الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 56

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

مَا غَيَّرْتُمْ بِهِ الشَّيْبَ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ (١)، فَإِنَّهُ يَدُل عَلَى أَنَّ الْحِنَّاءَ وَالْكَتَمَ مِنْ أَحْسَنِ الصِّبَاغَاتِ الَّتِي يُغَيَّرُ بِهَا الشَّيْبُ. وَأَنَّ الصَّبْغَ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَيْهِمَا، بَل يُشَارِكُهُمَا غَيْرُهُمَا مِنَ الصِّبَاغَاتِ فِي أَصْل الْحُسْنِ (٢) لِمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ قَال: اخْتَضَبَ أَبُو بَكْرٍ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَاخْتَضَبَ عُمَرُ بِالْحِنَّاءِ بَحْتًا (٣) .

الاِخْتِضَابُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ:

١٠ - الاِخْتِضَابُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ يُشَارِكُ الاِخْتِضَابَ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ فِي أَصْل الاِسْتِحْبَابِ. وَقَدِ اخْتَضَبَ بِهِمَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ. رَوَى أَبُو مَالِكٍ الأَْشْجَعِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: كَانَ خِضَابُنَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْوَرْسَ وَالزَّعْفَرَانَ (٤)، وَقَال الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَخِي رَافِعٌ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ، وَأَنَا مَخْضُوبٌ بِالْحِنَّاءِ، وَأَخِي مَخْضُوبٌ بِالصُّفْرَةِ، فَقَال عُمَرُ: هَذَا خِضَابُ الإِْسْلاَمِ. وَقَال لأَِخِي رَافِعٍ: هَذَا خِضَابُ الإِْيمَانِ (٥) .

_________

(١) رواه الخمسة، وحسنه الترمذي عن أبي ذر، (نيل الأوطار ١ / ١١٧ وما بعدها) .

(٢) نيل الأوطار، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٧١، ونهاية المحتاج ٨ / ١٤٠، والبجيرمي على الخطيب ٤ / ٢٩١

(٣) والأثر عن أبي بكر أخرجه مسلم عن أنس (نيل الأوطار) ومعنى " بحتا " منفردا.

(٤) المغني والشرح الكبير ١ / ٧٥، ٧٦ ط المنار بمصر. والورس نبت كالسمسم طيب الرائحة، صبغه بين الحمرة والصفرة. (جواهر الإكليل شرح مختصر خليل ١ / ١٨٩ مطبعة الحلبي) . والكتم بفتحتين: نبت يخلط بالحناء، يختضب به. (مختار الصحاح - كتم) وحديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه رواه أحمد (٣ / ٤٧٢) والبزار، ورجاله رجال الصحيح خلا بكر بن عيسى وهو ثقة (مجمع الزوائد ٥ / ١٥٩ ط ١٣٥٣ هـ) .

(٥) حديث الحكم بن عمرو الغفاري رواه أحمد، وفيه عبد الرحمن بن حبيب، وثقه ابن معين، وضعفه أحمد، وبقية رجاله رجال ثقات (مجمع الزوائد ٥ / ١٥٩)

الاِخْتِضَابُ بِالسَّوَادِ:

١١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الاِخْتِضَابِ بِالسَّوَادِ: فَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ - مَا عَدَا أَبَا يُوسُفَ - يَقُولُونَ: بِكَرَاهَةِ الاِخْتِضَابِ بِالسَّوَادِ فِي غَيْرِ الْحَرْبِ (١) . أَمَّا فِي الْحَرْبِ فَهُوَ جَائِزٌ إِجْمَاعًا، بَل هُوَ مُرَغَّبٌ فِيهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ شَأْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَالِدِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ لَمَّا جِيءَ إِلَيْهِ عَامَ الْفَتْحِ، وَرَأْسُهُ يَشْتَعِل شَيْبًا: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ فَلْتُغَيِّرْهُ، وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ. (٢)

