الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 25

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

وَإِنِ اسْتَوَى عِنْدَهُمُ الأَْمْرَانِ فَقَال الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: كَيْفَ شَاءُوا صَنَعُوا، وَقَال الأَْوْزَاعِيُّ: هُمَا مَوْتَتَانِ فَاخْتَرْ أَيْسَرَهُمَا،

وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِوُجُوبِ الاِنْتِقَال مِنْ سَبَبِ الْمَوْتِ الَّذِي حَل، إِلَى سَبَبٍ آخَرَ إِنْ رَجَا بِهِ حَيَاةً، أَوْ طُولَهَا، وَلَوْ حَصَل لَهُ مَعَهَا مَا هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْمَوْتِ؛ لأَِنَّ حِفْظَ النُّفُوسِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ (١) .

الإِْحْرَاقُ فِي الْحَرْبِ:

٣١ - إِذَا قَدَرَ عَلَى الْعَدُوِّ بِالتَّغَلُّبِ عَلَيْهِ فَلاَ يَجُوزُ تَحْرِيقُهُ بِالنَّارِ مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ يُعْلَمُ، لِمَا رَوَى حَمْزَةُ الأَْسْلَمِيُّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَمَّرَهُ عَلَى سَرِيَّةٍ، فَقَال: فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَقَال: إِنْ أَخَذْتُمْ فُلاَنًا فَأَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ فَوَلَّيْتُ، فَنَادَانِي، فَرَجَعْتُ، فَقَال: إِنْ أَخَذْتُمْ فُلاَنًا فَاقْتُلُوهُ وَلاَ تُحَرِّقُوهُ، فَإِنَّهُ لاَ يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلاَّ رَبُّ النَّارِ (٢) .

فَأَمَّا رَمْيُهُمْ بِالنَّارِ قَبْل الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ مَعَ إِمْكَانِ أَخْذِهِمْ بِغَيْرِ التَّحْرِيقِ فَلاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّهُمْ حِينَئِذٍ فِي حُكْمِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِمْ. وَأَمَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُمْ بِغَيْرِ التَّحْرِيقِ فَجَائِزٌ فِي قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ، لِفِعْل الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي غَزَوَاتِهِمْ.

هَذَا وَإِنْ تَتَرَّسَ الْعَدُوُّ فِي الْحَرْبِ بِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنِ اضْطُرِرْنَا إِلَى رَمْيِهِمْ بِالنَّارِ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَمَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى تَقْدِيرِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ.

وَالْحُكْمُ فِي الْبُغَاةِ وَالْمُرْتَدِّينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ

_________

(١) حاشية الدسوقي ٢ / ١٨٣، ١٨٤، ونهاية المحتاج ٨ / ٣٠، والمغني لابن قدامة والشرح الكبير ١ / ٥٥٤، ٥٥٥

(٢) رواه أبو داود واختلف في توثيق راويه محمد بن حمزة

كَالْكُفَّارِ فِي حَال الْقِتَال (١) .

إِحْرَاقُ أَشْجَارِ الْكُفَّارِ فِي الْحَرْبِ:

٣٢ - إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ نِكَايَةٌ بِالْعَدُوِّ، وَلَمْ يُرْجَ حُصُولُهَا لِلْمُسْلِمِينَ، فَالإِْحْرَاقُ جَائِزٌ اتِّفَاقًا. بَل ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى تَعَيُّنِ الإِْحْرَاقِ. أَمَّا إِذَا رُجِيَ حُصُولُهَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي إِحْرَاقِهَا نِكَايَةٌ، فَإِنَّهُ مَحْظُورٌ. وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِحُرْمَتِهِ.

وَأَمَّا إِذَا كَانَ فِي إِحْرَاقِهَا نِكَايَةٌ، وَيُرْجَى حُصُولُهَا لِلْمُسْلِمِينَ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ. بَل صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِنَدْبِ الإِْبْقَاءِ حِفْظًا لِحَقِّ الْفَاتِحِينَ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ الإِْبْقَاءِ.

