الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 24

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

ﷺ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ، وَفِيهِ: مَنْ حَرَقَ حَرَقْنَاهُ. (١)

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ غَيْرُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، إِلَى أَنَّ الْقَوَدَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالسَّيْفِ وَإِنْ قَتَل بِغَيْرِهِ، فَلَوِ اقْتَصَّ مِنْهُ بِالإِْلْقَاءِ فِي النَّارِ عُزِّرَ. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا: لاَ قَوَدَ إِلاَّ بِالسَّيْفِ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَزَّارُ وَالطَّحَاوِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ (٢) .

مُوجِبُ تَعْذِيبِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ بِالنَّارِ:

١٧ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مُوجِبِ تَعْذِيبِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ بِالنَّارِ، فَقَال أَكْثَرُهُمْ: لاَ يُعْتَقُ عَلَيْهِ. وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالأَْوْزَاعِيُّ؛ وَاللَّيْثُ إِلَى عِتْقِ الْعَبْدِ بِذَلِكَ، وَيَكُونُ وَلاَؤُهُ لَهُ، وَيُعَاقِبُهُ السُّلْطَانُ عَلَى فِعْلِهِ. وَاسْتَدَلُّوا بِأَثَرِ عُمَرَ ﵁، أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بِلَفْظِ: وَلِيدَةٌ أَتَتْ عُمَرَ، وَقَدْ ضَرَبَهَا سَيِّدُهَا بِنَارٍ، فَأَصَابَهَا بِهَا. فَأَعْتَقَهَا عَلَيْهِ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ (٣) .

_________

(١) حديث " من حرق حرقناه " قال ابن حجر: رواه البيهقي في المعرفة وقال: في الإسناد بعض من يجهل، وإنما هو من قول زياد في خطبته (تلخيص الحبير ٤ / ١٩) .

(٢) نيل الأوطار ٧ / ١٦٠، ١٦٥، وحاشية ابن عابدين ٦ / ٥٣٧، والبدائع ٧ / ٢٤٥، وتبيين الحقائق ٦ / ١٠٦، والسرخسي ٢٦ / ١٢٥، ١٢٦، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٦٥، والخرشي ٨ / ٢٩، والتاج والإكليل ٦ / ٢٥٦، ومغني المحتاج ٤ / ٤٤، ونهاية المحتاج ٧ / ٢٩٠، والمغني ٩ / ٣٩٠، وكشاف القناع ٥ / ٥٣٨، والحديث منكر ومعلول (فيض القدير) .

(٣) نيل الأوطار ٦ / ٢٠٥، ٢٠٧، وهذا من تكريم الإسلام للإنسان ولو رقيقا، ومن لم ير عتقه فقد أوجب تعزيره.

الْعُقُوبَةُ فِي اللِّوَاطِ بِالإِْحْرَاقِ:

١٨ - يَرَى الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ عُقُوبَةَ اللِّوَاطِ سَوَاءٌ اللاَّئِطُ وَالْمَلُوطُ بِهِ التَّعْزِيرُ، وَيُجِيزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَكُونَ التَّعْزِيرُ بِالإِْحْرَاقِ. وَإِلَى هَذَا الرَّأْيِ ذَهَبَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَأَوْجَبَ إِحْرَاقَهُمَا ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، خِلاَفًا لِلْجُمْهُورِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ عُقُوبَتَهُمَا لاَ تَكُونُ بِالإِْحْرَاقِ وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (الْحُدُودِ) . وَاسْتَدَل مَنْ رَأَى الإِْحْرَاقَ بِفِعْل الصَّحَابَةِ وَعَلَى رَأْسِهِمْ أَبُو بَكْرٍ. وَتَشَدَّدَ فِي ذَلِكَ عَلِيٌّ ﵃ (١) .

إِحْرَاقُ الدَّابَّةِ الْمَوْطُوءَةِ:

١٩ - لاَ يُحَدُّ شَخْصٌ بِوَطْءِ بَهِيمَةٍ، بَل يُعَزَّرُ وَتُذْبَحُ الْبَهِيمَةُ، ثُمَّ تُحْرَقُ إِذَا كَانَتْ مِمَّا لاَ يُؤْكَل، وَذَلِكَ لِقَطْعِ امْتِدَادِ التَّحَدُّثِ بِهِ كُلَّمَا رُئِيَتْ. وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. وَإِنْ كَانَتِ الدَّابَّةُ تُؤْكَل جَازَ أَكْلُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: تُحْرَقُ أَيْضًا، وَفِي الْقُنْيَةِ: تُذْبَحُ وَتُحْرَقُ عَلَى الاِسْتِحْبَابِ وَلاَ يَحْرُمُ أَكْلُهَا. وَلأَِحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ قَوْلٌ بِقَتْلِهَا بِغَيْرِ ذَبْحٍ؛ لأَِنَّ بَقَاءَهَا يُذَكِّرُ بِالْفَاحِشَةِ فَيُعَيَّرُ بِهَا (٢) . وَالْقَوْل الآْخَرُ لاَ بَأْسَ بِتَرْكِهَا.