وَقَال الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: إِنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ رَخَّصَ فِي الاِخْتِضَابِ بِالسَّوَادِ لِلْمُجَاهِدِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ لِلرِّجَال دُونَ النِّسَاءِ (٣)، وَقَدِ اسْتَدَل الْمُجَوِّزُونَ لِلاِخْتِضَابِ بِالسَّوَادِ بِأَدِلَّةٍ: مِنْهَا: قَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ إِنَّ أَحْسَنَ مَا اخْتَضَبْتُمْ بِهِ لِهَذَا السَّوَادُ، أَرْغَبُ لِنِسَائِكُمْ فِيكُمْ، وَأَهْيَبُ لَكُمْ فِي صُدُورِ أَعْدَائِكُمْ. (٤)

_________

(١) المغني ١ / ٧٥، ٧٦ المنار، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٤٨١

(٢) حديث " اذهبوا به إلى بعض نسائه. . . " أخرجه ابن ماجه في سننه (٢ / ١١٩٧ ط عيسى الحلبي ١٣٧٣ هـ) وقال محققه: وفي الزوائد: أصل الحديث قد رواه مسلم، لكن في هذه الطريق التي رواه بها المصنف ليث بن سليم، وهو ضعيف عند الجمهور.

(٣) تحفة الأحوذي ٥ / ٤٣٦، مطبعة الفجالة الجديدة بمصر.

(٤) حديث " إن أحسن ما اختضبتم به. . . " أخرجه ابن ماجه. في الزوائد: إسناده حسن (سنن ابن ماجه ٢ / ١١٩٧ ط عيسى الحلبي ١٣٧٣ هـ) .

وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالْخِضَابِ بِالسَّوَادِ، وَيَقُول: هُوَ تَسْكِينٌ لِلزَّوْجَةِ، وَأَهْيَبُ لِلْعَدُوِّ (١) .

وَمِنْهَا أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ اخْتَضَبُوا بِالسَّوَادِ، وَلَمْ يُنْقَل الإِْنْكَارُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَحَدٍ (٢)، مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ. وَكَانَ مِمَّنْ يَخْتَضِبُ بِالسَّوَادِ وَيَقُول بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ صَاحِبُ الْمَغَازِي، وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ (٣) . وَمِنْهَا مَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَال: " كُنَّا نَخْتَضِبُ بِالسَّوَادِ إِذْ كَانَ الْوَجْهُ جَدِيدًا (شَبَابًا) فَلَمَّا نَفَضَ الْوَجْهُ وَالأَْسْنَانُ (كَبِرْنَا) تَرَكْنَاهُ (٤) ".

وَلِلْحَنَفِيَّةِ رَأْيٌ آخَرُ بِالْجَوَازِ، وَلَوْ فِي غَيْرِ الْحَرْبِ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ بِتَحْرِيمِ الاِخْتِضَابِ بِالسَّوَادِ لِغَيْرِ الْمُجَاهِدِينَ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: يَكُونُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَخْضِبُونَ بِالسَّوَادِ، لاَ يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ (٥)، وَلِقَوْلِهِ ﷺ فِي شَأْنِ أَبِي قُحَافَةَ: وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ، فَالأَْمْرُ عِنْدَهُمْ لِلتَّحْرِيمِ، وَسَوَاءٌ فِيهِ عِنْدَهُمُ الرَّجُل وَالْمَرْأَةُ.

_________

(١) الأثر عن عمر ﵁ أورده صاحب تحفة الأحوذي (٥ / ٤٣٧) وهو في عمدة القاري (٢٢ / ٥١ ط المنيرية) .

(٢) تحفة الأحوذي ٥ / ٤٣٩

(٣) تحفة الأحوذي ٥ / ٤٣٩

(٤) الأثر عن ابن شهاب أخرجه ابن أبي عاصم (فتح الباري ١٠ / ٣٥٥ ط السلفية) .

