الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ - عَلَى مَا هُوَ الأَْصَحُّ الْجَدِيدُ فِي الْمَذْهَبِ - لاَ جَزَاءَ فِي الأَْكْل. وَلَمْ يُعَمِّمُوا الْحُرْمَةَ عَلَى غَيْرِ مَنْ صِيدَ لَهُ الصَّيْدُ (١) .
الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: يَحِل لِلْمُحْرِمِ أَكْل مَا صَادَهُ الْحَلاَل مِنَ الصَّيْدِ، مَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ، أَوْ تَكُونُ مِنْهُ إِعَانَةٌ عَلَيْهِ أَوْ إِشَارَةٌ أَوْ دَلاَلَةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ (٢) .
وَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: " كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَقُولُونَ: لِلْمُحْرِمِ أَكْل مَا صَادَهُ الْحَلاَل، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَبِهِ قَال أَصْحَابُ الرَّأْيِ (٣) ".
اسْتَدَل أَصْحَابُ الْمَذْهَبِ الأَْوَّل الْقَائِلُونَ بِتَحْرِيمِ أَكْل لَحْمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ مُطْلَقًا بِإِطْلاَقِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِيمَا سَبَقَ (٤) .
وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ أَصْحَابُ الْمَذْهَبِ الثَّانِي بِأَنَّ مَا صَادَهُ الْحَلاَل يَحِل أَكْلُهُ لِلْمُحْرِمِ بِشَرْطِ أَلاَّ يَكُونَ صِيدَ لأَِجْلِهِ بِأَدِلَّةٍ مِنَ السُّنَّةِ مِنْهَا:
حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ السَّابِقُ فَقَدْ أَحَل النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُحْرِمِينَ أَكْل مَا صَادَهُ الْحَلاَل. وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ أَيْضًا بِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁
_________
(١) المجموع ٧ / ٣٠٧، ٣٠٨، ومراجع المذاهب السابقة أصحاب هذا الرأي.
(٢) الهداية ٢ / ٢٧٣، ولباب المناسك وشرحه المسلك المتقسط ص ٢٥٤، وتنوير الأبصار وشرح الدر؟؟، وحاشية رد المحتار ٢ / ٣٠١
(٣) المجموع ٧ / ٣٣٠، وانظر تعليق ابن القيم ٢ / ٣٦٤ وفيه ذكر عثمان بن عفان نقلا عن ابن عبد البر.
(٤) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٦ / ٣٢٢ ط دار الكتب المصرية، وتفسير ابن كثير ٢ / ١٠٣ - ١٠٤ وفيه تخريج الآثار التي ذكرناها كلها من أقوال الصحابة والتابعين. وتعليق ابن القيم ٢ / ٣٦٤
قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلاَلٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ (١) وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (٢) . وَقَدْ تُكُلِّمَ فِي سَنَدِهِ، لَكِنْ رَجَّحَ النَّوَوِيُّ صِحَّتَهُ (٣) .
وَاسْتَدَل أَصْحَابُ الْمَذْهَبِ الثَّالِثِ الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ مَعَهُمْ - الْقَائِلُونَ: يَحِل لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَأْكُل مِنْ صَيْدٍ صَادَهُ الْحَلاَل، وَذَبَحَهُ، مَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُحْرِمِ دَلاَلَةٌ وَلاَ أَمْرٌ لِلْحَلاَل بِهِ، وَإِنْ صَادَهُ الْحَلاَل لأَِجْل الْمُحْرِمِ - بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ السُّنَّةِ وَالآْثَارِ.
مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ السَّابِقُ، فِي صَيْدِهِ حِمَارَ وَحْشٍ وَهُوَ حَلاَلٌ وَأَكَل مِنْهُ الصَّحَابَةُ وَأَقَرَّهُمُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُ (٤) . وَجْهُ دَلاَلَةِ الْحَدِيثِ: " أَنَّهُمْ لَمَّا سَأَلُوهُ ﵊ لَمْ يُجِبْ بِحِلِّهِ لَهُمْ حَتَّى سَأَلَهُمْ عَنْ مَوَانِعِ الْحِل، أَكَانَتْ مَوْجُودَةً أَمْ لاَ؟ فَقَال ﷺ: أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِل عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لاَ. قَال: فَكُلُوا إِذَنْ ". فَلَوْ كَانَ مِنَ
_________
(١) أبو داود ٢ / ١٧١ والترمذي (باب ما جاء في أكل الصيد للمحرم) ٣ / ٢٠٣، ٢٠٤، والنسائي (باب إذا أشار المحرم إلى الصيد فقتله الحلال ٥ / ١٨٦، ١٨٧) وقوله " أو يصد لكم " في نسخة أبي داود والترمذي. وفي مختصر المنذري لأبي داود وعند النسائي " أو يصاد " بإثبات الألف. قال النووي في المجموع ٧ / ٣٠٥ " هكذا الرواية فيه يصاد " بالألف، وهو جائز على لغة، ومنه قوله تعالى: " أنه من يتقي ويصبر " على قراءة من قرأ بالياء.
