الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢
أَنْوَاعُ الإِْحْصَارِ
بِحَسَبِ الرُّكْنِ الْمُحْصَرِ عَنْهُ
يَتَنَوَّعُ الإِْحْصَارُ بِحَسَبِ الرُّكْنِ الَّذِي أُحْصِرَ عَنْهُ الْمُحْرِمُ ثَلاَثَةَ أَنْوَاعٍ:
الأَْوَّل: الإِْحْصَارُ عَنِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَعَنْ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ:
٩ - هَذَا الإِْحْصَارُ يَتَحَقَّقُ بِهِ الإِْحْصَارُ الشَّرْعِيُّ، بِمَا يَتَرَبَّبُ عَلَيْهِ مِنْ أَحْكَامٍ سَتَأْتِي (ف ٢٦) وَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الأَْئِمَّةِ، مَعَ اخْتِلاَفِهِمْ فِي بَعْضِ أَسْبَابِ الإِْحْصَارِ.
الثَّانِي: الإِْحْصَارُ عَنِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ دُونَ الطَّوَافِ:
١٠ - مَنْ أُحْصِرَ عَنِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، دُونَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، فَلَيْسَ بِمُحْصَرٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَلَّل بِمَنَاسِكِ الْعُمْرَةِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ مَنَاسِكَ الْعُمْرَةِ بِالإِْحْرَامِ السَّابِقِ نَفْسِهِ. وَيَتَحَلَّل بِتِلْكَ الْعُمْرَةِ (١) .
قَال فِي الْمَسْلَكِ الْمُتَقَسِّطِ: " وَإِنْ مُنِعَ عَنِ الْوُقُوفِ فَقَطْ يَكُونُ فِي مَعْنَى فَائِتِ الْحَجِّ، فَيَتَحَلَّل بَعْدَ فَوْتِ الْوُقُوفِ عَنْ إِحْرَامِهِ بِأَفْعَال الْعُمْرَةِ، وَلاَ دَمَ عَلَيْهِ، وَلاَ عُمْرَةَ فِي الْقَضَاءِ (٢) ".
_________
(١) لباب المناسك ص ٢٧٣، وهذا معنى قول الحنفية: " فتحلله بالطواف " أي وما معه من السعي والحلق. رد المحتار ٢ / ٣٢٣، والكافي ١ / ٦٢٨، والمغني ٣ / ٣٦٠
(٢) المسلك المتقسط / ٢٧٣
وَهَذَا يُفِيدُ بِظَاهِرِهِ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ حَتَّى يَفُوتَ الْوُقُوفُ، فَيَتَحَلَّل بِعُمْرَةٍ، أَيْ بِأَعْمَال عُمْرَةٍ بِإِحْرَامِهِ السَّابِقِ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْمَبْسُوطِ بِقَوْلِهِ: " إِنْ لَمْ يَكُنْ مَمْنُوعًا مِنَ الطَّوَافِ يُمْكِنُهُ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يَفُوتَهُ الْحَجُّ، فَيَتَحَلَّل بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ (١) " وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَنْ أُحْصِرَ عَنِ الْوُقُوفِ فَقَطْ مُحْصَرًا، وَيَتَحَلَّل بِأَعْمَال الْعُمْرَةِ. لَكِنَّهُ وَإِنْ تَشَابَهَتِ الصُّورَةُ عِنْدَ هَؤُلاَءِ الأَْئِمَّةِ إِلاَّ أَنَّ النَّتِيجَةَ تَخْتَلِفُ فِيمَا بَيْنَهُمْ. فَالْحَنَفِيَّةُ يَعْتَبِرُونَهُ تَحَلُّل فَائِتِ حَجٍّ، فَلاَ يُوجِبُونَ عَلَيْهِ دَمًا، وَيَعْتَبِرُهُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ تَحَلُّل إِحْصَارٍ، فَعَلَيْهِ دَمٌ (٢) أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: لَهُ أَنْ يَفْسَخَ نِيَّةَ الْحَجِّ، وَيَجْعَلَهُ عُمْرَةً، وَلاَ هَدْيَ عَلَيْهِ، لإِبَاحَةِ ذَلِكَ لَهُ مِنْ غَيْرِ إِحْصَارٍ، فَفِيهِ أَوْلَى، فَإِنْ كَانَ طَافَ وَسَعَى لِلْقُدُومِ ثُمَّ أُحْصِرَ أَوْ مَرِضَ، حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ، تَحَلَّل بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ آخَرَ، لأَِنَّ الأَْوَّل لَمْ يَقْصِدْ بِهِ طَوَافَ الْعُمْرَةِ وَلاَ سَعْيَهَا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُجَدِّدَ إِحْرَامًا (٣) .