(٥) حديث " يكون قوم في آخر الزمان " أخرجه أبو داود والنسائي مرفوعا عن ابن عباس، وأخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد. (تحفة الأحوذي ٥ / ٤٣٤، وشرح روض الطالب ١ / ١٧٣)، وفي تعليق الشيخ محمد رشيد رضا على الآداب الشرعية (٣ / ٣٥٣) أن هذا الحديث فيه (عبد الكريم) غير منسوب، والظاهر أنه عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف، بدليل نكارة متن الحديث، بالوعيد الشديد على عمل من العادات المسنون جنسها، وهو صبغ الشعر، بأن صاحبه يحرم من دخول الجنة، فقد جعله من قبيل الكفر، وهذا مما يستدل به على وضع الحديث. وقد عده ابن الجوزي في

اخْتِضَابُ الأُْنْثَى:

١٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ تَغْيِيرَ الشَّيْبِ بِالْحِنَّاءِ أَوْ نَحْوِهِ مُسْتَحَبٌّ لِلْمَرْأَةِ كَمَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ لِلرَّجُل، لِلأَْخْبَارِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ. وَتَخْتَصُّ الْمَرْأَةُ الْمُزَوَّجَةُ، وَالْمَمْلُوكَةُ بِاسْتِحْبَابِ خَضْبِ كَفَّيْهَا وَقَدَمَيْهَا بِالْحِنَّاءِ أَوْ نَحْوِهِ فِي كُل وَقْتٍ عَدَا وَقْتَ الإِْحْرَامِ؛ لأَِنَّ الاِخْتِضَابَ زِينَةٌ، وَالزِّينَةُ مَطْلُوبَةٌ مِنَ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا وَمِنَ الْمَمْلُوكَةِ لِسَيِّدِهَا، عَلَى أَنْ يَكُونَ الاِخْتِضَابُ تَعْمِيمًا، لاَ تَطْرِيفًا وَلاَ نَقْشًا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ. وَيَجُوزُ لَهَا - بِإِذْنِ زَوْجِهَا أَوْ سَيِّدِهَا تَحْمِيرُ الْوَجْنَةِ، وَتَطْرِيفُ الأَْصَابِعِ بِالْحِنَّاءِ مَعَ السَّوَادِ (١) .

وَفِي اسْتِحْبَابِ خَضْبِ الْمَرْأَةِ الْمُزَوَّجَةِ لِكَفَّيْهَا مَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ جَدَّتِهِ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ قَال: وَقَدْ كَانَتْ صَلَّتِ الْقِبْلَتَيْنِ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: دَخَل عَلَيَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال لِيَ: اخْتَضِبِي، تَتْرُكُ إِحْدَاكُنَّ الْخِضَابَ حَتَّى تَكُونَ يَدُهَا كَيَدِ الرَّجُل؟ قَال: فَمَا تَرَكَتِ الْخِضَابَ حَتَّى لَقِيتِ اللَّهَ ﷿، وَإِنْ كَانَتْ لِتَخْتَضِبَ وَإِنَّهَا لاَبْنَةُ ثَمَانِينَ (٢) .

_________

(١) شرح روض الطالب ١ / ١٧٢، ١٧٣ ط الميمنية وكتاب الفروع وتصحيحه ٢ / ٣٥٣، ٣٥٤

(٢) حديث " اختضبي. تترك إحداكن الخضاب. . . " أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده (٤ / ٧٠) قال صاحب الفتح الرباني: لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وأورده الهيثمي. وقال: رواه أحمد وفيه من لم أعرفهم وابن إسحاق وهو مدلس (الفتح الرباني ١٦ / ٢١٥ الطبعة الأولى ١٣٧٢ هـ)

أَمَّا الْمَرْأَةُ غَيْرُ الْمُزَوَّجَةِ وَغَيْرُ الْمَمْلُوكَةِ فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: كَرَاهَةَ اخْتِضَابِهَا فِي كَفَّيْهَا وَقَدَمَيْهَا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ مَعَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ، وَحُرْمَةِ تَحْمِيرِ وَجْنَتَيْهَا وَحُرْمَةِ تَطْرِيفِ أَصَابِعِهَا بِالْحِنَّاءِ مَعَ السَّوَادِ. . وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ جَوَازَ الاِخْتِضَابِ لِلأَْيِّمِ، لِمَا وَرَدَ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ اخْتَضِبْنَ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَخْتَضِبُ لِزَوْجِهَا، وَإِنَّ الأَْيِّمَ تَخْتَضِبُ تَعَرَّضُ لِلرِّزْقِ مِنَ اللَّهِ ﷿ (١) أَيْ لِتُخْطَبَ وَتَتَزَوَّجَ.

