الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 64

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

وَقَدْ يَكُونُ مُظْهِرًا لإِعْجَابِ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ، ذَلِكَ أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ الْعُجْبِ الْجَمَال، وَالْمَال. وَاللِّبَاسَ وَالرُّكُوبَ وَالْمَشْيَ مِنَ الْجَمَال وَالزِّينَةِ. وَكَذَلِكَ فَإِنَّ الْعُجْبَ آفَةٌ نَفْسِيَّةٌ تَحْتَاجُ إِلَى إِظْهَارِ آثَارِهَا، وَلِهَذَا فَقَدْ يَظْهَرُ الْعُجْبُ فِي صُورَةِ اخْتِيَالٍ فِي الْمَشْيِ أَوِ اللِّبَاسِ. . إِلَخْ. أَمَّا التَّبَخْتُرُ فَهُوَ مَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِ الْكِبْرِ، وَالْعُجْبِ، وَالاِخْتِيَال، وَهُوَ خَاصٌّ بِالْمَشْيِ، يُقَال: فُلاَنٌ يَمْشِي البَخْتَرَى، أَيْ مِشْيَةً حَسَنَةً. فَأَهْل هَذَا الْخُلُقِ مُلاَزِمُونَ لِلْفَخْرِ، وَالْخُيَلاَءِ. فَالْمَرِحُ مُخْتَالٌ فِي مِشْيَتِهِ.

صِفَةُ الاِخْتِيَال (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ):

٦ - الأَْصْل فِي الاِخْتِيَال أَنَّهُ حَرَامٌ، وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ، لِنَهْيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (ص) عَنْهُ، وَسَيَأْتِي دَلِيل كُل مَظْهَرٍ مِنْ مَظَاهِرِ الاِخْتِيَال عِنْدَ بَيَانِهِ. وَمَظَاهِرُ الاِخْتِيَال كَثِيرَةٌ، مِنْهَا الاِخْتِيَال فِي الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ، وَمِنْهَا الاِخْتِيَال فِي اللِّبَاسِ، وَمِنْهَا الاِخْتِيَال فِي الْبُنْيَانِ.

أ - الاِخْتِيَال فِي الْمَشْيِ:

٧ - الاِخْتِيَال فِي الْمَشْيِ يَحْدُثُ بِتَجَاوُزِ الإِْنْسَانِ حَدَّ الْقَصْدِ وَالاِعْتِدَال فِي مِشْيَتِهِ. وَالْقَصْدُ فِي الْمَشْيِ يَكُونُ بَيْنَ الإِْسْرَاعِ وَالْبُطْءِ. وَالْمَعْنَى أَنَّ الإِْنْسَانَ لاَ يُسْرِعُ فِي مِشْيَتِهِ بِأَنْ يَثِبَ وَثْبَ الشُّطَّارِ، لِقَوْلِهِ ﵇: سُرْعَةُ الْمَشْيِ مُذْهِبُ بِهَاءِ الْمُؤْمِنِ (١) كَمَا

_________

(١) حديث " سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن " أخرجه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة. قال في الميزان: " حديث منكر جدا " (فيض القدير ٤ / ١٠٤)

أَنَّهُ لاَ يُبْطِئُ فِي مِشْيَتِهِ بِحَيْثُ يَدِبُّ عَلَى الأَْرْضِ دَبِيبَ الْمُتَمَاوِتِينَ الْمُتَثَاقِلِينَ.

وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ بِالْقَصْدِ فِي الْمَشْيِ، فَقَال تَعَالَى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ (١)، كَمَا امْتَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ يَقْتَصِدُ فِي مِشْيَتِهِ وَلاَ يَتَجَاوَزُ الاِعْتِدَال بِقَوْلِهِ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَْرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا﴾ . (٢)

وَمِنْ ثَمَّ إِذَا تَجَاوَزَ الإِْنْسَانُ حَدَّ الاِعْتِدَال (٣) وَالْقَصْدِ فِي الْمَشْيِ يَكُونُ قَدْ وَقَعَ فِي الْمَحْظُورِ، وَهُوَ الاِخْتِيَال. وَالأَْصْل فِي تَحْرِيمِ الاِخْتِيَال فِي الْمَشْيِ وَأَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأَْرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَْرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَال طُولًا كُل ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ . (٤)

