الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢
الاِخْتِلاَفُ الْجَائِزُ هَل هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْوِفَاقِ:
١٤ - يَرَى الشَّاطِبِيُّ أَنَّ مَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الْخِلاَفِ فِي ظَاهِرِ الأَْمْرِ يَرْجِعُ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَى الْوِفَاقِ. فَإِنَّ الاِخْتِلاَفَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِل الْفِقْهِيَّةِ رَاجِعٌ إِمَّا إِلَى دَوَرَانِهَا بَيْنَ طَرَفَيْنِ وَاضِحَيْنِ يَتَعَارَضَانِ فِي أَنْظَارِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَإِمَّا إِلَى خَفَاءِ بَعْضِ الأَْدِلَّةِ، أَوْ إِلَى عَدَمِ الاِطِّلاَعِ عَلَى الدَّلِيل.
وَهَذَا الثَّانِي لَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ خِلاَفًا، إِذْ لَوْ فَرَضْنَا اطِّلاَعَ الْمُجْتَهِدِ عَلَى مَا خَفِيَ عَلَيْهِ لَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ، فَلِذَا يُنْقَضُ لأَِجْلِهِ قَضَاءُ الْقَاضِي.
أَمَّا الأَْوَّل فَإِنَّ تَرَدُّدَهُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ تَحَرٍّ لِقَصْدِ الشَّارِعِ الْمُبْهَمِ بَيْنَهُمَا مِنْ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، وَاتِّبَاعٌ لِلدَّلِيل الْمُرْشِدِ إِلَى تَعَرُّفِ قَصْدِهِ. وَقَدْ تَوَافَقُوا فِي هَذَيْنِ الْقَصْدَيْنِ تَوَافُقًا لَوْ ظَهَرَ مَعَهُ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا خِلاَفُ مَا رَآهُ لَرَجَعَ إِلَيْهِ، وَلَوَافَقَ صَاحِبَهُ. وَسَوَاءٌ قُلْنَا بِالتَّخْطِئَةِ أَوْ بِالتَّصْوِيبِ، إِذْ لاَ يَصِحُّ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَعْمَل عَلَى قَوْل غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ مُصِيبًا أَيْضًا.
فَالإِْصَابَةُ عَلَى قَوْل الْمُصَوِّبَةِ إِضَافِيَّةٌ. فَرَجَعَ الْقَوْلاَنِ إِلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ بِهَذَا الاِعْتِبَارِ. فَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ مُتَّفِقُونَ لاَ مُخْتَلِفُونَ. وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ وَجْهُ التَّحَابِّ وَالتَّآلُفِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي مَسَائِل الاِجْتِهَادِ؛ لأَِنَّهُمْ مُجْتَمِعُونَ عَلَى طَلَبِ قَصْدِ الشَّارِعِ، فَلَمْ يَصِيرُوا شِيَعًا، وَلاَ تَفَرَّقُوا فِرَقًا (١) .
هَذَا وَقَدْ سَلَكَ الشَّعْرَانِيُّ مَسْلَكًا آخَرَ فِي إِرْجَاعِ مَسَائِل الْخِلاَفِ إِلَى الْوِفَاقِ، بِأَنْ يُحْمَل كُل قَوْلٍ مِنْ أَقْوَال الْمُخْتَلِفِينَ عَلَى حَالٍ مِنْ أَحْوَال الْمُكَلَّفِينَ. فَمَنْ
_________
(١) الموافقات٤ / ٢٢٠
قَال مِنَ الأَْئِمَّةِ: بِأَنَّ الأَْمْرَ فِي بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْعِبَادَةِ لِلْوُجُوبِ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَقَال: إِنَّهُ لِلنَّدْبِ، وَكَذَلِكَ اخْتِلاَفُهُمْ فِي النَّهْيِ بِأَنَّهُ لِلْكَرَاهَةِ أَوْ لِلتَّحْرِيمِ، فَلِكُلٍّ مِنَ الْمَرْتَبَتَيْنِ رِجَالٌ، فَمَنْ قَوِيَ مِنْهُمْ مِنْ حَيْثُ إِيمَانُهُ وَجِسْمُهُ خُوطِبَ بِالْعَزِيمَةِ وَالتَّشْدِيدِ الْوَارِدِ فِي الشَّرِيعَةِ صَرِيحًا أَوْ ضِمْنًا. وَمَنْ ضَعُفَ مِنْهُمْ خُوطِبَ بِالرُّخْصَةِ. فَالْمَرْتَبَتَانِ عِنْدَهُ عَلَى التَّرْتِيبِ الْوُجُوبِيِّ لاَ التَّخْيِيرِ (١) .
