الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 39

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

أَخَّرَهَا عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ صَامَهَا مَتَى شَاءَ، وَصَلَهَا بِالسَّبْعَةِ أَوْ لاَ.

وَلَمْ يُجِزِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْقَوْل الآْخَرِ عِنْدَهُمْ صِيَامَهَا أَيَّامَ النَّحْرِ وَالتَّشْرِيقِ، بَل يُؤَخِّرُهَا إِلَى مَا بَعْدُ.

١٨٤ - وَيَجِبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ فِي قَضَاءِ الأَْيَّامِ الثَّلاَثَةِ: " أَنْ يُفَرِّقَ فِي قَضَائِهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّبْعَةِ بِقَدْرِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، يَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَمُدَّةِ إِمْكَانِ السَّيْرِ إِلَى أَهْلِهِ، عَلَى الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ، كَمَا فِي الأَْدَاءِ، فَلَوْ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مُتَتَالِيَةً حَصَلَتِ الثَّلاَثَةُ، وَلاَ يُعْتَدُّ بِالْبَقِيَّةِ لِعَدَمِ التَّفْرِيقِ ".

الْمَطْلَبُ الرَّابِعُ

فِي الْقَضَاءِ

١٨٥ - وَهُوَ مِنْ وَاجِبِ إِفْسَادِ النُّسُكِ بِالْجِمَاعِ. وَمِنْ أَحْكَامِهِ مَا يَلِي:

أَوَّلًا: يُرَاعَى فِي قَضَاءِ النُّسُكِ أَحْكَامُ الأَْدَاءِ الْعَامَّةِ، مَعَ تَعْيِينِ الْقَضَاءِ فِي نِيَّةِ الإِْحْرَامِ بِهِ.

ثَانِيًا: قَال الْحَنَفِيَّةُ (١) وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِنْ قَابِلٍ أَيْ مِنْ سَنَةٍ آتِيَةٍ، وَلَمْ يَجْعَلُوهُ عَلَى الْفَوْرِ. وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ (٢) وَالشَّافِعِيَّةِ (٣) وَالْحَنَابِلَةِ (٤) أَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ وَلَوْ كَانَ النُّسُكُ الْفَاسِدُ تَطَوُّعًا، فَيَأْتِي بِالْعُمْرَةِ عَقِبَ التَّحَلُّل مِنَ الْعُمْرَةِ

_________

(١) الهداية وفتح القدير ٢ / ٢٤٠، والمسلك المتقسط ص ٢٨٧

(٢) الشرح الكبير ٢ / ٦٩

(٣) نهاية المحتاج ٢ / ٤٥٨

(٤) مطالب أولي النهى ١ / ٣٤٩

الْفَاسِدَةِ، وَيَحُجُّ فِي الْعَامِ الْقَادِمِ.

ثَالِثًا: قَرَّرَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْمُفْسِدَ عِنْدَمَا يَقْضِي نُسُكَهُ الْفَاسِدَ يُحْرِمُ فِي الْقَضَاءِ حَيْثُ أَحْرَمَ فِي النُّسُكِ الْمُفْسَدِ، فَإِنْ أَحْرَمَ مِنَ الْجُحْفَةِ مَثَلًا أَحْرَمَ فِي الْقَضَاءِ مِنْهَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ سَلَكَ فِي الْقَضَاءِ طَرِيقًا آخَرَ أَحْرَمَ مِنْ مِثْل مَسَافَةِ الْمِيقَاتِ الأَْوَّل مَا لَمْ يَجْعَلْهُ ذَلِكَ يُجَاوِزُ الْمِيقَاتَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، فَإِنَّهُ يُحْرِمُ مِنَ الْمِيقَاتِ. وَإِنْ أَحْرَمَ فِي الْعَامِ الأَْوَّل قَبْل الْمَوَاقِيتِ لَزِمَهُ كَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ يَجِبُ الإِْحْرَامُ بِالْقَضَاءِ إِلاَّ مِنَ الْمَوَاقِيتِ. أَمَّا إِنْ جَاوَزَ فِي الْعَامِ الأَْوَّل الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَإِنَّهُ فِي الْقَضَاءِ يُحْرِمُ مِنَ الْمِيقَاتِ وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُجَاوِزَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ تَعَدَّى الْمِيقَاتَ فِي عَامِ الْفَسَادِ لِعُذْرٍ مَشْرُوعٍ " كَأَنْ يُجَاوِزَ الْمِيقَاتَ حَلاَلًا لِعَدَمِ إِرَادَتِهِ دُخُول مَكَّةَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَرَادَ الدُّخُول، وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ أَفْسَدَهُ، فَإِنَّهُ فِي عَامِ الْقَضَاءِ يُحْرِمُ مِمَّا أَحْرَمَ مِنْهُ أَوَّلًا ". (١)

