَائِبَةٍ أَوْ صَوْتِ مُسْتَغِيثٍ، فَقَال عُمَرُ لِلرَّجُل الَّذِي كَلَّمَهُ: جَرَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ، لَقَّنَنِي اللَّهُ حُجَّتَهَا وَوَقَانِي شَرَّهَا، أُعِدُّ لَهَا مَا أَعَدَّ لَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (١) . وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَمَا كَانَ عُمَرُ، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ أَعْطَى الْعَطَاءَ فِي سَنَةٍ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ آتَاهُ مَالٌ مِنْ أَصْبَهَانَ، فَقَال: اغْدُوا إِلَى عَطَاءٍ رَابِعٍ، إِنِّي لَسْتُ بِخَازِنٍ (٢) .
وَأَمَّا مَبَادِئُ الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّهَا تَفْرِضُ عَلَى أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْقِيَامَ بِرَفْعِ النَّوَائِبِ عِنْدَ نُزُولِهَا (٣) .
الاِتِّجَاهُ الثَّانِي: أَنَّ عَلَى الدَّوْلَةِ ادِّخَارَ هَذَا الْفَائِضِ عَنْ مَصَارِفِ بَيْتِ الْمَال لِمَا يَنُوبُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ حَادِثٍ، لأَِنَّ ذَلِكَ تَقْتَضِيهِ مَصْلَحَةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ سُرْعَةِ التَّصَرُّفِ لِرَفْعِ النَّائِبَاتِ عَنْهُمْ (٤) . وَإِلَى هَذَا
_________
(١) سنن البيهقي ٦ / ٣٥٧، وكنز العمال برقم ١١٦٥٢
(٢) الأموال لأبي عبيد ص ٥٧٠، وتاريخ ابن عساكر ٣ / ١٨١، في ترجمة علي بن أبي طالب برقم ١٢٢٠، وكنز العمال برقم ١١٧٠٣
(٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢١٥، ولأبي يعلى ص ٢٣٧
(٤) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢١٥، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٣٧
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (١)، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ (٢) .
الاِتِّجَاهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ لِلْمَالِكِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا اسْتَوَتِ الْحَاجَةُ فِي كُل الْبُلْدَانِ فَإِنَّ الإِْمَامَ يَبْدَأُ بِمَنْ جُبِيَ فِيهِمُ الْمَال حَتَّى يَغْنَوْا غِنَى سَنَةٍ، ثُمَّ يَنْقُل مَا فَضَل لِغَيْرِهِمْ وَيُوقِفُ لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ غَيْرُ فُقَرَاءِ الْبَلَدِ أَكْثَرَ حَاجَةً فَإِنَّ الإِْمَامَ يَصْرِفُ الْقَلِيل لأَِهْل الْبَلَدِ الَّذِي جُبِيَ فِيهِمُ الْمَال ثُمَّ يَنْقُل الأَْكْثَرَ لِغَيْرِهِمْ (٣) .
ادِّخَارُ الأَْفْرَادِ:
٥ - الأَْمْوَال فِي يَدِ الأَْفْرَادِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ أَقَل مِنَ النِّصَابِ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنَ النِّصَابِ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ أُدِّيَتْ زَكَاتُهَا أَوْ لَمْ تُؤَدَّ، فَإِنْ أُدِّيَتْ زَكَاتُهَا فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً عَنْ حَاجَاتِهِ الأَْصْلِيَّةِ أَوْ غَيْرَ زَائِدَةٍ عَنْ حَاجَاتِهِ الأَْصْلِيَّةِ.
٦ - فَإِنْ كَانَتِ الأَْمْوَال الَّتِي بِيَدِ الْفَرْدِ دُونَ. النِّصَابِ حَل ادِّخَارُهَا (٤)؛ لأَِنَّ مَا دُونَ النِّصَابِ قَلِيلٌ، وَالْمَرْءُ لاَ يَسْتَغْنِي عَنِ ادِّخَارِ الْقَلِيل وَلاَ تَقُومُ حَاجَاتُهُ بِغَيْرِهِ.