وَالْمُرَادُ بِالْمَرَحِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ هُوَ الْخُيَلاَءُ فِي الْمَشْيِ. وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ نَهَى عَنِ الْخُيَلاَءِ وَأَمَرَ بِالتَّوَاضُعِ. وَقَدِ اسْتَدَل الْعُلَمَاءُ بِالآْيَةِ عَلَى ذَمِّ الاِخْتِيَال. وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَعْقَبَ النَّهْيَ عَنِ الْمَرَحِ بِأَنَّ ذَلِكَ عَمَلٌ سَيِّئٌ مَكْرُوهٌ، فِي: ﴿كُل ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ فَهَذَا يَدُل عَلَى حَظْرِهِ وَتَحْرِيمِهِ، كَمَا أَنَّهُ قَرَنَهُ بِالزِّنَا وَالْقَتْل وَسَائِرِ الْكَبَائِرِ، فَدَل عَلَى أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ هَذِهِ الْكَبَائِرِ (٥) . وَمِنْ مَعَانِي الْمَرَحِ: الْكِبْرُ، وَتَجَاوُزُ الإِْنْسَانِ

_________

(١) سورة لقمان / ١٨

(٢) سورة الفرقان / ٦٣

(٣) تفسير القرطبي ٧ / ٢٦١

(٤) سورة الإسراء / ٣٧، ٣٨

(٥) تفسير القرطبي ٧ / ٢٦١

قَدْرَهُ، وَذَلِكَ مَذْمُومٌ (١)، وَمِنْ أَدِلَّةِ تَحْرِيمِهِ أَيْضًا مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ قَال: " مَنْ تَعَظَّمَ فِي نَفْسِهِ، وَاخْتَال فِي مِشْيَتِهِ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ (٢) ".

ب - الاِخْتِيَال فِي اللِّبَاسِ:

٨ - الاِخْتِيَال فِي اللِّبَاسِ يَحْدُثُ بِسَبَبِ تَجَاوُزِ حَدِّ الاِعْتِدَال وَالْقَصْدِ فِيهِ، مَعَ عَدَمِ وُجُودِ الدَّاعِيَةِ إِلَى ذَلِكَ (٣) . وَالنِّيَّةُ وَالْقَصْدُ هُمَا الأَْصْل فِي ذَلِكَ.

وَحَدُّ الاِعْتِدَال وَالْقَصْدِ فِي اللِّبَاسِ يَكُونُ بِاتِّبَاعِ مَا وَرَدَ فِي صِفَةِ اللِّبَاسِ مِنْ آثَارٍ صَحِيحَةٍ، وَاجْتِنَابِ مَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ. وَلِلْعُرْفِ مَدْخَلٌ فِي ذَلِكَ، مَا لَمْ يُلْغِهِ الشَّرْعُ.

وَفِي الْمَوَاهِبِ: مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل الْخُيَلاَءِ فَلاَ شَكَّ فِي تَحْرِيمِهِ، وَمَا كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْعَادَةِ فَلاَ تَحْرِيمَ فِيهِ، مَا لَمْ يَصِل إِلَى جَرِّ الذَّيْل الْمَمْنُوعِ مِنْهُ. وَنَقَل الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنِ الْعُلَمَاءِ كَرَاهَةَ كُل مَا زَادَ عَلَى الْعَادَةِ فِي اللِّبَاسِ لِمِثْل لاَبِسِهِ فِي الطُّول وَالسِّعَةِ (٤) .

_________

(١) المرجع السابق.

(٢) حديث " من تعظم في نفسه، واختال في مشيه. . . أخرجه أحمد في مسنده والبخاري في الأدب المفرد عن حديث عمر بن الخطاب، رمز السيوطي لحسنه وقال المناوي: هو كما قال، أو أعلى. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وقال المنذري: رراته محتج بهم في الصحيح (فيض القدير ٦ / ١٠٦)

(٣) ومن الدواعي التي تبيح الاختيال في اللباس داعي الحرب، أو أن يكون بغرض إظهار نعمة الله عليه فقط. كما سيأتي.

