الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 41

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

الْمَشْيِ فَلَيْسَ بِمُحْصَرٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَشْيِ فَهُوَ مُحْصَرٌ، عَلَى مَا فِي التَّجْنِيسِ (١) .

الْعَجْزُ عَنِ الْمَشْيِ:

٢٤ - إِنْ أَحْرَمَ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنِ الْمَشْيِ ابْتِدَاءً مِنْ أَوَّل إِحْرَامِهِ، وَلَهُ قُدْرَةٌ عَلَى النَّفَقَةِ دُونَ الرَّاحِلَةِ، فَهُوَ مُحْصَرٌ حِينَئِذٍ (٢) .

وَالضَّلاَلَةُ عَنِ الطَّرِيقِ:

٢٥ - أَيْ طَرِيقِ مَكَّةَ أَوْ عَرَفَةَ. فَمَنْ ضَل الطَّرِيقَ فَهُوَ مُحْصَرٌ (٣) .

أَحْكَامُ الإِْحْصَارِ

تَنْدَرِجُ أَحْكَامُ الإِْحْصَارِ فِي أَمْرَيْنِ: التَّحَلُّل، وَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْصَرِ بَعْدَ التَّحَلُّل (٤) .

التَّحَلُّل

تَعْرِيفُ التَّحَلُّل:

٢٦ - التَّحَلُّل لُغَةً: أَنْ يَفْعَل الإِْنْسَانُ مَا يَخْرُجُ بِهِ مِنَ الْحُرْمَةِ (٥) .

وَاصْطِلاَحًا: هُوَ فَسْخُ الإِْحْرَامِ، وَالْخُرُوجُ مِنْهُ بِالطَّرِيقِ الْمَوْضُوعِ لَهُ شَرْعًا (٦) .

_________

(١) المسلك المتقسط ص ٢٧٣

(٢) المرجع السابق ص ٢٧٤

(٣) المرجع السابق

(٤) كذا أرجع الكاساني في البدائع ٢ / ١٧٧

(٥) المصباح المنير: مادة (حلل) .

(٦) بدائع الصنائع ٢ / ١٧٧

جَوَازُ التَّحَلُّل لِلْمُحْصَرِ:

٢٧ - إِذَا تَحَقَّقَ لِلْمُحْرِمِ وَصْفُ الإِْحْصَارِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّل.

وَهَذَا الْحُكْمُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، كُلٌّ حَسَبَ الأَْسْبَابِ الَّتِي يَعْتَبِرُهَا مُوجِبَةً لِتَحَقُّقِ الإِْحْصَارِ الشَّرْعِيِّ.

وَالأَْصْل فِي الإِْحْرَامِ وُجُوبُ الْمُضِيِّ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي النُّسُكِ الَّذِي أَحْرَمَ بِهِ، وَأَلاَّ يَخْرُجَ مِنْ إِحْرَامِهِ إِلاَّ بِتَمَامِ مُوجِبِ هَذَا الإِْحْرَامِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ . (١)

لَكِنْ جَازَ التَّحَلُّل لِلْمُحْصَرِ قَبْل إِتْمَامِ مُوجِبِ إِحْرَامِهِ اسْتِثْنَاءً مِنْ هَذَا الأَْصْل، لِمَا دَل عَلَيْهِ الدَّلِيل الشَّرْعِيُّ.

وَالدَّلِيل عَلَى جَوَازِ التَّحَلُّل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ . (٢)

وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل بِالآْيَةِ: أَنَّ الْكَلاَمَ عَلَى تَقْدِيرِ مُضْمَرٍ، وَمَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ عَنْ إِتْمَامِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، وَأَرَدْتُمْ أَنْ تَحِلُّوا فَاذْبَحُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْهَدْيِ.

وَالدَّلِيل عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَنَّ الإِْحْصَارَ نَفْسَهُ لاَ يُوجِبُ الْهَدْيَ، أَلاَ تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ لاَ يَتَحَلَّل وَيَبْقَى مُحْرِمًا كَمَا كَانَ، إِلَى أَنْ يَزُول الْمَانِعُ، فَيَمْضِيَ فِي مُوجِبِ الإِْحْرَامِ (٣) .