٧ - وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنَ النِّصَابِ، وَصَاحِبُهَا لاَ يُؤَدِّي زَكَاتَهَا، فَهُوَ ادِّخَارٌ حَرَامٌ، وَهُوَ اكْتِنَازٌ بِالاِتِّفَاقِ (٥) . قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁:
_________
(١) اللجنة ترى أن للسياسة الشرعية مدخلا في الأخذ بأحد هذين الاتجاهين بحسب استمرار الموارد، أو انقطاعها.
(٢) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٣٧
(٣) الخرشي ٣ / ١٢٩
(٤) فتح الباري ٣ / ٢١٠
(٥) انظر تفسير القرطبي والطبري وأحكام القرآن للجصاص كلهم في تفسير الآية / ٣٤ من سورة التوبة، وهي قوله تعالى: " والذين يكنزون الذهب والفضة. . . ".
أَيُّ مَالٍ أُدِّيَتْ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا فِي الأَْرْضِ، وَأَيُّ مَالٍ لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهُ فَهُوَ كَنْزٌ يُكْوَى بِهِ صَاحِبُهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الأَْرْضِ (١) . وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا (٢) .
وَاكْتِنَازُ الْمَال حَرَامٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ حَيْثُ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَِنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ . (٣)
٨ - وَإِنْ كَانَتِ الأَْمْوَال الْمُدَّخَرَةُ أَكْثَرَ مِنَ النِّصَابِ، وَصَاحِبُهَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا، وَهِيَ فَائِضَةٌ عَنْ حَاجَاتِهِ الأَْصْلِيَّةِ، فَقَدْ وَقَعَ الْخِلاَفُ فِي حُكْمِ ادِّخَارِهَا: فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى جَوَازِهِ، وَمِنْهُمْ عُمَرُ وَابْنُهُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ. وَيُسْتَدَل لِمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِآيَاتِ الْمَوَارِيثِ؛ لأَِنَّ اللَّهَ جَعَل فِي تَرِكَةِ الْمُتَوَفِّي أَنْصِبَاءَ لِوَرَثَتِهِ، وَهَذَا لاَ يَكُونُ إِلاَّ إِذَا تَرَكَ الْمُتَوَفُّونَ أَمْوَالًا مُدَّخَرَةً، كَمَا يُسْتَدَل لَهُمْ
_________
(١) حديث " أي مال. . . " رواه البيهقي وسعيد بن منصور عن ابن عمر، ورواه ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ وابن أبي حاتم من طريق ابن عمر بلفظ " ما أدى زكاته فليس بكنز " (الدر المنثور ٣ / ٢٣٢) . ورواه أبو داود والحاكم بلفظ ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي، فليس بكنز " وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، وكذلك رواه الدارقطني والبيهقي. انظر (نصب الراية ٢ / ٣٧٢) .
(٢) انظر تفسير ابن كثير ٣ / ٣٨٨، طبع دار الأندلس ببيروت، وحاشية الجمل ٢ / ٢٥١، طبع دار إحياء التراث العربي
(٣) سورة التوبة / ٣٤ - ٣٥
بِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الْمَشْهُورِ إِنَّكَ إِنْ تَدَعْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ (١) . وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ ادِّخَارَ شَيْءٍ لِلْوَرَثَةِ بَعْدَ أَدَاءِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ الْوَاجِبَةِ مِنْ زَكَاةٍ وَغَيْرِهَا خَيْرٌ مِنْ عَدَمِ التَّرْكِ.