وَإِذَا كَانَ لاَ نِكَايَةَ فِي إِحْرَاقِهَا، وَلاَ يُرْجَى حُصُولُهَا لِلْمُسْلِمِينَ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِهِ. وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ الْكَرَاهَةُ؛ لأَِنَّهُ الأَْصْل عِنْدَهُمْ (٢) .

أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَالأَْصْل عِنْدَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمُعَامَلَةُ بِالْمِثْل، وَمُرَاعَاةُ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقِتَال.

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ١٢٩، ١٣١، ٢٦٥، وفتح القدير ٤ / ٢٨٦، ٢٨٨، ٣٠٨ وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٩٩، ٢ / ١٧٧، ١٧٨، ونهاية المحتاج ٨ / ٦١، ٦٢، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد ١ / ٤٠١، والمغني لابن قدامة ١٠ / ٨٢، ٥٠٤، وبلغة السالك لأقرب المسالك ١ / ٣٥٧، ومغني المحتاج ٤ / ١٢٧، ١٢٨، ١٤٠، وبدائع الصنائع ٧ / ١٠٠

(٢) فتح القدير ٤ / ٢٨٦، ٢٨٧، ٣٠٨، وبدائع الصنائع ٧ / ١٠٠، حاشية الدسوقي ٢ / ١٠٨، ونهاية المحتاج ٨ / ٦٤، وبداية المجتهد ١ / ٤٠٢، والمغني والشرح الكبير ١٠ / ٥٠٩، ٥١٠، ونيل الأوطار ٧ / ٢٦٢، ٢٦٦، وحاشية ابن عابدين ٤ / ١٢٩

حَرْقُ مَا عَجَزَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ نَقْلِهِ مِنْ أَسْلِحَةٍ وَبَهَائِمَ وَغَيْرِهَا:

٣٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحَرْقِ وَالإِْتْلاَفِ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: إِذَا أَرَادَ الإِْمَامُ الْعَوْدَ، وَعَجَزَ عَنْ نَقْل أَسْلِحَةٍ وَأَمْتِعَةٍ وَبَهَائِمَ لِمُسْلِمٍ أَوْ عَدُوٍّ، وَعَنِ الاِنْتِفَاعِ بِهَا، تُحْرَقُ وَمَا لاَ يُحْرَقُ، كَحَدِيدٍ، يُتْلَفُ أَوْ يُدْفَنُ فِي مَكَانٍ خَفِيٍّ لاَ يَقِفُ عَلَيْهِ الْكُفَّارُ، وَذَلِكَ لِئَلاَّ يَنْتَفِعُوا بِهَذِهِ الأَْشْيَاءِ.

أَمَّا الْمَوَاشِي وَالْبَهَائِمُ وَالْحَيَوَانَاتُ فَتُذْبَحُ وَتُحْرَقُ، وَلاَ يَتْرُكُهَا لَهُمْ؛ لأَِنَّ الذَّبْحَ يَجُوزُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وَلاَ غَرَضَ أَصَحُّ مِنْ كَسْرِ شَوْكَةِ الأَْعْدَاءِ وَتَعْرِيضِهِمْ لِلْهَلَكَةِ وَالْمَوْتِ، ثُمَّ يُحْرَقُ بِالنَّارِ لِتَنْقَطِعَ مَنْفَعَتُهُ عَنِ الْكُفَّارِ، وَصَارَ كَتَخْرِيبِ الْبُنْيَانِ وَالتَّحْرِيقِ لِهَذَا الْغَرَضِ الْمَشْرُوعِ، بِخِلاَفِ التَّحْرِيقِ قَبْل الذَّبْحِ، فَلاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَفِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا أَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حِبَّانَ قَال: كُنْتُ عِنْدَ أُمِّ الدَّرْدَاءِ ﵂، فَأَخَذْتُ بُرْغُوثًا فَأَلْقَيْتُهُ فِي النَّارِ، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُول: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلاَّ رَبُّ النَّارِ.