وَمِنَ السُّنَّةِ: فِعْلُهُ ﷺ فَقَدْ تَحَلَّل وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتَّحَلُّل عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ صَدَّهُمْ

_________

(١) سورة البقرة / ١٩٦

(٢) سورة البقرة / ١٩٦

(٣) بدائع الصنائع ٣ / ١٧٧

الْمُشْرِكُونَ عَنِ الاِعْتِمَارِ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، كَمَا وَرَدَتِ الأَْحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ السَّابِقَةُ.

الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ التَّحَلُّل وَمُصَابَرَةِ الإِْحْرَامِ:

٢٨ - أَطْلَقَ الْحَنَفِيَّةُ الْحُكْمَ عَلَى الْمُحْصَرِ أَنَّهُ " جَازَ لَهُ التَّحَلُّل (١) " وَأَنَّهُ رُخْصَةٌ فِي حَقِّهِ، حَتَّى لاَ يَمْتَدَّ إِحْصَارُهُ، فَيَشُقَّ عَلَيْهِ، وَأَنَّ لَهُ أَنْ يَبْقَى مُحْرِمًا (٢) . يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ بِغَيْرِ تَحَلُّلٍ وَيُعْتَبَرُ مُحْرِمًا حَتَّى يَزُول الْخَوْفُ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ إِنْ مَنَعَهُ بَعْضُ مَا ذُكِرَ مِنْ أَسْبَابِ الإِْحْصَارِ الثَّلاَثَةِ الْمُعْتَبَرَةِ عِنْدَهُمْ، عِنْدَ إِتْمَامِ حَجٍّ، بِأَنْ أُحْصِرَ عَنِ الْوُقُوفِ وَالْبَيْتِ مَعًا، أَوْ عَنْ إِكْمَال عُمْرَةٍ، بِأَنْ أُحْصِرَ عَنِ الْبَيْتِ أَوِ السَّعْيِ، فَلَهُ التَّحَلُّل بِالنِّيَّةِ، مِمَّا هُوَ مُحْرِمٌ بِهِ، فِي أَيِّ مَحَلٍّ كَانَ، قَارَبَ مَكَّةَ أَوْ لاَ، دَخَلَهَا أَوْ لاَ. وَلَهُ الْبَقَاءُ لِقَابِلٍ أَيْضًا، إِلاَّ أَنَّ تَحَلُّلَهُ أَفْضَل (٣) .

أَمَّا مَنْ مُنِعَ عَنْ إِتْمَامِ نُسُكِهِ بِغَيْرِ الأَْسْبَابِ الثَّلاَثَةِ (الْعَدُوِّ وَالْفِتْنَةِ وَالْحَبْسِ) كَالْمَرَضِ، فَإِنْ قَارَبَ مَكَّةَ كُرِهَ لَهُ إِبْقَاءُ إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ لِقَابِلٍ، وَيَتَحَلَّل بِفِعْل عُمْرَةٍ (٤) .

أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَفَرَّقُوا بَيْنَ حَالَيِ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ وَضِيقِهِ: فَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا فَالأَْفْضَل أَنْ لاَ يُعَجِّل التَّحَلُّل، فَرُبَّمَا زَال الْمَنْعُ فَأَتَمَّ الْحَجَّ، وَمِثْلُهُ

_________

(١) فتح القدير على الهداية ٢ / ٢٩٥، أو " حل له التحلل " كما في الدر المختار ٢ / ٣٢٠

(٢) رد المحتار ٢ / ٣٢٠، وسبق نقلنا عبارة: " جواز التحلل " وهو لفظ الكاساني في البدائع ٢ / ١٧٧