(٤) شرح الزرقاني على موطأ مالك ١ / ٢٧٣

مَا يَحِل مِنْ ثِيَابِ الزِّينَةِ وَلاَ يُعْتَبَرُ اخْتِيَالًا:

٩ - الأَْصْل فِي لُبْسِ الثِّيَابِ الْجَمِيلَةِ لِلتَّزَيُّنِ بِهَا الإِْبَاحَةُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ (١)﴾، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ يَدْخُل الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَال ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، فَقَال رَجُلٌ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ الرَّجُل مِنَّا يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَال ﵊: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَال، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَبَطَرُ الْحَقِّ هُوَ دَفْعُهُ وَإِنْكَارُهُ تَرَفُّعًا وَتَجَبُّرًا، قَالَهُ النَّوَوِيُّ. وَفِي الْقَامُوسِ: بَطَرُ الْحَقِّ أَنْ يَتَكَبَّرَ عِنْدَهُ فَلاَ يَقْبَلَهُ، وَالْغَمْطُ وَالْغَمْصُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ (٢) . وَقِيل غَمْصُ النَّاسِ احْتِقَارُهُمْ (٣) .

وَالْحَدِيثُ يَدُل عَلَى أَنَّ مَحَبَّةَ لُبْسِ الثَّوْبِ الْحَسَنِ، وَالنَّعْل الْحَسَنَةِ، وَتَخَيُّرَ اللِّبَاسِ الْجَمِيل، لَيْسَ مِنَ الْكِبْرِ فِي شَيْءٍ، قَال الشَّوْكَانِيُّ: وَهَذَا مِمَّا لاَ خِلاَفَ فِيهِ فِيمَا أَعْلَمُ (٤) .

وَفِي سُبُل السَّلاَمِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ (٥) وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَإِنَّهُ يُحِبُّ

_________

(١) سورة الأعراف / ٣٢

(٢) نيل الأوطار للشوكاني ٢ / ٩٢

(٣) أنوار البروق على هامش الفروق للقرافي ٤ / ٢٢٥

(٤) نيل الأوطار ٢ / ٩٢

(٥) حديث: " إن الله يحب. . " أخرجه الترمذي (١٠ / ٢٥٩ ط مطبعة الصاوي) عن ابن عمرو، وقال: حديث حسن، وفي الباب عن أبي الأحوص عن أبيه وعمران بن حصين.

أَنْ يَرَى أَثَرَهَا عَلَيْهِ فِي مَأْكَلِهِ، وَمَلْبَسِهِ، فَإِنَّهُ شُكْرٌ لِلنِّعْمَةِ؛ وَلأَِنَّهُ إِذَا رَآهُ الْمُحْتَاجُ فِي هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ قَصَدَهُ لِيَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ؛ وَلأَِنَّ بَذَاذَةَ الْهَيْئَةِ سُؤَالٌ وَإِظْهَارٌ لِلْفَقْرِ بِلِسَانِ الْحَال، وَلِذَا قِيل: وَلِسَانُ حَالِي بِالشِّكَايَةِ يَنْطِقُ وَقِيل: وَكَفَاكَ شَاهِدُ مَنْظَرِي عَنْ مَخْبَرِي (١)، وَقَدْ يَكُونُ التَّزَيُّنُ بِاللِّبَاسِ وَاجِبًا. كَتَوَقُّفِ تَنْفِيذِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، فِي نَحْوِ وُلاَةِ الأُْمُورِ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنَّ الْهَيْئَةَ الرَّثَّةَ لاَ تَحْصُل مَعَهَا مَصَالِحُ الْعَامَّةِ مِنْ وُلاَةِ الأُْمُورِ.

وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا، كَمَا فِي الصَّلَوَاتِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُل مَسْجِدٍ﴾ (٢)، وَفِي الْجَمَاعَاتِ؛ لِحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ، وَحَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَال. (٣) رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَكَمَا فِي الْحُرُوبِ لإِرْهَابِ الْعَدُوِّ، وَفِي الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا، وَفِي الْعُلَمَاءِ لِتَعْظِيمِ الْعِلْمِ فِي نُفُوسِ النَّاسِ، وَقَدْ قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أُحِبُّ أَنْ أَنْظُرَ إِلَى قَارِئِ الْقُرْآنِ أَبْيَضَ الثِّيَابِ. وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا إِذَا كَانَ وَسِيلَةً لِمُحَرَّمٍ، كَمَنْ يَتَزَيَّنُ لِلنِّسَاءِ الأَْجْنَبِيَّاتِ، وَكَمَنْ تَتَزَيَّنُ لِلرِّجَال

