الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢
وَيَجُوزُ التَّحَرِّي إِذَا كَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلْمُذَكَّاةِ كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ. وَكَذَلِكَ لَوْ اخْتَلَطَتْ زَوْجَتُهُ بِغَيْرِهَا فَلَيْسَ لَهُ الْوَطْءُ وَلاَ بِالتَّحَرِّي، وَمِثْل ذَلِكَ مَنْ طَلَّقَ إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ مُبْهِمًا، يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ قَبْل التَّعْيِينِ (١) . وَقَدْ يَكُونُ أَثَرُ الاِخْتِلاَطِ هُوَ الاِجْتِهَادَ وَالتَّحَرِّيَ غَالِبًا فَالأَْوَانِي إِذَا كَانَ بَعْضُهَا طَاهِرًا وَبَعْضُهَا نَجِسًا وَلَمْ تَتَمَيَّزْ، وَكَذَلِكَ الثِّيَابُ إِذَا اخْتَلَطَ الطَّاهِرُ بِالنَّجِسِ فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى لِلطَّهَارَةِ وَاللُّبْسِ (٢) . وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَقُول عَدَمُ التَّحَرِّي وَهُمُ الْحَنَابِلَةُ إِلاَّ بَعْضَهُمْ.
وَقَدْ يَكُونُ أَثَرُ الاِخْتِلاَطِ هُوَ الضَّمَانَ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا خَلَطَ الْمُودِعُ الْوَدِيعَةَ بِمَالِهِ وَلَمْ تَتَمَيَّزْ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لأَِنَّ الْخَلْطَ إِتْلاَفٌ (٣) . وَقَدْ يُعْتَبَرُ الاِخْتِلاَطُ إِبْطَالًا لِبَعْضِ الْعُقُودِ كَالْوَصِيَّةِ، فَمَنْ وَصَّى بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ خَلَطَهُ بِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لاَ يَتَمَيَّزُ مِنْهُ كَانَ رُجُوعًا فِي الْوَصِيَّةِ (٤) . وَمِنْ صُوَرِ الاِخْتِلاَطِ:
اخْتِلاَطُ الرِّجَال بِالنِّسَاءِ:
٤ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ اخْتِلاَطِ الرِّجَال بِالنِّسَاءِ بِحَسَبِ مُوَافَقَتِهِ لِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ أَوْ عَدَمِ مُوَافَقَتِهِ، فَيَحْرُمُ.
_________
(١) المراجع السابقة.
(٢) الأشباه لابن نجيم ١ / ١٤٦، والفتاوى الهندية١ / ٦٠ ط بولاق والفروق للقرافي٢ / ١٠١، والحطاب١ / ١٦٠ ط ليبيا والأشباه للسيوطي ص ١٠٧ والقواعد لابن رجب ص ٢٤١ والمغني ١ / ٥٠ ط المنار.
(٣) بدائع الصنائع ٦ / ٢١٣، والدسوقي ٣ / ٤٢٠، والقليوبي ٣ / ١٨٦، والمغني٧ / ٢٨١
(٤) القليوبي ٣ / ١٧٦، والمغني ٦ / ٤٨٧
الاِخْتِلاَطُ إِذَا كَانَ فِيهِ:
أ - الْخَلْوَةُ بِالأَْجْنَبِيَّةِ، وَالنَّظَرُ بِشَهْوَةٍ إِلَيْهَا.
ب - تَبَذُّل الْمَرْأَةِ وَعَدَمُ احْتِشَامِهَا.
ج - عَبَثٌ وَلَهْوٌ وَمُلاَمَسَةٌ لَلأَْبْدَانِ كَالاِخْتِلاَطِ فِي الأَْفْرَاحِ وَالْمَوَالِدِ وَالأَْعْيَادِ، فَالاِخْتِلاَطُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ مِثْل هَذِهِ الأُْمُورِ حَرَامٌ، لِمُخَالَفَتِهِ لِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ.
قَال تَعَالَى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ . . . ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ .
وَقَال تَعَالَى عَنِ النِّسَاءِ: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ وَقَال: ﴿إِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (١) . وَيَقُول النَّبِيُّ ﷺ: لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ (٢) وَقَال ﷺ لأَِسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ يَا أَسْمَاءُ إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلاَّ هَذَا وَهَذَا وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ (٣) .
