الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 34

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

مَحْظُورًا وَلاَ مَكْرُوهًا، لأَِنَّ الأَْصْل فِي الأَْشْيَاءِ الإِْبَاحَةُ. وَنَذْكُرُ مِنْهَا مَا يَلِي:

١٠٠ - الاِغْتِسَال بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ، وَمَاءِ الصَّابُونِ وَنَحْوِهِ (١) .

١٠١ - وَلُبْسُ الْخَاتَمِ جَائِزٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٢) أَوِ الشَّافِعِيَّةِ (٣) وَالْحَنَابِلَةِ (٤) لِلرِّجَال وَالنِّسَاءِ. وَلاَ يَجُوزُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٥) لِلرَّجُل الْمُحْرِمِ لُبْسُ الْخَاتَمِ، وَفِيهِ الْفِدَاءُ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ: فَيَجُوزُ لَهَا لُبْسُ الْمُحِيطِ لِسَائِرِ أَعْضَائِهَا، مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ عِنْدَ الثَّلاَثَةِ، وَمَا عَدَا الْوَجْهَ فَقَطْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٦) . وَشَدُّ الْهِمْيَانِ وَالْمِنْطَقَةِ جَائِزٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٧) بِإِطْلاَقٍ وَكَذَا الشَّافِعِيَّةُ (٨) . وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ (٩) وَالْحَنَابِلَةُ (١٠) إِبَاحَةَ شَدِّهِمَا بِالْحَاجَةِ لِنَفَقَتِهِ.

١٠٢ - وَالنَّظَرُ فِي الْمِرْآةِ مُبَاحٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (١١)

_________

(١) عبر الحنفية هنا بـ " ماء الصابون " خلافا لعبارتهم في المكروهات " بالصابون. . . " كما وقع في المسلك المتقسط ص ٨٣، فأفاد أن الماء الذي ذاب فيه الصابون لا كراهة فيه.

(٢) المسلك المتقسط ص ٨٣

(٣) المجموع ٧ / ٢٦٠، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٤٩

(٤) مطالب أولي النهى ٢ / ٣٥٣

(٥) الشرح الكبير ٢ / ٥٥

(٦) لما سبق من الخلاف في وجوب كشف المرأة للكفين وقول الحنفية بعدمه (ف. . .)

(٧) المسلك المتقسط ص ٨٣

(٨) المجموع ٧ / ٢٦٠، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٤٩

(٩) الشرح الكبير، وحاشيته ٢ / ٥٨، ٥٩

(١٠) مطالب أولي النهى ٢ / ٣٣٠

(١١) المسلك المتقسط ص ٨٣

وَالشَّافِعِيَّةِ (١) مُطْلَقًا. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٢) جَائِزٌ لِحَاجَةٍ لاَ لِزِينَةٍ، وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ (٣) فَيُكْرَهُ عِنْدَهُمُ النَّظَرُ فِي الْمِرْآةِ، خِيفَةَ أَنْ يَرَى شُعْثًا فَيُزِيلَهُ.

١٠٣ - وَالسِّوَاكُ نَصَّ عَلَى إِبَاحَتِهِ الْحَنَفِيَّةُ (٤) وَلَيْسَ هُوَ مَحَل خِلاَفٍ.

١٠٤ - وَنَزْعُ الظُّفُرِ الْمَكْسُورِ مُبَاحٌ بِاتِّفَاقِ الأَْئِمَّةِ (٥)، وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَلاَّ يُجَاوِزَ الْقِسْمَ الْمَكْسُورَ، وَهَذَا لاَ يُخْتَلَفُ فِيهِ.

١٠٥ - وَالْفَصْدُ وَالْحِجَامَةُ بِلاَ نَزْعِ شَعْرٍ جَائِزَةٌ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ. وَمِثْلُهُمَا الْخِتَانُ. لَكِنْ تَحَفَّظَ الْمَالِكِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْفَصْدِ، فَقَالُوا: يَجُوزُ الْفَصْدُ لِحَاجَةٍ إِنْ لَمْ يَعْصِبِ الْعُضْوَ الْمَفْصُودَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَاجَةٌ لِلْفَصْدِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ عَصَبَهُ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ (٦) .

