الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 51

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

بِلَبَنِ غَيْرِ أَبِيهَا، أَوْ رَضَعْتَ أَنْتَ وَهِيَ مِنَ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ عَنْكُمَا لَكِنْ بِلَبَنٍ مِنْ زَوْجَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.

وَيُعَبِّرُ الْفُقَهَاءُ عَنِ الإِْخْوَةِ وَالأَْخَوَاتِ الشَّقِيقَاتِ بِأَوْلاَدِ الأَْبَوَيْنِ، وَالإِْخْوَةِ الأَْعْيَانِ، وَعَنِ الإِْخْوَةِ وَالأَْخَوَاتِ لأَِبٍ بِأَوْلاَدِ الأَْبِ وَأَوْلاَدِ الْعَلاَّتِ، وَعَنِ الإِْخْوَةِ وَالأَْخَوَاتِ لأُِمٍّ بِأَوْلاَدِ الأُْمِّ، وَالإِْخْوَةِ الأَْخْيَافِ (١) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - الأُْخْتُ مِنْ ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ. وَتَأْخُذُ حُكْمَ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ فِي وُجُوبِ الصِّلَةِ، وَفِي جَوَازِ النَّظَرِ وَمَا فِي حُكْمِهِ، وَفِي حُرْمَةِ النِّكَاحِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْمَحَارِمِ بِنِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ، وَفِي النَّفَقَةِ، وَفِي تَغْلِيظِ الدِّيَةِ، وَاسْتِحْقَاقِ الْعِتْقِ إِذَا مَلَكَهَا أَخُوهَا أَوْ أُخْتُهَا. غَيْرَ أَنَّهَا قَدْ تَخْتَصُّ بِبَعْضِ الأَْحْكَامِ دُونَ بَعْضِ الأَْقَارِبِ، فَالزَّكَاةُ يُجْزِئُ دَفْعُهَا لِلأُْخْتِ بِاتِّفَاقٍ - غَيْرَ أَنَّ الْبَعْضَ اشْتَرَطَ لِذَلِكَ عَدَمَ إِرْثِهَا بِالْفِعْل - وَقَدْ لاَ يُجْزِئُ دَفْعُهَا لِبَعْضِ الْمَحَارِمِ كَالْبِنْتِ (٢) .

٣ - وَفِي الإِْرْثِ تُحْجَبُ الأُْخْتُ بِمَا يَحْجُبُ الأَْخَ، فَهِيَ بِأَنْوَاعِهَا تُحْجَبُ بِالأَْبِ وَبِالْفَرْعِ الْوَارِثِ الذَّكَرِ، وَكَذَلِكَ تُحْجَبُ الأُْخْتُ لأُِمٍّ بِالْجَدِّ (٣) .

وَالأُْخْتُ لأَِبَوَيْنِ أَوْ لأَِبٍ تَرِثُ بِالْفَرْضِ، أَوْ بِالتَّعْصِيبِ، بِخِلاَفِ الأُْخْتِ لأُِمٍّ فَإِنَّهَا لاَ تَرِثُ إِلاَّ

_________

(١) العذب الفائض ١ / ٤٢، ٥٤ ط مصطفى الحلبي وشرح المنهاج بحاشية القليوبي ٣ / ١٤٤ ط الحلبي، وشرح السراجية ص ١٢٤ ط الكردي

(٢) الفتاوى الهندية ١ / ١٨٨، وابن عابدين ٢ / ٦٣ ط بولاق، والتاج والإكليل ٢ / ٢١٤، ٤ / ٢٠٤ ط دار الفكر، والمهذب ١ / ١٧٥ ط عيسى الحلبي، والمعني مع الشرح ٢ / ٥١٢ ط المنار.

(٣) العذب الفائض ١ / ٩٧، شرح السراجية ١٧٩ وما بعدها.

الْفَرْضَ (١) .

وَلاَ تَكُونُ الأُْخْتُ عَصَبَةً بِنَفْسِهَا، بَل بِالْغَيْرِ أَوْ مَعَ الْغَيْرِ، وَلاَ تَحْجُبُ غَيْرَهَا مِمَّنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهَا إِنْ كَانَتْ ذَاتَ فَرْضٍ (٢) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (إِرْثٌ) . وَفِي الْحَضَانَةِ تُقَدَّمُ الأُْخْتُ عَلَى الأَْخِ، وَتُؤَخَّرُ عَنِ الأُْمِّ بِاتِّفَاقٍ، وَتُؤَخَّرُ كَذَلِكَ عَنِ الأَْبِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ (٣) .