(٣) شرح الدردير بحاشية الدسوقي ٢ / ٩٣

(٤) المرجع السابق ص ٩٤، وشرح الزرقاني ٢ / ٣٣٦

الْعُمْرَةُ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ ضَيِّقًا فَالأَْفْضَل تَعْجِيل التَّحَلُّل؛ لِئَلاَّ يَفُوتَ الْحَجُّ. وَذَلِكَ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّ الْمُحْرِمِ الْمُحْصَرِ إِدْرَاكُهُ بَعْدَ الْحَصْرِ، أَوْ إِدْرَاكُ الْعُمْرَةِ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فَيَجِبُ الصَّبْرُ (١) كَمَا سَبَقَ. وَأَطْلَقَ الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا " الْمُسْتَحَبُّ لَهُ الإِْقَامَةُ مَعَ إِحْرَامِهِ رَجَاءَ زَوَال الْحَصْرِ، فَمَتَى زَال قَبْل تَحَلُّلِهِ فَعَلَيْهِ الْمُضِيُّ لإِتْمَامِ نُسُكِهِ (٢) .

وَالْحَاصِل أَنَّ جَوَازَ التَّحَلُّل مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، إِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَقَاءِ عَلَى الإِْحْرَامِ، فَإِنِ اخْتَارَ الْمُحْصَرُ التَّحَلُّل تَحَلَّل مَتَى شَاءَ، إِذَا صَنَعَ مَا يَلْزَمُهُ لِلتَّحَلُّل، مِمَّا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي مَوْضِعِهِ.

وَهَذَا الْحُكْمُ سَوَاءٌ فِيهِ الْمُحْصَرُ عَنِ الْحَجِّ، أَوْ عَنِ الْعُمْرَةِ، أَوْ عَنْهُمَا مَعًا، عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ (٣) .

التَّحَلُّل مِنَ الإِْحْرَامِ الْفَاسِدِ:

٢٩ - يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ الَّذِي فَسَدَ إِحْرَامُهُ - إِذَا أُحْصِرَ - أَنْ يَتَحَلَّل مِنْ إِحْرَامِهِ الْفَاسِدِ، فَإِذَا جَامَعَ الْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ جِمَاعًا مُفْسِدًا ثُمَّ أُحْصِرَ تَحَلَّل، وَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِلإِْفْسَادِ، وَدَمٌ لِلإِْحْصَارِ، وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بِسَبَبِ الإِْفْسَادِ اتِّفَاقًا هُنَا؛ لأَِنَّ الْخِلاَفَ فِي الْقَضَاءِ هُوَ فِي الإِْحْصَارِ بَعْدَ الإِْحْرَامِ الصَّحِيحِ.

فَلَوْ لَمْ يَتَحَلَّل حَتَّى فَاتَهُ الْوُقُوفُ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الطَّوَافُ بِالْكَعْبَةِ، تَحَلَّل فِي مَوْضِعِهِ تَحَلُّل الْمُحْصَرِ، وَيَلْزَمُهُ ثَلاَثَةُ دِمَاءٍ: دَمٌ لِلإِْفْسَادِ، وَدَمٌ لِلْفَوَاتِ، وَدَمٌ

_________

(١) شرح المنهاج وحاشية القليوبي ٢ / ١٤٧، والمهذب ٨ / ٢٤٢

(٢) المغني ٣ / ٣٥٩

(٣) بدائع الصنائع ٢ / ١٧٧، وتفسير القرطبي ٢ / ٣٥٤.

لِلإِْحْصَارِ. فَدَمُ الإِْفْسَادِ بَدَنَةٌ، وَالآْخَرَانِ شَاتَانِ، وَيَلْزَمُهُ قَضَاءٌ وَاحِدٌ (١) .

لَكِنْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَكْفِيهِ فِي الصُّورَةِ الأُْولَى هَدْيٌ وَاحِدٌ هُوَ هَدْيُ الإِْفْسَادِ: بَدَنَةٌ؛ لأَِنَّهُ لاَ هَدْيَ عَلَى الْمُحْصَرِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.

وَعَلَيْهِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ هَدْيَانِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: هَدْيُ الإِْفْسَادِ وَهَدْيُ الإِْحْصَارِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ دَمَ عِنْدَهُمْ لِلْفَوَاتِ، وَهَدْيُ الإِْفْسَادِ (٢) . وَهَدْيُ الْفَوَاتِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٣) .