الاِخْتِلاَفُ الْفِقْهِيُّ هَل هُوَ رَحْمَةٌ:
١٥ - الْمَشْهُورُ أَنَّ اخْتِلاَفَ مُجْتَهِدِي الأُْمَّةِ فِي الْفُرُوعِ رَحْمَةٌ لَهَا وَسَعَةٌ (٢) . وَالَّذِينَ صَرَّحُوا بِذَلِكَ احْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مَهْمَا أُوتِيتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَالْعَمَل بِهِ لاَ عُذْرَ لأَِحَدٍ فِي تَرْكِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَسُنَّةٌ مِنِّي مَاضِيَةٌ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ سُنَّةٌ مِنِّي فَمَا قَال أَصْحَابِي. إِنَّ أَصْحَابِي بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ، فَأَيُّمَا أَخَذْتُمْ بِهِ اهْتَدَيْتُمْ، وَاخْتِلاَفُ أَصْحَابِي لَكُمْ رَحْمَةٌ. (٣) وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا وَجُعِل اخْتِلاَفُ أُمَّتِي رَحْمَةً وَكَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَنَا عَذَابًا (٤) .
_________
(١) الميزان الكبرى ص ٦
(٢) الموافقات ٤ / ١٢٥، ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة.
(٣) رواه البيهقي وغيره من حديث جويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا. قال السخاوي: وجويبر ضعيف جدا، والضحاك عن ابن عباس منقطع (المقاصد الحسنة ص ٢٦) .
(٤) ذكره في الميزان الكبرى ص٧، قال السيوطي عن " اختلاف أمتي رحمة ": أخرجه نصر المقدسي في كتاب الحجة. ولم يذكر السيوطي تخريجا للجملة التالية بعد أن عنون بذلك كله (الخصائص الكبرى ١ / ٢١١)
وَاسْتَأْنَسُوا لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ مِنْ مِثْل قَوْل الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: لَقَدْ نَفَعَ اللَّهُ بِاخْتِلاَفِ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي أَعْمَالِهِمْ، لاَ يَعْمَل الْعَامِل بِعَمَل رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلاَّ رَأَى أَنَّهُ فِي سَعَةٍ، وَرَأَى أَنَّ خَيْرًا مِنْهُ قَدْ عَمِلَهُ.
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَا أُحِبُّ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُول اللَّهِ لَمْ يَخْتَلِفُوا؛ لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ قَوْلًا وَاحِدًا كَانَ النَّاسُ فِي ضِيقٍ، وَأَنَّهُمْ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِهِمْ، فَلَوْ أَخَذَ أَحَدٌ بِقَوْل رَجُلٍ مِنْهُمْ كَانَ فِي سَعَةٍ.
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَال: اخْتِلاَفُ أَهْل الْعِلْمِ تَوْسِعَةٌ، وَمَا بَرِحَ الْمُفْتُونَ يَخْتَلِفُونَ، فَيُحَلِّل هَذَا وَيُحَرِّمُ هَذَا، فَلاَ يَعِيبُ هَذَا عَلَى هَذَا، وَلاَ هَذَا عَلَى هَذَا (١) .
وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: الاِخْتِلاَفُ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْفُرُوعِ - لاَ مُطْلَقِ الاِخْتِلاَفِ - مِنْ آثَارِ الرَّحْمَةِ فَإِنَّ اخْتِلاَفَهُمْ تَوْسِعَةٌ لِلنَّاسِ. قَال: فَمَهْمَا كَانَ الاِخْتِلاَفُ أَكْثَرَ كَانَتِ الرَّحْمَةُ أَوْفَرَ (٢) .
وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ لَيْسَتْ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا، فَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَال. لَيْسَ فِي اخْتِلاَفِ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ سَعَةٌ، وَإِنَّمَا الْحَقُّ فِي وَاحِدٍ (٣) . وَقَال الْمُزَنِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ: ذَمَّ اللَّهُ الاِخْتِلاَفَ وَأَمَرَ بِالرُّجُوعِ عِنْدَهُ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (٤) .
_________
(١) كشف الخفاء ص ٦٥، والموافقات ٤ / ١٢٥
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٦
(٣) الموافقات ٤ / ١٢٩
(٤) الموافقات٤ / ١٢٠
وَتَوَسَّطَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بَيْنَ الاِتِّجَاهَيْنِ، فَرَأَى أَنَّ الاِخْتِلاَفَ قَدْ يَكُونُ رَحْمَةً، وَقَدْ يَكُونُ عَذَابًا. قَال: النِّزَاعُ فِي الأَْحْكَامِ قَدْ يَكُونُ رَحْمَةً إِذَا لَمْ يُفْضِ إِلَى شَرٍّ عَظِيمٍ مِنْ خَفَاءِ الْحُكْمِ. وَالْحَقُّ فِي نَفْسِ الأَْمْرِ وَاحِدٌ، وَقَدْ يَكُونُ خَفَاؤُهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ - لِمَا فِي ظُهُورِهِ مِنَ الشِّدَّةِ عَلَيْهِ - مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِهِ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ ﴿لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ . (١) وَهَكَذَا مَا يُوجَدُ فِي الأَْسْوَاقِ مِنَ الطَّعَامِ وَالثِّيَابِ قَدْ يَكُونُ فِي نَفْسِ الأَْمْرِ مَغْصُوبًا، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمِ الإِْنْسَانُ بِذَلِكَ كَانَ كُلُّهُ حَلاَلًا لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ بِحَالٍ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا عَلِمَ. فَخَفَاءُ الْعِلْمِ بِمَا يُوجِبُ الشِّدَّةَ قَدْ يَكُونُ رَحْمَةً، كَمَا أَنَّ خَفَاءَ الْعِلْمِ بِمَا يُوجِبُ الرُّخْصَةَ قَدْ يَكُونُ عُقُوبَةً، كَمَا أَنَّ رَفْعَ الشَّكِّ قَدْ يَكُونُ رَحْمَةً وَقَدْ يَكُونُ عُقُوبَةً. وَالرُّخْصَةُ رَحْمَةٌ. وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهُ النَّفْسِ أَنْفَعَ كَمَا فِي الْجِهَادِ (٢) .
أَسْبَابُ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ:
١٦ - الاِخْتِلاَفُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَاشِئًا عَنْ هَوًى، أَوْ عَنِ الاِجْتِهَادِ الْمَأْذُونِ فِيهِ.
فَأَمَّا مَا كَانَ نَاشِئًا عَنْ هَوًى فَهُوَ مَوْضِعُ الذَّمِّ، إِذْ أَنَّ الْفَقِيهَ تَابِعٌ لِمَا تَدُل عَلَيْهِ الأَْدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ فَإِنْ صَرَفَ الأَْدِلَّةَ إِلَى مَا تَهْوَاهُ نَفْسُهُ فَقَدْ جَعَل الأَْدِلَّةَ تَابِعَةً لِهَوَاهُ (٣) .
وَذَكَرَ الشَّاطِبِيُّ أَنَّ الْخِلاَفَ النَّاشِئَ عَنِ الْهَوَى
_________
(١) سورة المائدة / ١٠١
(٢) مجموع الفتاوى١٤ / ١٥٩
(٣) إحياء علوم الدين ط المكتبة التجارية ١ / ٤٢
هُوَ الْخِلاَفُ حَقِيقَةً (١) . وَإِذَا دَخَل الْهَوَى أَدَّى إِلَى اتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهِ حِرْصًا عَلَى الْغَلَبَةِ وَالظُّهُورِ بِإِقَامَةِ الْعُذْرِ فِي الْخِلاَفِ، وَأَدَّى إِلَى الْفُرْقَةِ وَالْبَغْضَاءِ، لاِخْتِلاَفِ الأَْهْوَاءِ وَعَدَمِ اتِّفَاقِهَا. فَأَقْوَال أَهْل الأَْهْوَاءِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهَا فِي الْخِلاَفِ الْمُقَرَّرِ فِي الشَّرْعِ وَإِنَّمَا يَذْكُرُهَا بَعْضُ النَّاسِ لِيَرُدُّوا عَلَيْهَا وَيُبَيِّنُوا فَسَادَهَا، كَمَا فَعَلُوا بِأَقْوَال الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لِيُوَضِّحُوا مَا فِيهَا (٢) .
