الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢
وَرَكْعَتَا الضُّحَى (١) .
ز - الْمُشَاوَرَةُ:
١٤ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي فَرْضِيَّةِ الْمُشَاوَرَةِ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ، مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى سُنِّيَّتِهَا عَلَى غَيْرِهِ. فَقَال بَعْضُهُمْ بِفَرْضِيَّتِهَا عَلَيْهِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَْمْرِ﴾ (٢) . وَقَال هَؤُلاَءِ: إِنَّمَا وَجَبَ ذَلِكَ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ تَطْيِيبًا لِلْقُلُوبِ، وَتَعْلِيمًا لِلنَّاسِ لِيَسْتَنُّوا بِهِ ﵊. وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْمُشَاوَرَةَ لَمْ تَكُنْ فَرْضًا عَلَيْهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ لِفِقْدَانِ دَلِيلٍ يَصْلُحُ لإِثْبَاتِ الْفَرْضِيَّةِ. وَحَمَلُوا الأَْمْرَ فِي الآْيَةِ السَّابِقَةِ عَلَى النَّدْبِ أَوِ الإِْرْشَادِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا يُشَاوِرُ فِيهِ: بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُشَاوِرُ فِيمَا نَزَل عَلَيْهِ فِيهِ وَحْيٌ.
فَقَال فَرِيقٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: يُشَاوِرُ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا، كَالْحُرُوبِ وَمُكَايَدَةِ الْعَدُوِّ؛ لأَِنَّ اسْتِقْرَاءَ مَا شَاوَرَ فِيهِ الرَّسُول (ص) أَصْحَابَهُ يَدُل عَلَى ذَلِكَ.
وَقَال فَرِيقٌ آخَرُ: يُشَاوِرُ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا. أَمَّا فِي أُمُورِ الدُّنْيَا فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي أُمُورِ الدِّينِ فَإِنَّ اسْتِشَارَتَهُ لَهُمْ تَكُونُ تَنْبِيهًا لَهُمْ عَلَى عِلَل الأَْحْكَامِ وَطَرِيقِ الاِجْتِهَادِ (٣) .
_________
(١) مواهب الجليل ٣ / ٣٩٣، والزرقاني ٢ / ١٥٦، ونهاية المحتاج ٦ / ١٧٥، والروضة ٧ / ٣، وتلخيص الحبير ٣ / ١١٩، ومطالب أولي النهى ٥ / ٣٠، والخصائص الكبرى٣ / ٢٥٣
(٢) سورة آل عمران / ١٥٩
(٣) انظر: الخصائص الكبرى ٣ / ٢٥٧، وما بعدها، وتفسير ابن كثير، وتفسير القرطبي لقوله تعالى: (وشاورهم في الأمر)، والخرشي على خليل ٣ / ١٥٩، ونهاية المحتاج ٦ / ١٧٥، وروضة الطالبين ٧ / ٣، ومطالب أولي النهى ٥ / ٣١، والجوهر النقي على سنن البيهقي ٧ / ٤٥، وما بعدها.
ح - مُصَابَرَةُ الْعَدُوِّ الزَّائِدِ عَلَى الضِّعْفِ:
١٥ - مِمَّا فُرِضَ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ دُونَ أُمَّتِهِ مُصَابَرَةُ الْعَدُوِّ وَإِنْ كَثُرَ وَزَادَ عَلَى الضِّعْفِ، لأَِنَّ الرَّسُول ﷺ مَحْفُوظٌ بِحِفْظِ اللَّهِ تَعَالَى. قَال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (١) .
ط - تَغْيِيرُ الْمُنْكَرِ:
١٦ - مِمَّا فُرِضَ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ تَغْيِيرُ الْمُنْكَرِ، وَلاَ يَسْقُطُ عَنْهُ هَذَا لِلْخَوْفِ، بِخِلاَفِ أُمَّتِهِ الَّتِي يَسْقُطُ عَنْهَا بِالْخَوْفِ. وَذَلِكَ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ تَكَفَّل بِحِفْظِ رَسُولِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، كَمَا لاَ يَسْقُطُ عَنْهُ إِذَا كَانَ الْمُرْتَكِبُ يَزِيدُهُ الإِْنْكَارُ إِغْرَاءً، لِئَلاَّ يَتَوَهَّمَ إِبَاحَتَهُ بِخِلاَفِ أُمَّتِهِ. وَإِذَا كَانَ إِنْكَارُ الْمُنْكَرِ فَرْضَ كِفَايَةٍ عَلَى أُمَّتِهِ فَإِنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَيْهِ ﷺ. وَقَدِ اسْتَدَل الْبَيْهَقِيُّ عَلَى ذَلِكَ بِعِدَّةِ أَحَادِيثَ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى (٢) .
