الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 57

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِحْرَامُ الرَّجُل فِي رَأْسِهِ، وَإِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا. (١)

وَلاَ بَأْسَ بِاخْتِضَابِ الْمَرْأَةِ بِالْحِنَّاءِ وَنَحْوِهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَال: كَانَتْ عَائِشَةُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ يَخْتَضِبْنَ بِالْحِنَّاءِ وَهُنَّ حُرُمٌ.

(٢) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ لِلرَّجُل الاِخْتِضَابُ بِالْحِنَّاءِ وَنَحْوِهِ حَال الإِْحْرَامِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ جَسَدِهِ، مَا عَدَا الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فَيَحْرُمُ خَضْبُهُمَا بِغَيْرِ حَاجَةٍ.

وَكَرِهُوا لِلْمَرْأَةِ الاِخْتِضَابَ بِالْحِنَّاءِ وَنَحْوِهِ حَال الإِْحْرَامِ، إِلاَّ إِذَا كَانَتْ مُعْتَدَّةً مِنْ وَفَاةٍ فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا ذَلِكَ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا الاِخْتِضَابُ إِذَا كَانَ نَقْشًا، وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مُعْتَدَّةٍ (٣) .

وَقَال الأَْحْنَافُ وَالْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَخْتَضِبَ بِالْحِنَّاءِ وَنَحْوِهِ فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنَ الْبَدَنِ سَوَاءٌ أَكَانَ رَجُلًا أَمِ امْرَأَةً؛ لأَِنَّهُ طِيبٌ وَالْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِنَ الطِّيبِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لأُِمِّ سَلَمَةَ: لاَ تَطَيَّبِي وَأَنْتِ مُحْرِمَةٌ وَلاَ

_________

(١) حديث " إحرام الرجل. . . " ذكره القاضي أبو يعلي (المغني المطبوع مع الشرح الكبير ٢ / ٢٦٨ - ٢٦٩ ط ١٣٩٢ هـ) ولم نعثر عليه بهذا اللفظ في مظانه من كتب الحديث وأخرجه الحاكم في تاريخه من حديث ابن عمر بلفظ " حرم الرجل في وجهه ورأسه وحرم المرأة في رأسها " (كنز العمال

(٢) المغني والشرح الكبير ٣ / ٢٦٨، ٢٦٩ ط المنار. والحديث رواه الطبراني في الكبير ولفظه " كان نساء رسول الله ﷺ يختضبن وهن محرمات " وفيه يعقوب مختلف فيه. (تلخيص الحبير ٢ / ٢٨١ - ٢٨٢)

(٣) شرح روض الطالب ١ / ٥٠٩

تَمَسِّي الْحِنَّاءَ فَإِنَّهُ طِيبٌ. (١)

اخْتِطَاطٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِخْتِطَاطُ مَصْدَرُ اخْتَطَّ. وَاخْتِطَاطُ الأَْرْضِ هُوَ أَنْ يُعَلِّمَ عَلَيْهَا عَلاَمَةً بِالْخَطِّ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ قَدِ احْتَازَهَا لِيَنْتَفِعَ بِهَا. وَاخْتَطَّ فُلاَنٌ خُطَّةً إِذَا تَحَجَّرَ مَوْضِعًا وَخَطَّ عَلَيْهِ بِجِدَارٍ.

وَكُل مَا حَظَرْتَهُ فَقَدْ خَطَطْتَ عَلَيْهِ. وَالْخُطَّةُ: الأَْرْضُ يَخْتَطُّهَا الرَّجُل فِي أَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ لِيَتَحَجَّرَهَا وَيَبْنِيَ فِيهَا، وَذَلِكَ إِذَا أَذِنَ السُّلْطَانُ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخْتَطُّوا الدُّورَ فِي مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ، وَيَتَّخِذُوا فِيهِ مَسَاكِنَ لَهُمْ، كَمَا فَعَلُوا بِالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَغْدَادَ (٢)

وَمَعْنَى الاِخْتِطَاطِ الْوَارِدِ فِي اللُّغَةِ هُوَ مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ الْفُقَهَاءُ بِالتَّحْجِيرِ أَوِ الاِحْتِجَارِ بِقَصْدِ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ (٣) . وَتَفْصِيل أَحْكَامِهِ هُنَاكَ (ر: إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ) .