وَالأُْخْتُ لأُِمٍّ كَسَائِرِ الأَْخَوَاتِ النَّسَبِيَّةِ فِي الأَْحْكَامِ، إِلاَّ فِي الْمِيرَاثِ، فَهِيَ لاَ تَرِثُ إِلاَّ بِالْفَرْضِ، وَلاَ تَرِثُ بِالتَّعْصِيبِ، وَهِيَ مَعَ أَخِيهَا الذَّكَرِ مِنْ وَلَدِ الأُْمِّ - عَلَى التَّسَاوِي، تَأْخُذُ مِثْلَهُ. وَتُحْجَبُ بِالْفَرْعِ الْوَارِثِ مُطْلَقًا وَالأَْصْل الْوَارِثِ الْمُذَكَّرِ كَالأَْبِ وَالْجَدِّ (٤) (ر: إِرْثٌ) .

أُخْتٌ رَضَاعِيَّةٌ

. انْظُرْ: أُخْتٌ

،

_________

(١) العذب الفائض ١ / ٥٠، ٨٨، ٩١، وشرح السراجية ص ١١٨ وما بعدها.

(٢) العذب الفائض ١ / ٩٠

(٣) ابن عابدين ٢ / ٦٣٨، والحطاب ٤ / ٢١٣، وشرح الروض ٣ / ٤٥٣، والمغني مع الشرح الكبير ٩ / ٣٠٨ ط المنار.

(٤) العذب الفائض ١ / ٥٠، ٨٨، ٩١، ٩٧، وشرح السراجية ص ١١٨، ١٧٩

أُخْتٌ لأَِبٍ

، انْظُرْ: أُخْتٌ

أُخْتَانِ

. انْظُرْ: أُخْتٌ

اخْتِصَاءٌ

انْظُرْ: خِصَاءٌ

اخْتِصَاصٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِخْتِصَاصُ فِي اللُّغَةِ: الاِنْفِرَادُ بِالشَّيْءِ دُونَ الْغَيْرِ، أَوْ إِفْرَادُ الشَّخْصِ دُونَ غَيْرِهِ بِشَيْءٍ مَا (١) .

_________

(١) المصباح المنير ولسان العرب (خصص) .

وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كَذَلِكَ، فَهُمْ يَقُولُونَ: هَذَا مِمَّا اخْتُصَّ بِهِ الرَّسُول ﷺ أَوْ مِمَّا اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهِ، وَيَقُولُونَ فِيمَنْ وَضَعَ سِلْعَتَهُ فِي مَقْعَدٍ مِنْ مَقَاعِدِ السُّوقِ الْمُبَاحَةِ: إِنَّهُ اخْتَصَّ بِهَا دُونَ غَيْرِهِ، فَلَيْسَ لأَِحَدٍ مُزَاحَمَتُهُ حَتَّى يَدَعَ.

مَنْ لَهُ حَقُّ الاِخْتِصَاصِ

٢ - الاِخْتِصَاصُ إِمَّا لِلْمُشَرِّعِ أَوْ لأَِحَدٍ مِنَ الْعِبَادِ بِمَا لَهُ مِنْ وِلاَيَةٍ أَوْ مِلْكٍ.

الاِخْتِصَاصُ مِنَ الْمُشَرِّعِ.

٣ - الاِخْتِصَاصُ مِنَ الْمُشَرِّعِ لاَ تُشْتَرَطُ لَهُ شُرُوطٌ؛ لأَِنَّهُ هُوَ وَاضِعُ الشُّرُوطِ وَالأَْحْكَامِ، وَهُوَ وَاجِبُ الطَّاعَةِ، كَاخْتِصَاصِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِإِبَاحَةِ الزَّوَاجِ بِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسَاءٍ، وَاخْتِصَاصِهِ الْكَعْبَةَ بِوُجُوبِ التَّوَجُّهِ إِلَيْهَا فِي الصَّلاَةِ. وَمَحَل الاِخْتِصَاصِ - فِي هَذَا الْبَحْثِ - قَدْ يَكُونُ شَخْصًا، أَوْ زَمَانًا، أَوْ مَكَانًا.

