الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢
الْبُطْلاَنَ بَل قَدْ يُوجِبُ الْفَسَادَ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ (١) .
وَقَدْ يَخْتَل تَنْفِيذُ الْعَقْدِ نَتِيجَةً لِحَادِثٍ لاَ مَجَال مَعَهُ لِتَنْفِيذِ الْعَقْدِ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي تَمَّ التَّعَاقُدُ عَلَيْهَا، كَمَا فِي حَالَةِ تَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ بِهَلاَكِ بَعْضِ الْمَبِيعِ أَوِ اسْتِحْقَاقِهِ. وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى تَعَيُّبِ رِضَا الطَّرَفِ الآْخَرِ، فَيُوجِبُ الْخِيَارَ. وَكَذَلِكَ قَدْ يَخْتَل رِضَا أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ بِوُجُودِ الْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ أَوِ الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ، فَيَثْبُتُ الْخِيَارُ، جَبْرًا لِذَلِكَ. قَال الْكَاسَانِيُّ: " لأَِنَّ السَّلاَمَةَ لَمَّا كَانَتْ مَرْغُوبَةً لِلْمُشْتَرِي، وَلَمْ تَحْصُل، فَقَدِ اخْتَل رِضَاهُ. وَهَذَا يُوجِبُ الْخِيَارَ؛ لأَِنَّ الرِّضَا شَرْطُ صِحَّةِ الْبَيْعِ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) فَامْتِنَاعُ الرِّضَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ، وَاخْتِلاَلُهُ يُوجِبُ الْخِيَارَ فِيهِ، إِثْبَاتًا لِلْحُكْمِ عَلَى قَدْرِ الدَّلِيل (٣) ". وَلِلتَّوَسُّعِ فِي ذَلِكَ (ر: خِيَارٌ) .
_________
(١) مجلة الأحكام العدلية وشروحها م ٣٤٦، ٣٦١، ٣٦٢، ٣٦٤
(٢) سورة النساء / ٢٩
(٣) بدائع الصنائع ٥ / ٢٧٤
اخْتِيَارٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِخْتِيَارُ لُغَةً: تَفْضِيل الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِهِ (١) . وَاصْطِلاَحًا: الْقَصْدُ إِلَى أَمْرٍ مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ دَاخِلٍ فِي قُدْرَةِ الْفَاعِل بِتَرْجِيحِ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ عَلَى الآْخَرِ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْخِيَارُ:
٢ - الْخِيَارُ حَقٌّ يَنْشَأُ بِتَخْوِيلٍ مِنَ الشَّارِعِ، كَخِيَارِ الْبُلُوغِ، أَوْ مِنَ الْعَاقِدِ، كَخِيَارِ الشَّرْطِ. فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الاِخْتِيَارِ أَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا مُطْلَقًا، فَكُل خِيَارٍ يَعْقُبُهُ اخْتِيَارٌ، وَلَيْسَ كُل اخْتِيَارٍ يَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى خِيَارٍ.
ب - الإِْرَادَةُ:
٣ - الإِْرَادَةُ لُغَةً: الْمَشِيئَةُ، وَفِي اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ هِيَ " الْقَصْدُ (٣) "، أَيِ اعْتِزَامُ الْفِعْل وَالاِتِّجَاهُ إِلَيْهِ، فَيَقُولُونَ فِي طَلاَقِ الْكِنَايَةِ مَثَلًا: إِنْ أَرَادَ بِهِ الطَّلاَقَ وَقَعَ طَلاَقًا، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ طَلاَقًا لَمْ يَقَعْ طَلاَقًا.
_________
(١) القاموس المحيط، ومتن اللغة، وكشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي، مادة: خير.