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٢٠٢ وحاشية الدسوقي٢ / ٦٠ ط الحلبي، وحديث " لا تطيبي وأنت محرمة. . . " رواه الطبراني من حديث أم سليم. وأخرجه البيهقي وأعله بابن لهيعة. لكن أخرجه النسائي من وجه آخر سلم منه (الدراية ٢ / ٣٩، وتلخيص الحبير ٢ / ٢٨٢

(٢) لسان العرب، وتاج العروس، والمصباح المنير، والنهاية لابن الأثير ٢ / ٤٨

(٣) طلبة الطلبة ص ١٥٦، ومغني المحتاج ٢ / ٣٦٦ ط الحلبي، ومنح الجليل ٤ / ١٩ نشر مكتبة النجاح في ليبيا، والمغني ٥ / ٥٦٩، نشر المكتبة الحديثة بالرياض.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - الاِخْتِطَاطُ كَمَا تَبَيَّنَ يُرَادِفُهُ التَّحْجِيرُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَالتَّحْجِيرُ لاَ يُعْتَبَرُ إِحْيَاءً، إِنَّمَا هُوَ شُرُوعٌ فِي الإِْحْيَاءِ.

وَلِذَلِكَ لاَ يَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ، وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ الْمُتَحَجِّرِ مِنَ الْمَوَاتِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْمُتَحَجِّرُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِذَا لَمْ يُعْمِرْ كَانَ غَيْرُهُ أَحَقَّ بِهِ. (١) وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ.

اخْتِطَافٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِخْتِطَافُ: أَخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ وَاسْتِلاَبٍ (٢) . وَيَقُول بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: الاِخْتِطَافُ هُوَ الاِخْتِلاَسُ (٣)، وَالاِخْتِلاَسُ هُوَ أَخْذُ الشَّيْءِ عَلاَنِيَةً بِسُرْعَةٍ (٤) .

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الاِخْتِطَافِ وَالاِغْتِصَابِ وَالسَّرِقَةِ وَالْحِرَابَةِ وَالْخِيَانَةِ كَالْفَرْقِ بَيْنَ الاِخْتِلاَسِ وَبَيْنَ هَذِهِ الْمُصْطَلَحَاتِ، (ر: اخْتِلاَسٌ) .

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٢٨٧، ومغني المحتاج ٢ / ٣٦٦، والمغني ٥ / ٥٦٩، ومنح الجليل ٤ / ١٩

(٢) انظر: المغرب، وتاج العروس (خطف) .

(٣) الدر المختار بحاشية ابن عابدين ٣ / ١١٩ ط بولاق الأولى، والمطلع على أبواب المقنع ص ٣٧٥

(٤) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٣٧، ١٩٩

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ قَطْعَ عَلَى الْمُخْتَطِفِ؛ لأَِنَّ الاِخْتِلاَسَ وَالاِخْتِطَافَ وَاحِدٌ، وَلاَ قَطْعَ عَلَى الْمُخْتَلِسِ (١)؛ لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلاَ مُنْتَهِبٍ وَلاَ مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ. (٢) وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ الاِخْتِطَافِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ - بَابُ حَدِّ السَّرِقَةِ.

اخْتِفَاءٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْخْفَاءُ لُغَةً السَّتْرُ وَالْكِتْمَانُ. وَفِي التَّنْزِيل: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لاَ يُبْدُونَ لَكَ﴾ . (٣) فَهُوَ مُتَعَدٍّ، بِخِلاَفِ الاِخْتِفَاءِ بِمَعْنَى التَّوَارِي، فَإِنَّهُ لاَزِمٌ وَمُطَاوِعٌ لِلإِْخْفَاءِ (٤) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الإِْسْرَارُ:

٢ - الإِْسْرَارُ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا هُوَ الإِْخْفَاءُ. وَقَدْ يَأْتِي

_________

(١) تبيين الحقائق ٣ / ٢١٧ ط طبع بولاق، والشرح الصغير ٤ / ٤٧٦، والمهذب ٢ / ٢٧٧

(٢) حديث " ليس على خائن. . . " أخرجه الترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه في حد السرقة، وأحمد وابن حبان، واللفظ للترمذي، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال ابن حجر: رواته ثقات إلا أنه معلول (فيض القدير ٥ / ٣٦٩، والدراية ٢ / ١١٠)

(٣) سورة آل عمران / ١٥٤

(٤) لسان العرب، والمصباح المنير (خفى) والفروق في اللغة ص٥٤

بِمَعْنَى الإِْظْهَارِ أَيْضًا كَمَا قَال بَعْضُهُمْ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ أَيْ أَظْهَرُوهَا، فَهُوَ مِنَ الأَْضْدَادِ (١) .