١٠٦ - وَالاِرْتِدَاءُ وَالاِتِّزَارُ بِمَخِيطٍ أَوْ مُحِيطٍ أَيْ أَنْ يَجْعَل الثَّوْبَ الْمَخِيطَ أَوِ الْمُحِيطَ رِدَاءً أَوْ إِزَارًا، دُونَ لُبْسٍ. وَكَذَا إِلْقَاؤُهُ عَلَى جِسْمِهِ كُل ذَلِكَ مُبَاحٌ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا (٧) .

١٠٧ - وَذَبْحُ الإِْبِل وَالْبَقَرِ وَالْحَيَوَانَاتِ الأَْهْلِيَّةِ

_________

(١) نهاية المحتاج ٢ / ٤٥٢

(٢) مطالب أولي النهى ٢ / ٣٥٤

(٣) الشرح الكبير مع حاشيته ٢ / ٦٠

(٤) المسلك المتقسط ص ٨٣.

(٥) المرجع السابق ص ٨٤، ومطالب أولي النهى ٢ / ٣٢٥، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٥٦، والشرح الكبير ٢ / ٥٦

(٦) تنوير الأبصار ٢ / ٢٢٥، والشرح الكبير ٢ / ٥٨، ٦٠، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٥٤، والكافي ١ / ٥٦٠

(٧) المسلك المتقسط ص ٨٤، والشرح الكبير ٢ / ٥٦، والمجموع ٧ / ٢٦٠، والمطالب ٢ / ٣٣٠

مُبَاحٌ وَذَلِكَ لأَِنَّهَا لاَ تَدْخُل فِي تَحْرِيمِ الصَّيْدِ وَلاَ مُحَرَّمَاتِ الإِْحْرَامِ بِاتِّفَاقِهِمْ.

الْفَصْل السَّابِعُ

فِي سُنَنِ الإِْحْرَامِ

وَهِيَ أُمُورٌ يُثَابُ فَاعِلُهَا، وَيَكُونُ تَارِكُهَا مُسِيئًا وَلاَ يَلْزَمُهُ بِالتَّرْكِ شَيْءٌ. وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَرْبَعَةٌ:

أَوَّلًا: الاِغْتِسَال:

١٠٨ - وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ (١) لِمَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الأَْحَادِيثِ، كَحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لإِهْلاَلِهِ وَاغْتَسَل. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (٢) . وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ هَذَا الْغُسْل سُنَّةٌ لِكُل مُحْرِمٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، وَيُطْلَبُ أَيْضًا مِنَ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ فِي حَال الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ. فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَال: إِنَّ النُّفَسَاءَ وَالْحَائِضَ تَغْتَسِل وَتُحْرِمُ وَتَقْضِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَاللَّفْظُ لِلتِّرْمِذِيِّ (٣) .

_________

(١) وأما تعبير ابن قدامة في المغني والكافي بالاستحباب فالمراد به السنة كما يدل عليه سياق كلامه وشرحه له. وقد صرح في مطالب أولي النهى بالسنية.

(٢) أبو داود (باب الحائض تهل بالحج) ٢ / ١٤٤ الترمذي (باب ما تقضي الحائض من المناسك) ٣ / ٢٨٢ وقال: " حديث حسن غريب من هذا الوجه " والنصوص وإن جاءت بصيغة الأمر لكنه محمول على السنية قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم كل أن الإحرام بغير غسل جائز. قال وأجمعوا على أن الغسل للإحرام ليس بواجب إلا ما روي ع المجموع ٧ / ٢١٣، وانظر المغني ٧ / ٢٧١، ٢٧٢

(٣) أبو داود (باب الحائض تهل بالحج) ٢ / ١٤٤ الترمذي (باب ما تقضي الحائض من المناسك) ٣ / ٢٨٢ وقال: " حديث حسن غريب من هذا الوجه " والنصوص وإن جاءت بصيغة الأمر لكنه محمول على السنية قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم كل أن الإحرام بغير غسل جائز. قال وأجمعوا على أن الغسل للإحرام ليس بواجب إلا ما روي ع المجموع ٧ / ٢١٣، وانظر المغني ٧ / ٢٧١، ٢٧٢

وَوَقْتُ هَذَا الاِغْتِسَال مُوَسَّعٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ مِنْ مَذْهَبِهِمْ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. وَثَمَرَةُ الْخِلاَفِ أَنَّهُ لَوِ اغْتَسَل ثُمَّ أَحْدَثَ ثُمَّ تَوَضَّأَ يَنَال فَضِيلَةَ السُّنَّةِ، وَلاَ يَضُرُّهُ ذَلِكَ. وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيَّةُ هَذَا الْغُسْل بِغُسْل الْجُمُعَةِ، فَدَل عَلَى أَنَّهُ مُوَسَّعٌ، كَمَا هُوَ حُكْمُ غُسْل الْجُمُعَةِ (١) . أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَيَّدُوا سُنِّيَّةَ الْغُسْل بِأَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالإِْحْرَامِ.