(٢) كشف الأسرار ٤ / ١٥٠٣ طبع مكتب الصنائع سنة ١٣٠٧ هـ
(٣) المقنع ٣ / ١٤٣ طبع السلفية، والبحر الرائق ٣ / ٣٢٢، وحاشية البجيرمي ٤ / ٥
وَيَقُولُونَ فِي الْعُقُودِ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا تَلاَقِي الإِْرَادَتَيْنِ. وَيَقُولُونَ فِي الأَْيْمَانِ: يُسْأَل الْحَالِفُ عَنْ مُرَادِهِ. . . وَهَكَذَا. وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ كُل اخْتِيَارٍ لاَ بُدَّ أَنْ يَشْتَمِل عَلَى إِرَادَةٍ، وَلَيْسَ مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ يَكُونَ فِي كُل إِرَادَةٍ اخْتِيَارٌ.
ج - الرِّضَا:
٤ - يُفَرِّقُ الْحَنَفِيَّةُ دُونَ غَيْرِهِمْ بَيْنَ الاِخْتِيَارِ وَالرِّضَا. وَإِذَا كَانَ الاِخْتِيَارُ كَمَا تَقَدَّمَ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ عَلَى الآْخَرِ، فَإِنَّ الرِّضَا. هُوَ الاِنْشِرَاحُ النَّفْسِيُّ، وَلاَ تَلاَزُمَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ عَامٍّ (١)، فَقَدْ يَخْتَارُ الْمَرْءُ أَمْرًا لاَ يَرْضَاهُ. وَيَظْهَرُ هَذَا التَّفْرِيقُ عِنْدَهُمْ - أَيِ الْحَنَفِيَّةِ - فِي مَسَائِل الإِْكْرَاهِ، فَالإِْكْرَاهُ غَيْرُ الْمُلْجِئِ - كَالضَّرْبِ الْمُحْتَمَل، وَالْقَيْدِ، وَنَحْوِهِمَا - يُفْسِدُ الرِّضَا وَلَكِنَّهُ لاَ يُفْسِدُ الاِخْتِيَارَ، أَمَّا الإِْكْرَاهُ الْمُلْجِئُ فَإِنَّهُ يُعْدِمُ الرِّضَا وَيُفْسِدُ الاِخْتِيَارَ (٢) .
شُرُوطُ الاِخْتِيَارِ:
٥ - لِكَيْ يَكُونَ الاِخْتِيَارُ صَحِيحًا لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَنْ لَهُ الاِخْتِيَارُ مُكَلَّفًا، وَأَنْ يَكُونَ فِي قَصْدِهِ مُسْتَبِدًّا، أَيْ: لاَ سُلْطَانَ لأَِحَدٍ عَلَيْهِ. وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ الاِخْتِيَارَ يَكُونُ فَاسِدًا إِذَا اخْتَل شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ التَّكْلِيفِ، بِأَنْ كَانَ مَنْ لَهُ الاِخْتِيَارُ مَجْنُونًا، أَوْ صَغِيرًا غَيْرَ مُمَيِّزٍ، أَوْ كَانَ اخْتِيَارُهُ مَبْنِيًّا عَلَى اخْتِيَارِ غَيْرِهِ، فَإِذَا اضْطُرَّ إِلَى
_________
(١) كشف الأسرار ٤ / ١٥٠٣
(٢) كشف الأسرار ٤ / ١٥٠٣، وشرح المنار لابن ملك وحواشيه ص ٩٩٢ طبع المطبعة العثمانية سنة ١٣١٥ هـ، وبدائع الصنائع ٧ / ١٧٩ الطبعة الأولى
مُبَاشَرَةِ أَمْرٍ بِالإِْكْرَاهِ الْمُلْجِئِ، كَانَ قَصْدُهُ بِالْمُبَاشَرَةِ دَفْعَ الإِْكْرَاهِ حَقِيقَةً، فَيَصِيرُ الاِخْتِيَارُ فَاسِدًا؛ لاِبْتِنَائِهِ عَلَى اخْتِيَارِ الْمُكْرِهِ - بِالْكَسْرِ - وَإِنْ لَمْ يَنْعَدِمْ أَصْلًا (١) .
