الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 32

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

الدُّهْنِ طِيبٌ وَلاَ تَزْيِينٌ، فَلاَ يَحْرُمُ إِلاَّ فِيمَا ذَكَرْنَا؛ لأَِنَّهُ بِهِ يَحْصُل التَّزْيِينُ (١) . وَإِنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الشَّرْعُ اسْتِعْمَال الطِّيبِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْهُ، فَلاَ يَثْبُتُ تَحْرِيمُهُ (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ - عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ مِنْ إِبَاحَتِهِ فِي كُل الْبَدَنِ: " إِنَّ وُجُوبَ الْفِدْيَةِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَلاَ دَلِيل فِيهِ مِنْ نَصٍّ وَلاَ إِجْمَاعٍ. وَلاَ يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الطِّيبِ، فَإِنَّ الطِّيبَ يُوجِبُ الْفِدْيَةَ وَإِنْ لَمْ يُزِل شَيْئًا، وَيَسْتَوِي فِيهِ الرَّأْسُ وَغَيْرُهُ، وَالدَّهْنُ بِخِلاَفِهِ (٣) ".

هـ - التَّطَيُّبُ:

٧٤ - الطِّيبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: مَا لَهُ رَائِحَةٌ مُسْتَلَذَّةٌ وَيُتَّخَذُ مِنْهُ الطِّيبُ (٤) . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: مَا يُقْصَدُ مِنْهُ رَائِحَتُهُ غَالِبًا، وَلَوْ مَعَ غَيْرِهِ (٥) . وَيُشْتَرَطُ فِي الطِّيبِ الَّذِي يُحْكَمُ بِتَحْرِيمِهِ أَنْ يَكُونَ مُعْظَمُ الْغَرَضِ مِنْهُ الطِّيبَ، وَاتِّخَاذَ الطِّيبِ مِنْهُ، أَوْ يَظْهَرُ فِيهِ هَذَا الْغَرَضُ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: مَا تَطِيبُ رَائِحَتُهُ وَيُتَّخَذُ لِلشَّمِّ (٦) .

وَقَسَّمَهُ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى قِسْمَيْنِ: مُذَكَّرٍ وَمُؤَنَّثٍ. فَالْمُذَكَّرُ: هُوَ مَا يَخْفَى أَثَرُهُ أَيْ تَعَلُّقُهُ بِمَا مَسَّهُ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ جَسَدٍ وَيَظْهَرُ رِيحُهُ. وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْوَاعُ

_________

(١) المهذب نسخة المجموع ٧ / ٢٧٥، ٢٧٦

(٢) المجموع ٧ / ٢٨٤

(٣) المغني ٣ / ٣٢٢، ومطالب أولي النهى ٢ / ٣٣٢، ٣٣٣، ولم يذكر إلا القول بالجواز.

(٤) المسلك المتقسط ص ٢٠٨، ونحوه في رد المحتار ٢ / ٢٧٥

(٥) مغني المحتاج ١ / ٥٢٠، والمجموع ٧ / ٢٧٨

(٦) المغني ٣ / ٣١٥

الرَّيَاحِينِ: كَالرَّيْحَانِ، وَالْوَرْدِ، وَالْيَاسَمِينِ. وَأَمَّا الْمِيَاهُ الَّتِي تُعْتَصَرُ مِمَّا ذُكِرَ فَلَيْسَ مِنْ قَبِيل الْمُؤَنَّثِ. وَالْمُؤَنَّثُ: هُوَ مَا يَظْهَرُ لَوْنُهُ وَأَثَرُهُ، أَيْ تَعَلُّقُهُ بِمَا مَسَّهُ مَسًّا شَدِيدًا، كَالْمِسْكِ، وَالْكَافُورِ، وَالزَّعْفَرَانِ (١) . فَالْمُؤَنَّثُ يُكْرَهُ شَمُّهُ، وَاسْتِصْحَابُهُ، وَمُكْثٌ فِي الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَيُحْرِمُ مِنْهُ. وَالْمُذَكَّرُ يُكْرَهُ شَمُّهُ، وَأَمَّا مَسُّهُ مِنْ غَيْرِ شَمٍّ وَاسْتِصْحَابُهُ وَمُكْثٌ بِمَكَانٍ هُوَ فِيهِ فَهُوَ جَائِزٌ (٢) .