١٧ - أَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي وَهُوَ الاِخْتِلاَفُ النَّاشِئُ عَنْ الاِجْتِهَادِ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَلَهُ أَسْبَابٌ مُخْتَلِفَةٌ، يَتَعَرَّضُ لَهَا الأُْصُولِيُّونَ لِمَامًا. وَقَدْ أَفْرَدَهَا بِالتَّأْلِيفِ قَدِيمًا وَحَاوَل الْوُصُول إِلَى حَصْرٍ لَهَا ابْنُ السَّيِّدِ الْبَطْلَيُوسِيُّ فِي كِتَابِهِ " الإِْنْصَافِ فِي أَسْبَابِ الْخِلاَفِ " وَابْنُ رُشْدٍ فِي مُقَدِّمَةِ " بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ " وَابْنُ حَزْمٍ فِي " الإِْحْكَامِ " وَالدَّهْلَوِيُّ فِي " الإِْنْصَافِ " وَغَيْرُهُمْ. وَيَرْجِعُ الاِخْتِلاَفُ إِمَّا إِلَى الدَّلِيل نَفْسِهِ، وَإِمَّا إِلَى الْقَوَاعِدِ الأُْصُولِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ.
أَسْبَابُ الْخِلاَفِ الرَّاجِعِ إِلَى الدَّلِيل:
١٨ - مِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ السَّيِّدِ مِنْ ذَلِكَ:
١ - الإِْجْمَال فِي الأَْلْفَاظِ وَاحْتِمَالُهَا لِلتَّأْوِيلاَتِ.
٢ - دَوَرَانُ الدَّلِيل بَيْنَ الاِسْتِقْلاَل بِالْحُكْمِ وَعَدَمِهِ.
٣ - دَوَرَانُهُ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، نَحْوُ ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ اخْتُلِفَ فِيهِ هَل هُوَ عَامٌّ أَوْ خَاصٌّ بِأَهْل الْكِتَابِ الَّذِينَ قَبِلُوا الْجِزْيَةَ.
_________
(١) يعني أنه لا يرجع الوفاق كالخلاف الناشئ من نظر المجتهدين من أهل الحق في الأدلة، إذ أنهم يلتزمون بمقتضى الدليل كما تقدم.
(٢) الموافقات ٤ / ٢٢٢ - ٢٢٤
٤ - اخْتِلاَفُ الْقِرَاءَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَاخْتِلاَفُ الرِّوَايَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ.
٥ - دَعْوَى النَّسْخِ وَعَدَمِهِ (١) .
٦ - عَدَمُ اطِّلاَعِ الْفَقِيهِ عَلَى الْحَدِيثِ الْوَارِدِ أَوْ نِسْيَانِهِ لَهُ.
أَسْبَابُ الْخِلاَفِ الرَّاجِعِ إِلَى الْقَوَاعِدِ الأُْصُولِيَّةِ:
١٩ - مِنَ الْعُسْرِ بِمَكَانٍ حَصْرُ الأَْسْبَابِ الَّتِي مِنْ هَذَا النَّوْعِ، فَكُل قَاعِدَةٍ أُصُولِيَّةٍ مُخْتَلَفٌ فِيهَا يَنْشَأُ عَنْهَا اخْتِلاَفٌ فِي الْفُرُوعِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَيْهَا.