الْبَقَاءُ عَلَى الإِْحْرَامِ:

٣٠ - إِنِ اخْتَارَ الْمُحْصَرُ الْبَقَاءَ عَلَى الإِْحْرَامِ وَمُصَابَرَتَهُ حَتَّى يَزُول الْمَانِعُ فَلَهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَجِّ حَالاَنِ:

الْحَالَةُ الأُْولَى: أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ إِدْرَاكِ الْحَجِّ بِإِدْرَاكِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَبِهَا وَنِعْمَتْ.

الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لاَ يَتَمَكَّنَ مِنْ إِدْرَاكِ الْحَجِّ، بِأَنْ يَفُوتَهُ الْحَجُّ لِفَوَاتِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ.

فَاتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يَتَحَلَّل تَحَلُّل فَوَاتِ الْحَجِّ، بِأَنْ يُؤَدِّيَ أَعْمَال الْعُمْرَةِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا: فَقَال: الْحَنَفِيَّةُ لاَ دَمَ عَلَيْهِ لأَِنَّ ذَلِكَ هُوَ حُكْمُ

_________

(١) المجموع وسياق الكلام له ٨ / ٢٤٩، والمسلك المتقسط ص ٢٧٦، والمغني ٣ / ٣٦٠، ومواهب الجليل ٣ / ٢٠١

(٢) انظر في دم الإفساد شرح الكنز للعيني ١ / ١٠٢، والمجموع ٧ / ٣٨١. والمغني ٤ / ٣٣٤، والمنتقى شرح الموطأ ٣ / ٣، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٥٧، والهداية ٢ / ٢٣٨ - ٢٤٠، على تفصيل في نوع الهدي الواجب بالإفساد عند الحنفية.

(٣) شرح الزرقاني ٢ / ٣٣٨، وشرح المنهاج ٢ / ١٥١، والمجموع ٨ / ٢٣٣، والمغني ٣ / ٣٢٨، وفتح القدير على الهداية ٢ / ٣٠٣

الْفَوَاتِ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ.

وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: عَلَيْهِ دَمُ الْفَوَاتِ دُونَ دَمِ الإِْحْصَارِ. وَالأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، كَمَا هِيَ الْقَاعِدَةُ عِنْدَهُمْ: " إِنَّ مَنْ لَمْ يَتَحَلَّل حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ (١) ". وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: لَوِ اسْتَمَرَّ الْمُحْصَرُ عَلَى إِحْرَامِهِ حَتَّى دَخَل وَقْتُ الإِْحْرَامِ مِنَ الْعَامِ الْقَابِل، وَزَال الْمَانِعُ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّل بِالْعُمْرَةِ لِيُسْرِ مَا بَقِيَ (٢) .

فَقَدْ أَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ الْبَقَاءَ عَلَى الإِْحْرَامِ بَعْدَ الْفَوَاتِ، وَلَمْ يُلْزِمُوهُ بِالتَّحَلُّل بِعُمْرَةٍ، وَعِنْدَهُمْ يُجْزِئُهُ الإِْحْرَامُ السَّابِقُ لِلْحَجِّ فِي الْعَامِ الْقَابِل (٣) .

٣١ - وَأَمَّا إِذَا بَقِيَ الإِْحْصَارُ قَائِمًا وَفَاتَ الْحَجُّ: فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ لَهُ أَنْ يَحِل تَحَلُّل الْمُحْصَرِ، وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَفِي قَوْلٍ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ (٤) .

أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ الْقَضَاءَ، فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلاَمِهِمْ (٥) .

وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَحُكْمُهُ عِنْدَهُمْ حُكْمُ الْفَوَاتِ، وَلاَ أَثَرَ لِلْحَصْرِ.

_________

(١) المسلك المتقسط ص ٢٨٥، المجموع ٨ / ٢٤١ والسياق له. المغني ٣ / ٣٥٩، والكافي ١ / ٦٢٧، ومطالب أولي النهى ٢ / ٤٥٧

(٢) حاشية الدسوقي ٢ / ٩٤، وقارن بشرح الزرقاني ٢ / ٣٣٦، ونقد البناني إياه في تخصيص الحكم بمن يتحلل بالعمرة، وقد نبه عليه الدسوقي أيضا.