ب - النَّجْوَى:

٣ - النَّجْوَى اسْمٌ لِلْكَلاَمِ الْخَفِيِّ الَّذِي تُنَاجِي بِهِ صَاحِبَكَ، كَأَنَّكَ تَرْفَعُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَصْل الْكَلِمَةِ الرِّفْعَةُ، وَمِنْهُ النَّجْوَةُ مِنَ الأَْرْضِ، وَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى تَكْلِيمَ مُوسَى ﵇ مُنَاجَاةً، لأَِنَّهُ كَانَ كَلاَمًا أَخْفَاهُ عَنْ غَيْرِهِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الإِْخْفَاءِ أَنَّ النَّجْوَى لاَ تَكُونُ إِلاَّ كَلاَمًا، أَمَّا الإِْخْفَاءُ فَيَكُونُ لِلْكَلاَمِ وَالْعَمَل كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، فَالْعَلاَقَةُ بَيْنَهُمَا الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ (٢) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

يَتَعَدَّدُ الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ لِلإِْخْفَاءِ بِحَسَبِ الْمَوَاطِنِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا:

أ - إِخْفَاءُ النِّيَّةِ:

٤ - لَمْ يُؤْثَرْ عَنِ الرَّسُول ﷺ وَأَصْحَابِهِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّلَفُّظِ بِالنِّيَّةِ، وَلِهَذَا اسْتُحِبَّ إِخْفَاؤُهَا، لأَِنَّ مَحَلَّهَا الْقَلْبُ وَلأَِنَّ حَقِيقَتَهَا الْقَصْدُ مُطْلَقًا، وَخُصَّتْ فِي الشَّرْعِ بِالإِْرَادَةِ الْمُتَوَجِّهَةِ نَحْوَ الْفِعْل مُقْتَرِنَةً بِهِ ابْتِغَاءَ رِضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَامْتِثَال حُكْمِهِ.

_________

(١) لسان العرب (سرر) وانظر في تفسير الآية الفخر الرازي ١٧ / ١١١

(٢) الفروق في اللغة ص٥٤

وَقِيل: يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِهَا بِاللِّسَانِ (١) .

لَكِنْ لِلنِّيَّةِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ حُكْمٌ خَاصٌّ فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: يُسَنُّ التَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ رَأْيٌ لِلْمَالِكِيَّةِ: يُسْتَحَبُّ النُّطْقُ بِمَا جَزَمَ بِهِ لِيَزُول الاِلْتِبَاسُ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي رَأْيٍ لَهُمْ: إِنَّ تَرْكَ التَّلَفُّظِ بِهَا أَفْضَل وَفِي رَأْيٍ آخَرَ كَرَاهَةُ التَّلَفُّظِ بِهَا (٢) . وَقِيل يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِاللِّسَانِ. وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (نِيَّةٌ) .

ب - إِخْفَاءُ الصَّدَقَةِ وَالزَّكَاةِ:

٥ - نَقَل الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ الإِْجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الإِْخْفَاءَ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أَفْضَل، وَالإِْعْلاَنَ فِي صَدَقَةِ الْفَرْضِ أَفْضَل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٣) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ. (٤)

وَقَال ابْنُ عَطِيَّةَ: يُشْبِهُ فِي زَمَانِنَا أَنْ يَكُونَ الإِْخْفَاءُ بِصَدَقَةِ الْفَرْضِ (الزَّكَاةِ) أَفْضَل، فَقَدْ كَثُرَ الْمَانِعُ لَهَا، وَصَارَ إِخْرَاجُهَا عُرْضَةً لِلرِّيَاءِ (٥) . وَقِيل: إِنْ كَانَ الْمُتَصَدِّقُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ وَيُتْبَعُ، وَسَلِمَ

_________

(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ٤٨، والأشباه والنظائر للسيوطي ١ / ٢٦، وابن عابدين ١ / ٧٤، والحطاب ١ / ٥١٥، والمغني ٢ / ٦٣٨، ٢٣٩ نشر المكتبة الحديثة بالرياض.

