الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 31

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

حَمَل مَا لاَ يُعْتَبَرُ سَاتِرًا كَالْقُفَّةِ وَقَصَدَ بِهِ السَّتْرَ حَرُمَ وَلَزِمَهُ الْفِدَاءُ. وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَحْمِل عَلَى رَأْسِهِ مَا لاَ بُدَّ مِنْهُ مِنْ خُرْجِهِ وَجِرَابِهِ، وَغَيْرِهِ، وَالْحَال أَنَّهُ لاَ يَجِدُ مَنْ يَحْمِل خُرْجَهُ مَثَلًا لاَ بِأُجْرَةٍ وَلاَ بِغَيْرِهَا.

فَإِنْ حَمَل لِغَيْرِهِ أَوْ لِلتِّجَارَةِ، فَالْفِدْيَةُ، وَقَال أَشْهَبُ: إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَيْشُهُ ذَلِكَ. أَيْ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْحَمْل لِلْغَيْرِ أَوِ التِّجَارَةِ لِعَيْشِهِ. وَهُوَ مُعْتَمَدٌ فِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ (١) .

٦٤ - وَالتَّظَلُّل بِمَا لاَ يُلاَمِسُ الرَّأْسَ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي أَصْلٍ تَابِعٍ لَهُ، جَائِزٌ اتِّفَاقًا، كَسَقْفِ الْخَيْمَةِ، وَالْبَيْتِ، مِنْ دَاخِلِهِمَا، أَوِ التَّظَلُّل بِظِلِّهِمَا مِنَ الْخَارِجِ، وَمِثْل مِظَلَّةِ الْمَحْمَل إِذَا كَانَتْ ثَابِتَةً عَلَيْهِ مِنَ الأَْصْل.

وَعَلَى ذَلِكَ يَجُوزُ رُكُوبُ السَّيَّارَاتِ الْمُسْقَفَةِ اتِّفَاقًا؛ لأَِنَّ سُقُوفَهَا مِنْ أَصْل صِنَاعَتِهَا، فَصَارَتْ كَالْبَيْتِ وَالْخَيْمَةِ.

وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُظِل ثَابِتًا فِي أَصْلٍ يَتْبَعُهُ فَجَائِزٌ كَذَلِكَ مُطْلَقًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَقَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ (٢): لاَ يَجُوزُ التَّظَلُّل بِمَا لاَ يَثْبُتُ فِي الْمَحْمَل. وَنَحْوُ هَذَا قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَضَبَطَهُ عِنْدَهُمْ فِي هَذَا الْقَوْل " أَنَّهُ سَتَرَ رَأْسَهُ بِمَا يُسْتَدَامُ وَيُلاَزِمُهُ غَالِبًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَتَرَهُ بِشَيْءٍ يُلاَقِيهِ (٣) "

_________

(١) كما صرح في حاشية العدوي ١ / ٤٨٩

(٢) والسياق للعدوي في حاشيته ١ / ٤٨٩، ٤٩٠

(٣) المغني لابن قدامة ٣ / ٣٠٧، ٣٠٨

وَفِي التَّظَلُّل بِنَحْوِ ثَوْبٍ يُجْعَل عَلَى عَصًا أَوْ عَلَى أَعْوَادِ (مِظَلَّةٍ أَوْ بِشَيْءٍ يَرْفَعُهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنَ الشَّمْسِ أَوِ الرِّيحِ)، أَقْوَالٌ ثَلاَثَةٌ أَقْرَبُهَا الْجَوَازُ، لِلْحَدِيثِ الآْتِي فِي دَلِيل الْجُمْهُورِ. وَيَجُوزُ الاِتِّقَاءُ بِذَلِكَ مِنَ الْمَطَرِ. وَأَمَّا الْبِنَاءُ وَالْخِبَاءُ وَنَحْوُهُمَا فَيَجُوزُ الاِتِّقَاءُ بِهِ مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْمَطَرِ (١) .

وَأَجَازَ التَّظَلُّل بِذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ، وَكَذَا الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، لِمَا عَرَفْتَ مِنْ أَصْل مَذْهَبِهِمْ. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أُمِّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ: حَجَجْتُ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلاَلًا، وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالآْخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الْحَرِّ، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢) .

وَلأَِنَّ مَا حَل لِلْحَلاَل - كَمَا فِي الْمُغْنِي (٣) - حَل لِلْمُحْرِمِ إِلاَّ مَا قَامَ عَلَى تَحْرِيمِهِ دَلِيلٌ.

سَتْرُ الْوَجْهِ:

٦٥ - سَابِعًا: يُحْظَرُ عَلَى الْمُحْرِمِ سَتْرُ وَجْهِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٤) وَالْمَالِكِيَّةِ (٥) وَلَيْسَ بِمَحْظُورٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٦)

_________

(١) الشرح الكبير، وحاشية الدسوقي ٢ / ٥٦، ٥٧، ومواهب الجليل ٣ / ١٤٣

(٢) في الحج (باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر) ٤ / ٧٩، ٨٠

(٣) الهداية ٢ / ١٤٢، ولباب المناسك وشرحه ص ٨١، وتنوير الأبصار مع شرحه وحاشيته ٢ / ٢٢١

(٥) متن خليل والشرح الكبير ١ / ٥٥، والرسالة لابن أبي زيد وشرحها ١ / ٤٨٩

(٦) المجموع ٧ / ٢٦٩

وَالْحَنَابِلَةِ (١) وَعَزَاهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ إِلَى الْجُمْهُورِ.

اسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَجُلًا وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَمَاتَ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلاَ وَجْهَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢) .

وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل أَنَّهُ: " أَفَادَ أَنَّ لِلإِْحْرَامِ أَثَرًا فِي عَدَمِ تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ ". وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا مِنَ الْمَعْقُول بِأَنَّ الْمَرْأَةَ لاَ تُغَطِّي وَجْهَهَا، مَعَ أَنَّ فِي الْكَشْفِ فِتْنَةً، فَالرَّجُل بِطَرِيقِ الأَْوْلَى (٣) .

وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِمَا وَرَدَ مِنَ الآْثَارِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ بِإِبَاحَةِ تَغْطِيَةِ الْمُحْرِمِ وَجْهَهُ، مِنْ فِعْلِهِمْ أَوْ قَوْلِهِمْ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَجَابِرٍ (٤) .

_________

(١) الكافي ١ / ٥٥٠، وغاية المنتهى وشرحه ٢ / ٣٢٧، والمغني ٣ / ٣٢٥

(٢) ينظر في جامع الأصول ١١ / ١١١، ١١٢، وانظر الحديث في البخاري في الحج (باب المحرم يموت بعرفة) ٣ / ٢٧، و(باب سنة المحرم إذا مات) الموضع السابق، في مسلم ٤ / ٢٣ - ٢٦ وأبي داود في الجنائز (باب المحرم يموت كيف يصنع به) ٣ / ٢١٩ بدون ذكر الوجه، - كذا الترمذي في الحج ٣ / ٢٨٦، والنسائي على الوجهين ٥ / ١٩٥ - ١٩٧

(٣) الهداية ٢ / ١٤٣

(٤) المغني ٣ / ٣٢٥ وقد أخرج هذه الآثار مالك في الموطأ ١ / ٣٢٧ والبيهقي ٥ / ٥٤ كما في المجموع ٧ / ٢٧٠، وأورد في فتح القدير ١ / ١٤٢ لهم حديث ابن عمر: " إحرام المرأة في وجهها،إحرام الرجل في رأسه " أخرجه الدارقطني والبيهقي موقوفا على ابن عمر. لكنه في الدارقطني ٢ / ٢٩٤ مرفوع، والبيهقي ٥ / ٤٧

وَرَوَى الْقَاسِمُ وَطَاوُسٌ وَالثَّوْرِيُّ مِنْ غَيْرِ الصَّحَابَةِ.

لُبْسُ الْقُفَّازَيْنِ:

٦٦ - ثَامِنًا: يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُل لُبْسُ الْقُفَّازَيْنِ، بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ النَّوَوِيُّ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي مَصَادِرِ الْمَذَاهِبِ (١) .

ب - مَحْظُورَاتُ الإِْحْرَامِ مِنَ الْمَلْبَسِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ:

يَنْحَصِرُ مَحْظُورُ الإِْحْرَامِ مِنَ الْمَلْبَسِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ فِي أَمْرَيْنِ فَقَطْ، هُمَا الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ، نُفَصِّل بَحْثَهُمَا فِيمَا يَلِي: سَتْرُ الْوَجْهِ:

٦٧ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي الإِْحْرَامِ سَتْرُ وَجْهِهَا، لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ.

وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مِنَ النَّقْل مَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ: وَلاَ تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلاَ تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ. (٢) وَضَابِطُ السَّاتِرِ هُنَا عِنْدَ الْمَذَاهِبِ هُوَ كَمَا مَرَّ فِي سَتْرِ الرَّأْسِ لِلرَّجُل (٣) .

وَإِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَحْتَجِبَ بِسَتْرِ وَجْهِهَا عَنِ الرِّجَال

_________

(١) رد المحتار ٢ / ١٢٢، والمسلك المتقسط ٨١، ٨٤، وخليل ص ٥٥ وفيه قوله: " محيط بعضو " والمجموع ٧ / ٢٦٢، ومطالب أولي النهى ١ / ٣٢٧

(٢) سبق تخريجه (ف ٥٦ ص ١٥٢)

(٣) ف ٦٢، ٦٣

جَازَ لَهَا ذَلِكَ اتِّفَاقًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، إِلاَّ إِذَا خَشِيَتِ الْفِتْنَةَ أَوْ ظَنَّتْ فَإِنَّهُ يَكُونُ وَاجِبًا.

وَالدَّلِيل عَلَى هَذَا الاِسْتِثْنَاءِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١) .

وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ قَالَتْ: كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ، وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَالْحَاكِمُ (٢) . وَمُرَادُهَا مِنْ هَذَا سَتْرُ الْوَجْهِ بِغَيْرِ النِّقَابِ عَلَى مَعْنَى التَّسَتُّرِ (٣) .

وَقَدِ اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - أَلاَّ يُلاَمِسَ السَّاتِرُ الْوَجْهَ، كَأَنْ تَضَعَ عَلَى رَأْسِهَا تَحْتَ السَّاتِرِ خَشَبَةً أَوْ شَيْئًا يُبْعِدُ السَّاتِرَ عَنْ مُلاَمَسَةِ وَجْهِهَا " لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الاِسْتِظْلاَل بِالْمَحْمَل " كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.

وَأَجَازَ لَهَا الْمَالِكِيَّةُ أَنْ تَسْتُرَ وَجْهَهَا إِذَا قَصَدَتِ السَّتْرَ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، بِثَوْبٍ تَسْدُلُهُ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا

_________

(١) باب في المحرمة تغطي وجهها ٢ / ١٦٧. في سنده يزيد بن أبي زياد الكوفي، تكلم في حفظه وهو صدوق يهم، وتغير حفظه بأخرة فصار يتلقن. روى له البخاري تعليقا، ومسلم مقرونا، والأربعة انظر التهذيب ١ / ٣٢٩ - ٣٣١ ط الهند، والمغني في الضعفاء رقم ٧١٠١ (تحقيق نور الدين العتر ط حلب مطبعة البلاغة) . لكنه يتقوى بما يليه.

(٢) الموطأ (تخمير المحرم وجهه) ١ / ٢٤٠ - ٢٤١ بسند صحيح، وصححه الحاكم في المستدرك على شرطهما ١ / ٤٥٤ ووافقه الذهبي.

(٣) المنتقى للباجي ٢ / ٢٠٠ مطبعة السعادة ١٣٣١ هـ

دُونَ رَبْطٍ، وَلاَ غَرْزٍ بِإِبْرَةٍ أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا يُغْرَزُ بِهِ. وَمِثْل ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، لَكِنْ عَبَّرُوا بِقَوْلِهِمْ: " إِنِ احْتَاجَتْ إِلَى سَتْرِهِ "؛ لأَِنَّ الْعِلَّةَ فِي السَّتْرِ الْمُحَرَّمِ أَنَّهُ مِمَّا يُرْبَطُ، وَهَذَا لاَ يُرْبَطُ، كَمَا تُشِيرُ عِبَارَةُ الْمَالِكِيَّةِ.

لُبْسُ الْقُفَّازَيْنِ:

٦٨ - يُحْظَرُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ لُبْسُ الْقُفَّازَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا اللُّبْسُ بِكَفَّيْهَا، كَالْقُفَّازِ وَغَيْرِهِ، وَيَقْتَصِرُ إِحْرَامُهَا عَلَى وَجْهِهَا فَقَطْ.

اسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِزِيَادَةٍ: وَلاَ تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلاَ تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ. (١)

وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَال: إِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا (٢)، وَبِمَا وَرَدَ مِنْ آثَارٍ عَنِ الصَّحَابَةِ.

وَكَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يُلْبِسُ بَنَاتَهُ الْقُفَّازَيْنِ وَهُنَّ مُحْرِمَاتٌ. وَرَخَّصَ فِيهِ عَلِيٌّ وَعَائِشَةُ. وَهُوَ قَوْل عَطَاءٍ وَسُفْيَانَ وَالثَّوْرِيِّ. يَجُوزُ لِلْمُحْرِمَةِ تَغْطِيَةُ يَدِهَا فَقَطْ مِنْ غَيْرِ شَدٍّ، وَأَنْ تُدْخِل يَدَيْهَا فِي أَكْمَامِهَا وَفِي قَمِيصِهَا (٣) .

_________

(١) سبق تخريجه / (ف ٥٦ ص ١٥٢)

(٢) أخرجه الدارقطني والبيهقي موقوفا على ابن عمر انظر توجيهه في فتح القدير ٢ / ١٤٢

(٣) انظر إحرام المرأة في اللباس في الهداية وفتح القدير ٢ / ١٩٣ - ١٩٥، والبدائع ٢ / ١٨٦، والمسلك المتقسط ص ٢٠٧ والتعليق إرشاد الساري عليه، ورد المحتار ٢ / ٢٢١، ٢٢٢ وفيه تنبيه مهم في رد غلط لبعض الحنفية. وانظر خليل والشرح الكبير وحاشيته ٢ / ٥٤، ٥٥، وشرح الرسالة بحاشية العدوي ١ / ٤٨٩، والمجموع ٧ / ٢٦٥، ٢٦٦، وشرح المنهاج ٢ / ١٣١، ١٣٢، والنهاية ٢ / ٤٥٠، وحاشية البيجوري ١ / ٥٥١، والمغني ٣ / ٣٢٥ - ٣٢٧، ومطالب أولي النهى ٨ / ٣٥٢، ٣٥٣

الْمُحَرَّمَاتُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِبَدَنِ الْمُحْرِمِ

٦٩ - ضَابِطُ هَذِهِ الْمَحْظُورَاتِ كُل شَيْءٍ يَرْجِعُ إِلَى تَطْيِيبِ الْجِسْمِ، أَوْ إِزَالَةِ الشُّعْثِ، أَوْ قَضَاءِ التَّفَثِ. وَالدَّلِيل عَلَى تَحْرِيمِهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ . (١)

وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﷺ: وَلاَ تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلاَ الْوَرْسُ. أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ. فَتَحْرُمُ الأَْشْيَاءُ الآْتِيَةُ:

أ - حَلْقُ الرَّأْسِ.

ب - إِزَالَةُ الشَّعْرِ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ مِنَ الْجِسْمِ.

ج - قَصُّ الظُّفُرِ.

د - الاِدِّهَانُ.

هـ - التَّطَيُّبُ.

تَفْصِيل أَحْكَامِ هَذِهِ الْمَحْظُورَاتِ:

حَلْقُ الرَّأْسِ:

٧٠ - يُحْظَرُ عَلَى الْمُحْرِمِ حَلْقُ رَأْسِهِ أَوْ رَأْسِ مُحْرِمٍ غَيْرِهِ. وَكَذَا لَوْ حَلَقَ لَهُ غَيْرُهُ حَلاَلًا أَوْ مُحْرِمًا يُحْظَرُ عَلَيْهِ تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ. وَالتَّقْصِيرُ كَالْحَلْقِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. وَقَلِيل الشَّعْرِ كَذَلِكَ يُحْظَرُ حَلْقُهُ أَوْ قَطْعُهُ.

وَكَذَلِكَ إِزَالَةُ الشَّعْرِ عَنِ الرَّأْسِ بِأَيِّ شَيْءٍ كَالنَّتْفِ، وَالْحَرْقِ، أَوِ اسْتِعْمَال النُّورَةِ لإِزَالَتِهِ. وَمِثْلُهَا أَيُّ عِلاَجٍ مُزِيلٍ لِلشَّعْرِ.