اخْتِصَاصَاتُ الرَّسُول ﷺ

٤ - الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ فِي بَحْثِ اخْتِصَاصَاتِ الرَّسُول: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الْبَحْثِ فِي خَصَائِصِ الرَّسُول ﷺ، فَأَجَازَهُ الْجُمْهُورُ وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ، وَقَال: الصَّوَابُ الْجَزْمُ بِجَوَازِ ذَلِكَ، بَل بِاسْتِحْبَابِهِ، بَل لَوْ قِيل بِوُجُوبِهِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا؛ لأَِنَّ فِي الْبَحْثِ فِي الْخَصَائِصِ زِيَادَةَ الْعِلْمِ؛ وَلأَِنَّهُ رُبَّمَا رَأَى

جَاهِلٌ بَعْضَ الْخَصَائِصِ ثَابِتَةً فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، فَعَمِل بِهِ أَخْذًا بِأَصْل التَّأَسِّي بِالرَّسُول ﵊، فَوَجَبَ بَيَانُهَا لِتُعْرَفَ فَلاَ يُعْمَل بِهَا.

وَأَمَّا مَا يَقَعُ فِي ضِمْنِ الْخَصَائِصِ مِمَّا لاَ فَائِدَةَ فِيهِ الْيَوْمَ فَقَلِيلٌ، لاَ تَخْلُو أَبْوَابُ الْفِقْهِ عَنْ مِثْلِهِ لِلتَّدَرُّبِ، وَمَعْرِفَةِ الأَْدِلَّةِ وَتَحْقِيقِ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ (١) . وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيِّ. وَحُجَّةُ هَؤُلاَءِ أَنَّهُ لاَ يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْخَصَائِصِ حُكْمٌ نَاجِزٌ تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ.

أَنْوَاعُ اخْتِصَاصَاتِ الرَّسُول ﷺ:

٥ - أ - الأَْحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ الَّتِي لاَ تَتَعَدَّاهُ إِلَى أُمَّتِهِ كَكَوْنِهِ لاَ يُورَثُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

ب - الْمَزَايَا الأُْخْرَوِيَّةُ، كَإِعْطَائِهِ الشَّفَاعَةَ، وَكَوْنِهِ أَوَّل مَنْ يَدْخُل الْجَنَّةَ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

ج - الْفَضَائِل الدُّنْيَوِيَّةُ، كَكَوْنِهِ أَصْدَقَ النَّاسِ حَدِيثًا.

د - الْمُعْجِزَاتُ كَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ، وَغَيْرِهِ.

هـ - الأُْمُورُ الْخُلُقِيَّةُ، كَكَوْنِهِ يَرَى مِنْ خَلْفِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَسَيَقْتَصِرُ الْبَحْثُ عَلَى النَّوْعِ الأَْوَّل مِنْ هَذِهِ الاِخْتِصَاصَاتِ - اخْتِصَاصُهُ ﷺ بِبَعْضِ الأَْحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ. أَمَّا مَوْطِنُ الاِطِّلاَعِ عَلَى الْخَصَائِصِ الأُْخْرَى فَهُوَ كُتُبُ الْعَقَائِدِ، وَكُتُبُ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَالْكُتُبُ الْمُؤَلَّفَةُ فِي خَصَائِصِهِ ﷺ وَفَضَائِلِهِ.

_________

(١) روضة الطالبين ٧ / ١٧، وأسنى المطالب ٣ / ١٠٧

مَا اخْتُصَّ بِهِ ﷺ مِنَ الأَْحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ:

٦ - هَذِهِ الاِخْتِصَاصَاتُ لاَ تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا وَاجِبَةً أَوْ مُحَرَّمَةً أَوْ مُبَاحَةً.

الاِخْتِصَاصَاتُ الْوَاجِبَةُ:

٧ - فَرَضَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ بَعْضَ مَا هُوَ مُبَاحٌ أَوْ مَنْدُوبٌ عَلَى أُمَّتِهِ، إِعْلاَءً لِمَقَامِهِ عِنْدَهُ وَإِجْزَالًا لِثَوَابِهِ؛ لأَِنَّ ثَوَابَ الْفَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ ثَوَابِ النَّفْل، وَفِي الْحَدِيثِ: مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ (١) وَمِنْ ذَلِكَ.

أ - قِيَامُ اللَّيْل:

٨ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قِيَامِ اللَّيْل، هَل كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَرْضًا، مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى عَدَمِ فَرْضِيَّتِهِ عَلَى الأُْمَّةِ. فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَدِ اخْتُصَّ بِافْتِرَاضِ قِيَامِ اللَّيْل عَلَيْهِ، وَتَابَعَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ، مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَرَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ. وَاسْتَدَل عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الإِْسْرَاءِ: ﴿وَمِنَ اللَّيْل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ (٢) أَيْ نَفْلًا لَكَ، أَيْ فَضْلًا: (زِيَادَةً) عَنْ فَرَائِضِكَ