(٢) في المستدرك: على شرط الشيخين ١ / ٤٥٢ ووافقه الذهبي.
(٣) المجموع ٧ / ٣٠٤، ٣٠٥
(٤) كما في رواية البخاري ٩ / ٥٤٧
الْمَوَانِعِ أَنْ يُصَادَ لَهُمْ لَنَظَمَهُ فِي سِلْكِ مَا يُسْأَل عَنْهُ مِنْهَا فِي التَّفَحُّصِ عَنِ الْمَوَانِعِ، لِيُجِيبَ بِالْحُكْمِ عِنْدَ خُلُوِّهِ مِنْهَا. وَهَذَا الْمَعْنَى كَالصَّرِيحِ فِي نَفْيِ كَوْنِ الاِصْطِيَادِ لِلْمُحْرِمِ مَانِعًا، فَيُعَارِضُ حَدِيثَ جَابِرٍ، وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ، لِقُوَّةِ ثُبُوتِهِ (١) .
صَيْدُ الْحَرَمِ:
٨٨ - الْمُرَادُ بِالْحَرَمِ هُنَا مَكَّةُ وَالْمِنْطَقَةُ الْمُحَرَّمَةُ الْمُحِيطَةُ بِهَا. وَلِلْحَرَمِ أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ، مِنْهَا تَحْرِيمُ صَيْدِهِ عَلَى الْحَلاَل كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ أَيْضًا، وَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ، لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلاَ تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢) . فَقَرَّرَ الْعُلَمَاءُ مِنْ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْحَلاَل فِي الْحَرَمِ أَحْكَامًا نَحْوَ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ (٣)، وَتَفَرَّعَتْ لِذَلِكَ فُرُوعٌ فِي الْمَذَاهِبِ لاَ نُطِيل بِبَسْطِهَا (ر: حَرَمٌ.)
مَا يُسْتَثْنَى مِنْ تَحْرِيمِ قَتْل الصَّيْدِ:
٨٩ - أ - اتُّفِقَ عَلَى جَوَازِ قَتْل الْحَيَوَانَاتِ التَّالِيَةِ
_________
(١) فتح القدير ٢ / ٢٧٤
(٢) البخاري واللفظ له وباب فضل الحرم) ٢ / ١٤٧، ومسلم (باب تحريم مكة) ٤ / ١٠٩
(٣) الهداية وشروحها ٢ / ٢٧٤ ولباب المناسك وشرحه ٢٤٩ - ٢٥٢، والدر المختار وحاشيته ٢ / ٢٩٧ - ٣٠٩، والشرح الكبير وحاشيته ٢ / ٧١ وما بعد، وشرح الزرقاني ٢ / ٣١٠ وما بعد، ومواهب الجليل ٣ / ١٧٠ وما بعد، والمهذب وشرحه ٧ / ٤٢٣ - ٤٢٩، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٥٩ وما بعد، والمغني ٣ / ٣٤٤ - ٣٤٩، ومطالب أولي النهى ٢ / ٣٧٥ - ٣٧٧، ٣٤١ - ٣٤٤
فِي الْحِل وَالْحَرَمِ، لِلْمُحْرِمِ وَغَيْرِهِ، سَوَاءٌ ابْتَدَأَتْ بِأَذًى أَوْ لاَ، وَلاَ جَزَاءَ عَلَى مَنْ قَتَلَهَا - وَهِيَ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالذِّئْبُ، وَالْحَيَّةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، لِمَا وَرَدَ مِنَ الأَْحَادِيثِ فِي إِبَاحَةِ قَتْلِهَا: رَوَى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) .
وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ الْغُرَابِ فِي الْحَدِيثِ مُطْلَقًا، وَمُقَيَّدًا، فَفَسَّرُوهُ بِالْغُرَابِ الأَْبْقَعِ الَّذِي يَأْكُل الْجِيَفَ.
