الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 55

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

وَلِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ قَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَل النُّغَيْرُ؟ وَالنُّغَيْرُ صَيْدٌ (١) .

ثَانِيًا: يُمْنَعُ الذِّمِّيُّ مِنَ الاِسْتِيطَانِ بِهَا وَلاَ يُمْنَعُ مِنْ دُخُولِهَا (٢) .

ثَالِثًا: قَدَّمَ الإِْمَامُ مَالِكٌ الْعَمَل بِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ فِي عَصْرِهِ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ (٣) .

رَابِعًا: الإِْقَامَةُ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ أَحَبُّ مِنَ الإِْقَامَةِ فِي غَيْرِهَا وَلَوْ كَانَتْ مَكَّةَ؛ لأَِنَّهَا مُهَاجَرُ الْمُسْلِمِينَ، لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: تُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ الشَّامُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. (٤)

خَامِسًا: يُسْتَحَبُّ لِلْمُؤْمِنِ الاِنْقِطَاعُ بِهَا لِيُحَصِّل الْمَوْتَ فِيهَا، فَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَدْعُو اللَّهَ وَيَقُول: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَل مَوْتِي فِي

_________

(١) حديث النغير انظر عمدة القاري شرح صحيح البخاري ١٠ / ٢٢٩، وإعلام الساجد ٢٤٣، ومصنف عبد الرزاق ٩ / ٢٦٣، والمحلي ٧ / ٢٦٣، والأطام: حصون لأهل المدينة المنورة وهو جمع أطُمُ (تهذيب الصحاح) .

(٢) ابن عابدين ٣ / ٢٧٥، ومصنف عبد الرزاق ٦ / ٥١ و١٠ / ٣٥٧، وسنن البيهقي ٩ / ٢٠٨

(٣) جواهر الإكليل١ / ٧١، وإعلام الساجد ص ٢٦٦

(٤) حديث: " تفتح اليمن فيأتي قوم. . . " أخرجه البخاري في فضائل المدينة، ومسلم في الحج باب الترغيب في المدينة، ومالك في الموطأ ٢ / ٨٨٧، باب ما جاء في سكنى المدينة. انظر فيض القدير ٣ / ٢٦٠

بَلَدِ رَسُولِكَ (١)، وَذَلِكَ لِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا، فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا (٢) .

هـ - مَسْجِدُ الرَّسُول ﷺ:

٦٨ - يَخْتَصُّ مَسْجِدُ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ الصَّلاَةَ فِيهِ أَفْضَل مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَل مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ. (٣) وَيَخْتَصُّ بِجَوَازِ شَدِّ الرِّحَال إِلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ: لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَى ثَلاَثِ مَسَاجِدَ (٤) وَذَكَرَ مِنْهَا مَسْجِدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ.

و مَسْجِدُ قُبَاءَ:

٦٩ - يَخْتَصُّ مَسْجِدُ قُبَاءٍ بِأَنَّ مَنْ أَتَاهُ فَصَلَّى فِيهِ كَانَتْ لَهُ كَعُمْرَةٍ، لِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ سَهْل بْنِ حُنَيْفٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ خَرَجَ حَتَّى يَأْتِيَ هَذَا الْمَسْجِدَ - مَسْجِدَ قُبَاءَ -

_________

(١) الأثر عن عمر: (اللهم ارزقني. . .) أخرجه البخاري في الجهاد باب الدعاء بالجهاد والشهادة، (فتح الباري ٤ / ١٠٠) ومالك في الموطأ ٢ / ٤٦٢، وعبد الرزاق ٥ / ٢٦٢، والمجموع ٥ / ١٠٣، طبع الإمام، وإعلام الساجد ص ٢٤٨

(٢) حديث " من استطاع. . . " أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وهو صحيح (فيض القدير ٦ / ٥٣)

(٣) حديث " صلاة في مسجدي. . . " متفق عليه (اللؤلؤ والمرجان ٣٢٣ الحديث رقم ٨٨١) وأخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه (فيض القدير ٤ / ٢٢٦)

(٤) سبق تخريجه (ص ٢٧٤)

فَصَلَّى فِيهِ كَانَ لَهُ عَدْل عُمْرَةٍ (١) وَفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الصَّلاَةُ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ كَعُمْرَةٍ (٢) وَلِذَلِكَ اسْتُحِبَّ إِتْيَانُ هَذَا الْمَسْجِدِ وَالصَّلاَةُ فِيهِ (٣) .