(٣) مواهب الجليل ٣ / ١٩٨، وحاشية الدسوقي في الموضع السابق.

(٤) المجموع ٨ / ٢٤١، ومواهب الجليل ٣ / ٢٠٠

(٥) لما سبق أن ذكرناه.

حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ التَّحَلُّل:

٣٢ - الْمُحْصَرُ كَمَا قَال الْكَاسَانِيُّ مُحْتَاجٌ إِلَى التَّحَلُّل؛ لأَِنَّهُ مُنِعَ عَنِ الْمُضِيِّ فِي مُوجِبِ الإِْحْرَامِ، عَلَى وَجْهٍ لاَ يُمْكِنُهُ الدَّفْعُ، فَلَوْ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّحَلُّل لَبَقِيَ مُحْرِمًا لاَ يَحِل لَهُ مَا حَظَرَهُ الإِْحْرَامُ إِلَى أَنْ يَزُول الْمَانِعُ فَيَمْضِيَ فِي مُوجِبِ الإِْحْرَامِ، وَفِيهِ مِنَ الضَّرَرِ وَالْحَرَجِ مَا لاَ يَخْفَى، فَمَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى التَّحَلُّل وَالْخُرُوجِ مِنَ الإِْحْرَامِ، دَفْعًا لِلضَّرَرِ وَالْحَرَجِ.

وَسَوَاءٌ كَانَ الإِْحْصَارُ عَنِ الْحَجِّ، أَوْ عَنِ الْعُمْرَةِ، أَوْ عَنْهُمَا عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ (١) .

مَا يَتَحَلَّل بِهِ الْمُحْصَرُ

٣٣ - الإِْحْصَارُ بِحَسَبِ إِطْلاَقِ الإِْحْرَامِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ أَوْ تَقْيِيدِهِ بِالشَّرْطِ نَوْعَانِ:

النَّوْعُ الأَْوَّل: الإِْحْصَارُ فِي الإِْحْرَامِ الْمُطْلَقِ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ الْمُحْرِمُ لِنَفْسِهِ حَقَّ التَّحَلُّل إِذَا طَرَأَ لَهُ مَانِعٌ. النَّوْعُ الثَّانِي: الإِْحْصَارُ فِي الإِْحْرَامِ الَّذِي اشْتَرَطَ فِيهِ الْمُحْرِمُ التَّحَلُّل.

التَّحَلُّل بِالإِْحْصَارِ فِي الإِْحْرَامِ الْمُطْلَقِ

٣٤ - يَنْقَسِمُ هَذَا الإِْحْصَارُ إِلَى قِسْمَيْنِ، حَسْبَمَا يُسْتَخْلَصُ مِنَ الْفِقْهِ الْحَنَفِيِّ:

الْقِسْمُ الأَْوَّل: الإِْحْصَارُ بِمَانِعٍ حَقِيقِيٍّ، أَوْ شَرْعِيٍّ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، لاَ دَخْل لِحَقِّ الْعَبْدِ فِيهِ.

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ١٧٧، فتح القدير ٢ / ٢٩٦، والمهذب نسخة المجموع ٨ / ٢٤٢، الكافي ١ / ٦٢٥

الْقِسْمُ الثَّانِي: الإِْحْصَارُ بِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ لِحَقِّ الْعَبْدِ لاَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.

وَقَدْ وَجَدْتُ نَتِيجَةَ التَّقْسِيمِ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ مُطَابِقَةً لِغَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ إِجْمَالًا، فِيمَا اتَّفَقُوا مَعَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى كَوْنِهِ إِحْصَارًا.