وَلِلْمَالِكِيَّةِ تَفْصِيلٌ، قَالُوا: يُجْهَزُ عَلَى الْحَيَوَانِ وُجُوبًا، لِلإِْرَاحَةِ مِنَ التَّعْذِيبِ بِإِزْهَاقِ رُوحِهِ أَوْ قَطْعِ عُرْقُوبِهِ، أَوِ الذَّبْحِ الشَّرْعِيِّ وَيُحْرَقُ الْحَيَوَانُ نَدْبًا بَعْدَ إِتْلاَفِهِ إِنْ كَانَ الأَْعْدَاءُ يَسْتَحِلُّونَ أَكْل الْمَيْتَةِ، وَلَوْ ظَنًّا، لِئَلاَّ يَنْتَفِعُوا بِهِ. فَإِنْ كَانُوا لاَ يَسْتَحِلُّونَ أَكْل الْمَيْتَةِ لَمْ يُطْلَبِ التَّحْرِيقُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا. وَالأَْظْهَرُ فِي الْمَذْهَبِ طَلَبُ تَحْرِيقِهِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ اسْتَحَلُّوا أَكْل الْمَيْتَةِ أَمْ لاَ، لاِحْتِمَال أَكْلِهِمْ لَهُ

حَال الضَّرُورَةِ. وَقِيل: التَّحْرِيقُ وَاجِبٌ، وَرَجَحَ.

وَقَال اللَّخْمِيُّ: إِنْ كَانُوا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ قَبْل فَسَادِهِ وَجَبَ التَّحْرِيقُ، وَإِلاَّ لَمْ يَجِبْ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ عَدَمُ انْتِفَاعِهِمْ بِهِ، وَقَدْ حَصَل بِالإِْحْرَاقِ.

٣٤ - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَعَامَّةُ أَهْل الْعِلْمِ، مِنْهُمُ الأَْوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ: لاَ يَجُوزُ فِي غَيْرِ حَال الْحَرْبِ عَقْرُ الدَّوَابِّ وَإِحْرَاقُ النَّحْل وَبُيُوتِهِ لِمُغَايَظَةِ الْكُفَّارِ وَالإِْفْسَادِ عَلَيْهِمْ، سَوَاءٌ خِفْنَا أَخْذَهُمْ لَهَا أَوْ لَمْ نَخَفْ.

وَذَلِكَ بِخِلاَفِ حَال الْحَرْبِ حَيْثُ يَجُوزُ قَتْل الْمُشْرِكِينَ وَرَمْيُهُمْ بِالنَّارِ، فَيَجُوزُ إِتْلاَفُ الْبَهَائِمِ؛ لأَِنَّهُ يُتَوَصَّل بِإِتْلاَفِ الْبَهَائِمِ إِلَى قَتْل الأَْعْدَاءِ.

وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَْرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْل وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (١) . وَلأَِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ قَال فِي وَصِيَّتِهِ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، حِينَ بَعَثَهُ أَمِيرًا: يَا يَزِيدُ لاَ تَقْتُل صَبِيًّا وَلاَ امْرَأَةً وَلاَ هَرِمًا، وَلاَ تُخَرِّبَنَّ عَامِرًا، وَلاَ تَعْقِرَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، وَلاَ دَابَّةً عَجْمَاءَ، وَلاَ شَاةً إِلاَّ لِمَأْكَلَةٍ، وَلاَ تُحَرِّقَنَّ نَحْلًا وَلاَ تُغْرِقَنَّهُ، وَلاَ تَغْلُل وَلاَ تَجْبُنْ (٢) وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْل شَيْءٍ مِنَ الدَّوَابِّ صَبْرًا (٣) وَلأَِنَّهُ حَيَوَانٌ ذُو حُرْمَةٍ فَلَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ لِغَيْظِ الْمُشْرِكِينَ (٤)

_________

(١) وهذا ما ذكره الفقهاء، وهو مناسب لعصرهم، واللجنة ترى أن لقائد الجيش أن يتصرف بما يراه مصلحة للمسلين بجلب النفع والضرر في حدود القواعد العامة للشريعة.