تَعَارُضُ الاِخْتِيَارِ الصَّحِيحِ مَعَ الاِخْتِيَارِ الْفَاسِدِ:
٦ - إِذَا تَعَارَضَ الاِخْتِيَارُ الْفَاسِدُ وَالاِخْتِيَارُ الصَّحِيحُ، وَجَبَ تَرْجِيحُ الاِخْتِيَارِ الصَّحِيحِ عَلَى الاِخْتِيَارِ الْفَاسِدِ إِنْ أَمْكَنَ نِسْبَةُ الْفِعْل إِلَى الاِخْتِيَارِ الصَّحِيحِ. وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ نِسْبَتُهُ إِلَى الاِخْتِيَارِ الصَّحِيحِ بَقِيَ مَنْسُوبًا إِلَى الاِخْتِيَارِ الْفَاسِدِ، كَمَا هُوَ الْحَال فِي الإِْكْرَاهِ عَلَى الأَْقْوَال وَعَلَى الأَْفْعَال الَّتِي لاَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا الإِْنْسَانُ آلَةً لِغَيْرِهِ، كَالأَْكْل وَالْوَطْءِ وَنَحْوِهِمَا (٢) . وَمَحَل تَفْصِيل ذَلِكَ بَحْثُ (إِكْرَاهٌ) .
الْمُخَيَّرُ:
٧ - التَّخْيِيرُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ صَادِرًا عَنِ الشَّارِعِ، كَتَخْيِيرِ الْمُسْتَنْجِي بَيْنَ اسْتِعْمَال الْمَاءِ أَوِ الْحِجَارَةِ وَنَحْوِهَا لِلاِسْتِنْجَاءِ، وَتَخْيِيرِ الْحَانِثِ فِي التَّكْفِيرِ عَنْ يَمِينِهِ بَيْنَ مَا تَضَمَّنَتْهُ الآْيَةُ مِنْ خِصَالٍ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ صَادِرًا عَنْ غَيْرِهِ كَتَخْيِيرِ الشَّرِيكِ شَرِيكَهُ بَيْنَ شِرَاءِ حِصَّتِهِ مِنَ الدُّكَّانِ أَوْ بَيْعِ حِصَّتِهِ لَهُ، أَوْ بَيْعِ الدُّكَّانِ كَامِلًا لِشَخْصٍ ثَالِثٍ.
وَلاَ يَمْلِكُ التَّخْيِيرَ إِلاَّ صَاحِبُ الْحَقِّ أَوْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ شَرْعًا. وَسَيَأْتِي الْكَلاَمُ عَلَى ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي مُصْطَلَحِ (تَخْيِيرٌ) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
_________
(١) كشف الأسرار ٤ / ١٥٠٣
(٢) شرح المنار وحواشيه ص ٩٩١
مَا يَرِدُ عَلَيْهِ الاِخْتِيَارُ:
٨ - أ - الْحُقُوقُ عَلَى نَوْعَيْنِ، حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى، وَحُقُوقُ الْعِبَادِ.
أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْوَاجِبِ الْمُعَيَّنِ كَالصَّلاَةِ وَمِنَ الْمُحَرَّمِ كَالزِّنَى، فَلاَ اخْتِيَارَ لِلْعَبْدِ فِيهَا مِنَ النَّاحِيَةِ التَّكْلِيفِيَّةِ. أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ كَالدَّيْنِ، وَالْهِبَةِ، وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَالأَْخْذِ بِالشُّفْعَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ لَهُ فِيهِ اخْتِيَارًا. قَال الشَّاطِبِيُّ: " مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ فَلاَ خِيَرَةَ فِيهِ لِلْمُكَلَّفِ عَلَى حَالٍ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ حَقِّ الْعَبْدِ فِي نَفْسِهِ فَلَهُ فِيهِ الْخِيَرَةُ (١) "، مِنْ حَيْثُ جَعَل اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ لاَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِالاِخْتِيَارِ (٢) .
ب - وَالتَّخْيِيرُ قَدْ يَرِدُ عَلَى شَيْئَيْنِ كِلاَهُمَا حَلاَلٌ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الاِخْتِيَارُ عَلَى أَيِّ الشَّيْئَيْنِ يُرِيدُهُ الْمُخَيِّرُ (بِكَسْرِ الْيَاءِ) .
وَقَدْ يَرِدُ عَلَى شَيْئَيْنِ كِلاَهُمَا مُحَرَّمٌ، فَإِذَا مَا أُكْرِهَ الْمُخَيَّرُ (بِفَتْحِ الْيَاءِ) عَلَى اخْتِيَارِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَزِمَهُ اخْتِيَارُ مَا كَانَ أَخَفَّ ضَرَرًا؛ لأَِنَّهُ يَرْتَكِبُ أَخَفَّ الضَّرَرَيْنِ لاِتِّقَاءِ أَشَدِّهِمَا (٣) . وَقَدْ يَرِدُ عَلَى شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا حَلاَلٌ وَالآْخَرُ حَرَامٌ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الاِخْتِيَارُ عَلَى غَيْرِ الْحَلاَل.
اشْتِرَاطُ الاِخْتِيَارِ لِتَرْتِيبِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ:
٩ - الاِخْتِيَارُ شَرْطٌ لِتَرَتُّبِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فِي
_________
(١) الموافقات ٢ / ٢٨٥، المطبعة الرحمانية.
(٢) الموافقات ٢ / ٢٧٨
(٣) الأشباه والنظائر لابن نجيم مع حاشية الحموي ص ١٢١، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٨٧ طبع البابي الحلبي.
الآْخِرَةِ، وَهُوَ شَرْطٌ لِتَرَتُّبِ الْعُقُوبَةِ عَلَى الْفِعْل فِي الدُّنْيَا، وَمَحَل بَحْثِ ذَلِكَ كُلِّهِ مُصْطَلَحُ (إِكْرَاهٌ) .
حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الاِخْتِيَارِ:
١٠ - شُرِعَ الاِخْتِيَارُ لِتَحْقِيقِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ الَّتِي هِيَ غَايَةٌ مِنْ غَايَاتِ الشَّرِيعَةِ، وَهَذِهِ الْمَصْلَحَةُ قَدْ تَكُونُ مَصْلَحَةً فَرْدِيَّةً لِلْمُخْتَارِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ عِنْدَمَا يَكُونُ مَحَل الاِخْتِيَارِ قَاصِرًا عَلَيْهِ لاَ يَتَعَدَّاهُ إِلَى غَيْرِهِ. وَقَدْ تَكُونُ الْمَصْلَحَةُ الَّتِي يَجِبُ تَوَخِّيهَا فِي الاِخْتِيَارِ مَصْلَحَةً جَمَاعِيَّةً.
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
١١ - اخْتِيَارُ الْمُسْتَنْجِي بَيْنَ اسْتِعْمَال الْمَاءِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَدَوَاتِ التَّطْهِيرِ، ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، بَابِ الاِسْتِنْجَاءِ.
وَاخْتِيَارُ الْمُنْفَرِدِ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالإِْسْرَارِ فِي الصَّلَوَاتِ الْجَهْرِيَّةِ، ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الصَّلاَةِ.
وَاخْتِيَارُ مَنْ رُخِّصَ لَهُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ بَيْنَ الْجَمْعِ وَعَدَمِهِ ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الصَّلاَةِ، بَابِ صَلاَةِ الْمُسَافِرِ.
وَاخْتِيَارُ الَّذِي قَرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ فِي الصَّلاَةِ بَيْنَ السُّجُودِ حَالًا وَالإِْرْجَاءِ، ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الصَّلاَةِ بَابِ سُجُودِ التِّلاَوَةِ.