وَذَهَبَ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ ﵁ (٢) إِلَى أَنَّ ادِّخَارَ الْمَال الزَّائِدِ عَنْ حَاجَةِ صَاحِبِهِ - مِنْ نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ - هُوَ ادِّخَارٌ حَرَامٌ وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي زَكَاتَهُ وَكَانَ ﵁ يُفْتِي بِذَلِكَ، وَيَحُثُّ النَّاسَ عَلَيْهِ، فَنَهَاهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ﵄ وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الشَّامِ - عَنْ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ خَافَ أَنْ يَضُرَّهُ النَّاسُ فِي هَذَا، فَلَمْ يَتْرُكْ دَعْوَةَ النَّاسِ إِلَى ذَلِكَ، فَشَكَاهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَاسْتَقْدَمَهُ عُثْمَانُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَأَنْزَلَهُ الرَّبَذَةَ، فَبَقِيَ فِيهَا إِلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ ﵁ يَحْتَجُّ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بِجُمْلَةٍ مِنَ الأَْدِلَّةِ، مِنْهَا قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، وَيَقُول: إِنَّ هَذِهِ الآْيَةَ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ.
وَيَحْتَجُّ بِمَا رَوَاهُ الإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ مَاتَ رَجُلٌ مِنْ أَهْل الصُّفَّةِ، وَتَرَكَ دِينَارَيْنِ، أَوْ دِرْهَمَيْنِ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: كَيَّتَانِ، صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ (٣) وَبِمَا رَوَاهُ
_________
(١) حديث " إنك إن تدع. . . " أخرجه البخاري من حديث سعد بن أبي وقاص (صحيح البخاري ٤ / ٣ ط صبيح)
(٢) طبقات ابن سعد ٤ / ٢٢٦، مع التصرف.
(٣) حديث " كيتان صلوا. . " أخرجه الإمام أحمد وفي مجمع الزوائد (١٠ / ٢٤٠): رواه أحمد وابنه عبد الله وقال: دينارًا أو درهمًا، والبزار كذلك وفيه عتيبة الضرير وهو مجهول، وبقية رجاله وثقوا. وقال أحمد شاكر: إسناده ضعيف (مسند أحمد بن حنبل ٢ / ٧٨٨) ط دار المعارف سنة ١٣٦٨هـ.)
ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَا مِنْ رَجُلٍ يَمُوتُ وَعِنْدَهُ أَحْمَرُ أَوْ أَبْيَضُ إِلاَّ جَعَل اللَّهُ بِكُل قِيرَاطٍ صَفْحَةً مِنْ نَارٍ يُكْوَى بِهَا مِنْ قَدَمِهِ إِلَى ذَقَنِهِ. (١)
وَعَنْ ثَوْبَانَ قَال: كُنَّا فِي سَفَرٍ وَنَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال الْمُهَاجِرُونَ: لَوَدِدْنَا أَنَّا عَلِمْنَا أَيَّ الْمَال نَتَّخِذُهُ، إِذْ نَزَل فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَا نَزَل، فَقَال عُمَرُ: إِنْ شِئْتُمْ سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: أَجَل، فَانْطَلَقَ، فَتَبِعْتُهُ أُوضِعُ عَلَى بَعِيرِي، فَقَال يَا رَسُول اللَّهِ: إِنَّ الْمُهَاجِرِينَ لَمَّا أَنْزَل اللَّهُ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَا أَنْزَل قَالُوا: وَدِدْنَا أَنَّا عَلِمْنَا أَيَّ الْمَال خَيْرٌ نَتَّخِذُهُ، قَال: نَعَمْ، فَيَتَّخِذُ أَحَدُكُمْ لِسَانًا ذَاكِرًا، وَقَلْبًا شَاكِرًا، وَزَوْجَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى إِيمَانِهِ. (٢)
٩ - وَذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى أَنَّ ادِّخَارَ الأَْمْوَال يَكُونُ حَرَامًا وَإِنْ أَدَّى الْمُدَّخِرُ زَكَاتَهَا إِذَا لَمْ يُؤَدِّ صَاحِبُهَا الْحُقُوقَ الْعَارِضَةَ فِيهَا، كَإِطْعَامِ الْجَائِعِ، وَفَكِّ الأَْسِيرِ
_________
(١) حديث: " ما من رجل يموت. . . "، أخرجه ابن أبي حاتم عن ثوبان (تفسير ابن كثير ٣ / ٣٩٣ ط الأندلس) .