(٢) وصية أبي بكر في الموطأ (٢ / ٤٤٨) والبيهقي روايته مرسلة (نيل الأوطار ٨ / ٧٥)

(٣) متفق عليه (نيل الأوطار ٨ / ٩٠)

(٤) فتح القدير ٤ / ٣٠٨، ٣٠٩ ابن عابدين ٤ / ١٤٠، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٨١، ونهاية المحتاج ٨ / ٦٤، والمغني ١٠ / ٥٠٦

مَا يُحْرَقُ لِلْغَال وَمَا لاَ يُحْرَقُ

٣٥ - الْغَال هُوَ الَّذِي يَكْتُمُ مَا يَأْخُذُهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ، فَلاَ يُطْلِعُ الإِْمَامَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَضُمُّهُ إِلَى الْغَنِيمَةِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْرِيقِ مَال الْغَال لِلْغَنِيمَةِ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَاللَّيْثُ: لاَ يُحْرَقُ مَالُهُ. وَاسْتَدَلُّوا بِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ وَعَدَمِ تَحْرِيقِهِ فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: جَاءَ رَجُلٌ بِزِمَامٍ مِنْ شَعْرٍ، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ هَذَا فِيمَا كُنَّا أَصَبْنَا مِنَ الْغَنِيمَةِ، فَقَال: سَمِعْتَ بِلاَلًا نَادَى ثَلاَثًا؟ قَال: نَعَمْ. قَال: فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَجِيءَ بِهِ؟ فَاعْتَذَرَ. فَقَال؛ كُنْ أَنْتَ تَجِيءُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَنْ أَقْبَلَهُ مِنْكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١) . وَلأَِنَّ إِحْرَاقَ الْمَتَاعِ إِضَاعَةٌ لَهُ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَال (٢) وَقَال بِإِحْرَاقِ مَال الْغَال الْحَنَابِلَةُ وَفُقَهَاءُ الشَّامِ، مِنْهُمْ مَكْحُولٌ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَالْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ.

وَقَدْ أُتِيَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِغَالٍّ فَجَمَعَ مَالَهُ وَأَحْرَقَهُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَاضِرُ ذَلِكَ فَلَمْ يَعِبْهُ (٣) قَال يَزِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ: السُّنَّةُ فِي الَّذِي يَغُل أَنْ يُحْرَقَ رَحْلُهُ. رَوَاهُمَا سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ.

وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَى صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَائِدَةَ، قَال: دَخَلْتُ مَعَ مَسْلَمَةَ أَرْضَ الرُّومِ، فَأُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ غَل، فَسَأَل سَالِمًا عَنْهُ، فَقَال: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: إِذَا وَجَدْتُمُ الرَّجُل قَدْ غَل فَأَحْرِقُوا مَتَاعَهُ وَاضْرِبُوهُ. قَال: فَوَجَدْنَا فِي مَتَاعِهِ

_________

(١) سكت عنه المنذري وصححه الحاكم (نيل الأوطار ٧ / ٣١٨)

(٢) حديث النهي عن إضاعة المال: متفق عليه.

(٣) صوابه " مسلمة بن عبد الملك ". وفي سنده إسحاق بن عبد الله، وهو متروك (تقريب التهذيب) .

مُصْحَفًا. فَسَأَل سَالِمًا عَنْهُ، فَقَال: بِعْهُ وَتَصَدَّقْ بِثَمَنِهِ (١) . وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَحْرَقُوا مَتَاعَ الْغَال (٢)

٣٦ - قَال أَحْمَدُ: إِنْ لَمْ يُحْرِقْ رَحْلَهُ حَتَّى اسْتَحْدَثَ مَتَاعًا آخَرَ وَكَذَلِكَ إِنْ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ، أُحْرِقَ مَا كَانَ مَعَهُ حَال الْغُلُول.

٣٧ - وَيُشْتَرَطُ فِي الْغَال أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا حُرًّا، فَتُوقَعُ عُقُوبَةُ الإِْحْرَاقِ فِي مَتَاعِ الرَّجُل وَالْخُنْثَى وَالْمَرْأَةِ وَالذِّمِّيِّ؛ لأَِنَّهُمْ مِنْ أَهْل الْعُقُوبَةِ. وَإِنْ كَانَ الْغَال صَبِيًّا لَمْ يُحْرَقْ مَتَاعُهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالأَْوْزَاعِيِّ؛ لأَِنَّ الإِْحْرَاقَ عُقُوبَةٌ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْعُقُوبَةِ.