وَاخْتِيَارُ الْحَاجِّ بَيْنَ الإِْفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، وَاخْتِيَارُهُ فِي فِدْيَةِ حَلْقِ الشَّعْرِ بَيْنَ الصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالنُّسُكِ، وَاخْتِيَارُهُ بَيْنَ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ فِي التَّحَلُّل مِنَ الإِْحْرَامِ، وَاخْتِيَارُهُ بَيْنَ التَّعَجُّل فِي يَوْمَيْنِ - مِنْ
أَيَّامِ مِنًى - وَبَيْنَ التَّأَخُّرِ، ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ.
وَاخْتِيَارُ دَافِعِ الزَّكَاةِ - عِنْدَ الْبَعْضِ - إِنْ لَمْ يَجِدِ السِّنَّ الْمَطْلُوبَةَ فِي زَكَاةِ الإِْبِل أَنْ يَدْفَعَ السِّنَّ الأَْدْنَى مَعَ دَفْعِ الْفَرْقِ - وَهُوَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ - أَوْ يَدْفَعُ السِّنَّ الأَْعْلَى مَعَ أَخْذِ الْفَرْقِ. كَمَا نَصُّوا عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.
وَاخْتِيَارُ الْمُسَافِرِ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ، عِنْدَ الْبَعْضِ، كَمَا ذَكَرُوا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ. - وَاخْتِيَارُ الْحَانِثِ بَيْنَ الإِْعْتَاقِ وَالْكِسْوَةِ وَالإِْطْعَامِ فِي الْكَفَّارَةِ كَمَا نَصُّوا عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الأَْيْمَانِ.
وَاخْتِيَارُ الزَّوْجِ فِي الطَّلاَقِ الرَّجْعِيِّ بَيْنَ إِرْجَاعِ زَوْجَتِهِ أَوْ بَتِّ طَلاَقِهَا، وَاخْتِيَارُ الزَّوْجَةِ الَّتِي خُيِّرَتْ بَيْنَ إِيقَاعِ الطَّلاَقِ وَعَدَمِهِ كَمَا هُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الطَّلاَقِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
وَاخْتِيَارُ الصَّغِيرِ عِنْدَ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحَضَانَةِ أَحَدَ وَالِدَيْهِ لِيَكُونَ مَعَهُ - عِنْدَ الْبَعْضِ - كَمَا هُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْحَضَانَةِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
وَاخْتِيَارُ صَاحِبِ الْحَقِّ بَيْنَ مُطَالَبَةِ الأَْصِيل أَوِ الْوَكِيل، أَوْ مُطَالَبَةِ أَيِّ الْكَفِيلَيْنِ شَاءَ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ، وَفِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
وَاخْتِيَارُ الصَّغِيرَةِ الْمُتَزَوِّجَةِ حِينَ بُلُوغِهَا بَيْنَ الْبَقَاءِ عَلَى النِّكَاحِ أَوْ فَسْخِهِ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي خِيَارِ الْبُلُوغِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
وَاخْتِيَارُ الأَْمَةِ الْمُتَزَوِّجَةِ إِذَا عَتَقَتْ بَيْنَ الْبَقَاءِ عَلَى النِّكَاحِ أَوْ فَسْخِهِ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي خِيَارِ الْعِتْقِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
وَالاِخْتِيَارُ يُبْحَثُ أَيْضًا " فِي الْعَيْبِ وَفِي تَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْخِيَارَاتِ الْعَقْدِيَّةِ.
وَاخْتِيَارُ مَنْ لَهُ الشُّفْعَةُ بَيْنَ الأَْخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَالتَّرْكِ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
وَاخْتِيَارُ الإِْمَامِ فِي الأَْرَاضِي الْمَفْتُوحَةِ عَنْوَةً بَيْنَ قِسْمَتِهَا وَوَقْفِهَا كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ بَابِ الْغَنَائِمِ.
وَاخْتِيَارُ الإِْمَامِ بَيْنَ التَّنْفِيل وَعَدَمِهِ فِي الْجِهَادِ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي بَابِهِ.