ز - الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى:

٧٠ - يَخْتَصُّ الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى بِجَوَازِ شَدِّ الرِّحَال إِلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَاخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَةِ التَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي الْبَوْل وَالْغَائِطِ، فَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ؛ لأَِنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ كَانَ قِبْلَةً، وَأَبَاحَهُ آخَرُونَ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ عِنْدَ حَدِيثِهِمْ عَنْ آدَابِ الاِسْتِنْجَاءِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ (٤) .

ح - بِئْرُ زَمْزَمَ:

٧١ - اخْتُصَّ مَاءُ زَمْزَمَ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْمِيَاهِ بِأَنَّ لِشُرْبِهِ آدَابًا خَاصَّةً، وَلاَ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَوَاضِعِ الاِمْتِهَانِ كَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ سَبَقَ فِي مُصْطَلَحِ " آبَارٌ " (ف ٣٣ - ٣٥) (فِي الْجُزْءِ الأَْوَّل) .

الاِخْتِصَاصُ بِالْوِلاَيَةِ أَوِ الْمِلْكِ

٧٢ - الْمُخَصِّصُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الشَّرْعُ، وَقَدْ سَبَقَ

_________

(١) أخرجه النسائي وهذا لفظه، باب فضل مسجد قباء ٢ / ٣٧ ط التجارية، وأخرجه أحمد والحاكم (الفتح الكبير ٣ / ١٨٨)

(٢) أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وهو صحيح (فيض القدير ٤ / ٢٤٤)

(٣) مراقي الفلاح ص ٤٠٩

(٤) جواهر الإكليل ١ / ٢٦، وأسنى المطالب ١ / ٤٦، وإعلام الساجد ٢٩٢

بَيَانُهُ، أَوِ الشَّخْصُ بِمِلْكٍ أَوْ وِلاَيَةٍ. وَهَذَا الأَْخِيرُ يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يَلِي:

شُرُوطُ الشَّخْصِ الْمُخَصِّصِ:

٧٣ - أ - أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلتَّصَرُّفِ.

ب - أَنْ يَكُونَ ذَا وِلاَيَةٍ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ وِلاَيَةً عَامَّةً كَالأَْمِيرِ وَالْقَاضِي وَنَحْوِهِمَا، أَمْ وِلاَيَةً خَاصَّةً كَالأَْبِ وَنَحْوِهِ.

ج - أَنْ يَكُونَ ذَا مِلْكٍ، إِذْ لِصَاحِبِ الْمِلْكِ أَنْ يَخْتَصَّ بِمِلْكِهِ مَنْ يَشَاءُ بِشُرُوطِهِ.

اخْتِصَاصُ ذِي الْوِلاَيَةِ:

٧٤ - إِذَا كَانَ الْمُخَصِّصُ صَاحِبَ الْوِلاَيَةِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الاِخْتِصَاصِ أَنْ يَكُونَ مُحَقِّقًا لِمَصْلَحَةِ الْمُولَى عَلَيْهِ، وَمِنْ هُنَا قَالُوا: تَصَرُّفُ ذِي الْوِلاَيَةِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ؛ لأَِنَّ الْوِلاَيَةَ أَمَانَةٌ، قَال ﷺ: إِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا. (١) وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ: " إِنَّ وَصِيَّ الْيَتِيمِ وَنَاظِرَ الْوَقْفِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ لَهُ بِالأَْصْلَحِ فَالأَْصْلَحِ (٢) ".

وَمِنْ ذَلِكَ اخْتِصَاصُ بَعْضِ الْقُضَاةِ بِالْقَضَاءِ فِي بَلَدٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ فِي جَانِبٍ مُعَيَّنٍ مِنْ بَلَدٍ دُونَ الْجَوَانِبِ الأُْخْرَى، أَوْ فِي مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ، أَوِ النَّظَرِ فِي نَوْعٍ مِنَ الدَّعَاوَى دُونَ الأَْنْوَاعِ الأُْخْرَى كَالْمُنَاكَحَاتِ أَوِ

_________

(١) حديث " إنها أمانة وإنها يوم القيامة. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٤٥٧ - الحديث ١٨٢٥ تحقيق محمد عبد الباقي)