_________

(١) وحديث " ما تقرب إلي عبدي. . . " أخرجه البخاري عن أبي هريرة مرفوعا، وأوله: إن الله قال: من عادى لي وليا. . . (ر: تلخيص الحبير٣ / ١١٧)

(٢) سورة الإسراء / ٧٦ ٣ / ٢٥٨ / ٣

الَّتِي فَرَضْتُهَا عَلَيْكَ، كَمَا يَدُل عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُمِ اللَّيْل إِلاَّ قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ (١) . قَال الطَّبَرِيُّ: " خَيَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى حِينَ فَرَضَ عَلَيْهِ قِيَامَ اللَّيْل بَيْنَ هَذِهِ الْمَنَازِل ". وَيُعَضِّدُ هَذَا وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الأَْوْسَطِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: ثَلاَثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرَائِضُ وَلَكُمْ سُنَّةٌ، الْوِتْرُ وَالسِّوَاكُ وَقِيَامُ اللَّيْل (٢) . وَذَهَبَ مُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ إِلَى أَنَّ قِيَامَ اللَّيْل لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَى، رَسُول اللَّهِ ﷺ بَل هُوَ نَافِلَةٌ، وَإِنَّمَا قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ مِنْ أَجْل أَنَّهُ ﷺ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَمَا عَمِل مَنْ عَمَلٍ سِوَى الْمَكْتُوبَةِ فَهُوَ نَافِلَةٌ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَعْمَل ذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ الذُّنُوبِ، فَهِيَ نَافِلَةٌ وَزِيَادَةٌ، وَالنَّاسُ يَعْمَلُونَ مَا سِوَى الْمَكْتُوبَةِ لِتَكْفِيرِ ذُنُوبِهِمْ فَلَيْسَ لِلنَّاسِ - فِي الْحَقِيقَةِ - نَوَافِل.

وَتَبِعَ مُجَاهِدًا جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الآْخَرِ، فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ وُجُوبَ قِيَامِ اللَّيْل قَدْ نُسِخَ فِي حَقِّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَمَا نُسِخَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ فَرَضَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ (٣)، خَاصَّةً أَنَّ الآْيَةَ مُحْتَمِلَةٌ، وَالْحَدِيثُ

_________

(١) سورة المزمل / ٢ - ٤

(٢) حديث عائشة ﵂: " ثلاث هن على فرائض. . " قال عنه ابن حجر في تلخيص الحبير ٣ / ١٢٠: ضعيف جدا، لأنه من رواية مرسى بن عبد الرحمن الصنعاني عن هشام عن أبيه.

(٣) حديث: " خمس صلوات " أخرجه البخاري ومسلم في كتاب الإيمان، والترمذي في تفسير سورة سبأ، والنسائي في الصلاة.

الَّذِي اسْتَدَل بِهِ مَنْ قَال بِفَرْضِيَّةِ قِيَامِ اللَّيْل عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ (١) .

ب - صَلاَةُ الْوِتْرِ:

٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اخْتِصَاصِ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِافْتِرَاضِ صَلاَةِ الْوِتْرِ عَلَيْهِ، مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَى أُمَّتِهِ. فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوِتْرَ كَانَ وَاجِبًا عَلَى رَسُول اللَّهِ (٢) وَقَال الْحَلِيمِيُّ وَالْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ وَالْغَزَالِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَكَذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ هَذَا الْوُجُوبَ خَاصٌّ بِالْحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ (٣)، لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْوِتْرَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَلاَ يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ (٤) . وَقَال النَّوَوِيُّ: الْمَذْهَبُ أَنَّ صَلاَةَ الْوِتْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى رَسُول اللَّهِ، وَلَكِنْ جَوَازُ صَلاَتِهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ خَاصٌّ بِهِ ﵊ (٥) .

وَيَرَى الْعَيْنِيُّ الْحَنَفِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي

_________

(١) انظر في ذلك المراجع التالية: تفسير ابن كثير، وتفسير الطبري، وتفسير القرطبي، وأحكام القرآن للجصاص في تفسير قوله تعالى في سورة الإسراء: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) . وانظر شرح الزرقاني على خليل ٣ / ١٥٦، تصوير بيروت دار الفكر، وروضة الطالبين ٧ / ٣، طبع المك

(٢) نهاية المحتاج شرح المنهاج ٦ / ١٧٥ ط المكتبة الإسلامية، وروضة الطالبين ٧ / ٣، وأسنى المطالب ٣ / ٩٩

(٣) شرح الزرقاني٢ / ١٥٦، وتلخيص الحبير ٣ / ١٢٠

(٤) حديث ابن عمر أخرجه البخاري ومسلم في صلاة الوتر.