قَال الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي (٢): " اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى إِخْرَاجِ الْغُرَابِ الصَّغِيرِ الَّذِي يَأْكُل الْحَبَّ مِنْ ذَلِكَ، وَيُقَال لَهُ: غُرَابُ الزَّرْعِ ". اهـ. يَعْنِي أَنَّهُ لاَ يَدْخُل فِي إِبَاحَةِ قَتْل الصَّيْدِ، بَل يَحْرُمُ صَيْدُهُ (٣) . إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ فَصَلُّوا فَقَالُوا: يَجُوزُ قَتْل الْفَأْرَةِ
_________
(١) البخاري (باب ما يقتل المحرم من الدواب) ٣ / ١٣، ومسلم (باب ما يندب للمحرم وغيره قتله) ٤ / ١٩، والموطأ ١ / ٢٥٨، وأبو داود ٢ / ١٦٩، ١٧٠ من طريق الزهري عن سالم عن أبيه بنحوه، والنسائي من طريق مالك ٥ / ١٨٧، ١٨٨، وابن ماجه ص ١٠٣١ من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر.
(٢) وقد تقصى الحافظ ابن حجر في الفتح ما ورد زيادة على الخمس: الذئب والنمر والحية والأفعى، وهي داخلة في الحية، والذئب والنمر وردا معا تفسيرا من بعض الرواة للكلب العقور. وقد قال الحافظ: " ولا يخلو شيء من ذلك من مقال والله أعلم ". وقد عرفت صحة ورود الحية، وقوة حديث الذئب، فانظر وتأمل.
وَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ مُطْلَقًا، صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً، بَدَأَتْ بِالأَْذِيَّةِ أَمْ لاَ.
وَأَمَّا الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ فَفِي قَتْل صَغِيرِهِمَا - وَهُوَ مَا لَمْ يَصِل لِحَدِّ الإِْيذَاءِ - خِلاَفٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: قَوْلٌ بِالْجَوَازِ نَظَرًا لِلَفْظِ " غُرَابٍ " الْوَاقِعِ فِي الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ يَصْدُقُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ: وَقَوْلٌ بِالْمَنْعِ نَظَرًا لِلْعِلَّةِ فِي جَوَازِ الْقَتْل، وَهِيَ الإِْيذَاءُ، وَذَلِكَ مُنْتَفٍ فِي الصَّغِيرِ. وَعَلَى الْقَوْل بِالْمَنْعِ، فَلاَ جَزَاءَ فِيهِ، مُرَاعَاةً لِلْقَوْل الآْخَرِ.
ثُمَّ قَرَّرَ الْمَالِكِيَّةُ شَرْطًا لِجَوَازِ قَتْل مَا يَقْبَل التَّذْكِيَةَ، كَالْغُرَابِ، وَالْحِدَأَةِ، وَالْفَأْرَةِ، وَالذِّئْبِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ قَتْلُهَا بِغَيْرِ نِيَّةِ الذَّكَاةِ، بَل لِدَفْعِ شَرِّهَا، فَإِنْ قُتِل بِقَصْدِ الذَّكَاةِ، فَلاَ يَجُوزُ، وَفِيهِ الْجَزَاءُ (١) .
٩٠ - ب - يَجُوزُ قَتْل كُل مُؤْذٍ بِطَبْعِهِ مِمَّا لَمْ تَنُصَّ عَلَيْهِ الأَْحَادِيثُ، مِثْل الأَْسَدِ، وَالنَّمِرِ، وَالْفَهْدِ، وَسَائِرِ السِّبَاعِ. بَل صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ بِإِطْلاَقٍ دُونَ اشْتِرَاطِ شَيْءٍ. وَكَذَا الْحُكْمُ عِنْدَهُمْ فِيمَا سَبَقَ اسْتِحْبَابُ قَتْل تِلْكَ الْمُؤْذِيَاتِ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَعِنْدَهُمُ التَّفْصِيل السَّابِقُ بِالنِّسْبَةِ لِلْكِبَارِ وَالصِّغَارِ، وَاشْتِرَاطُ عَدَمِ قَصْدِ الذَّكَاةِ بِقَتْلِهَا. وَاشْتَرَطُوا فِي الطَّيْرِ الَّذِي لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ أَنْ يَخَافَ مِنْهُ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، وَلاَ يَنْدَفِعُ إِلاَّ بِقَتْلِهِ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: السِّبَاعُ وَنَحْوُهَا كَالْبَازِيِّ وَالصَّقْرِ، مُعَلَّمًا وَغَيْرَ مُعَلَّمٍ، صُيُودٌ لاَ يَحِل قَتْلُهَا (٢) . إِلاَّ
_________
(١) هذا الشرط عند المالكية تبع لمذهبهم في إباحة أكل كل ما لم ينص القرآن على تحريمه، وعندهم في ذلك رواية بالكراهة، ورواية بالحرمة. ر: أطعمة.