(٢) السياسة الشرعية ص ١٣ ط دار الكتب العربية الحديثة

الْحُدُودِ أَوِ الْمَظَالِمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ، وَفِي كُتُبِ الأَْحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ (١) . وَيَجِبُ مُرَاعَاةُ الْمَصْلَحَةِ فِي اخْتِصَاصِ الرِّجَال، فِي الْوِلاَيَاتِ أَوْ مَنْحِ الأَْمْوَال وَنَحْوِهَا، كَالْحِمَى، وَهُوَ فِي حَقِيقَتِهِ اخْتِصَاصُ أَرْضٍ مُعَيَّنَةٍ لِتَرْعَى فِيهَا أَنْعَامُ الصَّدَقَةِ، أَوْ خَيْل الْجِهَادِ، وَاخْتِصَاصُ بَعْضِ الأَْرَاضِي بِإِقْطَاعِهَا لِلإِْحْيَاءِ، وَاخْتِصَاصُ بَعْضِ الْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ بِإِقْطَاعِهَا إِقْطَاعَ إِرْفَاقٍ كَالطُّرُقَاتِ وَمَقَاعِدِ الأَْسْوَاقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَاخْتِصَاصُ بَعْضِ الْمَوَادِّ الضَّرُورِيَّةِ بِرَفْعِ الْعُشُورِ عَنْهَا، أَوْ تَخْفِيضِ الْعُشُورِ عَنْهَا؛ لِيَكْثُرَ جَلْبُهَا إِلَى أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ كَانَ عُمَرُ ﵁ يَأْخُذُ مِنَ النَّبَطِ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالزَّيْتِ نِصْفَ الْعُشْرِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يُكْثِرَ الْحَمْل إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ وَيَأْخُذُ مِنَ الْقُطْنِيَّةِ - الْحِمَّصَ وَالْعَدَسَ - الْعُشْرَ (٢) .

اخْتِصَاصُ الْمَالِكِ:

٧٥ - أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُخَصِّصُ صَاحِبَ مِلْكٍ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ لاِخْتِصَاصِهِ بَعْضَ مِلْكِهِ بِشَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ دُونَ بَعْضٍ أَلاَّ يَنْشَأَ عَنِ اخْتِصَاصِهِ هَذَا ضَرَرٌ أَوْ مَفْسَدَةٌ وَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنَ الْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْضْرَارِ بِالْوَرَثَةِ، وَمُنِعَ مِنْ إِعْطَاءِ بَعْضِ أَوْلاَدِهِ عَطِيَّتَهُ لِغَيْرِ سَبَبٍ مَشْرُوعٍ دُونَ بَاقِيهِمْ لِمَا فِيهِ مِنْ إِيغَارِ صُدُورِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ (٣) .

_________

(١) انظر تبصرة الحكام ١ / ١٧، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٧٢، وفتح القدير ٥ / ٤٥٥، ومجمع الأنهر ٤ / ١٧

(٢) الأموال لأبي عبيد ص ٥٣٣، ومصنف عبد الرزاق ٦ / ٩٩ و١٠ / ٣٣٥، وقد ورد الخبر فيه مقلوبا فاقتضى التنويه.

(٣) المغني ٥ / ٦٠٤، ٦٠٨، و٦ / ١٥٥

اخْتِضَابٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِخْتِضَابُ لُغَةً: اسْتِعْمَال الْخِضَابِ. وَالْخِضَابُ هُوَ مَا يُغَيَّرُ بِهِ لَوْنُ الشَّيْءِ مِنْ حِنَّاءَ وَكَتَمٍ وَنَحْوِهِمَا (١) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الصَّبْغُ وَالصِّبَاغُ:

٢ - الصَّبْغُ مَا يُصْطَبَغُ بِهِ مِنَ الإِْدَامِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآْكِلِينَ (٢)﴾ . قَال الْمُفَسِّرُونَ: الْمُرَادُ بِالصِّبْغِ فِي الآْيَةِ الزَّيْتُ؛ لأَِنَّهُ يُلَوِّنُ الْحَبَّ إِذَا غُمِسَ فِيهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ إِدَامٌ يُصْبَغُ بِهِ.

ب - التَّطْرِيفُ:

٣ - التَّطْرِيفُ لُغَةً: خَضْبُ أَطْرَافِ الأَْصَابِعِ، يُقَال: طَرَفَتِ الْجَارِيَةُ بَنَانَهَا إِذَا خَضَّبَتْ أَطْرَافَ أَصَابِعِهَا بِالْحِنَّاءِ، وَهِيَ مُطَرِّفَةٌ (٣) .

_________

(١) لسان العرب، مادة (خضب) .

(٢) سورة المؤمنون / ٢٠

(٣) لسان العرب، مادة (طرف) .

ج - النَّقْشُ:

٤ - النَّقْشُ لُغَةً. النَّمْنَمَةُ، يُقَال: نَقَشَهُ يَنْقُشُهُ نَقْشًا وَانْتَقَشَهُ: نَمْنَمَهُ فَهُوَ مَنْقُوشٌ (١) .

صِفَتُهُ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ):

٥ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْخِضَابِ تَبَعًا لِلَوْنِهِ، وَلِلْمُخْتَضِبِ، رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً. وَسَيَأْتِي.

الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ الاِخْتِضَابِ وَعَدَمِهِ:

٦ - نَقَل الشَّوْكَانِيُّ عَنِ الْقَاضِي عِيَاضٍ قَوْلَهُ (٢): اخْتَلَفَ السَّلَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي الاِخْتِضَابِ، وَفِي جِنْسِهِ، فَقَال بَعْضُهُمْ: تَرْكُ الاِخْتِضَابِ أَفْضَل، اسْتِبْقَاءً لِلشَّيْبِ، وَرَوَى حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي النَّهْيِ عَنْ تَغْيِيرِ الشَّيْبِ (٣) .

وَقَال بَعْضُهُمْ: الاِخْتِضَابُ أَفْضَل لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ غَيِّرُوا الشَّيْبَ، وَلاَ تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ (٤) . وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ " وَالنَّصَارَى (٥) "،

_________

(١) لسان العرب، مادة (نقش) .

(٢) نيل الأوطار ١ / ١١٧ وما بعدها، ط بالمطبعة العثمانية المصرية سنة ١٣٥٧ هـ.

(٣) لعله يقصد ما أخرجه أبو داود والنسائي من حديث ابن مسعود قال: " كان رسول الله ﷺ يكره عشر خلال: الصفرة - يعني الخلوق - وتغيير الشيب ". (نيل الأوطار ١ / ١١٧ وما بعدها، ط العثمانية المصرية) .

(٤) حديث " غيروا الشيب ولا تشبهوا. . . "، رواه الترمذي بسنده عن أبي هريرة، وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه بمعناه الشيخان وغيرهما (تحفة الأحوذي ٥ / ٤٣٣ مطبعة الفجالة الجديدة) .

(٥) جاءت زيادة: " والنصارى " في رواية أحمد وابن حبان (تحفة الأحوذي ٥ / ٤٣٣) .

وَلِقَوْلِهِ: إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لاَ يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ (١) فَهَذِهِ الأَْحَادِيثُ تَدُل عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الصِّبَاغِ وَتَغْيِيرِ الشَّيْبِ هِيَ مُخَالَفَةُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَبِهَذَا يَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُ الاِخْتِضَابِ. وَقَدْ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُبَالِغُ فِي مُخَالَفَةِ أَهْل الْكِتَابِ وَيَأْمُرُ بِهَا.

وَاخْتَضَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ لِلأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ قَدْ كَانَ أَكْثَرُهُمْ يَخْتَضِبُ بِالصُّفْرَةِ، مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَاخْتَضَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَبَعْضُهُمْ بِالزَّعْفَرَانِ، وَاخْتَضَبَ جَمَاعَةٌ بِالسَّوَادِ، مِنْهُمْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ وَغَيْرُهُمْ.

وَنَقَل الشَّوْكَانِيُّ عَنِ الطَّبَرِيِّ قَوْلَهُ (٢): الصَّوَابُ أَنَّ الأَْحَادِيثَ الْوَارِدَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِتَغْيِيرِ الشَّيْبِ وَبِالنَّهْيِ عَنْهُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ، وَلَيْسَ فِيهَا تَنَاقُضٌ. بَل الأَْمْرُ بِالتَّغْيِيرِ لِمَنْ شَيْبُهُ كَشَيْبِ أَبِي قُحَافَةَ، وَالنَّهْيُ لِمَنْ لَهُ شَمَطٌ (٣) فَقَطْ، وَاخْتِلاَفُ السَّلَفِ فِي فِعْل الأَْمْرَيْنِ بِحَسَبِ اخْتِلاَفِ أَحْوَالِهِمْ فِي ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ الأَْمْرَ وَالنَّهْيَ فِي ذَلِكَ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ بِالإِْجْمَاعِ، وَلِهَذَا لَمْ يُنْكِرْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ (٤) .

_________

(١) وحديث " إن النصارى واليهود لا يصبغون " رواه الشيخان (نيل الأوطار ١ / ١١٧ وما بعدها ط المطبعة العثمانية المصرية سنة ١٣٥٧ هـ) .

(٢) والآثار عن الصحابة في الخضاب بالسواد، رواها الطبراني عدا أثر عثمان بن عفان (مجمع الزوائد ٥ / ١٦٢ ط ١٣٥٣ هـ)، وذكرها جميعا الشوكاني (نيل الأوطار ١ / ١١٨)

(٣) الشمط - بفتحتين - بياض شعر الرأس يخالط سواده (مختار الصحاح - شمط) .

(٤) نيل الأوطار ١ / ١١٧، وما بعدها.