تَفْصِيل أَحْكَامِ التَّطَيُّبِ لِلْمُحْرِمِ:

تَطْيِيبُ الثَّوْبِ:

٧٥ - وَهُوَ أَصْلٌ فِي الْبَابِ، لِلتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ فِي

_________

(١) الشرح الكبير ٢ / ٥٩ بحاشيته. وهناك تفسير آخر للمذكر والمؤنث عند المالكية: فالمذكر ما ظهر لونه وخفيت رائحته كالورد، والمؤنث ما خفي لونه وظهرت رائحته كالمسك، وعليه درج العدوى في حاشيته على الرسالة ١ / ٤٨٦، وقال الزرقاني في شرح خليل ١ / ٢٩٧ وهو أقرب. ثم قال: " وقوله في المذكر: ما ظهر لونه أي المقصود الأعظم منه ذلك " فلا ينافي أن الورد له رائعة ذكية، لكنها خفية، ولعل معنى كونها خفية أنها لا تنتشر لبعده كانتشار المسك. وقوله في المؤنث: ما خفي لونه أي الغالب لا ما يظهر لونه كالورد فإنه يتمتع برؤية لونه بخلاف المسك ".

(٢) حاشية الدسوقي ٢ / ٦٠ وقد وفق البناني بين تقسيم المالكية للطيب هنا وبين حديث: " خير طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه وخير طيب النساء، ما ظهر لونه وخفي ريحه ". أخرجه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه فقال: " والمتجه أن ما للفقهاء اصطلاح خاص بباب الحج والله أعلم " حاشية البناني ٢ / ٢٩٦.

الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَمِنْ هُنَا قَالُوا: الْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِنَ اسْتِعْمَال الطِّيبِ فِي إِزَارِهِ، أَوْ رِدَائِهِ، وَجَمِيعِ ثِيَابِهِ، وَفِرَاشِهِ، وَنَعْلِهِ حَتَّى لَوْ عَلِقَ بِنَعْلِهِ طِيبٌ وَجَبَ أَنْ يُبَادِرَ لِنَزْعِهِ، وَلاَ يَضَعُ عَلَيْهِ ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ، أَوْ نَحْوُهُمَا مِنْ صَبْغٍ لَهُ طِيبٌ.

كَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ لَهُ حَمْل طِيبٍ تَفُوحُ رَائِحَتُهُ، أَوْ شَدُّهُ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ، كَالْمِسْكِ، بِخِلاَفِ شَدِّ عُودٍ أَوْ صَنْدَلٍ.

أَمَّا الثَّوْبُ الَّذِي فِيهِ طِيبٌ قَبْل الإِْحْرَامِ فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ لُبْسُهُ. وَيَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ تَطْيِيبُ ثَوْبِ الإِْحْرَامِ عِنْدَ إِرَادَةِ الإِْحْرَامِ. وَلاَ يَضُرُّ بَقَاءُ الرَّائِحَةِ فِي الثَّوْبِ بَعْدَ الإِْحْرَامِ، كَمَا لاَ يَضُرُّ بَقَاءُ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ فِي الْبَدَنِ اتِّفَاقًا، قِيَاسًا لِلثَّوْبِ عَلَى الْبَدَنِ، لَكِنْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَزَعَ ثَوْبَ الإِْحْرَامِ أَوْ سَقَطَ عَنْهُ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعُودَ إِلَى لُبْسِهِ مَا دَامَتِ الرَّائِحَةُ فِيهِ، بَل يُزِيل مِنْهُ الرَّائِحَةَ ثُمَّ يَلْبَسُهُ.

تَطْيِيبُ الْبَدَنِ:

٧٦ - يُحْظَرُ عَلَى الْمُحْرِمِ اسْتِعْمَال الطِّيبِ فِي بَدَنِهِ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَلَوْ لِلتَّدَاوِي.

وَلاَ يُخَضِّبُ رَأْسَهُ أَوْ لِحْيَتَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْ جِسْمِهِ، وَلاَ يَغْسِلُهُ بِمَا فِيهِ طِيبٌ، وَمِنْهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الْخِطْمِيُّ وَالْحِنَّاءُ، عَلَى مَا مَرَّ مِنَ الْخِلاَفِ فِيهِمَا.