_________

(١) المدخل لابن الحاج ١ / ٤١، وسبل السلام للصنعاني شرح بلوغ المرام لابن حجر العسقلاني ٢ / ٨٦

(٢) سورة الأعراف / ٣١

(٣) حديث: " إن الله جميل. . . " أخرجه مسلم ١ / ٩٣ ط عيسى الحلبي، تحقيق محمد فواد عبد الباقي، كذلك أخرجه أحمد ٤ / ١٣٤ طبع المطبعة الميمنية.

الأَْجَانِبِ (١) .

إِطَالَةُ الْمَرْأَةِ ثِيَابَهَا:

١٠ - شُرِعَ لِلنِّسَاءِ إِسْبَال الإِْزَارِ وَالثِّيَابِ وَكُل مَا يَسْتُرُ جَمِيعَ أَبْدَانِهِنَّ. يَدُل عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ حِينَ ذَكَرَ الإِْزَارَ فَالْمَرْأَةُ يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: تُرْخِيهِ شِبْرًا. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: إِذَنْ يَنْكَشِفُ عَنْهَا. قَال: فَذِرَاعًا، لاَ تَزِدْ عَلَيْهِ (٢)، إِذْ بِهِ يَحْصُل أَمْنُ الاِنْكِشَافِ.

وَالْحَاصِل أَنَّ لَهَا حَالَةَ اسْتِحْبَابٍ، وَهُوَ قَدْرُ شِبْرٍ، وَحَالَةَ جَوَازٍ، بِقَدْرِ الذِّرَاعِ.

قَال الإِْمَامُ الزَّرْقَانِيُّ: وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُسْبِل إِزَارَهَا، أَيْ تَجُرَّهُ عَلَى الأَْرْضِ ذِرَاعًا. وَالْمُرَادُ ذِرَاعُ الْيَدِ - وَهُوَ شِبْرَانِ - لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَال: رَخَّصَ ﷺ لأُِمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ شِبْرًا، ثُمَّ اسْتَزَدْنَهُ فَزَادَهُنَّ شِبْرًا (٣) . فَدَل عَلَى أَنَّ الذِّرَاعَ الْمَأْذُونَ فِيهِ شِبْرَانِ. وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لأَِنَّ الْمَرْأَةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ إِلاَّ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا (٤) .

_________

(١) تهذيب الفروق ٤ / ٢٤٥، وابن عابدين ٥ / ٢٣١، وفتاوي البزاز الكردري بهامش الفتاوى الهندية ٥ / ٢٣١ و٦ / ٣٦٨

(٢) هذا لفظ الموطأ (بشرح الزرقاني ٤ / ٢٧٤) ورواه بألفاظ أخرى أبو داود والترمذي والنسائي (فيض القدير ٦ / ١١٣) وحديث الإزار هو " لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء)، متفق عليه من حديث ابن عمر (الفتح الكبير ٣ / ٣٧٢)

(٣) هكذا قال الزرقاني. وليس قوله " فزادهن شبرًا " في النسخة المطبوعة من سنن ابن ماجه.

(٤) المرجع السابق.

ج - الاِخْتِيَال فِي الرُّكُوبِ:

١١ - قَدْ يَكُونُ فِي اسْتِعْمَال الْمَرْكُوبِ وَاقْتِنَائِهِ خُيَلاَءَ، وَقَدْ يَكُونُ تَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ وَإِظْهَارًا لَهَا، مِثْلُهَا مِثْل الثِّيَابِ الْجَمِيلَةِ. وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَى كُل مُسْلِمٍ يَتَّخِذُ مَرْكُوبًا لِلزِّينَةِ أَلاَّ يَكُونَ قَاصِدًا بِهِ الْخُيَلاَءَ.

وَالأَْصْل فِي إِبَاحَةِ اتِّخَاذِ الْمَرْكُوبِ الْجَمِيل لِلزِّينَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِغَرَضِ الْخُيَلاَءِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (١)﴾، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٢)﴾ . وَهَذَا الْجَمَال وَالتَّزَيُّنُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا، فَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ ﷾ لِعِبَادِهِ فِيهِ (٣) .