كَذَلِكَ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُرْمَةِ لَمْسِ الأَْجْنَبِيَّةِ، إِلاَّ إِذَا كَانَتْ عَجُوزًا لاَ تُشْتَهَى فَلاَ بَأْسَ بِالْمُصَافَحَةِ. وَيَقُول ابْنُ فَرْحُونَ: فِي الأَْعْرَاسِ الَّتِي يَمْتَزِجُ فِيهَا الرِّجَال وَالنِّسَاءُ، لاَ تُقْبَل شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إِذَا كَانَ فِيهِ مَا حَرَّمَهُ الشَّارِعُ؛ لأَِنَّ بِحُضُورِهِنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ تَسْقُطُ عَدَالَتُهُنَّ.
وَيُسْتَثْنَى مِنَ الاِخْتِلاَطِ الْمُحَرَّمِ مَا يَقُومُ بِهِ الطَّبِيبُ مِنْ نَظَرٍ وَلَمْسٍ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ، وَالضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ.
_________
(١) سورة النور / ٣٠،٣١، وسورة الأحزاب / ٥٣
(٢) حديث: " لا يخلون. . . " أخرجه الترمذي (تحفة الأحوزي ٦ / ٣٨٤)
(٣) حديث: " يا أسماء " أخرجه أبو داود (عون المعبود ٤ / ١٠٦)
٥ - وَيَجُوزُ الاِخْتِلاَطُ إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ حَاجَةٌ مَشْرُوعَةٌ مَعَ مُرَاعَاةِ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَلِذَلِكَ جَازَ خُرُوجُ الْمَرْأَةِ لِصَلاَةِ الْجَمَاعَةِ وَصَلاَةِ الْعِيدِ، وَأَجَازَ الْبَعْضُ خُرُوجَهَا لِفَرِيضَةِ الْحَجِّ مَعَ رُفْقَةٍ مَأْمُونَةٍ مِنَ الرِّجَال.
كَذَلِكَ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ مُعَامَلَةُ الرِّجَال بِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَلَقَدْ سُئِل الإِْمَامُ مَالِكٌ عَنِ الْمَرْأَةِ الْعَزَبَةِ الْكَبِيرَةِ تَلْجَأُ إِلَى الرَّجُل، فَيَقُومُ لَهَا بِحَوَائِجِهَا، وَيُنَاوِلُهَا الْحَاجَةَ، هَل تَرَى ذَلِكَ لَهُ حَسَنًا؟ قَال: لاَ بَأْسَ بِهِ، وَلْيُدْخِل مَعَهُ غَيْرَهُ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَلَوْ تَرَكَهَا النَّاسُ لَضَاعَتْ، قَال ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا عَلَى مَا قَال إِذَا غَضَّ بَصَرَهُ عَمَّا لاَ يَحِل لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ (١) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٦ - الأَْشْيَاءُ الَّتِي يَتِمُّ فِيهَا الاِخْتِلاَطُ تَشْمَل مَوَاطِنَ مُتَعَدِّدَةً فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِل الْفِقْهِيَّةِ وَلِكُل مَسْأَلَةٍ حُكْمُهَا بِحَسَبِ أَثَرِ الاِخْتِلاَطِ فِيهَا وَمِنْ هَذِهِ الْمَوَاطِنِ: اخْتِلاَطُ الْمَغْصُوبِ بِغَيْرِهِ فِي بَابِ الْغَصْبِ. وَاخْتِلاَطُ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِهِمْ فِي بَابِ الْجَنَائِزِ. وَاخْتِلاَطُ الْحَادِثِ بِالْمَوْجُودِ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ. وَاخْتِلاَطُ الْمَاشِيَةِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ فِي بَابِ الزَّكَاةِ. وَاخْتِلاَطُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِي بَابِ الإِْيمَانِ. وَاخْتِلاَطُ النَّجِسِ بِالطَّاهِرِ فِي الْمَائِعَاتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٢٤٣ ط ثالثة والبدائع ٥ / ١٢٥ ط الجمالية والاختيار٤ / ١٥٤ - ١٥٦، والمغني ٣ / ٢٣٧ - ٣٧٢ و٢ / ٢٠٠ - ٢٠٤ و٦ / ٥٥٨، ومنتهى الإرادات ٣ / ٥ - ٧، والمهذب ١ / ٧١، ١٠٠، ١٢٦ و٢ / ٣٥، ومغني المحتاج ١ / ٤٦٧، ومنح الجليل ١ / ١٣٣، ٢٣١، ٢٧٥، ٤٣٩، ٤٨٤ و٣ / ٧٣٨، والمدخل لابن الحاج ١ / ٢٣٧، ٢٧٥ و٢ / ١٧، ٥٣، والتبصرة بهامش فتح العلي ١ / ٢٩٦
وَفِي الْمَوْضُوعِ فُرُوعٌ مُتَعَدِّدَةٌ. (ر: نَظَرٌ - خَلْوَةٌ - مَحْرَمٌ - أَجْنَبِيٌّ) .
اخْتِلاَفٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِخْتِلاَفُ لُغَةً: مَصْدَرُ اخْتَلَفَ. وَالاِخْتِلاَفُ نَقِيضُ الاِتِّفَاقِ. جَاءَ فِي اللِّسَانِ مَا مُفَادُهُ: اخْتَلَفَ الأَْمْرَانِ لَمْ يَتَّفِقَا. وَكُل مَا لَمْ يَتَسَاوَ فَقَدِ اخْتَلَفَ. وَالْخِلاَفُ: الْمُضَادَّةُ، وَخَالَفَهُ إِلَى الشَّيْءِ عَصَاهُ إِلَيْهِ، أَوْ قَصَدَهُ بَعْدَ أَنْ نَهَاهُ عَنْهُ. وَيُسْتَعْمَل الاِخْتِلاَفُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ وَكَذَلِكَ الْخِلاَفُ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْخِلاَفُ:
٢ - جَاءَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالدُّرِّ الْمُخْتَارِ وَحَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ، وَنَقَلَهُ التَّهَانُوِيُّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الْحَوَاشِي، التَّفْرِيقَ بَيْنَ (الاِخْتِلاَفِ) (وَالْخِلاَفِ) بِأَنَّ الأَْوَّل يُسْتَعْمَل فِي قَوْلٍ بُنِيَ عَلَى دَلِيلٍ، وَالثَّانِي فِيمَا لاَ دَلِيل عَلَيْهِ. وَأَيَّدَهُ التَّهَانُوِيُّ بِأَنَّ الْقَوْل الْمَرْجُوحَ فِي مُقَابَلَةِ الرَّاجِحِ يُقَال لَهُ خِلاَفٌ، لاَ اخْتِلاَفٌ. قَال: وَالْحَاصِل مِنْهُ ثُبُوتُ الضَّعْفِ فِي جَانِبِ الْمُخَالِفِ فِي (الْخِلاَفِ)، كَمُخَالَفَةِ الإِْجْمَاعِ، وَعَدَمِ ضَعْفِ جَانِبِهِ فِي (الاِخْتِلاَفِ) . (١)
_________
(١) فتح القدير ٦ / ٣٩٤، ط بولاق، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٣٣١ ط أولى.
وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلاَمِ بَعْضِ الأُْصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ عَدَمُ اعْتِبَارِ هَذَا الْفَرْقِ، بَل يَسْتَعْمِلُونَ أَحْيَانًا اللَّفْظَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ (١)، فَكُل أَمْرَيْنِ خَالَفَ أَحَدُهُمَا الآْخَرَ خِلاَفًا، فَقَدِ اخْتَلَفَا اخْتِلاَفًا. وَقَدْ يُقَال: إِنَّ الْخِلاَفَ أَعَمُّ مُطْلَقًا مِنَ الاِخْتِلاَفِ. وَيَنْفَرِدُ الْخِلاَفُ فِي مُخَالَفَةِ الإِْجْمَاعِ وَنَحْوِهِ. هَذَا وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ (التَّنَازُعَ) أَحْيَانَا بِمَعْنَى الاِخْتِلاَفِ.