الثَّالِثُ: الإِْحْصَارُ عَنْ طَوَافِ الرُّكْنِ:
١١ - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ ثُمَّ أُحْصِرَ لاَ يَكُونُ مُحْصَرًا، لِوُقُوعِ الأَْمْنِ عَنِ الْفَوَاتِ، كَمَا قَال الْحَنَفِيَّةُ. وَيَفْعَل مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أَعْمَال الْحَجِّ، وَيَظَل مُحْرِمًا فِي حَقِّ النِّسَاءِ حَتَّى يَطُوفَ
_________
(١) المبسوط ٤ / ١١٤، صرح به ابن قدامة في الكافي، وقال في المغني: " فإن فاته الحج فحكمه حكم من فاته بغير حصر ".
(٢) المنتقي للباجي ٢ / ٢٧٢، والدسوقي ٢ / ٩٥، ٩٦، والحطاب ٣ / ٢٠٠، والمجموع ٨ / ١٤٦، والقليوبي ٢ / ١٥١
(٣) المغني لابن قدامة ٣ / ٣٦٠
طَوَافَ الإِْفَاضَةِ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ مُنِعَ الْمُحْرِمُ مِنْ مَكَّةَ دُونَ عَرَفَةَ وَقَفَ وَتَحَلَّل، وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ فِي الأَْظْهَرِ (٢) . وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَفَرَّقُوا بَيْنَ أَمْرَيْنِ فَقَالُوا:
إِنْ أُحْصِرَ عَنِ الْبَيْتِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ قَبْل رَمْيِ الْجَمْرَةِ فَلَهُ التَّحَلُّل (٣) .
وَإِنْ أُحْصِرَ عَنْ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ بَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّل.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى التَّحَلُّل فِي الصُّورَةِ الأُْولَى فِي الإِْحْصَارِ قَبْل الرَّمْيِ بِأَنَّ " الْحَصْرَ يُفِيدُهُ التَّحَلُّل مِنْ جَمِيعِهِ، فَأَفَادَ التَّحَلُّل مِنْ بَعْضِهِ ".
وَهُوَ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا.
وَاسْتَدَلُّوا لِعَدَمِ التَّحَلُّل بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ إِذَا أُحْصِرَ عَنِ الْبَيْتِ: بِأَنَّ إِحْرَامَهُ أَيْ بَعْدَ الرَّمْيِ عِنْدَهُمْ إِنَّمَا هُوَ عَنِ النِّسَاءِ، وَالشَّرْعُ إِنَّمَا وَرَدَ بِالتَّحَلُّل الإِْحْرَامُ التَّامُّ الَّذِي يَحْرُمُ جَمِيعُ مَحْظُورَاتِهِ، فَلاَ يَثْبُتُ - التَّحَلُّل - بِمَا لَيْسَ مِثْلَهُ (٤) . وَمَتَى زَال الْحَصْرُ أَتَى بِالطَّوَافِ، وَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ (٥) .
_________
(١) الهداية ٢ / ٣٠٢ وتبيين الحقائق وحاشية الشلبي ٢ / ٨١، وشرح اللباب ص ٢٧٥، ومواهب الجليل ٣ / ١٩٩، وحاشية الدسوقي ٢ / ٩٥، وفتح القدير ٢ / ٣٠٢
(٢) نهاية المحتاج ٢ / ٤٧٤، وانظر مزيدا من التفاصيل والأقوال في مذهب الشافعية في المجموع ٨ / ٢٤٥ - ٢٤٦، وهو قول الباجي من المالكية في المنتقى ٢ / ٢٧٢ واستدل بمعنى ما أوردناه هنا.
(٣) المغني ٣ / ٣٥٩ - ٣٦٠
(٤) هكذا الحكم والتعليل في كل كتب المذهب الموجودة في متناول الموسوعة، وهو كما يظهر غريب، وفي التزامه حرج شديد. وفي المذاهب الأخرى سعة " اللجنة ".