وَاخْتِيَارُ الإِْمَامِ بَيْنَ الإِْجَابَةِ إِلَى الْهُدْنَةِ وَعَدَمِهَا كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي الْعُقُوبَةَ الرَّادِعَةَ فِي التَّعْزِيرِ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي بَابِ التَّعْزِيرِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
اخْتِيَالٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِخْتِيَال فِي اللُّغَةِ يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْكِبْرِ، كَمَا يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْعُجْبِ، وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ هَذَيْنِ الإِْطْلاَقَيْنِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْكِبْرُ:
٢ - مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْكِبْرَ يَنْقَسِمُ إِلَى بَاطِنٍ، وَظَاهِرٍ
فَالْبَاطِنُ هُوَ خُلُقٌ فِي النَّفْسِ، وَالظَّاهِرُ هُوَ أَعْمَالٌ تَصْدُرُ عَنِ الْجَوَارِحِ. وَاسْمُ الْكِبْرِ بِالْخُلُقِ الْبَاطِنِ أَحَقُّ، وَأَمَّا الأَْعْمَال فَإِنَّهَا ثَمَرَاتٌ لِذَلِكَ الْخُلُقِ. وَخُلُقُ الْكِبْرِ مُوجِبٌ لِلأَْعْمَال، وَلِذَلِكَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى الْجَوَارِحِ يُقَال: تَكَبَّرَ، وَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ يُقَال: فِي نَفْسِهِ كِبْرٌ، فَالأَْصْل هُوَ الْخُلُقُ الَّذِي فِي النَّفْسِ، وَهُوَ الاِسْتِرْوَاحُ وَالرُّكُونُ إِلَى رُؤْيَةِ النَّفْسِ فَوْقَ الْمُتَكَبَّرِ عَلَيْهِ. وَلِهَذَا فَإِنَّ الْكِبْرَ يَسْتَدْعِي مُتَكَبَّرًا عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مُتَكَبِّرٌ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ غَيْرِهِ، وَهُوَ يَرَى نَفْسَهُ فَوْقَ هَذَا الْغَيْرِ فِي صِفَاتِ الْكَمَال، فَعِنْدَئِذٍ يَكُونُ مُتَكَبِّرًا، وَلاَ يَكْفِي أَنْ يَسْتَعْظِمَ نَفْسَهُ لِيَكُونَ مُتَكَبِّرًا، فَإِنَّهُ قَدْ يَسْتَعْظِمُ نَفْسَهُ، وَلَكِنَّهُ يَرَى غَيْرَهُ أَعْظَمَ مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ مِثْل نَفْسِهِ، فَلاَ يَتَكَبَّرُ عَلَيْهِ. وَلاَ يَكْفِي أَنْ يَسْتَحْقِرَ غَيْرَهُ. فَإِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَوْ رَأَى غَيْرَهُ مِثْل نَفْسِهِ لَمْ يَتَكَبَّرْ. بَل يَنْبَغِي لِيَكُونَ مُتَكَبِّرًا أَنْ يَرَى لِنَفْسِهِ مَرْتَبَةً وَلِغَيْرِهِ مَرْتَبَةً، ثُمَّ يَرَى مَرْتَبَةَ نَفْسِهِ فَوْقَ مَرْتَبَةِ غَيْرِهِ، فَعِنْدَ هَذِهِ الاِعْتِقَادَاتِ الثَّلاَثَةِ يَحْصُل فِيهِ خُلُقُ الْكِبْرِ. بَل إِنَّ هَذِهِ الْعَقِيدَةَ تُنْفَخُ فِيهِ، فَيَحْصُل فِي قَلْبِهِ اعْتِدَادٌ، وَهِزَّةٌ، وَفَرَحٌ، وَرُكُونٌ إِلَى مَا اعْتَقَدَهُ، وَعِزٌّ فِي نَفْسِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَتِلْكَ الْعِزَّةُ، وَالْهِزَّةُ، وَالرُّكُونُ إِلَى الْعَقِيدَةِ هُوَ خُلُقُ الْكِبْرِ (١) .