الإِْنْكَارُ وَالْمُرَاعَاةُ فِي الْمَسَائِل الْخِلاَفِيَّةِ:
أَوَّلًا: الإِْنْكَارُ فِي الْمَسَائِل الْخِلاَفِيَّةِ:
٢٠ - ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي الأَْشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ قَاعِدَةَ: " لاَ يُنْكَرُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ وَلَكِنْ يُنْكَرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ ". وَقَال إِنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْهَا صُوَرٌ يُنْكَرُ فِيهَا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ: إِحْدَاهَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَذْهَبُ بَعِيدَ الْمَأْخَذِ. وَمِنْ ثَمَّ وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِوَطْءِ الأَْمَةِ الْمَرْهُونَةِ وَلَمْ يُنْظَرْ لِلْخِلاَفِ الشَّاذِّ فِي ذَلِكَ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَرَافَعَ فِيهِ لِحَاكِمٍ، فَيَحْكُمَ بِعَقِيدَتِهِ. إِذْ لاَ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِخِلاَفِ مُعْتَقَدِهِ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ لِلْمُنْكِرِ فِيهِ حَقٌّ، كَالزَّوْجِ الْمُسْلِمِ يَمْنَعُ زَوْجَتَهُ الذِّمِّيَّةَ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ بِالرَّغْمِ مِنْ وُجُودِ خِلاَفٍ فِي حَقِّهِ بِمَنْعِهَا وَعَدَمِهِ (٢) .
وَذَكَرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَعْتَقِدَ فِي الأُْمُورِ
_________
(١) الموافقات ٤ / ٢١٣
(٢) الأشباه والنظائر ط التجارية ص ١٤١
الْمُخْتَلَفِ فِيهَا بَيْنَ الْحِل وَالتَّحْرِيمِ أَنَّ مُخَالِفَهُ قَدِ ارْتَكَبَ (الْحَرَامَ) فِي نَحْوِ (لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّل وَالْمُحَلَّل لَهُ) وَلَكِنْ لاَ يَلْحَقُهُ الْوَعِيدُ وَاللَّعْنُ إِنْ كَانَ قَدِ اجْتَهَدَ الاِجْتِهَادَ الْمَأْذُونَ فِيهِ. بَل هُوَ مَعْذُورٌ مُثَابٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ قَلَّدَهُ التَّقْلِيدَ السَّائِغَ. (١)
ثَانِيًا: مُرَاعَاةُ الْخِلاَفِ:
٢١ - يُرَادُ بِمُرَاعَاةِ الْخِلاَفِ أَنَّ مَنْ يَعْتَقِدُ جَوَازَ الشَّيْءِ يَتْرُكُ فِعْلَهُ إِنْ كَانَ غَيْرُهُ يَعْتَقِدُهُ حَرَامًا. كَذَلِكَ فِي جَانِبِ الْوُجُوبِ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ رَأَى إِبَاحَةَ الشَّيْءِ أَنْ يَفْعَلَهُ إِنْ كَانَ مِنَ الأَْئِمَّةِ مَنْ يَرَى وُجُوبَهُ. كَمَنْ يَعْتَقِدُ عَدَمَ وُجُوبِ الْوِتْرِ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى عَدَمِ تَرْكِهِ، خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَهُ. وَلاَ يَتَأَتَّى مِمَّنِ اعْتَقَدَ الْوُجُوبَ مُرَاعَاةُ قَوْل مَنْ يَرَى التَّحْرِيمَ، وَلاَ مِمَّنِ اعْتَقَدَ التَّحْرِيمَ مُرَاعَاةُ قَوْل مَنْ يَرَى الْوُجُوبَ.
حُكْمُ مُرَاعَاةِ الْخِلاَفِ:
٢٢ - ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْخُرُوجَ مِنَ الْخِلاَفِ مُسْتَحَبٌّ.
شُرُوطُ الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلاَفِ:
٢٣ - قَال السُّيُوطِيُّ: لِمُرَاعَاةِ الْخِلاَفِ شُرُوطٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ لاَ تُوقِعَ مُرَاعَاتُهُ فِي خِلاَفٍ آخَرَ. الثَّانِي: أَنْ لاَ يُخَالِفَ سُنَّةً ثَابِتَةً وَمِنْ ثَمَّ سُنَّ رَفْعُ
_________
(١) رفع الملام، ومجموع الفتاوى ١٩ / ٢٧٨، وما بعدها.