ب - الْفُرْقَةُ، وَالتَّفَرُّقُ:
٣ - (الاِفْتِرَاقُ) (وَالتَّفَرُّقُ) (وَالْفُرْقَةُ) بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ كُل مَجْمُوعَةٍ مِنَ النَّاسِ وَحْدَهُمْ. فَفِي الْقَامُوسِ: الْفَرِيقُ الْقَطِيعُ مِنَ الْغَنَمِ، وَالْفَرِيقَةُ قِطْعَةٌ مِنَ الْغَنَمِ تَتَفَرَّقُ عَنْهَا فَتَذْهَبُ تَحْتَ اللَّيْل عَنْ جَمَاعَتِهَا. فَهَذِهِ الأَْلْفَاظُ أَخَصُّ مِنَ الاِخْتِلاَفِ.
الاِخْتِلاَفُ فِي الأُْمُورِ الاِجْتِهَادِيَّةِ (عِلْمُ الْخِلاَفِ)
حَقِيقَةُ الاِخْتِلاَفِ وَأَنْوَاعُهُ:
٤ - عَلَى الْمُجْتَهِدِ تَحْقِيقُ مَوْضِعِ الاِخْتِلاَفِ، فَإِنَّ نَقْل الْخِلاَفِ فِي مَسْأَلَةٍ لاَ خِلاَفَ فِيهَا خَطَأٌ، كَمَا أَنَّ نَقْل
_________
(١) انظر مثلا كلام الشاطبي في الموافقات ٤ / ١٦١ وما بعدها ط المكتبة التجارية، حيث يقول مثلا: " مراعاة الخلاف " ويقصد به ما فيه أدلة مختلف فيها. وانظر أيضا الفتاوى الهندية ٣ / ٣١٢، حيث يقول: " إن اختلف المتقدمون على قولين، ثم أجمع من بعدهم على أحد هذين القولين فهذا الإجماع هل يرفع الخلاف المتقدم "، فما عبر عنه أولا بالاختلاف عبر عنه ثانيا بالخلاف. فهما شيء واحد.
الْوِفَاقِ فِي مَوْضِعِ الْخِلاَفِ لاَ يَصِحُّ (١) فَلَيْسَ كُل تَعَارُضٍ بَيْنَ قَوْلَيْنِ يُعْتَبَرُ اخْتِلاَفًا حَقِيقًا بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الاِخْتِلاَفَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ اخْتِلاَفًا فِي الْعِبَارَةِ، أَوِ اخْتِلاَفَ تَنَوُّعٍ، أَوِ اخْتِلاَفَ تَضَادٍّ. وَهَذَا الأَْخِيرُ هُوَ الاِخْتِلاَفُ الْحَقِيقِيُّ.
٥ - أَمَّا الاِخْتِلاَفُ فِي الْعِبَارَةِ فَأَنْ يُعَبِّرَ كُلٌّ مِنَ الْمُخْتَلِفِينَ عَنِ الْمُرَادِ بِعِبَارَةٍ غَيْرِ عِبَارَةِ صَاحِبِهِ. مِثَال ذَلِكَ تَفْسِيرُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ. قَال بَعْضُهُمْ: هُوَ الْقُرْآنُ، وَقَال بَعْضُهُمْ: هُوَ الإِْسْلاَمُ. فَهَذَانِ الْقَوْلاَنِ مُتَّفِقَانِ، لأَِنَّ دِينَ الإِْسْلاَمِ هُوَ اتِّبَاعُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ. وَكَذَلِكَ قَوْل مَنْ قَال: هُوَ السُّنَّةُ وَالْجَمَاعَةُ.
٦ - وَأَمَّا اخْتِلاَفُ التَّنْوِيعِ، فَأَنْ يَذْكُرَ كُلٌّ مِنَ الْمُخْتَلِفِينَ مِنَ الاِسْمِ الْعَامِّ بَعْضَ أَنْوَاعِهِ عَلَى سَبِيل التَّمْثِيل وَتَنْبِيهِ الْمُسْتَمِعِ، لاَ عَلَى سَبِيل الْحَدِّ الْمُطَابِقِ لِلْمَحْدُودِ فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ. مِثَال ذَلِكَ تَفْسِيرُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ (٢) قَال بَعْضُهُمْ: السَّابِقُ الَّذِي يُصَلِّي أَوَّل الْوَقْتِ، وَالْمُقْتَصِدُ فِي أَثْنَائِهِ، وَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ الَّذِي يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ إِلَى الاِصْفِرَارِ. وَقِيل: السَّابِقُ الْمُحْسِنُ بِالصَّدَقَةِ، وَالْمُقْتَصِدُ بِالْبَيْعِ، وَالظَّالِمُ بِأَكْل الرِّبَا (٣) .