_________

(١) كما صرح به الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير ٢ / ٧٠، وانظر المذاهب الباقية في نهاية المحتاج ٢ / ٤٢٨، ومطالب أولي النهى ٢ / ٣٤٩

إِحْصَارٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي الإِْحْصَارِ فِي اللُّغَةِ الْمَنْعُ مِنْ بُلُوغِ الْمَنَاسِكِ بِمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَهُوَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ أَيْضًا عَلَى خِلاَفٍ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِيمَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الإِْحْصَارُ (١)

٢ - وَاسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ مَادَّةَ (حَصَرَ) بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فِي كُتُبِهِمُ اسْتِعْمَالًا كَثِيرًا. وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: قَوْل صَاحِبِ تَنْوِيرِ الأَْبْصَارِ وَشَارِحِهِ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ (٢): " وَالْمَحْصُورُ فَاقِدُ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ الطَّهُورَيْنِ، بِأَنْ حُبِسَ فِي مَكَانٍ نَجِسٍ، وَلاَ يُمْكِنُهُ إِخْرَاجُ مُطَهِّرٍ، وَكَذَا الْعَاجِزُ عَنْهُمَا لِمَرَضٍ يُؤَخِّرُ الصَّلاَةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالاَ (٣) يَتَشَبَّهُ بِالْمُصَلِّينَ وُجُوبًا، فَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ إِنْ وَجَدَ مَكَانًا يَابِسًا، وَإِلاَّ يُومِئُ قَائِمًا ثُمَّ يُعِيدُ ".

وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْل صَاحِبِ تَنْوِيرِ الأَْبْصَارِ (٤): " وَكَذَا يَجُوزُ لَهُ (٥) أَنْ يَسْتَخْلِفَ إِذَا حُصِرَ عَنْ قِرَاءَةِ قَدْرِ الْمَفْرُوضِ ". وَقَال أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ (٦): " وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ

_________

(١) التعريفات للجرجاني، ولسان العرب ومعجم مقاييس اللغة

(٢) هامش حاشية الطحطاوي ١ / ١٣٣

(٣) يعني صاجي أبي حنيفة وهما أبو يوسف ومحمد.

(٤) هامش حاشية الطحطاوي ١ / ٢٥٧

(٥) أي للإمام في صلاة الجماعة.

(٦) المهذب مع المجموع ٢ / ٣٣٠

بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ مَا شَاءَ مِنَ النَّوَافِل؛ لأَِنَّهَا غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، فَخَفَّ أَمْرُهَا ". وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةٌ) .

إِلاَّ أَنَّهُمْ غَلَّبُوا اسْتِعْمَال هَذِهِ الْمَادَّةِ (حَصَرَ) وَمُشْتَقَّاتِهَا فِي بَابِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِلدَّلاَلَةِ عَلَى مَنْعِ الْمُحْرِمِ مِنْ أَرْكَانِ النُّسُكِ، وَذَلِكَ اتِّبَاعًا لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَتَوَافَقَتْ عَلَى ذَلِكَ عِبَارَاتُهُمْ حَتَّى أَصْبَحَ (الإِْحْصَارُ) اصْطِلاَحًا فِقْهِيًّا مَعْرُوفًا وَمَشْهُورًا.

٢ - وَيُعَرِّفُ الْحَنَفِيَّةُ الإِْحْصَارَ بِأَنَّهُ: هُوَ الْمَنْعُ مِنَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالطَّوَافِ جَمِيعِهِمَا بَعْدَ الإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ الْفَرْضِ، وَالنَّفْل، وَفِي الْعُمْرَةِ عَنِ الطَّوَافِ، وَهَذَا التَّعْرِيفُ لَمْ يُعْتَرَضْ عَلَيْهِ (١) . وَيُعَرِّفُهُ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ الْمَنْعُ مِنَ الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ مَعًا أَوِ الْمَنْعُ مِنْ أَحَدِهِمَا (٢) .