ب - الْعُجْبُ:
٣ - الْعُجْبُ فِي اللُّغَةِ هُوَ: الزُّهُوُّ، يُقَال رَجُل مُعْجَبٌ: يَعْنِي مَزْهُوٌّ بِمَا يَكُونُ مِنْهُ حَسَنًا أَوْ قَبِيحًا (٢) .
_________
(١) إحياء علوم الدين للغزالي ١١ / ١٨، ١٩
(٢) لسان العرب لابن منظور ٥ / ٥٨٢
وَأَصْل الْعُجْبِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ هُوَ حَمْدُ النَّفْسِ، وَنِسْيَانُ النِّعْمَةِ، وَهُوَ نَظَرُ الْعَبْدِ إِلَى نَفْسِهِ، وَأَفْعَالِهِ، وَيَنْسَى أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، فَيَحْسُنُ حَال نَفْسِهِ عِنْدَهُ، وَيَقِل شُكْرُهُ، وَيَنْسُبُ إِلَى نَفْسِهِ شَيْئًا هُوَ مِنْ غَيْرِهَا، وَهِيَ مَطْبُوعَةٌ عَلَى خِلاَفِهِ (١) .
ح - التَّبَخْتُرُ:
٤ - التَّبَخْتُرُ مِشْيَةٌ خَاصَّةٌ، وَهِيَ مِشْيَةُ الْمُتَكَبِّرِ الْمُعْجَبِ بِنَفْسِهِ. وَالتَّبَخْتُرُ آفَةٌ مِنَ الآْفَاتِ الْمُهْلِكَةِ؛ لأَِنَّهُ مَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِ الْعُجْبِ وَالْكِبْرِ.
٥ - وَهَذِهِ الأَْلْفَاظُ الْمُتَشَابِهَةُ يُفَرَّقُ بَيْنَهَا بِأَنَّ الْكِبْرَ يَكُونُ بِالْمَنْزِلَةِ، وَالْعُجْبَ يَكُونُ بِالْفَضِيلَةِ، فَالْمُتَكَبِّرُ يُجِل نَفْسَهُ، وَالْمُعْجَبُ يَسْتَكْثِرُ فَضْلَهُ (٢) . وَالْكِبْرُ يَسْتَلْزِمُ مُتَكَبَّرًا عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِذَلِكَ، أَمَّا الْعُجْبُ فَلاَ يَسْتَلْزِمُهُ؛ لأَِنَّ الْعُجْبَ صِفَةٌ نَفْسِيَّةٌ، فَقَدْ يُعْجَبُ الشَّخْصُ بِلُبْسِهِ أَوْ مِشْيَتِهِ أَوْ عِلْمِهِ. . . إِلَخْ. كَمَا أَنَّ الْعُجْبَ قَدْ يَحْدُثُ بِأَسْبَابِ الْكِبْرِ كَالْعِلْمِ، وَالْعَمَل، وَالنَّسَبِ، وَالْجَمَال، وَالْمَال. . . إِلَخْ، وَقَدْ يَحْدُثُ بِغَيْرِ أَسْبَابِ الْكِبْرِ كَعُجْبِهِ بِرَأْيِهِ الْخَطَأِ الَّذِي يُزَيَّنُ لَهُ بِجَهْلِهِ (٣) . وَالاِخْتِيَال أَحَدُ مَظَاهِرِ الْكِبْرِ، سَوَاءٌ فِي الْمَشْيِ، أَوِ الرُّكُوبِ، أَوِ اللِّبَاسِ، أَوِ الْبُنْيَانِ (٤) .
_________
(١) المدخل لابن الحاج ٣ / ٥٤
(٢) أدب الدنيا والدين للماوردي بهامش الكشكول للعاملي ص ١٨٢
(٣) إحياء علوم الدين ١١ / ٢٢
(٤) المرجع السابق.