(٥) المرجع السابق، ومطالب أولي النهى ٢ / ٤٥٩
أَنْوَاعُ الإِْحْصَارِ مِنْ حَيْثُ سَبَبُهُ
الإِْحْصَارُ بِسَبَبٍ فِيهِ قَهْرٌ (أَوْ سُلْطَةٌ)
١٢ - ذَكَرُوا مِنْ صُوَرِهِ مَا يَلِي: الْحَصْرَ بِالْعَدُوِّ - الْفِتْنَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ - الْحَبْسَ - مَنْعَ السُّلْطَانِ عَنِ الْمُتَابَعَةِ - السَّبُعَ - مَنْعَ الدَّائِنِ مَدِينَهُ عَنِ الْمُتَابَعَةِ - مَنْعَ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ عَنِ الْمُتَابَعَةِ - مَوْتَ الْمَحْرَمِ أَوِ الزَّوْجِ أَوْ فَقْدَهُمَا - الْعِدَّةَ الطَّارِئَةَ - مَنْعَ الْوَلِيِّ الصَّبِيَّ وَالسَّفِيهَ عَنِ الْمُتَابَعَةِ - مَنْعَ السَّيِّدِ عَبْدَهُ عَنِ الْمُتَابَعَةِ.
وَقَبْل الدُّخُول فِي تَفْصِيل الْبَحْثِ لاَ بُدَّ مِنْ إِجْمَالٍ مُهِمٍّ، هُوَ: أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَصَرُوا الْحَصْرَ الَّذِي يُبِيحُ التَّحَلُّل لِلْمُحْصَرِ بِثَلاَثَةِ أَسْبَابٍ، أَحْصَوْهَا بِالْعَدَدِ، وَهِيَ: الْحَصْرُ بِالْعَدُوِّ، وَالْحَصْرُ بِالْفِتْنَةِ، وَالْحَبْسُ ظُلْمًا. وَبِالتَّالِي فَإِنَّ هَذِهِ الأَْسْبَابَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْمَذَاهِبِ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَاتَّفَقُوا مَعَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى جَمِيعِ الصُّوَرِ الَّتِي صَدَرَ بِهَا الْمَوْضُوعُ مَا عَدَا ثَلاَثَةَ أَسْبَابٍ هِيَ: مَنْعُ السُّلْطَانِ عَنِ الْمُتَابَعَةِ، وَالْحَصْرُ بِالسَّبُعِ، وَالْعِدَّةُ الطَّارِئَةُ.
فَهَذِهِ الثَّلاَثَةُ تَفَرَّدَ بِهَا الْحَنَفِيَّةُ.
هَذَا مَعَ مُرَاعَاةِ تَفْصِيلٍ فِي بَعْضِ الأَْسْبَابِ الَّتِي ذُكِرَ اتِّفَاقُ الْحَنَفِيَّةِ مَعَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَيْهَا وَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
أ - الْحَصْرُ بِالْعَدُوِّ الْكَافِرِ:
١٣ - وَهُوَ أَنْ يَتَسَلَّطَ الْعَدُوُّ عَلَى بُقْعَةٍ تَقَعُ فِي طَرِيقِ الْحُجَّاجِ، فَيَقْطَعَ عَلَى الْمُحْرِمِينَ السُّبُل، وَيَصُدَّهُمْ عَنِ الْمُتَابَعَةِ لأَِدَاءِ مَنَاسِكِهِمْ.
وَتَحَقُّقُ الْحَصْرِ الشَّرْعِيِّ بِهَذِهِ الصُّورَةِ مَحَل إِجْمَاعِ
الْعُلَمَاءِ، وَفِيهَا نَزَل الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ. كَمَا سَبَقَ (١) .
وَقَدْ قَرَّرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ أَحْصَرَ الْعَدُوُّ طَرِيقًا إِلَى مَكَّةَ أَوْ عَرَفَةَ، وَوَجَدَ الْمُحْصَرُ طَرِيقًا آخَرَ، يَنْظُرُ فِيهِ: فَإِنْ أَضَرَّ بِهِ سُلُوكُهَا لِطُولِهِ، أَوْ صُعُوبَةِ طَرِيقِهِ، ضَرَرًا مُعْتَبَرًا، فَهُوَ مُحْصَرٌ شَرْعًا. وَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ فَلاَ يَكُونُ مُحْصَرًا شَرْعًا (٢) .