(٥) المجموع شرح المهذب ٤ / ٢٠ ط المكتبة السلفية بالمدينة المنورة. / ٣ ٢٥٩ / ٣

وَالْحَنَفِيَّةُ يَقُولُونَ بِوُجُوبِ الْوِتْرِ - إِنَّ صَلاَةَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْوِتْرَ عَلَى الرَّاحِلَةِ كَانَ قَبْل أَنْ يُفْتَرَضَ عَلَيْهِ الْوِتْرُ (١) .

ج - صَلاَةُ الضُّحَى:

١٠ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ صَلاَةِ الضُّحَى عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ، مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ الشَّافِعِيَّةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ صَلاَةَ الضُّحَى مَفْرُوضَةٌ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ رَسُول اللَّهِ ﷺ: ثَلاَثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرَائِضُ، وَلَكُمْ تَطَوُّعٌ: النَّحْرُ وَالْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الضُّحَى (٢) .

وَأَقَل الْوَاجِبِ مِنْهَا عَلَيْهِ رَكْعَتَانِ لِحَدِيثِ: أُمِرْتُ بِرَكْعَتَيِ الضُّحَى وَلَمْ تُؤْمَرُوا بِهَا (٣) . وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ صَلاَةَ الضُّحَى لَيْسَتْ مَفْرُوضَةً عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ لِقَوْلِهِ ﷺ: أُمِرْتُ بِالْوِتْرِ وَالأَْضْحَى وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيَّ (٤) .

_________

(١) عمدة القاري ٧ / ١٥ ط المنيرية.

(٢) مواهب الجليل ٣ / ٣٩٣، وشرح الزرقاني ٢ / ١٥٥، وروضة الطالبين٧ / ٣، والخصائص الكبرى ٣ / ٢٥٢، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج٦ / ١٧٥، وحديث: " ثلاث هن على فرائض. . . " " رواه أحمد في مسنده (١ / ٣١) والحديث ضعيف من جميع طرقه (تلخيص الحبير٣ / ١١٨)

(٣) حديث: " أمرت بركعتي الضحى. . . " أخرجه الإمام أحمد، والحديث ضعيف بجميع طرقه، كما قال ابن حجر (تلخيص الحبير٣ / ١١٨)

(٤) شرح الزرقاني على مختصر خليل ٢ / ١٥٥، وحديث: " أمرت بالوتر. . . " أخرجه الدارقطني، وقال فيه عبد الله بن محرر متروك.

د - سُنَّةُ الْفَجْرِ:

١١ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي فَرْضِيَّةِ سُنَّةِ الْفَجْرِ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَى غَيْرِهِ. فَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ السَّلَفِ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا عَلَيْهِ ﷺ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثَلاَثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَهُنَّ لَكُمْ تَطَوُّعٌ: الْوِتْرُ وَالنَّحْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ (١) .

هـ - السِّوَاكُ:

١٢ - الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ لِكُل صَلاَةٍ مُفْتَرَضٌ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ لِكُل صَلاَةٍ، طَاهِرًا وَغَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ أُمِرَ بِالسِّوَاكِ لِكُل صَلاَةٍ. وَفِي لَفْظٍ: وُضِعَ عَنْهُ الْوُضُوءُ إِلاَّ مِنْ حَدَثٍ (٢) .

و الأُْضْحِيَةُ:

١٣ - الأُْضْحِيَةُ فَرْضٌ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ دُونَ أُمَّتِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ: ثَلاَثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرَائِضُ وَلَكُمْ تَطَوُّعٌ: النَّحْرُ وَالْوِتْرُ

_________

(١) مطالب أولي النهى ٥ / ٣٠، طبع المكتب الإسلامي، والخصائص الكبرى ٣ / ٢٥٣، وحديث ابن عباس: " ثلاث كتبت على. . . " أخرجه الدارقطني وغيره، وقال عنه ابن حجر: في تلخيص الحبير ٣ / ١١٨، الحديث ضعيف من جميع طرقه.

(٢) حديث عبد الله بن حنظلة إسناده حسن (تلخيص الحبير ٣ / ١٢٠)، وانظر نهاية المحتاج ٦ / ١٧٥، وروضة الطالبين ٧ / ٣، ومطالب أولي النهى ٥ / ٣٠، ومواهب الجليل ٣ / ٣٩٤، وشرح الزرقاني ٢ / ١٥٦، والخصائص الكبرى ٣ / ٢٥٣ / ٣ ٢٦٠ / ٣