(٢) إلا الكلب. والذئب فليسا صيدا عند الحنفية كما بين في رد المحتار ٢ / ٣٠١
إِذَا صَالَتْ عَلَى الْمُحْرِمِ، فَإِنْ صَالَتْ جَازَ لَهُ قَتْلُهَا وَلاَ جَزَاءَ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَهُمْ جَوَازُ قَتْلِهَا مُطْلَقًا.
اسْتَدَل الْجُمْهُورُ عَلَى تَعْمِيمِ الْحُكْمِ فِي كُل مُؤْذٍ بِأَدِلَّةٍ:
مِنْهَا: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: يَقْتُل الْمُحْرِمُ السَّبُعَ الْعَادِيَ، وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَالْفَأْرَةَ، وَالْعَقْرَبَ، وَالْحِدَأَةَ وَالْغُرَابَ. . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ (١) . وَقَال التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَالْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْل الْعِلْمِ، قَالُوا: الْمُحْرِمُ يَقْتُل السَّبُعَ الْعَادِيَ.
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ فِي الأَْحَادِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا مِنَ الأَْمْرِ بِقَتْل " الْكَلْبِ الْعَقُورِ ". قَال الإِْمَامُ مَالِكٌ: " إِنَّ كُل مَا عَقَرَ النَّاسَ وَعَدَا عَلَيْهِمْ وَأَخَافَهُمْ مِثْل الأَْسَدِ، وَالنَّمِرِ، وَالْفَهْدِ، وَالذِّئْبِ، فَهُوَ الْكَلْبُ الْعَقُورُ (٢) ".
٩١ - ج - أَلْحَقَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِمَا يُقْتَل فِي الْحَرَمِ وَالإِْحْرَامِ كُل مَا لاَ يُؤْكَل لَحْمُهُ.
الْهَوَامُّ وَالْحَشَرَاتُ (٣):
٩٢ - د - لاَ تَدْخُل الْهَوَامُّ وَالْحَشَرَاتُ فِي تَحْرِيمِ
_________
(١) أبو داود (باب ما يقتل المحرم من الدواب) ٢ / ١٧٠ والترمذي ٣ / ١٩٨، وابن ماجه ١٠٣٢
(٢) الموطأ ١ / ٢٥٩
(٣) الهوام: جمع هامة، وهي كل حيوان ذي سم، وقد تطلق على مؤذ ليس له سم كالقملة، والحشرات: جمع حشرة، وهي صغار دواب الأرض.
الصَّيْدِ عِنْدَ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ: الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: فَلأَِنَّهَا لَيْسَتْ مُمْتَنِعَةً، وَقَدْ ذَكَرُوا فِي تَعْرِيفِ الصَّيْدِ أَنَّهُ الْمُمْتَنِعُ. وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ جَزَاءَ فِي قَتْلِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لَكِنْ لاَ يَحِل عِنْدَهُمْ قَتْل مَا لاَ يُؤْذِي، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ فِيهِ الْجَزَاءُ (١) .
وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَلاَ تَدْخُل فِي الصَّيْدِ، لِكَوْنِهِمُ اشْتَرَطُوا فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَأْكُولًا. وَهَذِهِ غَيْرُ مَأْكُولَةٍ، وَقَدْ عَرَفْتَ تَفْصِيل حُكْمِهَا عِنْدَهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: يُحْظَرُ قَتْل مَا لاَ يُؤْذِي مِنَ الْحَشَرَاتِ بِالإِْحْرَامِ وَالْحَرَمِ، وَفِيهِ الْجَزَاءُ عِنْدَهُمْ.
لَكِنْ قَالُوا فِي الْوَزَغِ: لاَ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ، وَيَجُوزُ لِلْحَلاَل قَتْلُهُ فِي الْحَرَمِ، " إِذْ لَوْ تَرَكَهَا الْحَلاَل بِالْحَرَمِ لَكَثُرَتْ فِي الْبُيُوتِ وَحَصَل مِنْهَا الضَّرَرُ (٢) ".