وَاخْتِلاَفُ التَّنَوُّعِ فِي الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ قَدْ يَكُونُ فِي الْوُجُوبِ تَارَةً وَفِي الاِسْتِحْبَابِ أُخْرَى: فَالأَْوَّل مِثْل أَنْ يَجِبَ عَلَى قَوْمٍ الْجِهَادُ، وَعَلَى قَوْمٍ الصَّدَقَةُ، وَعَلَى قَوْمٍ تَعْلِيمُ الْعِلْمِ. وَهَذَا يَقَعُ فِي فُرُوضِ
_________
(١) الموافقات ٤ / ٢١٥
(٢) سورة فاطر / ٣٢
(٣) مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية في مجموع فتاوى ابن تيمية ١٣ / ٣٣٧، والموافقات للشاطبي ٤ / ٢١٤
الأَْعْيَانِ كَمَا مُثِّل. وَفِي فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَلَهَا تَنَوُّعٌ يَخُصُّهَا، وَهُوَ أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ لَمْ يَقُمْ بِهَا غَيْرُهُ: فَقَدْ تَتَعَيَّنُ فِي وَقْتٍ، أَوْ مَكَانٍ، وَعَلَى شَخْصٍ أَوْ طَائِفَةٍ كَمَا يَقَعُ مِثْل ذَلِكَ فِي الْوِلاَيَاتِ وَالْجِهَاتِ وَالْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ.
قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَكَذَلِكَ كُل تَنَوُّعٍ فِي الْوَاجِبَاتِ يَقَعُ مِثْلُهُ فِي الْمُسْتَحَبَّاتِ (١) .
٧ - وَقَدْ نَظَرَ الشَّاطِبِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَحَصَرَ الْخِلاَفَ غَيْرَ الْحَقِيقِيِّ فِي عَشَرَةِ أَنْوَاعٍ.
مِنْهَا: مَا تَقَدَّمَ مِنَ الاِخْتِلاَفِ فِي الْعِبَارَةِ.
وَمِنْهَا: أَنْ لاَ يَتَوَارَدَ الْخِلاَفُ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ (٢) .
وَمِنْهَا: اخْتِلاَفُ أَقْوَال الإِْمَامِ الْوَاحِدِ، بِنَاءً عَلَى تَغَيُّرِ الاِجْتِهَادِ، وَالرُّجُوعِ عَمَّا أَفْتَى بِهِ أَوَّلًا.
وَمِنْهَا: أَنْ يَقَعَ الاِخْتِلاَفُ فِي الْعَمَل لاَ فِي الْحُكْمِ، بِأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْعَمَلَيْنِ جَائِزًا، كَاخْتِلاَفِ الْقُرَّاءِ فِي وُجُوهِ الْقِرَاءَاتِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقْرَءُوا بِمَا قَرَءُوا بِهِ عَلَى إِنْكَارِ غَيْرِهِ، بَل عَلَى إِجَازَتِهِ وَالإِْقْرَارِ بِصِحَّتِهِ، فَهَذَا لَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ بِاخْتِلاَفٍ، فَإِنَّ الْمَرْوِيَّاتِ عَلَى الصِّحَّةِ لاَ خِلاَفَ فِيهَا، إِذِ الْكُل مُتَوَاتِرٌ.
وَهَذِهِ الأَْنْوَاعُ السَّابِقَةُ تَقَعُ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وَفِي اخْتِلاَفِهِمْ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ فِي فَتَاوَى الأَْئِمَّةِ وَكَلاَمِهِمْ فِي مَسَائِل الْعِلْمِ. وَهِيَ أَنْوَاعٌ - وَإِنْ سُمِّيَتْ خِلاَفًا - إِلاَّ أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الْوِفَاقِ (٣) .