د - الاِخْتِيَال فِي الْبُنْيَانِ:

١٢ - يُبَاحُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَّخِذَ لَهُ دَارًا يَسْكُنَهَا يَدْفَعَ بِهَا الْحَرَّ وَالْبَرْدَ وَالْمَطَرَ وَيَدْفَعَ بِهَا الأَْذَى وَالأَْعْيُنَ، وَيَنْبَغِي أَلاَّ يَقْصِدَ بِهَا الاِخْتِيَال أَوْ تُؤَدِّيَ إِلَيْهِ.

هـ - الاِخْتِيَال لإِرْهَابِ الْعَدُوِّ:

١٣ - مِنَ الاِخْتِيَال مَا يَكُونُ مَحْمُودًا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ الاِخْتِيَال لإِرْهَابِ الْعَدُوِّ الْكَافِرِ وَإِغَاظَتِهِ فِي الْمَلْبَسِ وَالْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ.

_________

(١) سورة النحل / ٨

(٢) سورة النحل / ٦

(٣) راجع أحكام القرآن لابن العربي ٢ / ١٢، وتفسير القرطبي ١٠ / ٧١ وما بعدها.

إِخْدَامٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْخْدَامُ لُغَةً: إِعْطَاءُ خَادِمٍ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى (٢) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - إِعْطَاءُ الْخَادِمِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الزَّوْجِ إِلَى زَوْجَتِهِ مِمَّنْ يُخْدَمُ مِثْلُهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ يَرَوْنَ أَنَّهُ يَجِبُ الإِْخْدَامُ عَلَى الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُخْدَمُ مِثْلُهَا، وَالإِْنْفَاقُ عَلَى خَادِمِهَا الَّذِي مَعَهَا لِحُصُول الْمَقْصُودِ بِذَلِكَ (٣) .

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٣ - يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ الإِْخْدَامَ فِي مَوَاضِعَ عِدَّةٍ: فَإِخْدَامُ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ يُذْكَرُ فِي أَبْوَابِ النَّفَقَاتِ، وَإِخْدَامُ الْمُفْلِسِ لِزَمَانَتِهِ - أَيْ إِنْ كَانَ مَرِيضًا مُزْمِنًا، وَيَحْتَاجُ فَضْلًا عَنِ النَّفَقَةِ إِلَى الْخَادِمِ، أَوْ إِنِ اقْتَضَى ذَلِكَ مَنْصِبُهُ - يُبْحَثُ فِي التَّفْلِيسِ، عِنْدَ الْحَدِيثِ عَمَّا يُفْعَل بِمَال الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِلْفَلَسِ، وَإِخْدَامُ الْمَحْبُوسِ فِي التَّفْلِيسِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ حَبْسِ الْفَلَسِ لِيُقِرَّ بِمَا عَلَيْهِ، أَوْ بِمَالٍ ثَبَتَ كِتْمَانُهُ.

_________

(١) المصباح المنير، وتاج العروس، ولسان العرب، والصحاح.

(٢) الشرح الكبير مع الدسوقي ٢ / ٥١٠، ٥١١ ط عيسى الحلبي.

(٣) البدائع ٥ / ٢٢١٥ ط الإمام، والشرح الكبير مع الدسوقي ٢ / ٥١٠ - ٥١١، والإقناع للشربيني ٤ / ١٥٢ ط محمد علي صبيح، والمغني ٩ / ٢٣٧ وما بعدها ط المنار الأولى.

إِخْرَاجٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْخْرَاجُ لُغَةً الدَّفْعُ مِنَ الدَّاخِل. وَهُوَ أَيْضًا الإِْبْعَادُ وَالتَّنْحِيَةُ (١) . وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كَذَلِكَ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

التَّخَارُجُ:

٢ - يُفَرِّقُ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ الإِْخْرَاجِ وَالتَّخَارُجِ، فَيَجْعَلُونَ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا فَيَخُصُّونَ التَّخَارُجَ بِتَصَالُحِ الْوَرَثَةِ عَلَى إِخْرَاجِ بَعْضِهِمْ مِنَ الْمِيرَاثِ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ مِنَ التَّرِكَةِ (٣) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ، وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٣ - مَا يَكُونُ بِهِ الإِْخْرَاجُ: يَتَبَيَّنُ مِنَ اسْتِقْرَاءِ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ إِخْرَاجَ كُل شَيْءٍ بِحَسْبِهِ:

أ - فَالإِْخْرَاجُ لِلإِْنْسَانِ الْقَائِمِ مِنَ الدَّارِ يَكُونُ بِإِخْرَاجِ قَدَمَيْهِ عِنْدَ الْبَعْضِ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ الآْخَرِ يَكُونُ بِإِخْرَاجِ إِحْدَى قَدَمَيْهِ إِنْ كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ قَاعِدًا يَكُونُ بِإِخْرَاجِ رِجْلَيْهِ وَبَدَنِهِ، وَإِنْ

_________

(١) لسان العرب مادة: خرج.

(٢) مغني المحتاج ٤ / ٣٣١ طبع مصطفى الحلبي.

(٣) شرح السراجية ص ١٢٧ طبع مصطفى الحلبي سنة ١٣٦٣ هـ.

كَانَ مُسْتَلْقِيًا يَكُونُ بِإِخْرَاجِ أَكْثَرِ بَدَنِهِ (١)، كَمَا فَصَّل ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الأَْيْمَانِ عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى الْيَمِينِ عَلَى الدُّخُول وَالْخُرُوجِ.

ب - وَالإِْخْرَاجُ مِنَ الْمَدِينَةِ يَكُونُ بِمُجَاوَزَةِ عُمْرَانِهَا بِبَدَنِهِ.

ج - وَالإِْخْرَاجُ مِنَ الدَّارِ الْمَسْكُونَةِ يَكُونُ بِإِخْرَاجِ السَّاكِنِ بِنَفْسِهِ وَمَتَاعِهِ وَعِيَالِهِ (٢) .

د - وَإِخْرَاجُ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ يَكُونُ بِتَمْلِيكِهَا لِلْفَقِيرِ عِنْدَ الْبَعْضِ، حَتَّى لَوْ تَلِفَتْ قَبْل ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ إِخْرَاجُهَا ثَانِيَةً. وَعِنْدَ الْبَعْضِ الآْخَرِ يَكُونُ إِخْرَاجُهَا بِالْعَزْل دُونَ اشْتِرَاطِ التَّمْلِيكِ، حَتَّى لَوْ تَلِفَتْ بَعْدَ الْعَزْل بِغَيْرِ تَعَدٍّ لَمْ يُكَلَّفِ الْمُزَكِّي إِخْرَاجَهَا ثَانِيَةً (٣)، كَمَا ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَفِي كِتَابِ الْكَفَّارَاتِ.

هـ - وَإِخْرَاجُ الْمَسْرُوقِ مِنَ الْحِرْزِ يَكُونُ بِإِخْرَاجِهِ ظَاهِرًا - أَيْ مُظْهَرًا - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ ظُهُورُهُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، فَمَنِ ابْتَلَعَ جَوْهَرَةً وَخَرَجَ بِهَا لاَ يُقْطَعُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَيُقْطَعُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ (٤)، كَمَا ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ.

_________

(١) الفتاوى الهندية ٢ / ٧٩ طبع بولاق، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٥ / ٢، ٣ ط دار إحياء التراث.

(٢) الفتاوى الهندية ٢ / ٧٨، ٧٩

(٣) انظر: حاشية الدسوقي ١ / ٥٠٢، ٥٠٣ ط عيسى البابي الحلبي، والمغني ٢ / ٦٨٦ طبع المنار الطبعة الثالثة، والمجموع ٦ / ٣٥ نشر مكتبة الإرشاد بجدة، وحاشية البجيرمي على الخطيب ٤ / ٣٠٧ نشر دار المعرفة، والأموال لأبي عبيد ص ٦٠١ ط مطبعة عبد اللطيف حجازي، والمحلي ٥ / ٢٦٤ ط المنيرية، ومصنف ابن أبي شيبة ١ / ١٣٧ ب مخطوط اسطنبول.

(٤) الفتاوى الهندية ٢ / ١٧١، ومواهب الجليل ٦ / ٣٠٨ نشر مكتبة النجاح - ليبيا.