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ أَلْزَمُوا الْمُحْصَرَ بِالطَّرِيقِ الآْخَرِ وَلَوْ كَانَ أَطْوَل أَوْ فِيهِ مَشَقَّةٌ، مَا دَامَتِ النَّفَقَةُ تَكْفِيهِمْ لِذَلِكَ الطَّرِيقِ.
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَعِبَارَاتُهُمْ مُطْلَقَةٌ عَنِ التَّقْيِيدِ بِأَيٍّ مِنْ هَذَيْنِ الأَْمْرَيْنِ، مِمَّا يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُمْ يُلْزِمُونَهُ بِالطَّرِيقِ الآْخَرِ وَلَوْ كَانَ أَطْوَل أَوْ أَشَقَّ، وَلَوْ كَانَتِ النَّفَقَةُ لاَ تَكْفِيهِمْ. وَهَذَا يُشِيرُ إِلَى تَرْجِيحِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لِفَوَاتِ الْحَجِّ بِسَبَبِ الطَّرِيقِ الثَّانِي، وَلَعَلَّهُ لِذَلِكَ ذَكَرَهُ ابْنُ قُدَامَةَ أَوَّلًا (٣) .
فَإِذَا سَلَكَ الطَّرِيقَ الأَْطْوَل فَفَاتَهُ الْحَجُّ بِطُول الطَّرِيقِ أَوْ خُشُونَتِهِ أَوْ غَيْرِهِمَا، فَمَا يَحْصُل الْفَوَاتُ بِسَبَبِهِ فَقَوْلاَنِ مَشْهُورَانِ فِي الْمَذْهَبَيْنِ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنْبَلِيِّ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، بَل يَتَحَلَّل تَحَلُّل الْمُحْصَرِ؛ لأَِنَّهُ مُحْصَرٌ، وَلِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ. وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، كَمَا لَوْ سَلَكَهُ ابْتِدَاءً، فَفَاتَهُ بِضَلاَلٍ فِي الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ، وَلَوِ اسْتَوَى الطَّرِيقَانِ مِنْ كُل وَجْهٍ وَجَبَ الْقَضَاءُ بِلاَ خِلاَفٍ؛ لأَِنَّهُ فَوَاتٌ مَحْضٌ.
_________
(١) المجموع ٨ / ٢٦٧، والمغني ٣ / ٣٥٦
(٢) المسلك المتقسط ٢٧٣، والدردير شرح مختصر خليل ٢ / ٩٣
(٣) وقال في منار السبيل ١ / ٢٦٩: " لو صد عن الوقوف فتحلل قبل فواته فلا قضاء " فأشار إلى أنه لو تحلل بعد الفوات فعليه القضاء، كما هنا. والعبارة للمجموع للنووي الشافعي ٨ / ٢٤٠ بتصرف يسير. وانظر المغني ٣ / ٣٥٧، والكافي ١ / ٦٢٤، وغاية المنتهى وشرحه مطالب أولي النهى ٢ / ٤٥٧
ب - الإِْحْصَارُ بِالْفِتْنَةِ:
١٤ - بِأَنْ تَحْصُل حَرْبٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عِيَاذًا بِاللَّهِ تَعَالَى، وَيُحْصَرُ الْمُحْرِمُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، مِثْل الْفِتْنَةِ الَّتِي ثَارَتْ بِحَرْبِ الْحَجَّاجِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ سَنَةَ ٧٣ هـ. وَهَذَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الإِْحْصَارُ شَرْعًا أَيْضًا بِاتِّفَاقِ الأَْئِمَّةِ كَالإِْحْصَارِ بِالْعَدُوِّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ (١) .
ج - الْحَبْسُ:
١٥ - بِأَنْ يُسْجَنَ الْمُحْرِمُ بَعْدَمَا تَلَبَّسَ بِالإِْحْرَامِ. وَقَدْ فَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بَيْنَ الْحَبْسِ بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ. فَإِنْ حُبِسَ بِغَيْرِ حَقٍّ، بِأَنِ اعْتُقِل ظُلْمًا، أَوْ كَانَ مَدِينًا ثَبَتَ إِعْسَارُهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُحْصَرًا. وَإِنْ حُبِسَ بِحَقٍّ عَلَيْهِ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّل وَلاَ يَكُونُ مُحْصَرًا، وَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَرَضِ. أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ أَطْلَقُوا الْحَبْسَ سَبَبًا لِلإِْحْصَارِ (٢) .