_________
(١) مجموع الفتاوى الكبرى ١٩ / ١١٦ - ١٢١
(٢) الموافقات ٤ / ٢١٦، وانظر لتحقيق المسألة: العضد على مختصر ابن الحاجب.
(٣) الموافقات ٤ / ٢١٧
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلاِخْتِلاَفِ بِحَسَبِ أَنْوَاعِهِ:
أُمُورُ الدِّينِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِيهَا الْخِلاَفُ إِمَّا أُصُول الدِّينِ أَوْ فُرُوعُهُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إِمَّا أَنْ يَثْبُتَ بِالأَْدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ أَوْ لاَ. فَهِيَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ:
٨ - النَّوْعُ الأَْوَّل: أُصُول الدِّينِ الَّتِي تَثْبُتُ بِالأَْدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ، كَوُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَهَذِهِ أُمُورٌ لاَ مَجَال فِيهَا لِلاِخْتِلاَفِ، مَنْ أَصَابَ الْحَقَّ فِيهَا فَهُوَ مُصِيبٌ، وَمَنْ أَخْطَأَهُ فَهُوَ كَافِرٌ (١) .
٩ - النَّوْعُ الثَّانِي: بَعْضُ مَسَائِل أُصُول الدِّينِ، مِثْل مَسْأَلَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ فِي الآْخِرَةِ، وَخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَخُرُوجِ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ النَّارِ، وَمَا يُشَابِهُ ذَلِكَ، فَقِيل يَكْفُرُ الْمُخَالِفُ، وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيُّ. فَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى كُفْرَانِ النِّعَمِ (٢) .
وَشَرْطُ عَدَمِ التَّكْفِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمُخَالِفُ مُصَدِّقًا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ. وَالتَّكْذِيبُ الْمُكَفِّرُ أَنْ يَنْفِيَ وُجُودَ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُول وَيَزْعُمَ أَنَّ مَا قَالَهُ كَذِبٌ مَحْضٌ أَرَادَ بِهِ صَرْفَ النَّاسِ عَنْ شَيْءٍ يُرِيدُهُ، كَذَا قَال الْغَزَالِيُّ (٣) .
١٠ - النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْفُرُوعُ الْمَعْلُومَةُ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كَفَرْضِيَّةِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَحُرْمَةِ الزِّنَا، فَهَذَا لَيْسَ مَوْضِعًا لِلْخِلاَفِ. وَمَنْ خَالَفَ فِيهِ
_________
(١) فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة.
(٢) إرشاد الفحول ص٢٦٠ ط مصطفى الحلبي وكشف الخفاء ١ / ٦٥، والمغني ٢ / ٤١٧ ط الأولى بالمنار.
(٣) فيصل التفرقة للغزالي.
فَقَدْ كَفَرَ (١) .
١١ - النَّوْعُ الرَّابِعُ: الْفُرُوعُ الاِجْتِهَادِيَّةُ الَّتِي قَدْ تَخْفَى أَدِلَّتُهَا. فَهَذِهِ الْخِلاَفُ فِيهَا وَاقِعٌ فِي الأُْمَّةِ. وَيُعْذَرُ الْمُخَالِفُ فِيهَا؛ لِخَفَاءِ الأَْدِلَّةِ أَوْ تَعَارُضِهَا، أَوِ الاِخْتِلاَفِ فِي ثُبُوتِهَا. وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الْمُرَادُ فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ إِذَا قَالُوا: فِي الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ. وَهُوَ مَوْضُوعُ هَذَا الْبَحْثِ عَلَى أَنَّهُ الْخِلاَفُ الْمُعْتَدُّ بِهِ فِي الأُْمُورِ الْفِقْهِيَّةِ.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ فَخَالَفَهُ، فَإِنَّهُ مَعْذُورٌ بَعْدَ بَذْل الْجَهْدِ، وَيُعْذَرُ أَتْبَاعُهُ فِي تَرْكِ رَأْيِهِ أَخْذًا بِالدَّلِيل الصَّحِيحِ الَّذِي تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ (٢) .