ي - قَضَاءُ دَيْنِ مَنْ مَاتَ مُعْسِرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ:
١٧ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَضَاءِ رَسُول اللَّهِ ﷺ
_________
(١) انظر: الخرشي٣ / ١٥٩، والزرقاني٢ / ١٥٨، ونهاية المحتاج ٦ / ١٧٥، والخصائص الكبرى٣ / ٢٥٨، وتلخيص الحبير ٣ / ١٢١، ومطالب أولي النهى ٥ / ٣١، والآية من سورة المائدة
(٢) الخصائص٣ / ٢٥٨، ومطالب أولي النهى٥ / ٣٠، والزرقاني ٢ / ١٥٨ / ٣ ٢٦١ / ٣
دَيْنَ الْمَيِّتِ الْمُعْسِرِ. فَقَال بَعْضُهُمْ: كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِ ﷺ. وَقَال آخَرُونَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَرْضًا عَلَيْهِ، بَل كَانَ مِنْهُ ﵊ تَطَوُّعًا. ثُمَّ اخْتَلَفُوا أَيْضًا هَل الْقَضَاءُ مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ أَمْ مِنْ مَال رَسُول اللَّهِ ﷺ فَإِنْ كَانَ مِنْ مَال نَفْسِهِ فَهِيَ خُصُوصِيَّةٌ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ أَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَتْ بِخُصُوصِيَّةٍ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ بَل يُشَارِكُهُ فِيهَا جَمِيعُ وُلاَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَالأَْصْل فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُل يُتَوَفَّى وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَيَسْأَل: هَل تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا، فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ لَهُ وَفَاءً صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِلاَّ قَال لِلْمُسْلِمِينَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَال ﵊: أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ (١) .
ك - وُجُوبُ تَخْيِيرِهِ نِسَاءَهُ وَإِمْسَاكُ مَنِ اخْتَارَتْهُ:
١٨ - طَالَبَهُ أَزْوَاجُهُ ﷺ بِالتَّوَسُّعِ فِي النَّفَقَةِ - كَمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ - حَتَّى تَأَذَّى مِنْ ذَلِكَ فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﵊ أَنْ يُخَيِّرَهُنَّ فَقَال جَل شَأْنُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَِزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا
_________
(١) حديث أبي هريرة أخرجه البخاري في النفقات، باب من ترك كلا أو ضياعا، وانظر مواهب الجليل٣ / ٣٩٦، ونهاية المحتاج ٦ / ١٧٥، وسنن البيهقي٧ / ٤٤، وتلخيص الحبير ٣ / ٤٨، ١٢١ (اللؤلؤ والمرجان حديث رقم ١٠٤٤)
فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآْخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) .
فَخَيَّرَهُنَّ، فَاخْتَرْنَهُ كُلُّهُنَّ إِلاَّ الْعَامِرِيَّةَ اخْتَارَتْ قَوْمَهَا، فَأُمِرَ ﷺ بِإِمْسَاكِ مَنِ اخْتَارَتْهُ مِنْهُنَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ يَحِل لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلاَ أَنْ تَبَدَّل بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ (٢)، وَذَلِكَ مُكَافَأَةٌ لَهُنَّ عَلَى إِيثَارِهِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ.
الاِخْتِصَاصَاتُ الْمُحَرَّمَةُ
١٩ - قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ ﷺ بَعْضَ مَا أَحَلَّهُ لأُِمَّتِهِ، تَنْزِيهًا لَهُ ﵊ عَنْ سَفَاسِفِ الأُْمُورِ، وَإِعْلاَءً لِشَأْنِهِ، وَلأَِنَّ أَجْرَ تَرْكِ الْمُحَرَّمِ أَكْبَرُ مِنْ أَجْرِ تَرْكِ الْمَكْرُوهِ، وَبِذَلِكَ يَزْدَادُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عُلُوًّا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَمِنْ ذَلِكَ:
أ - الصَّدَقَاتُ:
٢٠ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَرَّمَ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ أَخْذَ شَيْءٍ مِنْ صَدَقَاتِ النَّاسِ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مَفْرُوضَةً أَوْ تَطَوُّعًا، كَالزَّكَاةِ، وَالْكَفَّارَةِ، وَالنَّذْرِ وَالتَّطَوُّعِ، صِيَانَةً لِمَنْصِبِهِ الشَّرِيفِ، وَلأَِنَّهَا تُنْبِئُ عَنْ ذُل الآْخِذِ وَعِزِّ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ، وَقَدْ أَبْدَل اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ بِهَا الْفَيْءَ الَّذِي يُؤْخَذُ عَلَى
_________
(١) سورة الأحزاب / ٢٨، ٢٩
(٢) سورة الأحزاب / ٥٢
سَبِيل الْغَلَبَةِ وَالْقَهْرِ، الْمُنْبِئِ عَنْ عِزِّ الآْخِذِ وَذُل الْمَأْخُوذِ مِنْهُ.
رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لاَ تَحِل لِمُحَمَّدٍ وَلاَ لآِل مُحَمَّدٍ (١) . هَذَا، وَإِنَّ تَحْرِيمَ الصَّدَقَاتِ عَلَى آل الْبَيْتِ إِنَّمَا هُوَ لِقَرَابَتِهِمْ مِنْهُ ﷺ.
ب - الإِْهْدَاءُ لِيَنَال أَكْثَرَ مِمَّا أَهْدَى:
٢١ - حُرِّمَ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يُهْدِيَ لِيُعْطَى أَكْثَرَ مِمَّا أَهْدَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ﴾ (٢)؛ لأَِنَّهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَأْمُورٌ بِأَشْرَفِ الآْدَابِ وَأَجَل الأَْخْلاَقِ، نُقِل ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُمْ (٣) .
ج - أَكْل مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ:
٢٢ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَحْرِيمِ نَحْوِ الثُّومِ وَالْبَصَل
_________
(١) مطالب أولي النهى ٥ / ٣٢، ونهاية المحتاج ٦ / ١٧٥، والخصائص الكبرى ٣ / ٢٦٥، وأسنى المطالب ٣ / ٩٩، وشرح الزرقانى ٢ / ١٥٨، ومواهب الجليل ٣ / ٣٩٧، وسنن البيهقي ٧ / ٣٩، والحديث أخرجه مسلم بشرح النووي ٧ / ١٧٧ - ١٨١ ط العصرية)
(٢) سورة المدثر / ٦
(٣) تفسير القرطبي ١٩ / ٦٦، وسنن البيهقي ٧ / ٥١، وشرح الزرقانى ٢ / ١٥٩، وأسنى المطالب ٣ / ١٠٠، ومطالب أولي النهى ٥ / ٣٢، والخصائص الكبرى ٣ / ٢٧٤، وتلخيص الحبير ٣ / ١٣١
وَمَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. أَنَّ رَسُول اللَّهِ أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَل فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا. مِنَ الْبُقُول، فَقَال: قَرِّبُوهَا أَيْ إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا قَال: كُل فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لاَ تُنَاجِي (١) .
وَقَال جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الشَّافِعِيَّةُ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ أَكْلَهُ لِتَعَرُّضِهِ لِنُزُول الْوَحْيِ عَلَيْهِ فِي كُل سَاعَةٍ، وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَتَأَذَّى بِالرِّيحِ الْخَبِيثَةِ. وَقَدِ اسْتَدَل هَؤُلاَءِ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الأَْنْصَارِيَّ صَنَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا فِيهِ ثُومٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَرْسَل إِلَيْهِ بِطَعَامٍ مِنْ خَضِرَةٍ فِيهِ بَصَلٌ وَكُرَّاثٌ، فَرَدَّهُ ﵊ وَلَمْ يَأْكُل مِنْهُ شَيْئًا فَقَال: أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَال: لاَ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ (٢) .
د - نَظْمُ الشِّعْرِ:
٢٣ - هُوَ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْهِ ﷺ بِالاِتِّفَاقِ، لَكِنْ فَرَّقَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ بَيْنَ الرَّجَزِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْبُحُورِ، فَقَال: الرَّجَزُ جَائِزٌ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَغَيْرُهُ لاَ يَجُوزُ. وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِمَا أَنْشَدَهُ ﵊ مِنَ الرَّجَزِ وَهُوَ يُشَارِكُ فِي حَفْرِ
_________
(١) فتح الباري٢ / ٣٣٩، ط السلفية، والخصائص٣ / ٢٦٨، ومواهب الجليل٣ / ٣٩٧، والزرقاني ٢ / ١٥٨
(٢) أسنى المطالب ٣ / ١٠٠، وروضة الطالبين٧ / ٥، وتلخيص الحبير٣ / ١٢٤ / ٣ ٢٦٣ / ٣
الْخَنْدَقِ، وَمَنْ قَال إِنَّ الرَّجَزَ مِنَ الشِّعْرِ قَال: إِنَّ هَذَا خَاصَّةٌ لَيْسَ بِشِعْرٍ؛ لأَِنَّ الشِّعْرَ لاَ يَكُونُ شِعْرًا إِلاَّ إِنْ صَدَرَ عَنْ قَائِلِهِ بِقَصْدِ الإِْشْعَارِ، وَمَا كَانَ ذَلِكَ فِي ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِهَذَا الرَّجَزِ الَّذِي قَالَهُ (١)
هـ - نَزْعُ لاَمَتِهِ إِذَا لَبِسَهَا لِلْقِتَال حَتَّى يُقَاتِل:
٢٤ - مِمَّا حُرِّمَ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ دُونَ أُمَّتِهِ أَنَّهُ إِذَا لَبِسَ لأَْمَةَ الْحَرْبِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِعَهَا حَتَّى يَلْقَى الْعَدُوَّ؛ لِقَوْلِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: لاَ يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا أَخَذَ لأَْمَةَ الْحَرْبِ وَأَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْعَدُوِّ أَنْ يَرْجِعَ حَتَّى يُقَاتِل (٢) . وَوَاضِحٌ أَنَّهُ يَشْتَرِكُ مَعَهُ فِي هَذِهِ الْخُصُوصِيَّةِ الأَْنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلاَمُهُ.