وُضُوءُ الْمُخْتَضِبِ وَغُسْلُهُ:

١٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ وُجُودَ مَادَّةٍ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْل تَمْنَعُ وُصُول الْمَاءِ إِلَى الْبَشَرَةِ - حَائِلٌ بَيْنَ صِحَّةِ الْوُضُوءِ وَصِحَّةِ الْغُسْل. وَالْمُخْتَضِبُ وُضُوءُهُ وَغُسْلُهُ صَحِيحَانِ؛ لأَِنَّ الْخِضَابَ بَعْدَ إِزَالَةِ مَادَّتِهِ بِالْغُسْل يَكُونُ مُجَرَّدَ لَوْنٍ، وَاللَّوْنُ وَحْدَهُ لاَ يَحُول بَيْنَ الْبَشَرَةِ وَوُصُول الْمَاءِ إِلَيْهَا، وَمِنْ ثَمَّ فَهُوَ لاَ يُؤَثِّرُ فِي صِحَّةِ الْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْل (٢) .

الاِخْتِضَابُ لِلتَّدَاوِي:

١٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ الاِخْتِضَابِ لِلتَّدَاوِي، لِخَبَرِ سَلْمَى - مَوْلاَةِ النَّبِيِّ ﷺ

_________

(١) شرح روض الطالب ١ / ١٧٢، ١٧٣، وكتاب الفروع وتصحيحه ٢ / ٣٥٣، ٣٥٤، وحديث " يا معشر النساء اختضبن. . . " رواه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب (الاستفتاء في معرفة استعمال الحناء) عن جابر مرفوعا كما في الفروع (٢ / ٣٥٤) ولم نجده في مظانه من كتب الحديث.

(٢) شرح الحطاب ١ / ١٦٣ ط مكتبة النجاح - طرابلس.

- أَنَّهُ كَانَ إِذَا اشْتَكَى أَحَدٌ رَأْسَهُ قَال: اذْهَبْ فَاحْتَجِمْ، وَإِذَا اشْتَكَى رِجْلَهُ قَال: اذْهَبْ فَاخْضِبْهَا بِالْحِنَّاءِ (١)، وَفِي لَفْظٍ لأَِحْمَدَ: قَالَتْ: كُنْتُ أَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَا كَانَتْ تُصِيبُهُ قُرْحَةٌ وَلاَ نُكْتَةٌ إِلاَّ أَمَرَنِي أَنْ أَضَعَ عَلَيْهَا الْحِنَّاءَ. (٢)

الاِخْتِضَابُ بِالْمُتَنَجِّسِ وَبِعَيْنِ النَّجَاسَةِ:

١٥ - يَرَى الأَْحْنَافُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ مَا خُضِّبَ أَوْ صُبِغَ بِمُتَنَجِّسٍ يَطْهُرُ بِغَسْلِهِ ثَلاَثًا فَلَوِ اخْتَضَبَ الرَّجُل أَوِ اخْتَضَبَتِ الْمَرْأَةُ بِالْحِنَّاءِ الْمُتَنَجِّسِ وَغَسَل كُلٌّ ثَلاَثًا طَهُرَ. أَمَّا إِذَا كَانَ الاِخْتِضَابُ بِعَيْنِ النَّجَاسَةِ فَلاَ يَطْهُرُ إِلاَّ بِزَوَال عَيْنِهِ وَطَعْمِهِ وَرِيحِهِ وَخُرُوجِ الْمَاءِ صَافِيًا، وَيُعْفَى عَنْ بَقَاءِ اللَّوْنِ؛ لأَِنَّ الأَْثَرَ الَّذِي يَشُقُّ زَوَالُهُ لاَ يَضُرُّ بَقَاؤُهُ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل الْمَصْبُوغُ بِالدَّمِ (فَهُوَ نَجَسٌ)، وَالْمَصْبُوغُ بِالدُّودَةِ غَيْرِ الْمَائِيَّةِ الَّتِي لَهَا دَمٌ سَائِلٌ فَإِنَّهَا مَيْتَةٌ يَتَجَمَّدُ الدَّمُ فِيهَا وَهُوَ نَجَسٌ (٣) .