ثَانِيًا: التَّطَيُّبُ:

١٠٩ - وَهُوَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ، لَكِنَّهُ سُنَّ اسْتِعْدَادًا لِلإِْحْرَامِ، عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ (٢) .

التَّطَيُّبُ فِي الْبَدَنِ:

١١٠ - وَدَلِيل سُنِّيَّتِهِ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُول اللَّهِ ﷺ لإِحْرَامِهِ قَبْل أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْل أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْهَا ﵂ أَيْضًا قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ

_________

(١) ووقت غسل الجمعة عند الشافعية يبدأ من الفجر، لكن تقريبه من ذهابه إلى الجمعة أفضل. انظر نهاية المحتاج ٢ / ٦٢

(٢) بداية المجتهد ١ / ٣٣٨ ط مصطفى الحلبي.

إِلَى وَبِيصِ (١) الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢) . وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ جَوَازُ التَّطَيُّبِ بِمَا يَبْقَى جِرْمُهُ بَعْدَ الإِْحْرَامِ، لِتَصْرِيحِ حَدِيثِ عَائِشَةَ الثَّانِي. وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَحَظَرُوا بَقَاءَ جِرْمِ الطِّيبِ وَلَمْ يُجَوِّزُوا بَقَاءَ رَائِحَتِهِ.

التَّطَيُّبُ فِي ثَوْبِ الإِْحْرَامِ:

١١١ - أَمَّا تَطْيِيبُ الثَّوْبِ قَبْل الإِْحْرَامِ فَمَنَعَهُ الْجُمْهُورُ وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْل الْمُعْتَمَدِ. فَلاَ يَضُرُّ بَقَاءُ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ فِي الثَّوْبِ بَعْدَ الإِْحْرَامِ، كَمَا لاَ يَضُرُّ بَقَاءُ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ فِي الْبَدَنِ اتِّفَاقًا، قِيَاسًا لِلثَّوْبِ عَلَى الْبَدَنِ. لَكِنْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَزَعَ ثَوْبَ الإِْحْرَامِ. أَوْ سَقَطَ عَنْهُ. فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعُودَ إِلَى لُبْسِهِ مَا دَامَتِ الرَّائِحَةُ فِيهِ، بَل يُزِيل مِنْهُ الرَّائِحَةَ ثُمَّ يَلْبَسُهُ (٣) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّطَيُّبِ فِي الثَّوْبِ لِلإِْحْرَامِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبَ إِحْرَامٍ مُطَيَّبًا (٤) لأَِنَّهُ بِذَلِكَ يَكُونُ مُسْتَعْمِلًا لِلطِّيبِ فِي إِحْرَامِهِ بِاسْتِعْمَال

_________

(١) الوبيص: البريق واللمعان.

(٢) البخاري (باب الطيب عند الإحرام) ٢ / ١٣٦ - ١٣٧، ومسلم ٤ / ١٠ - ١١، وأبو داود ٢ / ١٤٤ - ١٤٥، والنسائي ٥ / ١٣٦ - ١٤١ وابن ماجه ص ٩٧٦، وأخرج الترمذي الحديث الأول فقط (باب ما جاء في الطيب عند الإحلال قبل الزيارة) ٣ / ٢٥٩

(٣) كما بينه قي المجمع ٧ / ٢٢٠، ٢٢١ وأقره في نهاية المحتاج ٢ / ٣٩٩

(٤) وأما قول اللباب وشرحه ص ٦٨ " والأولى أن لا يطيب ثيابه. . . " فخلاف ما هو مقرر في مراجع المذهب الحنفي، وفي باقي كلامه قلق يعرف من مراجعته.