_________
(١) عباراتهم هنا خاصة بالنمل، لكن قال في رد المحتار ٢ / ٣٠٠، ٣٠١. " وهذا الحكم عام في كل ما لا يؤذي، كما صرحوا به في غير موضع " اهـ. وهذا مسرد للهوام والحشرات التي لا جزاء في قتلها، كما أوردها في اللباب وشرحه: الخنفساء، الجعلان، أم حبين، صياح الليل، ال
(٢) انظر هذه الأحكام في الهداية وشروحها ٢ / ٢٦٦، ٢٧١، وفي لباب المناسك وشرحه المسلك المتقسط ٢٥٢، ٢٥٣، وتنوير الأبصار وشرحه وحاشية رد المحتار ٢ / ٣٠٠، ٣٠١، ومواهب الجليل ٣ / ١٧٣، ١٧٤، وشرح الزرقاني ٢ / ٣١٢ - ٣١٤، والشرح الكبير، وحاشيته ٢ / ٧٤، والمهذب والمجموع ٤ / ٣٢٠ - ٣٢٣، وشرح المنهاج للمحلي بحاشيته ٢ / ١٣٧، ١٣٨ ونهاية المحتاج ٢ / ٤٥٩، والمغني ٣ / ٣٤١ - ٣٤٣ ومطالب أولي النهى ٢ / ٣٣٣، ٣٤٢، ٣٤٣
الْجِمَاعُ وَدَوَاعِيهِ:
٩٣ - يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَإِجْمَاعِ الأُْمَّةِ الْجِمَاعُ وَدَوَاعِيهِ الْفِعْلِيَّةُ أَوِ الْقَوْلِيَّةُ وَقَضَاءُ الشَّهْوَةِ بِأَيِّ طَرِيقٍ. وَالْجِمَاعُ أَشَدُّ الْمَحْظُورَاتِ حَظْرًا؛ لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى فَسَادِ النُّسُكِ. وَالدَّلِيل عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ النَّصُّ الْقُرْآنِيُّ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ . فُسِّرَ الرَّفَثُ بِأَنَّهُ مَا قِيل عِنْدَ النِّسَاءِ مِنْ ذِكْرِ الْجِمَاعِ وَقَوْل الْفُحْشِ. وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١) فَتَكُونُ الآْيَةُ دَلِيلًا عَلَى تَحْرِيمِ الْجِمَاعِ عَلَى الْمُحْرِمِ بِطَرِيقِ دَلاَلَةِ النَّصِّ، أَيْ مِنْ بَابِ الأَْوْلَى؛ لأَِنَّهُ إِذَا حَرُمَ مَا دُونَ الْجِمَاعِ، كَانَ تَحْرِيمُهُ مَعْلُومًا بِطَرِيقِ الأَْوْلَى. وَفُسِّرَ الرَّفَثُ أَيْضًا بِذِكْرِ إِتْيَانِ النِّسَاءِ، الرِّجَال وَالنِّسَاءُ إِذَا ذَكَرُوا ذَلِكَ بِأَفْوَاهِهِمْ. وَنُقِل ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَبَعْضِ التَّابِعِينَ. فَتَدُل الآْيَةُ عَلَى حُرْمَةِ الْجِمَاعِ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِهَا. كَمَا فُسِّرَ بِالْجِمَاعِ أَيْضًا، وَنُسِبَ ذَلِكَ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ، فَتَكُونُ الآْيَةُ نَصًّا فِيهِ (٢) .
_________
(١) أخرجه ابن جرير عنه من أكثر من وجه. وانظر تفسير ابن كثير ١ / ٢٣٧
(٢) انظر تخريج هذه الأقوال وعزوها إلى قائليها في تفسير ابن كثير ١ / ٢٣٦، ٢٣٧
الْفُسُوقُ وَالْجِدَال:
٩٤ - الْفُسُوقُ: هُوَ الْخُرُوجُ عَنِ الطَّاعَةِ. وَهُوَ حَرَامٌ فِي كُل حَالٍ، وَفِي حَال الإِْحْرَامِ آكَدُ وَأَغْلَظُ، لِذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ الْكَرِيمِ: ﴿وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ . (١) وَقَدِ اخْتَارَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ وَالْمُحَقِّقُونَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي الآْيَةِ إِتْيَانُ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ وَالصَّوَابُ، لِمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ اسْتِعْمَال الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالشَّرْعِ لِكَلِمَةِ الْفِسْقِ بِمَعْنَى الْخُرُوجِ عَنِ الطَّاعَةِ.