و خَائِنَةُ الأَْعْيُنِ:
٢٥ - الْمُرَادُ بِهَا الإِْيمَاءُ بِمَا يَظْهَرُ خِلاَفُهُ، وَهُوَ مِمَّا حُرِّمَ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ دُونَ أُمَّتِهِ إِلاَّ فِي مَحْظُورٍ، وَالأَْصْل فِي هَذَا التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ هُوَ تَنَزُّهُ مَقَامِ النُّبُوَّةِ عَنْهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ أَمَّنَ النَّاسَ إِلاَّ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَرْحٍ، فَاخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ،
_________
(١» أسنى المطالب ٣ / ٩٩، وسنن البيهقي ٧ / ٤٢، وتلخيص الحبير ٣ / ١٢٧، وما بعدها، والخصائص٣ / ٢٧٠، ومطالب أولي النهى٥ / ٣١ و٣٢
(٢) مطالب أولي النهى٥ / ٣١، والخصائص ٣ / ٢٧٤، وأسنى المطالب ٣ / ١٠٠ وحديث " لا ينبغي. . . " أخرجه أصحاب المغازي وله طرق أخرى بإسناد حسن عند البيهقي والحاكم من حديث ابن عباس (تلخيص الحبير٣ / ١٢٩)
فَلَمَّا دَعَا رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى الْبَيْعَةِ، جَاءَ بِهِ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلاَثًا، كُل ذَلِكَ يَأْبَى، فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلاَثٍ، ثُمَّ أَقْبَل عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَال: أَمَا فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدَيَّ عَنْ بَيْعَتِهِ لِيَقْتُلَهُ؟ قَالُوا: مَا يُدْرِينَا يَا رَسُول اللَّهِ مَا فِي نَفْسِكَ، هَلاَّ أَوْمَأْتَ بِعَيْنِكَ. قَال: إِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ لِنَبِيٍّ خَائِنَةُ الأَْعْيُنِ (١) . وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ مِمَّا اخْتَصَّ بِهِ هُوَ وَالأَْنْبِيَاءُ دُونَ الأُْمَمِ.
ز - نِكَاحُ الْكَافِرَةِ وَالأَْمَةِ، وَالْمُمْتَنِعَةِ عَنِ الْهِجْرَةِ:
٢٦ - مِمَّا حُرِّمَ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ نِكَاحُ الْكِتَابِيَّةِ، لِخَبَرِ: سَأَلْتُ رَبِّي أَلاَّ أُزَوَّجَ إِلاَّ مَنْ كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ فَأَعْطَانِي (٢)، - أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَ إِسْنَادَهُ - وَلأَِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَشْرَفُ مِنْ أَنْ يَضَعَ مَاءَهُ فِي رَحِمِ كَافِرَةٍ؛ وَلأَِنَّ الْكَافِرَةَ تَكْرَهُ صُحْبَةَ رَسُول اللَّهِ ﷺ (٣) .
كَمَا حُرِّمَ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ نِكَاحُ الأَْمَةِ، وَلَوْ كَانَتْ مُسْلِمَةً؛ لأَِنَّ نِكَاحَهَا مُعْتَبَرٌ لِخَوْفِ الْعَنَتِ (أَيِ الزِّنَا) وَهُوَ مَعْصُومٌ عَنْهُ، أَوْ
_________
(١) أسنى المطالب٣ / ١٠٠، والزرقاني٢ / ١٥٩،والخصائص ٣ / ٢٧٩، وتلخيص الحبير٣ / ١٣٠، وسنن البيهقي ٧ / ٤٠، ومطالب أولي النهى ٥ / ٣١، وقال ابن حجر في التلخيص: إسناد هذا الحديث صالح.