الْيَدَيْنِ فِي الصَّلاَةِ. وَلَمْ يُبَال بِقَوْل مَنْ قَال بِإِبْطَالِهِ الصَّلاَةَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ رِوَايَةِ خَمْسِينَ صَحَابِيًّا.
الثَّالِثُ: أَنْ يَقْوَى مُدْرَكُهُ - أَيْ دَلِيلُهُ - بِحَيْثُ لاَ يُعَدُّ هَفْوَةً. وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ أَفْضَل لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُبَال بِقَوْل دَاوُدَ: إِنَّهُ لاَ يَصِحُّ. (١)
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ فِي هَذَا الشَّرْطِ الثَّالِثِ: أَنْ يَقْوَى مُدْرَكُهُ بِأَنْ يَقِفَ الذِّهْنُ عِنْدَهُ، لاَ بِأَنْ تَنْهَضَ حُجَّتُهُ.
أَمْثِلَةٌ عَلَى الْخُرُوجِ مِنَ الْخِلاَفِ:
٢٤ - جَمَعَ السُّيُوطِيُّ لِذَلِكَ أَمْثِلَةً مِنْ فِقْهِ الشَّافِعِيَّةِ مِنْهَا:
١ - أَمْثِلَةٌ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ خِلاَفِ مَنْ يَقُول بِالْوُجُوبِ: اسْتِحْبَابُ الدَّلْكِ فِي الطَّهَارَةِ، وَاسْتِيعَابُ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ، وَالتَّرْتِيبُ فِي قَضَاءِ الْفَوَائِتِ، وَتَرْكُ الأَْدَاءِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْقَضَاءَ، وَتَرْكُ الْقَصْرِ فِيمَا دُونَ ثَلاَثِ مَرَاحِل، وَتَرْكُ الْجَمْعِ، وَقَطْعُ الْمُتَيَمِّمِ الصَّلاَةَ إِذَا رَأَى الْمَاءَ.
٢ - أَمْثِلَةٌ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ خِلاَفِ مَنْ يَقُول بِالتَّحْرِيمِ: كَرَاهَةُ الْحِيَل فِي بَابِ الرِّبَا، وَكَرَاهَةُ نِكَاحِ الْمُحَلِّل، وَكَرَاهَةُ مُفَارَقَةِ الإِْمَامِ بِلاَ عُذْرٍ، وَكَرَاهَةُ صَلاَةِ الْمُنْفَرِدِ خَلْفَ الصَّفِّ. (٢)
وَذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَمْثِلَةً مِنْهَا: نَدْبُ الْوُضُوءِ لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلاَفِ الْعُلَمَاءِ، كَمَا فِي مَسِّ
_________
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ط الحلبي ص ١٣٦، ١٣٧
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٩٩، ١٠٠، وتحفة المحتاج لابن حجر بحاشية الشرواني ٢ / ٢٤٢، والأشباه والنظائر ص ١٢٢ ط المكتبة التجارية ١٣٥٩ هـ / ٣ ٢٩٩ / ٣
الذَّكَرِ أَوِ الْمَرْأَةِ. (١)
وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُغْنِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: اسْتِحْبَابَ السُّجُودِ عَلَى الأَْنْفِ خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَهُ. (٢)
وَذَكَرَ الشَّيْخُ عُلَيْشٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ تُكْرَهُ الْبَسْمَلَةُ فِي الْفَرْضِ إِذَا قَصَدَ بِهَا الْخُرُوجَ مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَهَا.