وَبِمِثْل مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ هَذَا التَّعْرِيفُ الَّذِي أَوْرَدَهُ الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ (٣)، وَنَصُّهُ: " هُوَ الْمَنْعُ مِنْ إِتْمَامِ أَرْكَانِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ ".

وَيَنْطَبِقُ هَذَا التَّعْرِيفُ لِلشَّافِعِيَّةِ عَلَى مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ فِي الإِْحْصَارِ؛ لأَِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالإِْحْصَارِ عَنْ أَيٍّ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، عَلَى تَفْصِيلٍ يَسِيرٍ فِي كَيْفِيَّةِ التَّحَلُّل لِمَنْ أُحْصِرَ عَنِ الْوُقُوفِ دُونَ الطَّوَافِ.

الأَْصْل التَّشْرِيعِيُّ فِي مُوجِبِ الإِْحْصَارِ:

٣ - مُوجِبُ الإِْحْصَارِ - إِجْمَالًا - التَّحَلُّل بِكَيْفِيَّةٍ

_________

(١) لباب المناسك لرحمة الله السندي، وشرحه المسلك المتقسط في المسنك المتوسط لعلي القاري ص ٢٧٢

(٢) الدسوقي ٢ / ٩٣

(٣) نهاية المحتاج ٢ / ٤٧٣، ومثله في حاشية عميرة على شرح المنهاج ٢ / ١٤٧ وفي تحفة المحتاج ٤ / ٢٠٠ بزيادة " أوهما ".

سَيَأْتِي تَفْصِيلُهَا. وَالأَْصْل فِي هَذَا الْمَبْحَثِ حَادِثَةُ الْحُدَيْبِيَةِ الْمَعْرُوفَةُ (١)،

وَفِي ذَلِكَ نَزَل قَوْلُهُ ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ . (٢)

وَقَال ابْنُ عُمَرَ ﵄: خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَحَال كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ الْبَيْتِ، فَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الإِْحْصَارُ:

٤ - يَتَحَقَّقُ الإِْحْصَارُ بِوُجُودِ رُكْنِهِ، وَهُوَ الْمَنْعُ مِنَ الْمُضِيِّ فِي النُّسُكِ، حَجًّا كَانَ أَوْ عُمْرَةً، إِذَا تَوَافَرَتْ فِيهِ شُرُوطٌ بَعْضُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَبَعْضُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ.

رُكْنُ الإِْحْصَارِ:

٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَنْعِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِهِ الإِْحْصَارُ هَل يَشْمَل الْمَنْعَ بِالْعَدُوِّ وَالْمَنْعَ بِالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْعِلَل، أَمْ يَخْتَصُّ بِالْحَصْرِ بِالْعَدُوِّ؟

فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: " الإِْحْصَارُ يَتَحَقَّقُ بِالْعَدُوِّ، وَغَيْرِهِ، كَالْمَرَضِ، وَهَلاَكِ النَّفَقَةِ، وَمَوْتِ مَحْرَمِ الْمَرْأَةِ، أَوْ زَوْجِهَا، فِي الطَّرِيقِ (٣) "

وَيَتَحَقَّقُ الإِْحْصَارُ بِكُل حَابِسٍ يَحْبِسُهُ (٤)، يَعْنِي

_________

(١) انظر التفصيل في سيرة ابن هشام ٢ / ٣٠٨ وما بعد، وعيون الأثر ٢ / ١١٣ وما بعد.

(٢) سورة البقرة / ١٩٦

(٣) فتح القدير ٢ / ٢٩٥

(٤) لباب المناسك لرحمة الله السندي وشرحه المسلك المتقسط لعلي القاري ص ٢٧٣

الْمُحْرِمَ، عَنِ الْمُضِيِّ فِي مُوجِبِ الإِْحْرَامِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (١) . وَهُوَ قَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَلْقَمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَعَطَاءٍ، وَمُقَاتِل بْنِ حَيَّانَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ (٢) .

وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الْحَصْرَ يَتَحَقَّقُ بِالْعَدُوِّ، وَالْفِتْنَةِ، وَالْحَبْسِ ظُلْمًا (٣) . كَذَلِكَ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، مَعَ أَسْبَابٍ أُخْرَى مِنَ الْحَصْرِ بِمَا يَقْهَرُ الإِْنْسَانَ، مِمَّا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ، كَمَنْعِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ عَنِ الْمُتَابَعَةِ.

وَاتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ الثَّلاَثَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْوُصُول إِلَى الْبَيْتِ بِحَاصِرٍ آخَرَ غَيْرِ الْعَدُوِّ، كَالْحَصْرِ بِالْمَرَضِ أَوْ بِالْعَرَجِ أَوْ بِذَهَابِ نَفَقَةٍ وَنَحْوِهِ، أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّل بِذَلِكَ (٤) .

لَكِنْ مَنِ اشْتَرَطَ التَّحَلُّل إِذَا حَبَسَهُ حَابِسٌ لَهُ حُكْمٌ خَاصٌّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَهَذَا الْقَوْل يَنْفِي تَحَقُّقَ الإِْحْصَارِ بِالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ مِنْ عِلَّةٍ وَهُوَ قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَطَاوُسٍ وَالزُّهْرِيِّ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ (٥) .

٦ - اسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ مَعَهُمْ بِالأَْدِلَّةِ مِنَ الْكِتَابِ

_________

(١) المغني ٣ / ٣٦٣

(٢) المرجع السابق، وتفسير ابن كثير، وقد تفرد عنه بكثير ممن ذكرناهم ١ / ٢٣١

(٣) شرح الدردير على مختصر خليل مع حاشية الدسوقي ٢ / ٩٣، مواهب الجليل شرح مختصر خليل للحطاب ٣ / ١٩٥

(٤) المرجعين السابقين، وحاشية عميرة على شرح المنهاج للمحلى ٢ / ١٤٧، ونهاية المحتاج للرملي ٢ / ٤٧٥، والمغني ٣ / ٣٦٣

(٥) المغني الموضع السابق، وتفسير ابن كثير ١ / ٢٣١

وَالسُّنَّةِ وَالْمَعْقُول:

أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ . (١) وَوَجْهُ دَلاَلَةِ الآْيَةِ قَوْل أَهْل اللُّغَةِ إِنَّ الإِْحْصَارَ مَا كَانَ بِمَرَضٍ أَوْ عِلَّةٍ، وَقَدْ عَبَّرَتِ الآْيَةُ بِأُحْصِرْتُمْ، فَدَل عَلَى تَحَقُّقِ الإِْحْصَارِ شَرْعًا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرَضِ وَبِالْعَدُوِّ. وَقَال الْجَصَّاصُ: " لَمَّا ثَبَتَ بِمَا قَدَّمْتُهُ مِنْ قَوْل أَهْل اللُّغَةِ أَنَّ اسْمَ الإِْحْصَارِ يَخْتَصُّ بِالْمَرَضِ، وَقَال اللَّهُ ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلًا فِيمَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ، وَهُوَ الْمَرَضُ، وَيَكُونَ الْعَدُوُّ دَاخِلًا فِيهِ بِالْمَعْنَى ".

وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَقَدْ أَخْرَجَ أَصْحَابُ السُّنَنِ الأَْرْبَعَةِ (٢) بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، كَمَا قَال النَّوَوِيُّ (٣)، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَال: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ بْنَ عَمْرٍو الأَْنْصَارِيَّ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَل، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ. قَال عِكْرِمَةُ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالاَ: صَدَقَ. وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ (٤) وَابْنِ مَاجَهْ: مَنْ

_________

(١) سورة البقرة / ١٩٦

(٢) أبو داود باب الإحصار ٢ / ١٧٣، والترمذي ٣ / ٢٧٧ وقال: " حديث حسن صحيح "، والنسائي ٥ / ١٩٨، وابن ماجه ص ١٠٢٨ كلهم من طريق حجاج الصراف حدثني يحيى بن أبي كثير عن عكرمة.