(٢) تفسير ابن كثير، وتفسير الطبري، والقرطبي، وأحكام القرآن للجصاص لآية: " والذين يكنزون الذهب والفضة. . " وعمدة القاري ٨ / ٢٤٨، وفتح الباري ٣ / ٢١٠، وحديث ثوبان أخرجه أحمد في مسنده (٥ / ٨٢ ط الميمنية)، وابن ماجه ١ / ٥٩٦ ط الحلبي)، والترمذي (١١ / ٢٣٨ ط الصاوي)، ببعض اختلاف في اللفظ وقال: حديث حسن.
وَتَجْهِيزِ الْغَازِي وَنَحْوِ ذَلِكَ (١) .
وَذَهَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحِل لِرَجُلٍ أَنْ يَدَّخِرَ أَرْبَعَةَ آلاَفِ دِرْهَمٍ فَمَا فَوْقَ وَإِنْ أَدَّى زَكَاتَهَا، وَكَانَ ﵁ يَقُول: " أَرْبَعَةُ آلاَفِ دِرْهَمٍ فَمَا دُونَهَا نَفَقَةٌ، وَمَا فَوْقَهَا كَنْزٌ (٢) ".
وَكَأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ رَأَى أَنَّ الْقِيَامَ بِالْحَاجَاتِ الأَْصْلِيَّةِ لِلْمَرْءِ لاَ يَتَطَلَّبُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ آلاَفِ دِرْهَمٍ فِي أَحْسَنِ الأَْحْوَال (٣)، فَإِنْ حَبَسَ الشَّخْصُ مَبْلَغًا أَكْبَرَ مِنْ هَذَا فَقَدْ حَبَسَ خَيْرَهُ عَنِ النَّاسِ، وَعَنِ الْفُقَرَاءِ بِشَكْلٍ خَاصٍّ، وَهُوَ أَمْرٌ لاَ يَجُوزُ، فَقَدْ كَانَ ﵁ يَقُول: " إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَى الأَْغْنِيَاءِ فِي أَمْوَالِهِمْ مَا يَكْفِي فُقَرَاءَهُمْ، وَإِنْ جَاعُوا وَعَرُوا وَجَهَدُوا فَبِمَنْعِ الأَْغْنِيَاءِ، وَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُحَاسِبَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُعَذِّبَهُمْ عَلَيْهِ (٤) .
صِفَتُهُ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ):
١٠ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الاِدِّخَارِ بِاخْتِلاَفِ الْبَاعِثِ عَلَيْهِ:
فَإِنْ كَانَ ادِّخَارُ مَا يَتَضَرَّرُ النَّاسُ بِحَبْسِهِ طَلَبًا لِلرِّبْحِ، فَذَلِكَ مِمَّا يَدْخُل فِي بَابِ الاِحْتِكَارِ
_________
(١) تفسير القرطبي ٨ / ١٢٥، ط دار الكتب " والمجموع ٥ / ٢٧٤
(٢) انظر تفسير الطبري وابن كثير والقرطبي والجصاص لآية: " والذين يكنزون الذهب والفضة " وعمدة القاري ٨ / ٢٤٩، وأثر علي ﵁ أخرجه عبد الرزاق (المصنف ٤ / ١٠٩ ط سنة ١٣٩١ هـ) .
(٣) اللجنة: هذا الرأي يناسب عصره، إذ أن مبلغ الأربعة آلاف كان يكفي حاجة أي إنسان.
(٤) كنز العمال برقم ١٦٨٤٠، ط حلب، والأموال لأبي عبيد ص ٥٩٥