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ١٥٤، ١٥٥، ومطالب أولي النهى ٦ / ١٧٥، وفتاوى ابن تيمية ٢٨ / ٣٣٥، والتبصرة بهامش فتاوى عليش ٢ / ٢٦١، ومنح الجليل ٤ / ٤٩٧، والمهذب ٢ / ٢٦٩

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ١٦٦، ٤ / ٢٦، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣١٦، والمغني ٨ / ١٩٠

التَّحْجِيرُ بِالإِْحْرَاقِ:

٢٠ - مَنْ حَجَّرَ أَرْضًا مَيِّتَةً بِأَنْ مَنَعَ غَيْرَهُ مِنْهَا بِوَضْعِ عَلاَمَةٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا. وَمِمَّا يَتَحَقَّقُ بِهِ التَّحْجِيرُ إِحْرَاقُ مَا فِي الأَْرْضِ مِنَ الشَّوْكِ وَالأَْشْجَارِ لإِصْلاَحِ الأَْرْضِ (١) .

إِيقَادُ النَّارِ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْمَقَابِرِ:

٢١ - يُكْرَهُ إِيقَادُ النَّارِ فِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ، كَالتَّبْخِيرِ وَالاِسْتِصْبَاحِ وَالتَّدْفِئَةِ؛ لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِمَصْلَحَةٍ كَانَ تَشَبُّهًا بِعَبَدَةِ النَّارِ، فَهُوَ حِينَئِذٍ حَرَامٌ.

وَأَمَّا إِيقَادُ النَّارِ، كَالسُّرُجِ وَغَيْرِهَا، عِنْدَ الْقُبُورِ فَلاَ يَجُوزُ، لِحَدِيثِ: لَعَنَ اللَّهُ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا السُّرُجَ (٢) . فَإِذَا كَانَتْ هُنَاكَ مَصْلَحَةٌ ظَاهِرَةٌ تَقْتَضِي الإِْضَاءَةَ كَدَفْنِ الْمَيِّتِ لَيْلًا فَهُوَ جَائِزٌ (٣) .

التَّبْخِيرُ عِنْدَ الْمَيِّتِ:

٢٢ - يُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ تَبْخِيرُ أَكْفَانِ الْمَيِّتِ بِالْعُودِ، وَهُوَ أَنْ يُتْرَكَ الْعُودُ عَلَى النَّارِ فِي مِجْمَرٍ، ثُمَّ يُبَخَّرَ بِهِ الْكَفَنُ حَتَّى تَعْبَقَ رَائِحَتُهُ وَيَطِيبَ. وَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَرُشَّ عَلَيْهِ مَاءَ الْوَرْدِ لِتَعْلَقَ الرَّائِحَةُ بِهِ.

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٦٦، ٤ / ٢٦، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣١٦

(٢) رواه أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم (الفتح الكبير) وحسنه الترمذي وابن القطان وضعفه عبد الحق (فيض القدير ٥ / ٢٧٤) .

(٣) حاشية ابن عابدين ٤ / ٣٦٧ و٦ / ٣٥٤، ٢ / ٤٣٩، ٤٤٠ وبدائع الصنائع ٩ / ٢٢٠، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٧١ و٤ / ٧١ ونهاية المحتاج ٥ / ٣٦٥، ٣٦٦، و٣ / ٢٣، ٣٥ ومغني المحتاج ١ / ٣٦٠ والمغني والشرح الكبير ١ / ١٩١، ١٩٣، ٢٣٥، ٢٣٦ و٢ / ٣٦٤، ٣٨٧، ٣٨٨، ٤١٧

وَتُجْمَرُ الأَْكْفَانُ قَبْل أَنْ يُدْرَجَ الْمَيِّتُ فِيهَا وِتْرًا.

وَالأَْصْل فِيهِ مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا أَجْمَرْتُمُ الْمَيِّتَ فَأَجْمِرُوهُ ثَلاَثًا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ وَالْبَزَّارُ. وَقِيل: رِجَالُهُ رِجَال الصَّحِيحِ. وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (١) . .

وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَيِّتِ الْمُحْرِمِ عَلَى رَأْيَيْنِ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ تَجْمِيرِهِ، قِيَاسًا عَلَى الْحَيِّ، وَلأَِنَّهُ انْقَطَعَ إِحْرَامُهُ بِمَوْتِهِ، وَسَقَطَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَبْطُل إِحْرَامُهُ، فَلاَ يُجْمَرُ هُوَ وَلاَ أَكْفَانُهُ.

وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي الَّذِي وَقَصَتْهُ النَّاقَةُ اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلاَ تُمِسُّوهُ طِيبًا، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا. (٢)

اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ بِنَارٍ:

٢٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ اتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ بِنَارٍ فِي مِجْمَرَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَتْ بَخُورًا. وَكَذَلِكَ مُصَاحَبَتُهَا لِلْمَيِّتِ، لِلأَْخْبَارِ الآْتِيَةِ.

وَنَقَل ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الإِْجْمَاعَ عَلَى الْكَرَاهَةِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْل الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ حَرَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ، وَزَجَرَ عَنْهُ. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ خَرَجَ فِي

_________

(١) نيل الأوطار ٤ / ٤٥، ٤٦، باب تطييب بدن الميت.

(٢) ابن عابدين ٢ / ١٦٢، والدسوقي ١ / ٤١٨، والمجموع ٥ / ٢٠٩، والمغني ٢ / ٣٣٢، وحديث: اغسلوه بماء. . أخرجه الشيخان عن ابن عباس (الفتح الكبير ١ / ٢٠٥)

جِنَازَةٍ، فَرَأَى امْرَأَةً فِي يَدِهَا مِجْمَرٌ، فَصَاحَ عَلَيْهَا وَطَرَدَهَا حَتَّى تَوَارَتْ بِالآْكَامِ (١)، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لاَ تُتْبَعُ الْجِنَازَةُ بِصَوْتٍ وَلاَ نَارٍ (٢)، وَقَدْ أَوْصَى كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ بِأَلاَّ يُتْبَعُوا بِنَارٍ بَعْدَ مَوْتِهِمْ (٣) . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ أَنَّ أَبَا مُوسَى حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَال: لاَ تَتْبَعُونِي بِمِجْمَرٍ. قَالُوا لَهُ: أَوَ سَمِعْتَ فِيهِ شَيْئًا؟ قَال: نَعَمْ مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ (٤) .

فَإِنْ دُفِنَ لَيْلًا، فَاحْتَاجُوا إِلَى ضَوْءٍ، فَلاَ بَأْسَ بِهِ. وَإِنَّمَا كُرِهَ الْمَجَامِرُ الَّتِي فِيهَا الْبَخُورُ (٥) .

الإِْحْرَاقُ الْمَضْمُونُ وَغَيْرُ الْمَضْمُونِ:

٢٤ - إِذَا أَوْقَدَ الشَّخْصُ نَارًا فِي أَرْضِهِ أَوْ فِي مِلْكِهِ، أَوْ فِي مَوَاتِ حِجْرِهِ، أَوْ فِيمَا يَسْتَحِقُّ الاِنْتِفَاعَ بِهِ، فَطَارَتْ شَرَارَةٌ إِلَى دَارِ جَارِهِ فَأَحْرَقَتْهَا، فَإِنْ كَانَ الإِْيقَادُ بِطَرِيقَةٍ مِنْ شَأْنِهَا أَلاَّ تَنْتَقِل النَّارُ إِلَى مِلْكِ الْغَيْرِ، فَإِنَّهُ لاَ يَضْمَنُ.

_________

(١) حديث: " رأي امرأة. . . " " رواه أبو نعيم (كنز العمال ١٥ / ٧٢٣) ولم نجد من تكلم على إسناده.

(٢) حديث: " لا تتبع الجنازة " رواه أبو داود. قال عبد الحق: سنده منقطع. قال ابن القطان: والحديث لا يصحح وإن كان متصلا (فيض القدير ٦ / ٣٨٧)

(٣) منهم أبو هريرة وعائشة وعمرو بن العاص (المدونة ١ / ١٨٠)

(٤) حديث أبي موسى في مسند أحمد ٤ / ٣٩٧ ط الميمنية.