(٣) في المجموع ٨ / ٢٥١ - ٢٥٢

(٤) من طريق عبد الرزاق، أنا معمر عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن عبد الله بن رافع، عن الحجاج بن عمرو، وهي الطريق التي سابق الإشارة إليها في حديث ابن عباس في الإحصار، وقد تكلم عليها الترمذي، والظاهر أن الحديث عن عكرمة بالإسنادين، كما كان دأبه لكثرة ر

كُسِرَ أَوْ عَرِجَ أَوْ مَرِضَ. . . .

وَأَمَّا الْعَقْل: فَهُوَ قِيَاسُ الْمَرَضِ وَنَحْوِهِ عَلَى الْعَدُوِّ بِجَامِعِ الْحَبْسِ عَنْ أَرْكَانِ النُّسُكِ فِي كُلٍّ، وَهُوَ قِيَاسٌ جَلِيٌّ، حَتَّى جَعَلَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ أَوْلَوِيًّا.

٧ - وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِالْكِتَابِ وَالآْثَارِ وَالْعَقْل:

أَمَّا الْكِتَابُ فَآيَةُ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قَال الشَّافِعِيُّ: " فَلَمْ أَسْمَعْ مُخَالِفًا مِمَّنْ حَفِظْتُ عَنْهُ مِمَّنْ لَقِيتُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ فِي أَنَّهَا نَزَلَتْ بِالْحُدَيْبِيَةِ. وَذَلِكَ إِحْصَارُ عَدُوٍّ، فَكَانَ فِي الْحَصْرِ إِذْنُ اللَّهِ تَعَالَى لِصَاحِبِهِ فِيهِ بِمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ. ثُمَّ بَيَّنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّ الَّذِي يَحِل مِنْهُ الْمُحْرِمُ الإِْحْصَارُ بِالْعَدُوِّ، فَرَأَيْتُ أَنَّ الآْيَةَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِلَّهِ عَامَّةٌ عَلَى كُل حَاجٍّ وَمُعْتَمِرٍ، إِلاَّ مَنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ، ثُمَّ سَنَّ فِيهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنَ الْحَصْرِ بِالْعَدُوِّ. وَكَانَ الْمَرِيضُ عِنْدِي مِمَّنْ عَلَيْهِ عُمُومُ الآْيَةِ ". يَعْنِي ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ .

وَأَمَّا الآْثَارُ: فَقَدْ ثَبَتَ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١) أَنَّهُ قَال: لاَ حَصْرَ إِلاَّ حَصْرُ الْعَدُوِّ، فَأَمَّا مَنْ أَصَابَهُ مَرَضٌ، أَوْ وَجَعٌ، أَوْ ضَلاَلٌ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، إِنَّمَا قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو وَالزُّهْرِيِّ وَطَاوُسٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ نَحْوُ ذَلِكَ.

وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي الأُْمِّ (٢) عَنْ مَالِكٍ - وَهُوَ

_________

(١) أخرجها ابن أبي حاتم في تفسيره، كما نقل عنه ابن كثير في تفسيره ١ / ٢٣١، وأخرج الشافعي في الأم ٢ / ١٦٣ قول ابن عباس: " لا حصر إلا حصر العدو ".

(٢) الأم ٢ / ١٦٤

عِنْدَهُ فِي الْمُوَطَّأِ (١) - عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَمَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، وَابْنَ الزُّبَيْرِ أَفْتَوْا ابْنَ حَزَابَةَ الْمَخْزُومِيَّ، وَأَنَّهُ صُرِعَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، أَنْ يَتَدَاوَى بِمَا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَيَفْتَدِيَ، فَإِذَا صَحَّ اعْتَمَرَ فَحَل مِنْ إِحْرَامِهِ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا وَيُهْدِيَ.

وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ.

وَأَمَّا الدَّلِيل مِنَ الْمَعْقُول: فَقَال فِيهِ الشِّيرَازِيُّ: " إِنْ أَحْرَمَ وَأَحْصَرَهُ الْمَرَضُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّل؛ لأَِنَّهُ لاَ يَتَخَلَّصُ بِالتَّحَلُّل مِنَ الأَْذَى الَّذِي هُوَ فِيهِ، فَهُوَ كَمَنْ ضَل الطَّرِيقَ (٢) ".