_________

(١) سورة البقرة / ١٩٦

وَذَلِكَ كُلُّهُ مَا لَمْ يَفْرُغِ الْحَالِقُ وَالْمَحْلُوقُ لَهُ مِنْ أَدَاءِ نُسُكِهِمَا. فَإِذَا فَرَغَا لاَ يَدْخُلاَنِ فِي الْحَظْرِ. وَيَسُوغُ لَهُمَا أَنْ يَحْلِقَ أَحَدُهُمَا لِلآْخَرِ، بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ.

وَالدَّلِيل هُوَ مَا سَبَقَ مِنْ نَصِّ الآْيَةِ، وَهِيَ وَإِنْ ذَكَرَتِ الْحَلْقَ فَإِنَّ غَيْرَهُ مِمَّا ذَكَرْنَا مِثْلَهُ فِي التَّرَفُّهِ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ، وَيَأْخُذُ حُكْمَهُ (١) .

وَاخْتَلَفُوا فِي حَلْقِ الْمُحْرِمِ لِلْحَلاَل. فَحَظَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ. وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ. وَأَجَازَهُ الْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ آخَرَ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.

اسْتَدَل الثَّلاَثَةُ بِأَنَّ الْمُحْرِمَ حَلَقَ شَعْرًا لاَ حُرْمَةَ لَهُ مِنْ حَيْثُ الإِْحْرَامُ، فَلاَ يُمْنَعُ، وَلاَ جَزَاءَ عَلَيْهِ (٢) .

وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ: بِأَنَّ الْمُحْرِمَ كَمَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ حَلْقِ رَأْسِ نَفْسِهِ مَمْنُوعٌ مِنْ حَلْقِ رَأْسِ غَيْرِهِ، لِقَوْلِهِ ﷿: ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ . وَالإِْنْسَانُ لاَ يَحْلِقُ رَأْسَ نَفْسِهِ عَادَةً، إِلاَّ أَنَّهُ لَمَّا حَرُمَ عَلَيْهِ حَلْقُ رَأْسِ غَيْرِهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ حَلْقُ رَأْسِ نَفْسِهِ مِنْ طَرِيقِ الأَْوْلَى. وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَحْلُوقُ حَلاَلًا

_________

(١) اللباب وشرحه ص ٨٠، ورد المحتار ٢ / ٢٢٣ وفيه التصريح بالنسبة لإزالة الشعر من الرأس، والشرح الكبير ٢ / ٦٠ - ٦٤ بحاشيته، ومواهب الجليل ٣ / ١٦٢، ١٦٣، وشرح المحلي بحاشيته ١ / ١٣٤، ١٣٥، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٥٤، ٤٥٥، والكافي ١ / ٥٤٥، ومطالب أولي النهى ٢ / ٣٢٤

(٢) كما في المجموع ٧ / ٣٥١، ٣٥٦، والنهاية ٢ / ٤٥٥ وانظر تحقيق المسألة عند المالكية في شرح الزرقاني وحاشية البناني عليه ٢ / ٣٠١، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٦٤، وانظر مطالب أولي النهى ٢ / ٣٢٦ وفيه نفي الفدية، والكافي ١ / ٥٤٥، وفيه نفي الحرمة. صراحة.

أَوْ حَرَامًا، لِمَا قُلْنَا (١) .

إِزَالَةُ الشَّعْرِ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ مِنَ الْجِسْمِ:

٧١ - يُحْظَرُ إِزَالَةُ الشَّعْرِ وَذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى شَعْرِ الرَّأْسِ، بِجَامِعِ التَّرَفُّهِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا (٢) .

قَصُّ الظُّفُرِ:

٧٢ - يُحْظَرُ عَلَى الْمُحْرِمِ قَصُّ الظُّفُرِ قِيَاسًا عَلَى حَلْقِ الشَّعْرِ بِجَامِعِ التَّرَفُّهِ وَإِزَالَةِ الشُّعْثِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا اتِّفَاقًا (&# x٦٦٣ ;) .

وَأَمَّا قَصُّ ظُفُرِ الْمُحْرِمِ لِظُفُرِ حَلاَلٍ فَفِيهِ الْخِلاَفُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ.