(٢) حديث " سألت ربي. . . " أخرجه الحاكم في " المستدرك " (٢ / ١٣٧) نشر دار الكتاب العربي وقال: " هذا حديث صحيح الإسناد "، ووافقه الذهبي
(٣) الخرشي ٣ / ١٦١، والخصائص ٣ / ٢٧٦، وأسنى المطالب٣ / ١٠٠ / ٣ ٢٦٤ / ٣
لِفِقْدَانِ مَهْرِ الْحُرَّةِ، وَنِكَاحُ رَسُول اللَّهِ ﷺ غَنِيٌّ عَنِ الْمَهْرِ ابْتِدَاءً، إِذْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ بِغَيْرِ مَهْرٍ؛ وَلأَِنَّ نِكَاحَهَا يُؤَدِّي إِلَى رِقِّ الْوَلَدِ وَمَقَامُ النُّبُوَّةِ مُنَزَّهٌ عَنْ هَذَا (١) .
وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْهِجْرَةُ وَلَمْ تُهَاجِرْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَْحْزَابِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ (٢)، وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: (وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ وَاللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ)، وَلِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَال: نُهِيَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ أَصْنَافِ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ الْمُهَاجِرَاتِ (٣)، وَلِحَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: خَطَبَنِي رَسُول اللَّهِ فَاعْتَذَرْتُ إِلَيْهِ، فَعَذَرَنِي، فَأَنْزَل اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ الآْيَةَ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ . قَالَتْ: فَلَمْ أَكُنْ أَحِل لَهُ؛ لأَِنِّي لَمْ أَكُنْ مِمَّنْ هَاجَرَ مَعَهُ، كُنْتُ مِنَ الطُّلَقَاءِ. وَقَال الإِْمَامُ أَبُو يُوسُفَ: لاَ دَلاَلَةَ فِي الآْيَةِ عَلَى
_________
(١) المراجع السابقة.
(٢) سورة الأحزاب / ٥٠
(٣) انظر الخصائص ٣ / ٢٧٧، وما بعدها، وتفسير الطبري ٢٢ / ٢١، وما بعدها، وأحكام الجصاص ٣ / ٤٥٠، وحديث أم هانئ. . . . " أخرجه الترمذي (بشرح ابن العربي ١٢ / ٨٩، ٩٠ ط الصاوي) وقال: " حسن صحيح من هذا الوجه من حديث السدي " اهـ، وقال ابن العربي: " ضعيف جدا ولم يأت هذا ال
أَنَّ اللاَّتِي لَمْ يُهَاجِرْنَ كُنَّ مُحَرَّمَاتٍ عَلَيْهِ، لأَِنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لاَ يَنْفِي مَا عَدَاهُ (١) .
ح - إِمْسَاكُ مَنْ كَرِهَتْهُ:
٢٧ - مِمَّا حُرِّمَ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ إِمْسَاكُ كَارِهَتِهِ وَلَمْ يَحْرُمْ ذَلِكَ عَلَى أُمَّتِهِ، حِفْظًا لِمَقَامِ النُّبُوَّةِ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَدَنَا مِنْهَا قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، فَقَال ﵊: لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ (٢) . وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ وُجُوبُ تَخْيِيرِهِ نِسَاءَهُ الَّذِي تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ عَنْهُ.
الاِخْتِصَاصَاتُ الْمُبَاحَةُ
أ - الصَّلاَةُ بَعْدَ الْعَصْرِ:
٢٨ - ذَهَبَ مَنْ كَرِهَ الصَّلاَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَى أَنَّهُ أُبِيحَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَكَرِهَ ذَلِكَ لأُِمَّتِهِ، فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ وَيَنْهَى عَنْهَا (٣) .
_________
(١) أحكام الجصاص ٣ / ٤٤٩
(٢) أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٣٥٦ برقم ٥٢٥٤) نشر السلفية، تلخيص الحبير ٣ / ١٣١، والخصائص الكبرى ٣ / ٢٧٦، وأسنى المطالب ٣ / ١٠٠، وروضة الطالبين ٧ / ٦، وشرح الزرقاني ٢ / ١٥٨، ومطالب أولي النهى ٥ / ٣١
(٣) الخصائص ٣ / ٢٨٣، وحديث " عائشة أن رسول الله. . . " أخرجه أحمد والبيهقي والطحاوي. / ٣ ٢٦٥ / ٣