(٢) المغني٣ / ٢٨١، وابن عابدين ٢ / ١٥٨، والقليوبي ٣ / ٩٧، والحطاب ٣ / ٤٠

(٣) سورة البقرة / ٢٧١

(٤) حديث " ورجل تصدق. . . " رواه البخاري (٢ / ١٣٢ ط محمد علي صبيح)

(٥) فتح الباري ٣ / ٢٨٨، ٢٨٩ ط السلفية.

قَصْدُهُ، فَالإِْظْهَارُ أَوْلَى (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (صَدَقَةٌ) .

ج - اخْتِفَاءُ الْهِلاَل:

٦ - إِذَا اخْتَفَى الْهِلاَل، وَغُمَّ عَلَى النَّاسِ، فِي شَعْبَانَ أَوْ رَمَضَانَ، وَجَبَ أَنْ يُكْمِل النَّاسُ عِدَّةَ الشَّهْرِ ثَلاَثِينَ يَوْمًا؛ لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ. (٢) وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (صَوْمٌ) .

د - إِخْفَاءُ الإِْيمَانِ:

٧ - فِي اعْتِبَارِ إِيمَانِ مَنْ أَخْفَى إِيمَانَهُ وَصَدَّقَ بِقَلْبِهِ رَأْيَانِ:

الأَْوَّل: مَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ بِمَا عَلِمَ مَجِيءَ الرَّسُول بِهِ وَأَخْفَى إِيمَانَهُ وَلَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ، اعْتُبِرَ مُؤْمِنًا. الثَّانِي: اعْتَبَرَ الْبَعْضُ أَنَّ التَّلَفُّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ شَرْطٌ لِلإِْيمَانِ أَوْ شَطْرٌ مِنْهُ (٣) .

هـ - إِخْفَاءُ الذِّكْرِ:

٨ - اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الذِّكْرِ الْخَفِيِّ وَالذِّكْرِ بِاللِّسَانِ مِنْ حَيْثُ الأَْفْضَلِيَّةُ بَيْنَهُمَا، فَقَال عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ وَابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ: ذِكْرُ الْقَلْبِ أَفْضَل

_________

(١) المصدر السابق.

(٢) حديث " صوموا لرؤيته. . . الخ " رواه أبو هريرة، وأخرجه البخاري.

(٣) المغني ٣ / ٨٨ ط، السعودية والهداية ١ / ١١٩، والحطاب ٢ / ٣٧٩، والقليوبي ٢ / ٢٤٩

مِنْ ذِكْرِ اللِّسَانِ، وَذَهَبَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالْبُلْقِينِيُّ إِلَى تَرْجِيحِ عَمَل اللِّسَانِ (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (ذِكْرٌ) .

اخْتِلاَسٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِخْتِلاَسُ وَالْخَلْسُ فِي اللُّغَةِ: أَخْذُ الشَّيْءِ مُخَادَعَةً عَنْ غَفْلَةٍ. قِيل الاِخْتِلاَسُ أَسْرَعُ مِنَ الْخَلْسِ، وَقِيل الاِخْتِلاَسُ هُوَ الاِسْتِلاَبُ (٢) . وَيَزِيدُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَنَّهُ: أَخْذُ الشَّيْءِ بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ جَهْرًا مَعَ الْهَرَبِ بِهِ سَوَاءٌ جَاءَ الْمُخْتَلِسُ جِهَارًا أَوْ سِرًّا (٣)، مِثْل أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَى مِنْدِيل إِنْسَانٍ فَيَأْخُذَهُ (٤) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

٢ - أ - الْغَصْبُ أَوْ الاِغْتِصَابُ: هُوَ أَخْذُ الشَّيْءِ قَهْرًا وَعُدْوَانًا.

ب - السَّرِقَةُ: هِيَ أَخْذُ النِّصَابِ مِنْ حِرْزِهِ عَلَى اسْتِخْفَاءٍ.

ج - الْحِرَابَةُ: هِيَ الاِسْتِيلاَءُ عَلَى الشَّيْءِ مَعَ تَعَذُّرِ الْغَوْثِ.

_________

(١) الفتوحات الربانية على الأذكار النووية ١ / ١٠٧، وابن عابدين ٢ / ١٧٥

(٢) لسان العرب، والمصباح المنير.