د - مَنْعُ الدَّائِنِ مَدِينَهُ عَنِ الْمُتَابَعَةِ:
١٦ - عَدَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الدَّيْنَ مَانِعًا مِنْ مَوَانِعِ النُّسُكِ فِي بَابِ الإِْحْصَارِ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إِنْ حُبِسَ ظُلْمًا
_________
(١) المراجع السابقة.
(٢) شرح الدردير ٢ / ٩٣، ومواهب الجليل ٣ / ١٩٥، وحاشية عميرة على شرح المنهاج ٢ / ١٤٧، والمجموع ٨ / ٢٤٨، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٧٤، والكافي ١ / ٦٢٨، والمغني ٣ / ٣٥٦، والشرح الكبير على المقنع ٣ / ٥١٦، والمسلك المتقسط ص ٢٧٣
كَانَ مُحْصَرًا، وَإِلاَّ فَلاَ، فَآلَتِ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَهُمْ إِلَى الْحَبْسِ، كَالْحَنَفِيَّةِ (١) .
هـ - مَنْعُ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ عَنِ الْمُتَابَعَةِ:
١٧ - مَنْعُ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ عَنِ الْمُتَابَعَةِ يَتَحَقَّقُ بِهِ إِحْصَارُهَا بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ)، وَذَلِكَ فِي حَجِّ النَّفْل، أَوْ عُمْرَةِ النَّفْل، عِنْدَ الْجَمِيعِ، وَعُمْرَةِ الإِْسْلاَمِ، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ لِقَوْلِهِمْ بِعَدَمِ فَرْضِيَّتِهَا (٢) .
وَإِنْ أَذِنَ لَهَا الزَّوْجُ ابْتِدَاءً بِحَجِّ النَّفْل أَوْ عُمْرَةِ النَّفْل وَلَهَا مَحْرَمٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا بَعْدَ الإِْحْرَامِ؛ لأَِنَّهُ تَغْرِيرٌ، وَلاَ تَصِيرُ مُحْصَرَةً بِمَنْعِهِ.
وَحَجَّةُ الإِْسْلاَمِ، أَوِ الْحَجُّ الْوَاجِبُ، كَالنَّذْرِ، إِذَا أَحْرَمَتِ الزَّوْجَةُ بِهِمَا بِغَيْرِ إِذْنِ الزَّوْجِ، وَلَهَا مَحْرَمٌ، فَلاَ تَكُونُ مُحْصَرَةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُمْ لاَ يَشْتَرِطُونَ إِذْنَ الزَّوْجِ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ حَجِّ الْفَرْضِ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا بِمَحْظُورٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ، وَلَوْ تَحَلَّلَتْ هِيَ لَمْ
_________
(١) روض الطالب ١ / ٥٢٨، ومغني المحتاج ١ / ٥٣٧، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٧٩، والشرح الكبير ٣ / ٥١، والمغني ٣ / ٣٥٧، والمسلك المتقسط لملا علي القاري ١ / ٤٥، بتصرف يسير، وفتح القدير ٢ / ١١٨، ونحوه في الفتاوى الهندية ١ / ٢٠٦، والزرقاني في شرحه على مختصر خليل ٢ / ٣٤١
(٢) البدائع ٢ / ١٧٦، ورد المحتار ٢ / ٣٢٠، والمسلك المتقسط ص ٢٧٤، والمبسوط ٢ / ١١٢، وشرح الدردير ٢ / ٩٧، وشرح الزرقاني ٢ / ٣٣٩، ومواهب الجليل ٣ / ٢٠٥، وشرح المنهاج ٢ / ١٤٩ - ١٥٠، والمجموع ٨ / ٢٥٨، والمهذب ٨ / ٢٥٦، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٧٨، والشرح الكبير ٣ / ٥١٦، والكافي ١ / ٦٢٨، والمغني ٣ / ٣٥٧
يَصِحَّ تَحَلُّلُهَا (١) .
وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَيَقُولُونَ بِاشْتِرَاطِ إِذْنِ الزَّوْجِ لِفَرْضِيَّةِ الْحَجِّ، فَإِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهَا قَبْل إِحْرَامِهَا، وَأَحْرَمَتْ، كَانَ لَهُ مَنْعُهَا، فَصَارَتْ كَالصُّورَةِ الأُْولَى عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ (٢) .
وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِحَجَّةِ الْفَرْضِ وَكَانَ لَهَا زَوْجٌ وَلَيْسَ مَعَهَا مَحْرَمٌ، فَمَنَعَهَا الزَّوْجُ، فَهِيَ مُحْصَرَةٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَكَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَلاَ تَكُونُ مُحْصَرَةً إِذَا سَافَرَتْ مَعَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ، وَكَانَتْ هِيَ مَأْمُونَةً أَيْضًا، لأَِنَّهُمْ يَكْتَفُونَ بِهَذَا لِسَفَرِ الْمَرْأَةِ فِي الْحَجِّ الْفَرْضِ، وَلاَ يَشْتَرِطُونَ إِذْنَ الزَّوْجِ لِلسَّفَرِ فِي الْحَجِّ الْفَرْضِ (٣) .
و مَنْعُ الأَْبِ ابْنَهُ عَنِ الْمُتَابَعَةِ:
١٨ - مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ لِلأَْبَوَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا مَنْعَ ابْنِهِ عَنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ لاَ الْفَرْضِ. وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْفَرْضِ أَيْضًا، لَكِنْ لاَ يَصِيرُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ مُحْصَرًا بِمَنْعِهِمَا، لِمَا عُرِفَ مِنْ حَصْرِ الْمَالِكِيَّةِ أَسْبَابَ الإِْحْصَارِ بِمَا لاَ يَدْخُل هَذَا فِيهِ (٤) .
_________
(١) المسلك المتقسط ص ٢٧٤، والمراجع السابقة. وانظر الكافي ١ / ٥١٩، والمغني ٣ / ٢٤٠
(٢) شرح المنهاج ٢ / ١٥٠، والمجموع ٨ / ٢٥٧
(٣) البدائع ٢ / ١٧٦، والمغني ٣ / ٢٣٦، وحاشية الدسوقي ٢ / ٩، وحاشية العدوي على شرح رسالة ابن أبي زيد ١ / ٤٥٥، ومحل الاكتفاء بالرفقة المأمونة إذا لم تجد الزوج أو المحرم، ولو بأجرة، فليتنبه.
(٤) شرح الزرقاني على مختصر خليل ٢ / ٢٤١، والمغني ٣ / ٥٣٣ - ٥٣٤ والمجموع على المهذب ٨ / ٢٦٣ - ٢٦٤. ونهاية المحتاج للرملي ٢ / ٤٧٩
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: يُكْرَهُ الْخُرُوجُ إِلَى الْحَجِّ إِذَا كَرِهَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ وَكَانَ الْوَالِدُ مُحْتَاجًا إِلَى خِدْمَةِ الْوَلَدِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنْ خِدْمَتِهِ فَلاَ بَأْسَ.
وَذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ إِذَا كَانَ لاَ يَخَافُ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ فَلاَ بَأْسَ بِالْخُرُوجِ. وَحَجُّ الْفَرْضِ أَوْلَى مِنْ طَاعَةِ الْوَالِدَيْنِ، وَطَاعَتُهُمَا أَوْلَى مِنْ حَجِّ النَّفْل (١) .
ز - الْعِدَّةُ الطَّارِئَةُ:
١٩ - وَالْمُرَادُ طُرُوءُ عِدَّةِ الطَّلاَقِ بَعْدَ الإِْحْرَامِ: فَإِذَا أَهَلَّتِ الْمَرْأَةُ بِحَجَّةِ الإِْسْلاَمِ أَوْ حَجَّةِ نَذْرٍ أَوْ نَفْلٍ، فَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَوَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ، صَارَتْ مُحْصَرَةً، وَإِنْ كَانَ لَهَا مَحْرَمٌ، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ دُونَ أَنْ تَتَقَيَّدَ بِمَسَافَةِ السَّفَرِ (٢) .