٧٧ - وَأَكْل الطِّيبِ الْخَالِصِ أَوْ شُرْبُهُ لاَ يَحِل لِلْمُحْرِمِ اتِّفَاقًا بَيْنَ الأَْئِمَّةِ. أَمَّا إِذَا خَلَطَ الطِّيبَ بِطَعَامٍ قَبْل الطَّبْخِ، وَطَبَخَهُ مَعَهُ، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، عِنْدَ

الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ (١) . وَكَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامٍ مَطْبُوخٍ بَعْدَ طَبْخِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ.

أَمَّا إِذَا خَلَطَهُ بِطَعَامٍ غَيْرِ مَطْبُوخٍ: فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ أَكْثَرَ فَلاَ شَيْءَ، وَلاَ فِدْيَةَ إِنْ لَمْ تُوجَدِ الرَّائِحَةُ، وَإِنْ وُجِدَتْ مَعَهُ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ يُكْرَهُ أَكْلُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَإِنْ كَانَ الطِّيبُ أَكْثَرَ وَجَبَ فِي أَكْلِهِ الدَّمُ سَوَاءٌ ظَهَرَتْ رَائِحَتُهُ أَوْ لَمْ تَظْهَرْ. وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَكُل طَعَامٍ خُلِطَ بِطِيبٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطْبَخَ الطِّيبُ مَعَهُ فَهُوَ مَحْظُورٌ فِي كُل الصُّوَرِ، وَفِيهِ الْفِدَاءُ.

أَمَّا إِنْ خَلَطَ الطِّيبَ بِمَشْرُوبٍ، كَمَاءِ الْوَرْدِ وَغَيْرِهِ، وَجَبَ فِيهِ الْجَزَاءُ، قَلِيلًا كَانَ الطِّيبُ أَوْ كَثِيرًا، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا خَلَطَ الطِّيبَ بِغَيْرِهِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ رِيحٌ وَلاَ طَعْمٌ، فَلاَ حُرْمَةَ وَلاَ فِدْيَةَ، وَإِلاَّ فَهُوَ حَرَامٌ وَفِيهِ الْفِدْيَةُ.

شَمُّ الطِّيبِ:

٧٨ - شَمُّ الطِّيبِ دُونَ مَسٍّ يُكْرَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ

_________

(١) على التحقيق في مذهب المالكية. وفي قول يباح أن أماته. الطبخ أي استهلك في الطعام وذهبت عينه، بحيث لا يظهر منة إلا الريح. وبه أخذ الدردير في الشرح الكبير ٢ / ٦١، والزرقاني في شرحه ٢ / ٢٩٩، وعزاه للحطاب فقارنه ٣ / ١٦٠، وتحقيق المذهب ما ذكرنا من عدم اشتراط إماتته في الطبخ. انظر حاشية البناني على الزرقاني وحاشية الدسوقي ٢ / ٦١، ٦٢

وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَلاَ جَزَاءَ فِيهِ عِنْدَهُمْ (١) .

أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: يَحْرُمُ تَعَمُّدُ شَمِّ الطِّيبِ، وَيَجِبُ فِيهِ الْفِدَاءُ، كَالْمِسْكِ وَالْكَافُورِ، وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يُتَطَيَّبُ بِشَمِّهِ.

الصَّيْدُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ

٧٩ - تَعْرِيفُ الصَّيْدِ لُغَةً: الصَّيْدُ لُغَةً: مَصْدَرٌ بِمَعْنَى، الاِصْطِيَادِ، وَالْقَنْصِ، وَبِمَعْنَى الْمَصِيدِ، وَكُلٌّ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ دَاخِلٌ فِيمَا يُحْظَرُ بِالإِْحْرَامِ.

تَعْرِيفُ الصَّيْدِ اصْطِلاَحًا:

٨٠ - الصَّيْدُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٢) هُوَ الْحَيَوَانُ الْبَرِّيُّ الْمُمْتَنِعُ عَنْ أَخْذِهِ بِقَوَائِمِهِ، أَوْ جَنَاحَيْهِ، الْمُتَوَحِّشُ فِي أَصْل الْخِلْقَةِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٣) هُوَ الْحَيَوَانُ الْبَرِّيُّ الْمُتَوَحِّشُ فِي أَصْل الْخِلْقَةِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٤) وَالْحَنَابِلَةِ (٥) هُوَ الْحَيَوَانُ الْبَرِّيُّ الْمُتَوَحِّشُ الْمَأْكُول اللَّحْمِ.

أَدِلَّةُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ:

٨١ - وَقَدْ ثَبَتَ تَحْرِيمُ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ:

_________

(١) المسلك المتقسط ص ٨٢

(٢) المسلك المتقسط ص / ٢٤١ والدر المختار ٢ / ٢٩١

(٣) الزرقاني ٢ / ٣١١، والشرح الكبير وحاشيته ٢ / ٧٢

(٤) كما يؤخذ من النهاية ٢ / ٢٥٨، ٢٥٩، وانظر المجموع ٧ / ٢٩٨ وفيه تفصيل للتعريف.

(٥) مطالب أولي النهى ٢ / ٣٣٣ وانظر المغني ٣ / ٥٠٦ وفيه قوله " ممتعا "

أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (١) . وَقَال عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٢) . وَكُلٌّ مِنْهُمَا نَصٌّ قَاطِعٌ فِي الْمَوْضُوعِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ حِينَ أَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ يُحْرِمْ، وَرَأَى حِمَارَ وَحْشٍ. وَفِي الْحَدِيثِ فَأَسْرَجْتُ فَرَسِي، وَأَخَذْتُ رُمْحِي، ثُمَّ رَكِبْتُ، فَسَقَطَ مِنِّي سَوْطِي، فَقُلْتُ لأَِصْحَابِي - وَكَانُوا مُحْرِمِينَ - نَاوِلُونِي السَّوْطَ. فَقَالُوا: وَاللَّهِ لاَ نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَنَزَلْتُ، فَتَنَاوَلْتُهُ ثُمَّ رَكِبْتُ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فَنَزَلُوا، فَأَكَلُوا مِنْ لَحْمِهَا، وَقَالُوا: أَنَأْكُل لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ الأَْتَانِ، فَلَمَّا أَتَوْا رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا، وَقَدْ كَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَل عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلْنَا، فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا، ثُمَّ قُلْنَا: أَنَأْكُل لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا. قَال: أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِل عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لاَ قَال: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣) . وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ فَقَدْ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ وَابْنُ قُدَامَةَ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ إِجْمَاعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ بِقَتْلِهِ (٤) .

_________

(١) سورة المائدة / ٩٥

(٢) سورة المائدة / ٩٦

(٣) البخاري ٣ / ١٢، ومسلم ٤ / ١٤

(٤) المجموع ٧ / ٢٩٠، والمغني ٣ / ٣٠٩

إِبَاحَةُ صَيْدِ الْبَحْرِ:

٨٢ - وَأَمَّا صَيْدُ الْبَحْرِ: فَحَلاَلٌ لِلْحَلاَل وَلِلْمُحْرِمِ بِالنَّصِّ، وَالإِْجْمَاعِ: أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُحِل لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (١) . وَالإِْجْمَاعُ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ (٢) وَأَبُو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ (٣) .

أَحْكَامُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ:

٨٣ - يَشْمَل تَحْرِيمُ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ أُمُورًا نُصَنِّفُهَا فِيمَا يَلِي:

تَحْرِيمُ قَتْل الصَّيْدِ، لِصَرِيحِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ. وَتَحْرِيمُ إِيذَاءِ الصَّيْدِ، أَوِ الاِسْتِيلاَءِ عَلَيْهِ. وَمِنْ ذَلِكَ: كَسْرُ قَوَائِمِ الصَّيْدِ، أَوْ كَسْرُ جَنَاحِهِ، أَوْ شَيُّ بَيْضِهِ أَوْ كَسْرُهُ، أَوْ نَتْفُ رِيشِهِ، أَوْ جَزُّ شَعْرِهِ، أَوْ تَنْفِيرُ الصَّيْدِ، أَوْ أَخْذُهُ، أَوْ دَوَامُ إِمْسَاكِهِ، أَوِ التَّسَبُّبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَوْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ (٤) بِدَلِيل الآْيَةِ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ . وَالآْيَةُ تُفِيدُ تَحْرِيمَ سَائِرِ أَفْعَالِنَا فِي الصَّيْدِ فِي حَال الإِْحْرَامِ ". (٥)