فَهَذَا النَّوْعُ لاَ يَصِحُّ اعْتِمَادُهُ خِلاَفًا فِي الْمَسَائِل الشَّرْعِيَّةِ، لأَِنَّهُ اجْتِهَادٌ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا، وَإِنَّمَا يُعَدُّ فِي مَسَائِل الْخِلاَفِ الأَْقْوَال الصَّادِرَةُ عَنْ أَدِلَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ فِي الشَّرِيعَةِ (٣) .
أَدِلَّةُ جَوَازِ الاِخْتِلاَفِ فِي الْمَسَائِل الْفَرْعِيَّةِ:
١٢ - أَوَّلًا: مَا وَقَعَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ: رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الأَْحْزَابِ: لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِي الطَّرِيقِ. فَقَال بَعْضُهُمْ: لاَ نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا.
_________
(١) إرشاد الفحول ص ٢٦١ ط مصطفي الحلبي.
(٢) مستخلص من رسالة ابن تيمية " رفع الملام عن الأئمة الأعلام " مطبوعة مع مجموع فتاوى ابن تيمية ١٩ / ٢٣٢، ٢٥٠ - ٢٥٧
(٣) الموافقات ٤ / ١٦٨
وَقَال بَعْضُهُمْ: بَل نُصَلِّي، لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ (١) .
ثَانِيًا: اتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ فِي مَسَائِل تَنَازَعُوا فِيهَا عَلَى إِقْرَارِ كُل فَرِيقٍ لِلْفَرِيقِ الآْخَرِ عَلَى الْعَمَل بِاجْتِهَادِهِمْ، كَمَسَائِل فِي الْعِبَادَاتِ وَالنِّكَاحِ وَالْمَوَارِيثِ وَالْعَطَاءِ وَالسِّيَاسَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (٢) .
الاِخْتِلاَفُ فِيمَا لاَ فَائِدَةَ فِيهِ:
١٣ - قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: قَدْ يَقَعُ الاِخْتِلاَفُ فِي أَلْفَاظٍ مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ مَا لاَ مُسْتَنَدَ لَهُ مِنَ النَّقْل عَنِ الرَّسُول ﷺ أَوْ بِنَقْلٍ لاَ يُمْكِنُ تَمْيِيزُ الصَّحِيحِ مِنْهُ مِنَ الضَّعِيفِ، وَدُونَ اسْتِدْلاَلٍ مُسْتَقِيمٍ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الاِخْتِلاَفِ لاَ فَائِدَةَ مِنَ الْبَحْثِ عَنْهُ، وَالْكَلاَمُ فِيهِ مِنْ فُضُول الْكَلاَمِ. وَأَمَّا مَا يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ نَصَبَ عَلَى الْحَقِّ فِيهِ دَلِيلًا.
فَمِثَال مَا لاَ فَائِدَةَ فِيهِ اخْتِلاَفُهُمْ فِي أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَفِي الْبَعْضِ الَّذِي ضَرَبَ بِهِ مُوسَى مِنَ الْبَقَرَةِ، وَمِقْدَارِ سَفِينَةِ نُوحٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَهَذِهِ الأُْمُورُ طَرِيقُ الْعِلْمِ بِهَا النَّقْل. فَمَا كَانَ مِنْ هَذَا مَنْقُولًا نَقْلًا صَحِيحًا، كَاسْمِ صَاحِبِ مُوسَى أَنَّهُ الْخَضِرُ، فَهَذَا مَعْلُومٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَل كَانَ مِمَّا يُنْقَل عَنْ أَهْل الْكِتَابِ كَكَعْبٍ وَوَهْبٍ، فَهَذَا لاَ يَجُوزُ تَصْدِيقُهُ وَلاَ تَكْذِيبُهُ إِلاَّ بِحُجَّةٍ (٣) .
_________
(١) فتح الباري ٧ / ٣٢٨ ط عبد الرحمن محمد.
(٢) مجموع الفتاوى لابن تيمية ٩ / ١٢٣
(٣) مقدمة في أصول التفسير ص ١٣ وما بعدها ط مطبعة الترقي بدمشق.