٣٨ - وَيَسْقُطُ إِحْرَاقُ مَتَاعِ الْغَال إِذَا مَاتَ قَبْل إِحْرَاقِ رَحْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، لأَِنَّهَا عُقُوبَةٌ فَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ، كَالْحُدُودِ؛ وَلأَِنَّهُ بِالْمَوْتِ انْتَقَل الْمَتَاعُ إِلَى وَرَثَتِهِ، فَإِحْرَاقُهُ يَكُونُ عُقُوبَةً لِغَيْرِ الْجَانِي. وَإِنِ انْتَقَل مِلْكُهُ إِلَى غَيْرِ الْغَال بِالْبَيْعِ أَوِ الْهِبَةِ احْتَمَل عَدَمُ تَحْرِيقِهِ، لِصَيْرُورَتِهِ لِغَيْرِهِ فَأَشْبَهَ انْتِقَالَهُ لِلْوَارِثِ بِالْمَوْتِ، وَاحْتَمَل أَنْ يَنْقُضَ الْبَيْعَ وَالْهِبَةَ وَيُحْرَقَ، لأَِنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ سَابِقٌ عَلَى الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ كَالْقِصَاصِ فِي حَقِّ الْجَانِي.

٣٩ - وَمَا لاَ يُحْرَقُ لِلْغَال بِالاِتِّفَاقِ الْمُصْحَفُ، وَالْحَيَوَانُ أَمَّا الْمُصْحَفُ فَلاَ يُحْرَقُ، لِحُرْمَتِهِ، وَلِمَا تَقَدَّمَ

_________

(١) رواه أحمد وأبو داود وصحح وقفه، والترمذي وفيه صالح بن أبي زائدة، ضعيف. وقال الدارقطني المحفوظ أن سالما أمر بذلك. (تلخيص الحبير ٤ / ١١٤) .

(٢) أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي والراجح وقفه (نيل الأوطار ٧ / ٣٠٠)

مِنْ قَوْل سَالِمٍ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ مَعَ الْغَال شَيْءٌ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ أَوِ الْعِلْمِ فَيَنْبَغِي أَلاَّ تُحْرَقَ أَيْضًا؛ لأَِنَّ نَفْعَ ذَلِكَ يَعُودُ إِلَى الدِّينِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ الإِْضْرَارَ بِهِ فِي دِينِهِ، وَإِنَّمَا الْقَصْدُ الإِْضْرَارُ بِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُنْيَاهُ، وَيُحْتَمَل أَنْ يُبَاعَ الْمُصْحَفُ وَيُتَصَدَّقُ بِهِ لِقَوْل سَالِمٍ فِيهِ.

٤٠ - أَمَّا الْحَيَوَانُ فَلاَ يُحْرَقُ وَلِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلاَّ رَبُّهَا؛ وَلِحُرْمَةِ الْحَيَوَانِ فِي نَفْسِهِ؛ وَلأَِنَّهُ لاَ يَدْخُل فِي اسْمِ الْمَتَاعِ الْمَأْمُورِ بِإِحْرَاقِهِ.

٤١ - وَلاَ تُحْرَقُ ثِيَابُ الْغَال الَّتِي عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَرْكُهُ عُرْيَانًا، وَلاَ سِلاَحُهُ؛ لأَِنَّهُ يَحْتَاجُ لِلْقِتَال، وَلاَ نَفَقَتُهُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يُحْرَقُ عَادَةً وَلِلاِحْتِيَاجِ إِلَى الإِْنْفَاقِ.

٤٢ - وَلاَ يُحْرَقُ الْمَال الْمَغْلُول؛ لأَِنَّ مَا غُل مِنْ غَنِيمَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْقَصْدُ الإِْضْرَارُ بِالْغَال فِي مَالِهِ وَقِيل لأَِحْمَدَ: أَيُّ شَيْءٍ يُصْنَعُ بِالْمَال الَّذِي أَصَابَهُ فِي الْغُلُول؟ قَال: يُرْفَعُ إِلَى الْغُنْمِ.