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَأَجْرَوْا عَلَى عِدَّةِ الطَّلاَقِ حُكْمَ وَفَاةِ الزَّوْجِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ أَحْرَمَتْ بِحَجٍّ أَوْ قِرَانٍ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ، وَخَافَتْ فَوْتَهُ لِضِيقِ الْوَقْتِ، خَرَجَتْ وُجُوبًا وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ؛ لِتَقَدُّمِ الإِْحْرَامِ.
وَإِنْ أَمِنَتِ الْفَوَاتَ لِسَعَةِ الْوَقْتِ جَازَ لَهَا الْخُرُوجُ لِذَلِكَ، لِمَا فِي تَعَيُّنِ التَّأْخِيرِ مِنْ مَشَقَّةِ مُصَابَرَةِ الإِْحْرَامِ. وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَفَرَّقُوا بَيْنَ عِلَّةِ الطَّلاَقِ الْمَبْتُوتِ وَالرَّجْعِيِّ، فَلَهَا أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ - يَعْنِي الْحَجَّ - فِي عِدَّةِ الطَّلاَقِ الْمَبْتُوتِ، وَأَمَّا عِدَّةُ الرَّجْعِيَّةِ فَالْمَرْأَةُ فِي الإِْحْصَارِ كَالزَّوْجَةِ (٣) .
_________
(١) فتح القدير ٢ / ١١٨، والفتاوى الهندية ١ / ٢٠٦
(٢) المسلك المتقسط ص ٢٧٥، ورد المحتار ٢ / ٣٢٠، والمبسوط ٤ / ١١١، وفيه: " لو كانت معتدة لم يكن لها أن تخرج
(٣) المغني ٣ / ٢٤٠ - ٢٤١، ونهاية المحتاج ٦ / ٢٢٠ - ٢٢١
الْمَنْعُ بِعِلَّةٍ تَمْنَعُ الْمُتَابَعَةَ
٢٠ - وَمِنْ صُوَرِهِ: الْكَسْرُ أَوِ الْعَرَجُ - الْمَرَضُ - هَلاَكُ النَّفَقَةِ - هَلاَكُ الرَّاحِلَةِ - الْعَجْزُ عَنِ الْمَشْيِ - الضَّلاَلَةُ عَنِ الطَّرِيقِ. وَتَحَقُّقُ الإِْحْصَارِ بِسَبَبٍ مِنْ هَذِهِ الأَْسْبَابِ هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ.
أَمَّا الْجُمْهُورُ فَيَقُولُونَ إِنَّهَا لاَ تَجْعَل صَاحِبَهَا مُحْصَرًا شَرْعًا، فَإِذَا حُبِسَ بِشَيْءٍ مِنْهَا لاَ يَتَحَلَّل حَتَّى يَبْلُغَ الْبَيْتَ، فَإِنْ أَدْرَكَ الْحَجَّ فِيهَا، وَإِلاَّ تَحَلَّل بِأَعْمَال الْعُمْرَةِ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ (الْفَوَاتِ) . انْظُرْ مُصْطَلَحَ (فَوَاتٌ)
الْكَسْرُ أَوِ الْعَرَجُ:
٢١ - وَالْمُرَادُ بِالْعَرَجِ الْمَانِعُ مِنَ الذَّهَابِ وَالأَْصْل فِي هَذَا السَّبَبِ مَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ: مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَل.
الْمَرَضُ:
٢٢ - وَالْمُعْتَبَرُ هُنَا الْمَرَضُ الَّذِي لاَ يَزِيدُ بِالذَّهَابِ، بِنَاءً عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، أَوْ بِإِخْبَارِ طَبِيبٍ حَاذِقٍ مُتَدَيِّنٍ (١) .
وَالأَْصْل فِي الإِْحْصَارِ بِالْمَرَضِ مِنَ السُّنَّةِ الْحَدِيثُ الَّذِي سَبَقَ فَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: " أَوْ مَرِضَ ".
هَلاَكُ النَّفَقَةِ أَوِ الرَّاحِلَةِ:
٢٣ - إِنْ سُرِقَتْ نَفَقَةُ الْمُحْرِمِ فِي الطَّرِيقِ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ، أَوْ ضَاعَتْ، أَوْ نُهِبَتْ، أَوْ نَفِدَتْ، إِنْ قَدَرَ عَلَى
_________
(١) المسلك المتقسط ص ٢٧٣