الثَّوْبِ، وَهُوَ مَحْظُورٌ عَلَى الْمُحْرِمِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ تَطَيَّبَ قَبْل الإِْحْرَامِ يَجِبُ إِزَالَتُهُ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ بَدَنُهُ أَوْ ثَوْبُهُ، فَإِنْ بَقِيَ فِي الْبَدَنِ أَوِ الثَّوْبِ بَعْدَ الإِْحْرَامِ شَيْءٌ مِنْ جِرْمِ الطِّيبِ الَّذِي تَطَيَّبَ بِهِ قَبْل الإِْحْرَامِ فَإِنَّ الْفِدْيَةَ تَكُونُ وَاجِبَةً، وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْبَاقِي فِي الثَّوْبِ رَائِحَتَهُ، فَلاَ يَجِبُ نَزْعُ الثَّوْبِ لَكِنْ يُكْرَهُ اسْتِدَامَتُهُ، وَلاَ فِدْيَةَ. وَأَمَّا اللَّوْنُ فَفِيهِ قَوْلاَنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَهَذَا كُلُّهُ فِي الأَْثَرِ الْيَسِيرِ، وَأَمَّا الأَْثَرُ الْكَثِيرُ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ.

اسْتَدَل الْمَالِكِيَّةُ بِحَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَال: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ: كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعْدَمَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) . فَاسْتِدْلاَلُهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِحَظْرِ الطِّيبِ فِي الإِْحْرَامِ فِي الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ.

ثَالِثًا: صَلاَةُ الإِْحْرَامِ:

١١٢ - يُسَنُّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ قَبْل

_________

(١) البخاري (باب غسل الخلوق) ٢ / ١٣٦، ومسلم في أول الحج ٤ / ٥٠٣ وأبو داود (باب الرجل يحرم في ثيابه) ٢ / ١٦٤، ١٦٥ والترمذي مختصرا (باب ما جاء في الذي يحرم وعليه قميص أو جبة) ٣ / ١٩٦، ١٩٧ والنسائي (الخلوق للمحرم) ٥ / ١٤٢، ١٤٣ والموطأ مختصرا ١ / ٢٤١. وقوله: " اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك " أي من اجتناب محظورات الإحرام، كما حقق في فتح الباري ٣ / ٢٥٣، ٢٥٤ خلافا لما كان عليه الجاهلون من التساهل في إحرام العمرة.

الإِْحْرَامِ بِاتِّفَاقِ الأَْئِمَّةِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْكَعَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١) . وَلاَ يُصَلِّيهِمَا فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ، اتِّفَاقًا بَيْنَ الأَْئِمَّةِ، إِلاَّ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَرَمِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّيهِمَا وَلَوْ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ عِنْدَهُمْ (٢) . وَتُجْزِئُ الصَّلاَةُ الْمَكْتُوبَةُ عَنْ سُنَّةِ الإِْحْرَامِ اتِّفَاقًا كَذَلِكَ، كَمَا فِي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ.

رَابِعًا: التَّلْبِيَةُ:

١١٣ - التَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ فِي الإِْحْرَامِ مُتَّفَقٌ عَلَى سُنِّيَّتِهَا إِجْمَالًا، فِيمَا عَدَا الْخِلاَفَ فِي حُكْمِ قَرْنِهَا بِالنِّيَّةِ هَل هِيَ فَرْضٌ فِي الإِْحْرَامِ مَعَ النِّيَّةِ، أَوْ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ؟ (فَ. . .) فَاتَّفَقُوا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ عَلَى سُنِّيَّتِهَا لِلْمُحْرِمِ، وَعَلَى اسْتِحْبَابِ الإِْكْثَارِ مِنْهَا، وَسُنِّيَّةِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِهَا.

١١٤ - وَالأَْفْضَل أَنْ يُلَبِّيَ عَقِبَ صَلاَةِ الإِْحْرَامِ نَاوِيًا الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ، عَلَى مَا قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي قَوْلٍ - وَهُوَ الأَْصَحُّ - يُلَبِّي إِذَا رَكِبَ. وَلاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ كُلِّهِ لِوُرُودِ الرِّوَايَةِ بِهِ. عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ ﷺ أَهَل حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣) .

١١٥ - وَأَمَّا انْتِهَاءُ التَّلْبِيَةِ: فَهُوَ لِلْحَاجِّ ابْتِدَاءُ رَمْيِ

_________

(١) البخاري (باب من أهل حين استوت به راحلته) ١ / ١٣٩، ومسلم ٤ / ٩

جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (١) وَالْحَنَابِلَةِ، وَيَقْطَعُهَا عِنْدَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ لِلاِشْتِغَال بِالأَْذْكَارِ وَالأَْدْعِيَةِ الْوَارِدَةِ فِيهَا. وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَعِنْدَهُمْ قَوْلاَنِ:

الأَْوَّل: يَسْتَمِرُّ فِي التَّلْبِيَةِ حَتَّى يَبْلُغَ مَكَّةَ، فَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَطُوفَ وَيَسْعَى، ثُمَّ يُعَاوِدُهَا حَتَّى تَزُول الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَرُوحَ إِلَى مُصَلاَّهَا. الثَّانِي: يَسْتَمِرُّ فِي التَّلْبِيَةِ حَتَّى الاِبْتِدَاءِ بِالطَّوَافِ وَالشُّرُوعِ فِيهِ.

١١٦ - وَأَمَّا تَلْبِيَةُ إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ فَالْجُمْهُورُ أَنَّهَا تَنْتَهِي بِبَدْءِ الطَّوَافِ بِاسْتِلاَمِ الرُّكْنِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْمُعْتَمِرُ الآْفَاقِيُّ يُلَبِّي حَتَّى الْحَرَمِ، لاَ إِلَى رُؤْيَةِ بُيُوتِ مَكَّةَ، وَالْمُعْتَمِرُ مِنَ الْجِعْرَانَةِ وَالتَّنْعِيمِ يُلَبِّي إِلَى دُخُول بُيُوتِ مَكَّةَ، لِقُرْبِ الْمَسَافَةِ.

يَدُل لِلْجُمْهُورِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (٢) .

_________

(١) إلا أن الشافعية قالوا يقطع التلبية لابتداء الرمي، أو غيره مما يتحلل به من الإحرام عندهم.

(٢) أبو داود (باب متى يقطع المعتمر التلبية) ٢ / ١٦٣، والترمذي ٣ / ٢٦١، واللفظ لأبي داود، ولفظه عند الترمذي: أنه كان يمسك عن التلبية. . حكاية فعل النبي ﷺ. وقد ذكر أبو داود سندا يخالف راوي الرفع ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس، قال: رواه عبد الملك بن أبي سليمان، وهمام، عن عطاء عن ابن عباس موقوفا " قلنا: وهذان يرجحان على ابن (انظر المغني في الضعفاء رقم ٥٧٢٣)

وَاسْتَدَل مَالِكٌ (١) بِمَا رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ فِعْلِهِ فِي الْمَنَاسِكِ قَال: وَكَانَ يَتْرُكُ التَّلْبِيَةَ فِي الْعُمْرَةِ إِذَا دَخَل الْحَرَمَ (٢) .

كَيْفِيَّةُ الإِْحْرَامِ الْمُسْتَحَبَّةُ:

١١٧ - مَنْ أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا مَعًا يُسْتَحَبُّ لَهُ إِزَالَةُ التَّفَثِ عَنْ جِسْمِهِ، وَأَنْ يَتَزَيَّنَ عَلَى الصُّورَةِ الْمَأْلُوفَةِ الَّتِي لاَ تَتَنَافَى مَعَ الشَّرِيعَةِ وَآدَابِهَا، وَأَنْ يَغْتَسِل بِنِيَّةِ الإِْحْرَامِ، وَإِذَا كَانَ جُنُبًا فَيَكْفِيهِ غُسْلٌ وَاحِدٌ بِنِيَّةِ إِزَالَةِ الْجَنَابَةِ وَالإِْحْرَامِ، وَأَنْ يَتَطَيَّبَ. وَالأَْوْلَى أَنْ يَتَطَيَّبَ بِطِيبٍ لاَ يَبْقَى جِرْمُهُ، عَلَى التَّفْصِيل وَالْخِلاَفِ السَّابِقِ، ثُمَّ يَلْبَسَ ثَوْبَيْنِ نَظِيفَيْنِ جَدِيدَيْنِ أَوْ غَسِيلَيْنِ، عَلَى أَلاَّ يَكُونَا مَصْبُوغَيْنِ بِصَبْغٍ لَهُ رَائِحَةٌ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَتَلْبَسُ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهَا إِلاَّ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا. ثُمَّ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ بِنِيَّةِ الإِْحْرَامِ. فَإِذَا أَتَمَّهُمَا نَوَى بِقَلْبِهِ وَقَال بِلِسَانِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَيَسِّرْهُ لِي، وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي. ثُمَّ يُلَبِّي. وَإِذَا كَانَ يُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَيَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَيَسِّرْهَا لِي، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي. ثُمَّ يُلَبِّي.