كَيْفِيَّةُ تَحَلُّل الْمُحْصَرِ

أَوَّلًا: نِيَّةُ التَّحَلُّل:

٣٥ - إِنَّ مَبْدَأَ نِيَّةِ التَّحَلُّل بِالْمَعْنَى الْوَاسِعِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ كَشَرْطٍ لِتَحَلُّل الْمُحْصَرِ مِنْ إِحْرَامِهِ، ثُمَّ وَقَعَ الْخِلاَفُ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ:

أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ (١) وَالْحَنَابِلَةُ (٢) فَقَدْ شَرَطُوا نِيَّةَ التَّحَلُّل عِنْدَ ذَبْحِ الْهَدْيِ، بِأَنْ يَنْوِيَ التَّحَلُّل بِذَبْحِهِ؛ لأَِنَّ الْهَدْيَ قَدْ يَكُونُ لِلتَّحَلُّل وَقَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَنْوِيَ لِيُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ يَحْلِقَ؛ وَلأَِنَّ مَنْ أَتَى بِأَفْعَال النُّسُكِ فَقَدْ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ فَيَحِل مِنْهَا بِإِكْمَالِهَا، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى نِيَّةٍ، بِخِلاَفِ الْمَحْصُورِ، فَإِنَّهُ يُرِيدُ الْخُرُوجَ مِنَ الْعِبَادَةِ قَبْل إِكْمَالِهَا، فَافْتَقَرَ إِلَى قَصْدِهِ.

كَذَلِكَ تُشْتَرَطُ نِيَّةُ التَّحَلُّل عِنْدَ الْحَلْقِ، بِنَاءً عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ، وَأَنَّهُ شَرْطٌ لِحُصُول التَّحَلُّل، كَمَا سَيَأْتِي (ف. . . .) وَذَلِكَ مِنَ الدَّلِيل عَلَى شَرْطِيَّةِ النِّيَّةِ عِنْدَ ذَبْحِ الْهَدْيِ.

وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ (٣) فَقَالُوا: نِيَّةُ التَّحَلُّل وَحْدَهَا هِيَ

_________

(١) المهذب ٨ / ٢٤٣، والمجموع ٨ / ٢٤٧، وشرح المنهاج ٢ / ١٤٨، وانظر مزيدا من التوجيه في حاشية عميرة الصفحة نفسها، وانظر نهاية المحتاج ٢ / ٤٧٦

(٢) المغني ٣ / ٣٦١، والكافي ١ / ٦٢٥ - ٦٢٦

(٣) شرح الدردير وحاشية الدسوقي ٢ / ٩٣ - ٩٤ ومواهب الجليل ٣ / ١٩٨، وشرح الزرقاني ٢ / ٣٣٥

رُكْنُ التَّحَلُّل فَقَطْ، بِالنِّسْبَةِ لِتَحَلُّل الْمُحْصَرِ بِالْعَدُوِّ، أَوِ الْفِتْنَةِ، أَوِ الْحَبْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ. هَؤُلاَءِ يَتَحَلَّلُونَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِالنِّيَّةِ فَحَسْبُ، وَلاَ يُغْنِي عَنْهَا غَيْرُهَا، حَتَّى لَوْ نَحَرَ الْهَدْيَ وَحَلَقَ وَلَمْ يَنْوِ التَّحَلُّل لَمْ يَتَحَلَّل.

وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: " إِذَا أُحْصِرَ الْمُحْرِمُ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ، وَكَذَا إِذَا كَانَ مُحْرِمًا بِهِمَا، وَأَرَادَ التَّحَلُّل - بِخِلاَفِ مَنْ أَرَادَ الاِسْتِمْرَارَ عَلَى حَالِهِ، مُنْتَظِرًا زَوَال إِحْصَارِهِ - يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ الْهَدْيَ. . . إِلَخْ " (١) فَقَدْ عَلَّقُوا التَّحَلُّل بِبَعْثِ الْهَدْيِ وَذَبْحِهِ عَلَى إِرَادَةِ التَّحَلُّل، وَاحْتَرَزُوا عَمَّنْ أَرَادَ الاِسْتِمْرَارَ عَلَى حَالِهِ. فَلَوْ بَعَثَ هَدْيًا، وَهُوَ مُرِيدُ الاِنْتِظَارِ لاَ يَحِل بِذَبْحِ الْهَدْيِ إِلاَّ إِذَا قَصَدَ بِهِ التَّحَلُّل.