وَالْجِدَال: الْمُخَاصَمَةُ. وَقَدْ قَال جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ: أَنْ تُمَارِيَ صَاحِبَكَ حَتَّى تُغْضِبَهُ. وَهَذَا يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ كُل مَسَاوِئِ الأَْخْلاَقِ وَالْمُعَامَلاَتِ. لَكِنْ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ لاَ يَدْخُل فِي حَظْرِ الْجِدَال.
الْفَصْل السَّادِسُ
مَكْرُوهَاتُ الإِْحْرَامِ
٩٥ - وَهِيَ أُمُورٌ يَكُونُ فَاعِلُهَا مُسِيئًا، لَكِنْ لاَ يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ لَوْ فَعَلَهَا. وَفِي بَيَانِهَا تَنْبِيهٌ هَامٌّ، وَإِزَاحَةٌ لِمَا قَدْ يَقَعُ مِنَ اشْتِبَاهٍ.
٩٦ - فَمِنْهَا غَسْل الرَّأْسِ وَالْجَسَدِ وَاللِّحْيَةِ بِالسِّدْرِ وَنَحْوِهِ، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ يَقْتُل الْهَوَامَّ وَيُلَيِّنُ الشَّعْرَ (٢)
٩٧ - وَمَشْطُ الرَّأْسِ بِقُوَّةٍ، وَحَكُّهُ، وَكَذَا حَكُّ
_________
(١) سورة البقرة / ١٩٧
(٢) شرح اللباب ص ٨٢
الْجَسَدِ حَكًّا شَدِيدًا، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى قَطْعِ الشَّعْرِ أَوْ نَتْفِهِ. أَمَّا لَوْ فَعَل ذَلِكَ بِرِفْقٍ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ، لِذَلِكَ قَالُوا: يَحُكُّ بِبُطُونِ أَنَامِلِهِ (١) . قَال النَّوَوِيُّ: " وَأَمَّا حَكُّ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ فَلاَ أَعْلَمُ خِلاَفًا فِي إِبَاحَتِهِ بَل هُوَ جَائِزٌ (٢) ".
٩٨ - وَالتَّزَيُّنُ، صَرَّحَ بِكَرَاهَتِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَعِبَارَاتُ غَيْرِهِمْ تَدُل عَلَيْهِ. قَال الْحَنَفِيَّةُ فِي الاِكْتِحَال بِكُحْلٍ غَيْرِ مُطَيِّبٍ لِقَصْدِ الزِّينَةِ إِنَّهُ مَكْرُوهٌ، فَإِنِ اكْتَحَل لاَ لِقَصْدِ الزِّينَةِ بِكُحْلٍ غَيْرِ مُطَيِّبٍ بَل لِلتَّدَاوِي أَوْ لِتَقْوِيَةِ الْبَاصِرَةِ فَمُبَاحٌ (٣) . أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَالاِكْتِحَال بِغَيْرِ مُطَيِّبٍ مَحْظُورٌ عِنْدَهُمْ، وَفِيهِ الْفِدَاءُ، إِلاَّ لِضَرُورَةٍ فَلاَ فِدَاءَ فِيهِ (٤) .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ (٥) وَالْحَنَابِلَةِ (٦) الاِكْتِحَال بِمَا لاَ طِيبَ فِيهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ زِينَةٌ، غَيْرُ مَكْرُوهٍ، كَالْكُحْل الأَْبْيَضِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ زِينَةٌ كَالإِْثْمِدِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ، لَكِنْ لاَ يَلْزَمُ فِيهِ فِدْيَةٌ. فَإِنِ اكْتَحَل بِمَا فِيهِ زِينَةٌ لِحَاجَةٍ كَالرَّمَدِ فَلاَ كَرَاهَةَ. أَمَّا الاِكْتِحَال بِكُحْلٍ مُطَيِّبٍ فَإِنَّهُ مَحْظُورٌ اتِّفَاقًا عَلَى الرِّجَال وَالنِّسَاءِ.
مَا يُبَاحُ فِي الإِْحْرَامِ
٩٩ - الأُْمُورُ الَّتِي تُبَاحُ فِي الإِْحْرَامِ كُل مَا لَيْسَ
_________
(١) المسلك المتقسط شرح اللباب ص ٨٢ - ٨٤
(٢) المجموع ٧ / ٢٥٣
(٣) المسلك المتقسط ص ٨٢، ٨٣
(٤) متن خليل والشرح الكبير وحاشيته ٢ / ٦١
(٥) المجموع ٧ / ٢٨٣، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٥٤
(٦) الكافي ١ / ٥٥٩، ومطالب أولي النهى ٢ / ٣٥٣