وَالدَّلِيل مِنَ الْقِيَاسِ: " أَنَّ مَا مُنِعَ مِنْ إِتْلاَفِهِ لِحَقِّ الْغَيْرِ مُنِعَ مِنْ إِتْلاَفِ أَجْزَائِهِ، كَالآْدَمِيِّ، فَإِنْ

_________

(١) سورة المائدة / ٩٦

(٢) المجموع ٧ / ٢٩٨

(٣) أحكام القرآن ٢ / ٤٧٨، ٤٧٩

(٤) المسلك المتقسط ص ٨١، والشرح الكبير وحاشيته ٢ / ٧٢، والمهذب والمجمع ٧ / ٢٩٩، والكافي ١ / ٥٥٣ - ٥٥٧

(٥) أحكام القرآن.

أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْهُ ضَمِنَهُ بِالْجَزَاءِ. . . " (١) . وَلِلْقِيَاسِ عَلَى حَظْرِ تَنْفِيرِ صَيْدِ الْحَرَمِ، لِقَوْلِهِ ﷺ فِي مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ، لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلاَ تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا (٢) فَإِذَا حَرُمَ تَنْفِيرُ صَيْدِ الْحَرَمِ وَجَبَ أَنْ يَحْرُمَ فِي الإِْحْرَامِ (٣)

٨٤ - وَتَحْرُمُ الْمُسَاعَدَةُ عَلَى الصَّيْدِ بِأَيِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ: مِثْل الدَّلاَلَةِ عَلَيْهِ، أَوِ الإِْشَارَةِ، أَوْ إِعَارَةِ سِكِّينٍ، أَوْ مُنَاوَلَةِ سَوْطٍ. وَكَذَا يَحْرُمُ الأَْمْرُ بِقَتْل الصَّيْدِ اتِّفَاقًا فِي ذَلِكَ (٤) . وَالدَّلِيل عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ السَّابِقُ.

تَحْرِيمُ تَمَلُّكِ الصَّيْدِ:

٨٥ - يَحْرُمُ تَمَلُّكُ الصَّيْدِ ابْتِدَاءً، بِأَيِّ طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ التَّمَلُّكِ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ، أَوْ شِرَاؤُهُ، أَوْ قَبُولُهُ هِبَةً، أَوْ وَصِيَّةً، أَوْ صَدَقَةً، أَوْ إِقَالَةً (٥) . وَالدَّلِيل عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ الآْيَةُ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ .

_________

(١) المجموع شرح المهذب ٧ / ٢٩٥

(٢) أخرجه الشيخان البخاري واللفظ له (فضل الحرم) ٢ / ١٤٧، ومسلم (تحريم مكة) ٤ / ١٠٩

(٣) المهذب وشرحه ٧ / ٢٩٥

(٤) المسلك المتقسط ص ٨١، والشرح الكبير بحاشيته ٢ / ٧٧، والمهذب وشرحه المجموع ٧ / ٢٩٥ - ٢٩٦، ٣٠٣، والمغني ٣ / ٣٠٩ - ٣١٠

(٥) الهداية ٢ / ٢٨٣، والمسلك المتقسط ص ٢٤٨، والمهذب والمجموع ٧ / ٣١٠، ٣١١،٣١٢، والشرح الكبير ٢ / ٧٣، والمغني ٣ / ٥٢٥، ٥٢٦

قَال فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (١) . " أَضَافَ التَّحْرِيمَ إِلَى الْعَيْنِ، فَيَكُونُ سَاقِطَ التَّقَوُّمِ فِي حَقِّهِ، كَالْخَمْرِ. وَأَنْتَ عَلِمْتَ أَنَّ إِضَافَةَ التَّحْرِيمِ إِلَى الْعَيْنِ تُفِيدُ مَنْعَ سَائِرِ الاِنْتِفَاعَاتِ ".

وَيُسْتَدَل أَيْضًا مِنَ السُّنَّةِ بِحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّهُ أَهْدَى إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ حِمَارَ وَحْشٍ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَال: إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢) . وَيُسْتَدَل بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ (٣) .