الاِخْتِضَابُ بِالْوَشْمِ:

١٦ - الْوَشْمُ هُوَ غَرْزُ الْجِلْدِ بِالإِْبْرَةِ حَتَّى يَخْرُجَ الدَّمُ ثُمَّ يُذَرُّ عَلَيْهِ كُحْلٌ أَوْ نِيلَةٌ لِيَخْضَرَّ أَوْ يَزْرَقَّ وَهُوَ حَرَامٌ

_________

(١) حديث سلمى رواه أبو داود وسكت عليه، والترمذي وابن ماجه وأحمد، وفي إسناده عبيد الله بن علي بن رافع مختلف فيه. (كتاب الفروع ٢ / ٣٥٦، وعون المعبود٤ / ٢ ط دار الكتاب اللبناني)

(٢) رواه أحمد وحسنه (الفروع ٢ / ٣٥٤)

(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٢١٩ وشرح روض الطالب ١ / ١٧٢، والرهوني ١ / ١١٤ - ١١٥، والخرشي ١ / ٩٦، والحطاب ١ / ١٢٠، وكشاف القناع ١ / ١٨٢، والمغني ١ / ٦٤ ط الرياض

مُطْلَقًا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ وَالنَّامِصَةَ وَالْمُتَنَمِّصَةَ؛ وَلأَِنَّهُ إِذَا غُرِزَ مَحَل الْوَشْمِ بِإِبْرَةٍ ثُمَّ حُشِيَ بِكُحْلٍ أَوْ نِيلَةٍ لِيَخْضَرَّ تَنَجَّسَ الْكُحْل بِالدَّمِ فَإِذَا جَمُدَ الدَّمُ وَالْتَأَمَ الْجُرْحُ بَقِيَ مَحَلُّهُ أَخْضَرَ، فَإِذَا غُسِل ثَلاَثًا طَهُرَ.

وَيَرَى الأَْحْنَافُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْوَشْمَ كَالاِخْتِضَابِ أَوِ الصَّبْغِ بِالْمُتَنَجِّسِ، فَإِذَا غُسِل ثَلاَثًا طَهُرَ؛ لأَِنَّهُ أَثَرٌ يَشُقُّ زَوَالُهُ إِذْ لاَ يَزُول إِلاَّ بِسَلْخِ الْجِلْدِ أَوْ جَرْحِهِ (١) .

الاِخْتِضَابُ بِالْبَيَاضِ:

١٧ - يُكْرَهُ خَضْبُ اللِّحْيَةِ السَّوْدَاءِ بِالْبَيَاضِ كَالْكِبْرِيتِ وَنَحْوِهِ إِظْهَارًا لِكِبَرِ السِّنِّ تَرَفُّعًا عَلَى الشَّبَابِ مِنْ أَقْرَانِهِ، وَتَوَصُّلًا إِلَى التَّوْقِيرِ وَالاِحْتِرَامِ مِنْ إِخْوَانِهِ، وَأَمْثَال ذَلِكَ مِنَ الأَْغْرَاضِ الْفَاسِدَةِ (٢) . وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فَهُوَ جَائِزٌ.

اخْتِضَابُ الْحَائِضِ:

١٨ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى جَوَازِ اخْتِضَابِ الْحَائِضِ لِمَا وَرَدَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: تَخْتَضِبُ الْحَائِضُ؟ فَقَالَتْ: قَدْ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ نَخْتَضِبُ فَلَمْ

_________

(١) المراجع السابقة

(٢) شرح روض الطالب ١ / ٥٥١، وشرح عين العلم وزين الحلم لنور الدين المعروف بالقاري ١ / ٣٢٨

يَكُنْ يَنْهَانَا عَنْهُ، (١) وَلِمَا وَرَدَ أَنَّ نِسَاءَ ابْنِ عُمَرَ كُنَّ يَخْتَضِبْنَ وَهُنَّ حُيَّضٌ (٢) .