(٣) الشرح الصغير ٤ / ٤٧٦ ط دار المعارف، والنظم المستعذب مع المهذب ط عيسى الحلبي، والقليوبي وعميرة ٣ / ٢٦ وما بعدها ط مصطفى الحلبي.

(٤) النظم المستعذب مع المهذب ٢ / ٢٧٧

د - الْخِيَانَةُ: هِيَ جَحْدُ مَا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ (١) .

هـ - الاِنْتِهَابُ: هُوَ أَخْذُ الشَّيْءِ قَهْرًا، فَالاِنْتِهَابُ لَيْسَ فِيهِ اسْتِخْفَاءٌ مُطْلَقًا، فِي حِينِ أَنَّ الاِخْتِلاَسَ يُسْتَخْفَى فِي أَوَّلِهِ (٢) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ قَطْعَ فِي الاِخْتِلاَسِ؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلاَ مُنْتَهِبٍ وَلاَ مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ (٣)، وَلأَِنَّهُ يَأْخُذُ الْمَال عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُ انْتِزَاعُهُ مِنْهُ بِالاِسْتِغَاثَةِ بِالنَّاسِ وَبِالسُّلْطَانِ فَلَمْ يَحْتَجْ فِي رَدْعِهِ إِلَى الْقَطْعِ (٤) .

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٤ - يُفَصِّل الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ الاِخْتِلاَسِ فِي السَّرِقَةِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنِ الأُْمُورِ الَّتِي فِيهَا قَطْعٌ وَمَا لاَ قَطْعَ فِيهِ، وَفِي الْغَصْبِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَمَّا يُغَايِرُهُ مِنْ أَنْوَاعِ أَخْذِ الْحُقُوقِ مِنَ الْغَيْرِ.

_________

(١) طلبة الطلبة ٧٨ ط العامرة، القليوبي ٣ / ٢٦ ط مصطفى الحلبي.

(٢) المغني ٨ / ٢٤٠

(٣) الحديث: " ليس على خائن. . . "، تقدم تخريجه في بحث (اختطاف) .

(٤) تبيين الحقائق ٣ / ٢١٧ ط بولاق، والشرح الصغير ٤ / ٤٧٦، والمهذب ٢ / ٢٧٧، والمحرر للمجد ابن تيمية ٢ / ١٥٦، مطبعة السنة المحمدية.

اخْتِلاَطٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِخْتِلاَطُ ضَمُّ الشَّيْءِ إِلَى الشَّيْءِ، وَقَدْ يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي الْحَيَوَانَاتِ، وَقَدْ لاَ يُمْكِنُ كَمَا فِي الْمَائِعَاتِ فَيَكُونُ مَزْجًا (١) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

٢ - الاِمْتِزَاجُ هُوَ انْضِمَامُ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا، وَيَخْتَلِفُ عَنْهُ الاِخْتِلاَطُ بِأَنَّهُ أَعَمُّ؛ لِشُمُولِهِ مَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ فِيهِ وَمَا لاَ يُمْكِنُ.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٣ - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِحَسَبِ الْمَسَائِل الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الاِخْتِلاَطُ، فَقَدْ يَكُونُ أَثَرُ الاِخْتِلاَطِ هُوَ الْحُرْمَةَ. وَذَلِكَ تَبَعًا لِقَاعِدَةِ: إِذَا اجْتَمَعَ الْحَلاَل وَالْحَرَامُ غَلَبَ الْحَرَامُ، كَمَا لَوِ اخْتَلَطَتِ الْمَسَالِيخُ الْمُذَكَّاةُ بِمَسَالِيخِ الْمَيْتَةِ دُونَ تَمْيِيزٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَجُزْ تَنَاوُل شَيْءٍ مِنْهَا، وَلاَ بِالتَّحَرِّي إِلاَّ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ (٢) .

_________

(١) لسان العرب والمصباح المنير.

(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ١ / ١٤٥ دار الطباعة العامرة، والفروق للقرافي ١ / ٢٢٦ ط دار إحياء الكتب العربية، والأشباه للسيوطي ص ١٠٦ ط مصطفى الحلبي، والقواعد لابن رجب ص ٢٤١ ط الصدق الخيرية، والدسوقي ٢ / ٤٠٢ ط عيسى الحلبي.