شُرُوطُ تَحَقُّقِ الإِْحْصَارِ:

٨ - لَمْ يَنُصَّ الْفُقَهَاءُ صَرَاحَةً عَلَى شُرُوطِ تَحَقُّقِ الإِْحْصَارِ أَنَّهَا كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ يُمْكِنُ اسْتِخْلاَصُهَا، وَهِيَ:

الشَّرْطُ الأَْوَّل: سَبْقُ الإِْحْرَامِ بِالنُّسُكِ، بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ بِهِمَا مَعًا؛ لأَِنَّهُ إِذَا عَرَضَ مَا يَمْنَعُ مِنْ أَدَاءِ النُّسُكِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحْرَمَ، لاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. وَيَتَحَقَّقُ الإِْحْصَارُ عَنِ الإِْحْرَامِ الْفَاسِدِ كَالصَّحِيحِ، وَيَسْتَتْبِعُ أَحْكَامَهُ أَيْضًا.

الشَّرْطُ الثَّانِي: أَلاَّ يَكُونَ قَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْل حُدُوثِ الْمَانِعِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ، إِذَا كَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ.

وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَيَتَحَقَّقُ الإِْحْصَارُ عَنِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، كَمَا

_________

(١) الموطأ ١ / ٢٦١

(٢) المهذب ٨ / ٢٥٠ نسخة المجموع.

سَيَتَّضِحُ فِي أَنْوَاعِ الإِْحْصَارِ (١) .

أَمَّا فِي الْعُمْرَةِ فَالإِْحْصَارُ يَتَحَقَّقُ بِمَنْعِهِ عَنْ أَكْثَرِ الطَّوَافِ بِالإِْجْمَاعِ.

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَيْأَسَ مِنْ زَوَال الْمَانِعِ، بِأَنْ يَتَيَقَّنَ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ زَوَال الْمَانِعِ قَبْل فَوَاتِ الْحَجِّ، " بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَيْلَةِ النَّحْرِ زَمَانٌ يُمْكِنُهُ فِيهِ السَّيْرُ لَوْ زَال الْعُذْرُ ".

وَهَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ (٢) وَالشَّافِعِيَّةُ (٣)، وَقَدَّرَ الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ الْمُدَّةَ فِي الْعُمْرَةِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ. فَإِذَا وَقَعَ مَانِعٌ يُتَوَقَّعُ زَوَالُهُ عَنْ قَرِيبٍ فَلَيْسَ بِإِحْصَارٍ. وَيُشِيرُ إِلَى أَصْل هَذَا الشَّرْطِ تَعْلِيل الْحَنَفِيَّةِ إِبَاحَةَ التَّحَلُّل بِالإِْحْصَارِ بِأَنَّهُ مُعَلَّلٌ بِمَشَقَّةِ امْتِدَادِ الإِْحْرَامِ.

الشَّرْطُ الرَّابِعُ: نَصَّ عَلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ وَتَفَرَّدُوا بِهِ، وَهُوَ أَلاَّ يَعْلَمَ حِينَ إِحْرَامِهِ بِالْمَانِعِ مِنْ إِتْمَامِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ. فَإِنْ عَلِمَ فَلَيْسَ لَهُ التَّحَلُّل، وَيَبْقَى عَلَى إِحْرَامِهِ حَتَّى يَحُجَّ فِي الْعَامِ الْقَابِل، إِلاَّ أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ لاَ يَمْنَعُهُ فَمَنَعَهُ، فَلَهُ أَنْ يَتَحَلَّل حِينَئِذٍ، كَمَا وَقَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَالِمًا بِالْعَدُوِّ، ظَانًّا أَنَّهُ لاَ يَمْنَعُهُ، فَمَنَعَهُ الْعَدُوُّ، فَلَمَّا مَنَعَهُ تَحَلَّل (٤) .

_________

(١) شرح اللباب ص ٢٧٦، ومواهب الجليل ٣ / ٢٠١، والمجموع ٨ / ٢٤٩، والمغني ٣ / ٣٦٠، فتح القدير ٢ / ٣٠٢

(٢) شرح الدردير ٢ / ٩٣، ومواهب الجليل ٣ / ١٩٦ - ١٩٧

(٣) منهاج المحتاج ٢ / ٤٧٤

(٤) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي الموضع السابق.