الاِدِّهَانُ:

٧٣ - الدُّهْنُ مَادَّةٌ دَسِمَةٌ مِنْ أَصْلٍ حَيَوَانِيٍّ أَوْ نَبَاتِيٍّ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الدُّهْنِ (٤) غَيْرِ الْمُطَيِّبِ: فَالْجُمْهُورُ - عَدَا الإِْمَامِ أَحْمَدَ - عَلَى تَفْصِيلٍ بَيْنَهُمْ - ذَهَبُوا إِلَى حَظْرِ اسْتِعْمَال الدُّهْنِ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُطَيِّبٍ، كَالزَّيْتِ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّرَفُّهِ وَالتَّزْيِينِ، وَتَحْسِينِ الشَّعْرِ، وَذَلِكَ يُنَافِي الشَّأْنَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْمُحْرِمُ مِنَ الشُّعْثِ وَالْغُبَارِ افْتِقَارًا وَتَذَلُّلًا لِلَّهِ تَعَالَى.

_________

(١) البدائع ٢ / ١٩٣، وانظر المسلك المتقسط ص ٨٠

(٢) انظر مراجع المذاهب الفقهية في المواضع السابقة قبل حاشيتين.

(٣) ف ٧٠

(٤) لباب المناسك، وشرحه ص ٨٠ وتنوير الأبصار ورد المحتار ٢ / ٢٢١، والشرح الكبير ٢ / ٥٦، ٦٠، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٥٤، ومطالب أولي النهى ٢ / ٣٢٥

وَقَدْ أَوْرَدُوا فِي الدُّهْنِ وَأَشْبَاهِهِ الاِسْتِدْلاَل بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، قَال: قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: مَنِ الْحَاجُّ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: الشَّعِثُ التَّفِل. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ (١) .

وَالشَّعِثُ: بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْوَصْفُ، وَبِفَتْحِهَا الْمَصْدَرُ، وَمَعْنَاهُ انْتِشَارُ الشَّعْرِ وَتَغَبُّرُهُ لِقِلَّةِ التَّعَهُّدِ. وَالتَّفِل: مِنَ التُّفْل، وَهُوَ تَرْكُ الطِّيبِ حَتَّى يُوجَدَ مِنْهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ (٢) . فَشَمِل بِذَلِكَ تَرْكَ الدُّهْنِ.

فَقَال الْحَنَفِيَّةُ (٣) وَالْمَالِكِيَّةُ (٤) يُحْظَرُ عَلَى الْمُحْرِمِ اسْتِعْمَال الدُّهْنِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ وَعَامَّةِ بَدَنِهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ عُمُومِ الاِسْتِدْلاَل فِيمَا سَبَقَ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ (٥) يُحْظَرُ دَهْنُ شَعْرِ الرَّأْسِ لِلرَّجُل وَالْمَرْأَةِ وَاللِّحْيَةِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِمَا كَالشَّارِبِ وَالْعَنْفَقَةِ فَقَطْ، حَتَّى لَوْ كَانَ أَصْلَعَ جَازَ دَهْنُ رَأْسِهِ، أَمَّا إِذَا كَانَا مَحْلُوقَيْنِ فَيُحْظَرُ دَهْنُهُمَا؛ لأَِنَّهُ يُزَيِّنُهُمَا إِذَا نَبَتَا.

وَيُبَاحُ لَهُ دَهْنُ مَا عَدَا الرَّأْسَ وَاللِّحْيَةَ وَمَا أُلْحِقَ بِهِمَا، وَلاَ يُحْظَرُ، ظَاهِرًا كَانَ أَوْ بَاطِنًا، وَيُبَاحُ سَائِرُ شُعُورِ بَدَنِهِ، وَيُبَاحُ لَهُ أَكْل الدُّهْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُصِيبَ اللِّحْيَةَ أَوِ الشَّارِبَ أَوِ الْعَنْفَقَةَ. وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي

_________

(١) الترمذي في تفسير سورة آل عمران ٥ / ٢٢٥، وابن ماجه (باب ما يوجب الحج) وقال الترمذي " هذا حديث لا نعرفه من حديث ابن عمر إلا من حديث إبراهيم بن يزيد الخوزي المكي، وقد تكلم بعض أهل الحديث في إبراهيم بن يزيد من قبل حفظه ".

(٢) العناية على الهداية ٢ / ١٤١، ونحوه في النهاية في مريب الحديث مادة (تفل) و(شعث)

(٣) شرح اللباب ص ٨١

(٤) شرح الكبير وحاشيته ٢ / ٦٠، ٦١

(٥) النهاية للرملي ٢ / ٤٥٣، ٤٥٤