تَحْرِيمُ الاِنْتِفَاعِ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ:

٨٦ - يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ أَكْل لَحْمِهِ، وَحَلْبُهُ، وَأَكْل بَيْضِهِ، وَشَيُّهُ.

وَذَلِكَ لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ الَّتِي سَبَقَتْ فِي تَحْرِيمِ تَمَلُّكِ الصَّيْدِ؛ وَلأَِنَّ الاِنْتِفَاعَ فَرْعٌ مِنَ الْمِلْكِ، فَإِذَا حُرِّمَ الْمِلْكُ لَمْ يَبْقَ مَحَلٌّ لأَِثَرِهِ.

٨٧ - إِذَا صَادَ الْحَلاَل صَيْدًا فَهَل يَحِل لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ؟

فِي الْمَسْأَلَةِ مَذَاهِبُ:

الْمَذْهَبُ الأَْوَّل: لاَ يَحِل لِلْمُحْرِمِ الصَّيْدُ أَصْلًا، سَوَاءٌ أَمَرَ بِهِ أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَعَانَ عَلَى صَيْدِهِ أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَصَادَهُ الْحَلاَل لَهُ أَمْ لَمْ يَصِدْهُ لَهُ. وَهَذَا قَوْل طَائِفَةٍ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ، مِنْهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ: عَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃

_________

(١) الجامع لأحكام القرآن ٦ / ٣٢١

(٣) انظر الاستدلال به في المهذب والمجموع وتفسير القرطبي والمغني في المواضع السابقة. وبأتي تخريجه مفصلا.

(١) . وَكَرِهَ ذَلِكَ طَاوُسٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ (٢) .

الْمَذْهَبُ الثَّانِي: مَا صَادَهُ الْحَلاَل لِلْمُحْرِمِ وَمِنْ أَجْلِهِ فَلاَ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ، فَأَمَّا مَا لَمْ يَصِدْهُ مِنْ أَجْل الْمُحْرِمِ بَل صَادَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِحَلاَلٍ آخَرَ فَلاَ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ أَكْلُهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، الْمَالِكِيَّةِ (٣) وَالشَّافِعِيَّةِ (٤) الْحَنَابِلَةِ (٥) . وَهُوَ قَوْل إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَأَبِي ثَوْرٍ (٦) . وَقَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ عُثْمَانَ فِي هَذَا الْبَابِ (٧) .

إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: مَا صِيدَ لِلْمُحْرِمِ هُوَ مَيْتَةٌ عَلَى كُل أَحَدٍ، الْمُحْرِمِ الْمَذْبُوحِ لَهُ وَغَيْرِهِ، وَعَلَى الْمُحْرِمِ الْجَزَاءُ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ صِيدَ لِمُحْرِمٍ وَلَوْ غَيْرَهُ، وَأَكَل. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَأَكَل مِنْهُ فَلاَ جَزَاءَ عَلَيْهِ. وَوَافَقَهُمُ الْحَنَابِلَةُ فِي لُزُومِ الْجَزَاءِ، وَفَصَّلُوا فَأَوْجَبُوهُ كَامِلًا إِنْ أَكَلَهُ كُلَّهُ، وَقِسْطَهُ إِنْ أَكَل بَعْضَهُ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوهُ حَرَامًا إِلاَّ عَلَى مَنْ ذُبِحَ لَهُ.

_________

(١) شرح مسلم للنووي ٨ / ١٠٥

(٢) المجموع ٧ / ٣٣١، وتعليق ابن القيم على سنن أبي داود ٢ / ٣٦٤ ونسب لهؤلاء الثلاثة المنع، بينما نسب لهم في المجموع القول بالكراهة نقلا عن ابن المنذر. ويمكن أن يكون المراد من الكراهه ذلك، لأن السلف كانوا يستعملون الكراهة في التحريم.

(٣) شرح الزرقاني ٢ / ٣١٧، ٣١٨، والشرح الكبير ٢ / ٧٨

(٤) المهذب والمجموع ٧ / ٣٠٤، ٣٠٧، ٣٣٠، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٦٦

(٥) المغني لابن قدامة ٣ / ٣١١، ٣١٢، ومطالب أولي النهى ٢ / ٣٣٧

(٦) تعليق ابن القيم ٢ / ٣٦٤، والمجموع ٧ / ٣٣٠.

(٧) تعليق ابن القيم الموضع السابق.