٤٣ - وَاخْتُلِفَ فِي آلَةِ الدَّابَّةِ، فَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهَا لاَ تُحْرَقُ؛ لأَِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا لِلاِنْتِفَاعِ بِهَا، وَلأَِنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَا لاَ يُحْرَقُ فَأَشْبَهَ جِلْدَ الْمُصْحَفِ وَكِيسَهُ؛ وَلأَِنَّهَا مَلْبُوسُ حَيَوَانٍ، فَلاَ يُحْرَقُ، كَثِيَابِ الْغَال. وَقَال الأَْوْزَاعِيُّ: يُحْرَقُ سَرْجُهُ وَإِكَافُهُ.

مِلْكِيَّةُ مَا لَمْ يُحْرَقْ:

٤٤ - جَمِيعُ مَا ذُكِرَ مِمَّا لَمْ يُحْرَقْ، وَكَذَلِكَ مَا بَقِيَ بَعْدَ الإِْحْرَاقِ. مِنْ حَدِيدٍ أَوْ غَيْرِهِ وَهُوَ لِصَاحِبِهِ؛ لأَِنَّ مِلْكَهُ كَانَ ثَابِتًا عَلَيْهِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُزِيلُهُ، وَإِنَّمَا عُوقِبَ

الْغَال بِإِحْرَاقِ مَتَاعِهِ، فَمَا لَمْ يُحْرَقْ يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ (١) .

إِحْرَامٌ

الْفَصْل الأَْوَّل

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي الإِْحْرَامِ فِي اللُّغَةِ: الإِْهْلاَل بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَمُبَاشَرَةُ أَسْبَابِهَا، وَالدُّخُول فِي الْحُرْمَةِ. يُقَال: أَحْرَمَ الرَّجُل إِذَا دَخَل فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَأَحْرَمَ: دَخَل فِي الْحَرَمِ، وَمِنْهُ حَرَمُ مَكَّةَ، وَحَرَمُ الْمَدِينَةِ، وَأَحْرَمَ: دَخَل فِي حُرْمَةِ عَهْدٍ أَوْ مِيثَاقٍ.

وَالْحُرْمُ - بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ -: الإِْحْرَامُ بِالْحَجِّ أَيْضًا، وَبِالْكَسْرِ: الرَّجُل الْمُحْرِمُ، يُقَال أَنْتَ حِلٌّ، وَأَنْتَ حُرُمٌ.

وَالإِْحْرَامُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ يُرَادُ بِهِ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ الإِْحْرَامُ بِالْحَجِّ، أَوِ الْعُمْرَةِ. وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الدُّخُول فِي الصَّلاَةِ وَيَسْتَعْمِلُونَ مَادَّتَهُ مَقْرُونَةً بِالتَّكْبِيرَةِ الأُْولَى، فَيَقُولُونَ: " تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ " وَيُسَمُّونَهَا " التَّحْرِيمَةَ (٢) " وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةٌ) .

_________

(١) ابن نجيم ٥ / ٨٣، والزيلعي ٣ / ٢٤٤، والحطاب ٣ / ٣٥٤، والأم ٤ / ٢٥١، والمغني لابن قدامة، والشرح الكبير ١٠ / ٥٣٢، ٥٣٥، ونيل الأوطار ٧ / ٣١٨، ٣١٩ ط الحلبي باب التشديد في الغلول وتحريق رحل الغال.

(٢) الحنفية لا يستعملون لفظ " إحرام " في افتتاح الصلاة ولا مضافا إلى تكبيرة الافتتاح إلا نادرا، كما وقع في حاشية الشلبي على تبين الحقائق للزيلعي ١ / ١٠٣ بلفظ " تكبيرة الإحرام "

وَيُطْلِقُ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ الإِْحْرَامَ عَلَى الدُّخُول فِي النُّسُكِ، وَبِهِ فَسَّرُوا قَوْل النَّوَوِيِّ فِي الْمِنْهَاجِ: " بَابُ الإِْحْرَامِ (١) ".

تَعْرِيفُ الْحَنَفِيَّةِ لِلإِْحْرَامِ:

٢ - الإِْحْرَامُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ الدُّخُول فِي حُرُمَاتٍ مَخْصُوصَةٍ غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَتَحَقَّقُ شَرْعًا إِلاَّ بِالنِّيَّةِ مَعَ الذِّكْرِ أَوِ الْخُصُوصِيَّةِ (٢) .