_________

(١) الموطأ ١ / ٢٤٧

(٢) انظر بحث التلبية في الهداية وفتح القدير ٢ / ١٣٦، والمسلك المتقسط ٧٠، ٧١، وشرح الرسالة ١ / ٤٥٩، والشرح الكبير وحاشيته ٢ / ٣٩، ٤٠، وشرح المنهاج ٢ / ٩٩، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٠١، والمغني ٣ / ٢٧٥، والكافي ١ / ٥٤١، ومطالب أولي النهى ٢ / ٣٢١، وانظر قطع التلبية في الهداية وشرحها ٢ / ١٧٥، ورد المحتار ٢ / ٢٤٦، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٠١، ٤٠٢، ٤٢٦، والمغني ٣ / ٤٠١ - ٤٣١، والكافي ١ / ٦٠٢، ومطالب أولي النهى ٢ / ٤٢٤

وَإِذَا كَانَ قَارِنًا فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَدِّمَ ذِكْرَ الْعُمْرَةِ عَلَى ذِكْرِ الْحَجِّ حَتَّى لاَ يُشْتَبَهَ أَنَّهُ أَدْخَل الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ. وَيَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ. . . إِلَخْ، وَيُلَبِّي. فَيَصِيرُ بِذَلِكَ مُحْرِمًا، وَتَجْرِي عَلَيْهِ. أَحْكَامُ الإِْحْرَامِ الَّتِي تَقَدَّمَ بَيَانُهَا.

وَإِذَا كَانَ يُؤَدِّي الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ عَنْ غَيْرِهِ فَلاَ بُدَّ أَنْ يُعَيِّنَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ. وَيُسَنُّ لَهُ الإِْكْثَارُ مِنَ التَّلْبِيَةِ. وَأَفْضَل صِيَغِهَا الصِّيغَةُ الْمَأْثُورَةُ: " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكُ، لاَ شَرِيكَ لَكَ ". وَيُسْتَحَبُّ أَلاَّ يَنْقُصَ مِنْهَا (١) .

قَال الطَّحَاوِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ: " أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذِهِ التَّلْبِيَةِ ". وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى التَّلْبِيَةِ، فَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْمَأْثُورِ فَمُسْتَحَبٌّ. وَمَا لَيْسَ مَرْوِيًّا فَجَائِزٌ أَوْ حَسَنٌ، عَلَى تَفْصِيلٍ يُذْكَرُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (ر: تَلْبِيَةٌ)

مُوجِبُ الإِْحْرَامِ:

١١٨ - إِذَا أَحْرَمَ شَخْصٌ بِنُسُكٍ وَجَبَ عَلَيْهِ إِتْمَامُهُ وَلَوْ كَانَ نَفْلًا فِي الأَْصْل. وَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ فِعْلُهُ. وَلاَ يَتَحَلَّل مِنْ إِحْرَامِهِ إِلاَّ بَعْدَ أَدَاءِ هَذَا النُّسُكِ، عَلَى التَّفْصِيل الْمُتَقَدِّمِ. وَيَتَّصِل بِهَذَا بَيَانُ أَحْكَامِ مَا يُبْطِل الْحَجَّ وَمَا يُفْسِدُهُ وَمَا يَمْنَعُ الْمُضِيَّ فِيهِ.

١١٩ - أَمَّا مَا يُبْطِلُهُ فَهُوَ الرِّدَّةُ، فَإِذَا ارْتَدَّ بَطَل نُسُكُهُ وَلاَ يَمْضِي فِيهِ.

_________

(١) مطالب أولي النهى ٢ / ٣٢٢