٧ - وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ تَدُل عَلَى اخْتِضَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَجَاءَتْ أَحَادِيثُ تَنْفِي اخْتِضَابَهُ (١)، فَمِنَ الأُْولَى: مَا وَرَدَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَال: دَخَلْنَا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا مِنْ شَعْرِ رَسُول اللَّهِ فَإِذَا هُوَ مَخْضُوبٌ. (٢)

وَمِنْهَا مَا وَرَدَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَصْبُغُ لِحْيَتَهُ بِالصُّفْرَةِ حَتَّى تَمْلأَ ثِيَابَهُ، فَقِيل لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَال: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهَا، وَكَانَ يَصْبُغُ بِهَا ثِيَابَهُ حَتَّى عِمَامَتَهُ (٣) .

وَمِنَ الثَّانِيَةِ قَوْل أَنَسٍ ﵁: مَا خَضَّبَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهُ الشَّيْبُ إِلاَّ قَلِيلًا، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتٍ كُنَّ فِي رَأْسِهِ لَفَعَلْتُ. (٤)

وَمِنْهَا قَوْل أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ هَذِهِ مِنْهُ بَيْضَاءُ يَعْنِي عَنْفَقَتَهُ (٥) .

_________

(١) الشوكاني في نيل الأوطار ١ / ١١٩ وما بعدها.

(٢) حديث " دخلنا على أم سلمة " رواه البخاري. وقد أجيب عن هذا الحديث بأنه ليس فيه بيان أن النبي ﷺ هو الذي خضب. بل يحتمل أن يكون احمر بعده لما خالطه من طيب فيه صفرة. وأيضا كثير من الشعور التي تنفصل عن الجسد إذا طال العهد يئول سوادها إلى الحمرة. كذا قال الحافظ المنذري (نيل الأوطار ١ /

(٣) حديث " ابن عمر كان يصبغ لحيته " رواه أبو داود من طرق صحاح. (نيل الأوطار١ / ١١٩ وما بعدها) .

(٤) حديث أنس " ما خضب رسول الله أحدا " رواه الشيخان (نيل الأوطار ١ / ١١٩ وما بعدها) . والشمط بياض شعر الرأس يخالط سواده (مختار الصحاح - شمط) .

(٥) حديث أبي جحيفة رواه ابن ماجه بسنده عن أبي جحيفة. وقال السندي: إسناده صحيح. والعنفقة شعر في الشفة السفلى، وقيل شعر بين الشفة السفلى وبين الذقن (ابن ماجه ٢ / ٢٠٠)

وَقَال الشَّوْكَانِيُّ: " لَوْ فُرِضَ عَدَمُ ثُبُوتِ اخْتِضَابِ النَّبِيِّ ﷺ لَمَا كَانَ قَادِحًا فِي سُنِّيَّةِ الاِخْتِضَابِ، لِوُرُودِ الإِْرْشَادِ إِلَيْهَا قَوْلًا فِي الأَْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ".

وَقَال الطَّبَرِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الأَْحَادِيثِ الْمُثْبِتَةِ لاِخْتِضَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَالأَْحَادِيثِ النَّافِيَةِ لاِخْتِضَابِهِ: " مَنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ خَضَّبَ فَقَدْ حَكَى مَا شَاهَدَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الأَْحْيَانِ، وَمَنْ نَفَى ذَلِكَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الأَْكْثَرِ الْغَالِبِ مِنْ حَالِهِ (١) " ﷺ.

بِمَ يَكُونُ الاِخْتِضَابُ؟

٨ - كَوْنُ الاِخْتِضَابِ بِالْحِنَّاءِ، وَبِالْحِنَّاءِ مَعَ الْكَتَمِ، وَبِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ، وَالسَّوَادِ، بِغَيْرِ ذَلِكَ.

أَوَّلًا - الاِخْتِضَابُ بِغَيْرِ السَّوَادِ

الاِخْتِضَابُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ:

٩ - يُسْتَحَبُّ الاِخْتِضَابُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، لِحَدِيثِ: غَيِّرُوا الشَّيْبَ، (٢) فَهُوَ أَمْرٌ، وَهُوَ لِلاِسْتِحْبَابِ، وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ أَحْسَنَ

_________

(١) نيل الأوطار ١ / ١١٩ وما بعدها.

(٢) حديث " غيروا الشيب " رواه البزار بزيادة " وإن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم " وفيه سعيد بن بشير، وهو ثقة، وفيه ضعف. وكذلك رواه الطبراني في الأوسط من حديث عائشة بزيادة: " ولا تشبوا باليهود ولا النصارى " عن شيخ له اسمه أحمد. وقال الهيثمي: ولم أعرفه