وَالْمُرَادُ بِالدُّخُول فِي حُرُمَاتٍ: الْتِزَامُ الْحُرُمَاتِ، وَالْمُرَادُ بِالذِّكْرِ التَّلْبِيَةُ وَنَحْوُهَا مِمَّا فِيهِ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى.

وَالْمُرَادُ بِالْخُصُوصِيَّةِ: مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ سَوْقِ الْهَدْيِ، أَوْ تَقْلِيدِ الْبُدْنِ (٣) .

تَعْرِيفُ الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ لِلإِْحْرَامِ:

٣ - أَمَّا تَعْرِيفُ الإِْحْرَامِ عِنْدَ الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ: الْمَالِكِيَّةِ - عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ (٤) -

_________

(١) شرح المنهاج بهامش حاشية القليوبي وعميرة ٢ / ٩٦ ط محمد علي صبيح ١٣٦٨ هـ، ونهاية المحتاج للرملي ٢ / ٣٩٤ ط الأميرية ببولاق ١٢٩٢ هـ.

(٢) رد المحتار ٢ / ٢١٣ ط استانبول.

(٣) المرجع السابق.

(٤) الشرح الكبير على مختصر خليل وحاشيته للدسوقي ٢ / ٢١ - ٢٦، وحاشية الصفتي على شرح العشماوية ص ١٩٢ المطبعة العامرة الشرقية ١٣٠٤ هـ، وانظر نقاشا مطولا حول التعريف في مواهب الجليل شرح مختصر خليل للحطاب ٣ / ١٣ - ١٥ مطبعة السعادة ١٣٢٨ هـ.

وَالشَّافِعِيَّةِ (١) وَالْحَنَابِلَةِ (٢) فَهُوَ: نِيَّةُ الدُّخُول فِي حُرُمَاتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.

حُكْمُ الإِْحْرَامِ:

٤ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الإِْحْرَامَ مِنْ فَرَائِضِ النُّسُكِ، حَجًّا كَانَ أَوْ عُمْرَةً، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ (٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِيهِ أَمِنَ الأَْرْكَانِ هُوَ أَمْ مِنَ الشُّرُوطِ.

فَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ (٤) وَالشَّافِعِيَّةِ (٥) وَالْحَنَابِلَةِ (٦) أَنَّ الإِْحْرَامَ رُكْنٌ لِلنُّسُكِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإِْحْرَامَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْحَجِّ، غَيْرَ أَنَّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ شَرْطٌ مِنْ وَجْهٍ (٧)، رُكْنٌ مِنْ وَجْهٍ أَوْ " هُوَ شَرْطٌ ابْتِدَاءً، وَلَهُ حُكْمُ

_________

(١) شرح المنهاج للمحلي ٢ / ١٢٦، ونهاية المحتاج للرملي ٢ / ٣٩٤ - ٤٤١

(٢) الكافي ١ / ٥٣٠ ط المكتب الإسلامي، وفيه قوله: " النية هي الإحرام " وانظر المغني ٣ / ٢٨١، ٢٨٢ ط ثالثة، والمقنع ١ / ٣٩٣ ط السلفية ١٣٧٤ هـ، وفيما أن الإحرام لا ينعقد إلا بالنية ولا يجب شيء سواها.

(٣) البخاري في مطلع صحيحه، ومسلم في الإمارة ٦ / ٤٨ المطبعة العامرة باستانبول ١٣٣٠ هـ.

(٤) مختصر خليل بشروحه: الشرح الكبير وحاشيته ٢ / ٢١، ومواهب الجليل ٣ / ١٤، ١٥ وفي مناقشة حول كون الإحرام ركنا أو شرطا، وشرح الزرقاني وحاشية البناني ٢ / ٢٤٩ ط مصطفى محمد.

(٥) شرح المنهاج ٢ / ١٢٦، والنهاية ٢ / ٣٩٤

(٦) مطالب أولي النهى ٢ / ٤٤٦ ط المكتب الإسلامي بدمشق ١٣٨٠ هـ

(٧) كما هي عبارة شرح اللباب وهو المسلك المتقسط لعلي القاري في شرح المنسك المتوسط المسمى اللباب لرحمة الله السندي ص ٤٥