وَقَدْ قَال ابْنُ رُشْدٍ: لاَ إِشْكَال فِي جَوَازِ اخْتِضَابِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ لأَِنَّ صَبْغَ الْخِضَابِ الَّذِي يَحْصُل فِي يَدَيْهَا لاَ يَمْنَعُ مِنْ رَفْعِ حَدَثِ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ عَنْهَا بِالْغُسْل إِذَا اغْتَسَلَتْ. وَلاَ وَجْهَ لِلْقَوْل بِالْكَرَاهَةِ (٣) .

اخْتِضَابُ الْمَرْأَةِ الْمُحِدَّةِ:

١٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُحِدَّةَ عَلَى زَوْجِهَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا أَنْ تَخْتَضِبَ مُدَّةَ عِدَّتِهَا؛ لِمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثٍ لأُِمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: دَخَل عَلَيَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ فَقَال لِي: لاَ تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ وَلاَ بِالْحِنَّاءِ فَإِنَّهُ خِضَابٌ. قَالَتْ: قُلْتُ: بِأَيٍّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ؟ قَال: بِالسِّدْرِ تُغَلِّفِينَ بِهِ رَأْسَكِ. (٤)

خِضَابُ رَأْسِ الْمَوْلُودِ:

٢٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ - مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ - وَأَحْمَدُ وَالزُّهْرِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَلَى كَرَاهَةِ تَلْطِيخِ رَأْسِ

_________

(١) حديث عائشة أخرجه ابن ماجه (١ / ٢١٥ ط عيسى الحلبي) . قال محققه: وفي الزوائد: هذا الإسناد صحيح.

(٢) سنن الدارمي١ / ٢٥٢ بسنده عن نافع.

(٣) مواهب الجليل لشرح مختصر خليل ١ / ٢٠٠ ط مكتبة النجاح - طرابلس - ليبيا.

(٤) حديث أم سلمة " دخل علي. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٣٩١) ط م السعادة، والنسائي ٦ / ٢٠٥، ٢٠٤ ط١ المصرية) . قال الشوكاني في نيل الأوطار (٧ / ٩٨): " وأخرجه أيضا الشافعي وفي إسناده المغيرة بن الضحاك عن أم حكيم بنت أسيد عن أمها عن مولى لها عن أم سلمة. وقد أعله عبد الحق والمنذري بجهالة حال المغيرة ومن فوقه ".

الصَّبِيِّ بِدَمِ الْعَقِيقَةِ (١)؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَعَ الْغُلاَمِ عَقِيقَةٌ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَْذَى (٢)، فَهَذَا يَقْتَضِي أَلاَّ يُمَسَّ بِدَمٍ لأَِنَّهُ أَذًى، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدٍ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: يُعَقُّ عَنِ الْغُلاَمِ وَلاَ يُمَسُّ رَأْسُهُ بِدَمٍ (٣) وَلأَِنَّ هَذَا تَنْجِيسٌ لَهُ فَلاَ يُشْرَعُ (٤) .

وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ خَضْبِ رَأْسِ الصَّبِيِّ بِالزَّعْفَرَانِ وَبِالْخَلُوقِ (أَيِ الطِّيبِ)، لِقَوْل بُرَيْدَةَ: كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا وُلِدَ لأَِحَدِنَا غُلاَمٌ ذَبَحَ شَاةً وَلَطَّخَ رَأْسَهُ بِدَمِهَا، فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالإِْسْلاَمِ كُنَّا نَذْبَحُ شَاةً وَنَحْلِقُ رَأْسَهُ وَنُلَطِّخُهُ بِزَعْفَرَانٍ (٥)، وَلِقَوْل عَائِشَةَ ﵂: كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا عَقُّوا عَنِ الصَّبِيِّ خَضَّبُوا قُطْنَةً بِدَمِ الْعَقِيقَةِ، فَإِذَا حَلَقُوا رَأْسَ الْمَوْلُودِ وَضَعُوهَا عَلَى رَأْسِهِ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: اجْعَلُوا مَكَانَ الدَّمِ خَلُوقًا زَادَ أَبُو الشَّيْخِ: وَنَهَى أَنْ يُمَسَّ رَأْسُ الْمَوْلُودِ بِدَمٍ (٦) .