مُرَاعَاةُ الْخِلاَفِ فِيمَا بَعْدَ وُقُوعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ:
٢٥ - ذَكَرَ الشَّاطِبِيُّ نَوْعًا آخَرَ مِنْ مُرَاعَاةِ الْخِلاَفِ. وَذَلِكَ فِيمَا لَوِ ارْتَكَبَ الْمُكَلَّفُ فِعْلًا مُخْتَلَفًا فِي تَحْرِيمِهِ وَجَوَازِهِ، فَقَدْ يَنْظُرُ الْمُجْتَهِدُ الَّذِي يَرَى تَحْرِيمَ هَذَا الْفِعْل، فَيُجِيزُ مَا وَقَعَ مِنَ الْفَسَادِ " عَلَى وَجْهٍ يَلِيقُ بِالْعَدْل، نَظَرًا إِلَى أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْل وَافَقَ فِيهِ الْمُكَلَّفُ دَلِيلًا عَلَى الْجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا، فَهُوَ رَاجِحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِبْقَاءِ الْحَالَةِ عَلَى مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ إِزَالَتِهَا، مَعَ دُخُول ضَرَرٍ عَلَى الْفَاعِل أَشَدَّ مِنْ مُقْتَضَى النَّهْيِ ". وَضَرَبَ مَثَلًا لِذَلِكَ بِالنِّكَاحِ بِلاَ وَلِيٍّ. فَفِي الْحَدِيثِ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ. (٣) فَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً بِلاَ وَلِيٍّ، فَإِنَّ هَذَا النِّكَاحَ يَثْبُتُ بِهِ الْمِيرَاثُ، وَيَثْبُتُ بِهِ نَسَبُ الأَْوْلاَدِ، وَلاَ يُعَامَل مُعَامَلَةَ الزِّنَا لِثُبُوتِ الْخِلاَفِ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٦١
(٢) المغني ١ / ٥٦٠
(٣) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم عن عائشة وهو صحيح (فيض القدير ٣ / ١٤٣)
فِيهِ، وَثُبُوتُ الْمِيرَاثِ وَالنَّسَبِ تَصْحِيحٌ لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ، " وَإِجْرَاؤُهُمُ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ مَجْرَى الصَّحِيحِ فِي هَذِهِ الأَْحْكَامِ، وَفِي حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَإِلاَّ لَكَانَ فِي حُكْمِ الزِّنَا. وَلَيْسَ فِي حُكْمِهِ بِالاِتِّفَاقِ ". وَقَدْ وَجَّهَهُ بِأَنَّ " الْعَامِل بِالْجَهْل مُخْطِئًا لَهُ نَظَرَانِ: نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ مُخَالَفَتِهِ لِلأَْمْرِ وَالنَّهْيِ. وَهَذَا يَقْتَضِي الإِْبْطَال، وَنَظَرٌ مِنْ جِهَةِ قَصْدِهِ الْمُوَافَقَةَ فِي الْجُمْلَةِ؛ لأَِنَّهُ دَاخِلٌ مَدَاخِل أَهْل الإِْسْلاَمِ، وَمَحْكُومٌ لَهُ بِأَحْكَامِهِمْ، وَخَطَؤُهُ أَوْ جَهْلُهُ لاَ يَجْنِي عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ عَنْ حُكْمِ أَهْل الإِْسْلاَمِ، بَل يُتَلاَفَى لَهُ حُكْمٌ يُصَحِّحُ مَا أَفْسَدَهُ بِجَهْلِهِ أَوْ خَطَئِهِ. . . إِلاَّ أَنْ يَتَرَجَّحَ جَانِبُ الإِْبْطَال بِالأَْمْرِ الْوَاضِحِ ". (١)
الْعَمَل فِي الْمَسَائِل الْخِلاَفِيَّةِ
الْمُقَلِّدُ بَيْنَ التَّخَيُّرِ وَالتَّحَرِّي:
٢٦ - ذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْعَامِّيَّ إِذَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ فَتْوَى عُلَمَاءِ عَصْرِهِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ يَأْخُذُ بِأَيِّهَا شَاءَ قَال الشَّوْكَانِيُّ: وَاسْتَدَلُّوا بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى عَدَمِ إِنْكَارِ الْعَمَل بِقَوْل الْمَفْضُول مَعَ وُجُودِ الأَْفْضَل.
وَقِيل: لَيْسَ هُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ، بَل لاَ بُدَّ مِنْ مُرَجِّحٍ. وَبِهِ قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ. ثُمَّ قَدْ قِيل: يَأْخُذُ بِالأَْغْلَظِ، وَقِيل: بِالأَْخَفِّ، وَقِيل: بِقَوْل الأَْعْلَمِ. (٢)
_________
(١) الموافقات ٤ / ٢٠٢ - ٢٠٥
(٢) التقرير والتحبير في شرح التحرير ٣ / ٣٤٩ ط بولاق ١٣١٦ هـ، وإرشاد الفحول ص ٢٧١