ثَانِيًا: ذَبْحُ الْهَدْيِ:

تَعْرِيفُ الْهَدْيِ:

٣٦ - الْهَدْيُ مَا يُهْدَى إِلَى الْحَرَمِ مِنْ حَيَوَانٍ وَغَيْرِهِ (٢) .

لَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا وَفِي أَبْحَاثِ الْحَجِّ خَاصَّةً: مَا يُهْدَى إِلَى الْحَرَمِ مِنَ الإِْبِل وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْمَاعِزِ خَاصَّةً.

حُكْمُ ذَبْحِ الْهَدْيِ لِتَحَلُّل الْمُحْصَرِ:

٣٦ م - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى وُجُوبِ ذَبْحِ الْهَدْيِ عَلَى الْمُحْصَرِ، لِكَيْ يَتَحَلَّل مِنْ إِحْرَامِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ بَعَثَ بِهِ وَاشْتَرَاهُ، لاَ يَحِل مَا لَمْ يُذْبَحْ.

_________

(١) كما في لباب المناسك وشرحه المسلك المتقسط ص ٢٧٦

(٢) المصباح المنير مادة (هدي)، والنهاية لابن الأثير ٥ / ٢٥٤، والمجموع ٨ / ٢٦٨ - ٢٦٩

وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ (١) وَالشَّافِعِيَّةِ (٢) وَالْحَنَابِلَةِ (٣) وَقَوْل أَشْهَبَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُحْصَرَ يَتَحَلَّل بِالنِّيَّةِ فَقَطْ، وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَبْحُ الْهَدْيِ، بَل هُوَ سُنَّةٌ، وَلَيْسَ شَرْطًا (٤) .

اسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٥) عَلَى مَا سَبَقَ.

وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ أَيْضًا بِالسُّنَّةِ: بِأَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَمْ يَحِل يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَلَمْ يَحْلِقْ رَأْسَهُ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ، فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ إِحْلاَل الْمُحْصَرِ ذَبْحَ هَدْيٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ (٦) .

وَأَمَّا وَجْهُ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ وَدَلِيلُهُمْ فَهُوَ دَلِيلٌ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ أَنَّهُ تَحَلُّلٌ مَأْذُونٌ فِيهِ، عَارٍ مِنَ التَّفْرِيطِ وَإِدْخَال النَّقْصِ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ هَدْيٌ، أَصْل ذَلِكَ إِذَا أَكْمَل حَجَّهُ (٧) .

مَا يُجْزِئُ مِنَ الْهَدْيِ فِي الإِْحْصَارِ:

٣٧ - يُجْزِئُ فِي الْهَدْيِ الشَّاةُ عَنْ وَاحِدٍ، وَكَذَا الْمَاعِزُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا الْبَدَنَةُ وَهِيَ مِنَ الإِْبِل وَالْبَقَرِ، فَتَكْفِي عَنْ سَبْعَةٍ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ وَمِنْهُمُ الأَْئِمَّةُ الأَْرْبَعَةُ. وَلِلتَّفْصِيل (ر: هَدْيٌ) .

_________

(١) الهداية وشروحها ٢ / ٢٩٧، والبدائع ٢ / ١٧٧ - ١٧٨، ومتن التنوير ورد المحتار ٢ / ٣٢١.

(٢) المهذب ٨ / ٢٤٢، والمجموع ٨ / ٢٤٦، وشرح المنهاج ٢ / ١٤٨

(٣) المغني ٣ / ٣٥٧، ٣٥٨، والكافي ١ / ٦٢٥

(٤) مواهب الجليل ٣ / ١٩٨، وشرح الدردير وحاشية الدسوقي ٢ / ٩٤ والزرقاني ٢ / ٣٣٥

(٥) المهذب ٨ / ٢٤٣، وانظر المجموع ٨ / ٢٦٧، والآية من سورة البقرة / ١٩٦

(٦) تفسير القرطبي ٢ / ٣٥١

(٧) المنتقى شرح الموطأ ٢ / ٢٧٣