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَإِنَّ الْعَقِيقَةَ عِنْدَهُمْ غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ.

_________

(١) المغني والشرح الكبير ٣ / ٥٨٨، مطبعة المنار.

(٢) حديث " مع الغلام عقيقة. . . " أخرجه البخاري في صحيحه (٧ / ١٠٩ ط صحيح) وأصحاب السنن، وأحمد بن حنبل (٤ / ١٨ ط الميمنية) وفي بعض الروايات " في الغلام ".

(٣) حديث " يعق عن الغلام. . . " قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير والأوسط عن يزيد بن عبد الله المزني عن أبيه. وقد رواه ابن ماجه عن يزيد بن عبد الله ولم يقل عن أبيه. فالله أعلم (مجمع الزوائد ٤ / ٥٨)

(٤) المرجع السابق.

(٥) أخرجه أحمد والنسائي قال في التلخيص وإسناده صحيح (الشوكاني ٥ / ١٥٢)

(٦) الشرح الكبير المطبوع مع المغني ٣ / ٥٨٨ - ٥٨٩ وحديث عائشة ﵂ " كانوا في الجاهلية. . . " قال الهيثمي رواه أبو يعلي والبزار باختصار ورجاله رجال الصحيح خلا شيخ أبي يعلي فإني لم أعرفه (مجمع الزوائد ٤ / ٥٨) ورواه ابن حبان (نيل الأوطار ٥ / ١٥١ ط مصطفى الحلبي) وزيادة أبي الشيخ ذكرها في نيل الأوطار (٥ / ١٥١) ولم يبين درجتها من الصحة.

اخْتِضَابُ الرَّجُل وَالْخُنْثَى:

٢١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُل أَنْ يَخْتَضِبَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ لِتَغْيِيرِ الشَّيْبِ بِالْحِنَّاءِ وَنَحْوِهِ لِلأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَجَوَّزُوا لَهُ أَنْ يَخْتَضِبَ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ بَدَنِهِ مَا عَدَا الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْتَضِبَ فِيهِمَا إِلاَّ لِعُذْرٍ؛ لأَِنَّ فِي اخْتِضَابِهِ فِيهِمَا تَشَبُّهًا بِالنِّسَاءِ (١)، وَالتَّشَبُّهُ بِالنِّسَاءِ مَحْظُورٌ شَرْعًا.

وَقَال أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ بِحُرْمَتِهِ. وَقَال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَصَاحِبُ الْمُحِيطِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِكَرَاهَتِهِ (٢) وَقَدْ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَال وَالْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَال بِالنِّسَاءِ. (٣) وَحُكْمُ الْخُنْثَى الْمُشْكِل كَحُكْمِ الرَّجُل فِي هَذَا (٤) .

اخْتِضَابُ الْمُحْرِمِ:

٢٢ - ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ الاِخْتِضَابُ بِالْحِنَّاءِ فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنَ الْبَدَنِ مَا عَدَا الرَّأْسَ؛ لأَِنَّ سَتْرَ الرَّأْسِ فِي الإِْحْرَامِ بِأَيِّ سَاتِرٍ مَمْنُوعٌ.

_________

(١) شرح روض الطالب ١ / ١٥٥

(٢) الآداب الشرعية ٣ / ٥٤٠ ط ١ مطبعة المنار بمصر.

(٣) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس حديث صحيح (فيض القدير طبعة المكتبة التجارية بمصر ٥ / ٢١٧)

(٤) شرح روض الطالب ١ / ١٣١