(٥) حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٣٧، وبدائع الصنائع ١ / ٣١٠، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٢٤، وبلغة السالك لأقرب المسالك ١ / ٢٠٢، ونهاية المحتاج ٣ / ٢٣، وروضة الطالبين ٢ / ١١٦، والمغني لابن قدامة والشرح الكبير ٢ / ٣٦٤، ومغني المحتاج ١ / ٣٦٠

أَمَّا إِنْ كَانَ الإِْيقَادُ بِطَرِيقَةٍ مِنْ شَأْنِهَا انْتِقَال النَّارِ إِلَى مِلْكِ الْغَيْرِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَتْهُ النَّارُ، وَذَلِكَ كَأَنْ كَانَ الإِْيقَادُ وَالرِّيحُ عَاصِفَةٌ، أَوْ وَضَعَ مَادَّةً مِنْ شَأْنِهَا انْتِشَارُ النَّارِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ.

وَعَدَمُ الضَّمَانِ فِي الْحَالَةِ الأُْولَى مَرْجِعُهُ إِلَى قِيَاسِهَا عَلَى سِرَايَةِ الْجَرْحِ فِي قِصَاصِ الأَْطْرَافِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسَبَبِ التَّقْصِيرِ. فَإِنْ أَوْقَدَ نَارًا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ أَوْ مَا لاَ يَمْلِكُ الاِنْتِفَاعَ ضَمِنَ مَا أَتْلَفَتْهُ النَّارُ؛ لأَِنَّهُ مُتَعَدٍّ (١) .

مِلْكِيَّةُ الْمَغْصُوبِ الْمُتَغَيِّرِ بِالإِْحْرَاقِ:

٢٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ أَحْمَدَ، إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَغَيَّرَتِ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ بِفِعْل الْغَاصِبِ حَتَّى زَال اسْمُهَا وَأَعْظَمُ مَنَافِعِهَا زَال مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَنْهَا، وَمَلَكَهَا الْغَاصِبُ وَضَمِنَهَا. وَلاَ يَحِل لَهُ الاِنْتِفَاعُ بِهَا حَتَّى يُؤَدِّيَ بَدَلَهَا، كَمَنْ غَصَبَ شَاةً وَذَبَحَهَا وَشَوَاهَا أَوْ طَبَخَهَا، أَوْ حَدِيدًا فَاتَّخَذَهُ سَيْفًا، أَوْ نُحَاسًا فَعَمِلَهُ آنِيَةً. وَسَبَبُ انْتِقَال الْمِلْكِيَّةِ أَنَّ الْغَاصِبَ أَحْدَثَ صَنْعَةً مُتَقَوَّمَةً؛ لأَِنَّ قِيمَةَ الشَّاةِ تَزْدَادُ بِطَبْخِهَا أَوْ شَيِّهَا، وَبِهَذَا يُعْتَبَرُ حَقُّ الْمَالِكِ هَالِكًا مِنْ وَجْهٍ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ تَبَدَّل الاِسْمُ وَفَاتَ مُعْظَمُ الْمَقَاصِدِ. وَحَقُّ الْغَاصِبِ فِي الصَّنْعَةِ قَائِمٌ مِنْ كُل وَجْهٍ، وَمَا هُوَ قَائِمٌ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٢٧، ٤٤٨ و٦ / ٢١٤، ٤٤٦ والفتاوى الهندية ٣ / ٤٥٩، وشرح الخرشي ٨ / ١١١، ١١٢، ومواهب الجليل للحطاب ٦ / ٣٢١، وكشاف القناع ٢ / ٣٦٧، والمهذب ٢ / ١٥٢، ونهاية المحتاج ٥ / ١٥٢، ٣٣٣، ٣٣٤ وروضة الطالبين ٥ / ٢٨٥، والمغني لابن قدامة ٥ / ٤٥٣، ٦ / ١٨٣، وبلغة السالك لأقرب المسالك ٢ / ١٧٦

مِنْ كُل وَجْهٍ مُرَجَّحٌ عَلَى الأَْصْل الَّذِي هُوَ فَائِتٌ وَهَالِكٌ مِنْ وَجْهٍ.

وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إِذَا كَانَ الْمَغْصُوبُ لَحْمًا، فَشَوَاهُ أَوْ طَبَخَهُ، أَوْ حَدِيدًا فَضَرَبَهُ سِكِّينًا، أَوْ تُرَابًا لَهُ قِيمَةٌ فَاتَّخَذَهُ خَزَفًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ لِلْمَالِكِ أَنْ يَسْتَرِدَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَيَزُول مِلْكُهُ بِضَمَانِ الْمِثْل أَوِ الْقِيمَةِ، وَتَبْطُل وِلاَيَةُ الاِسْتِرْدَادِ، كَمَا إِذَا اسْتَهْلَكَهُ حَقِيقَةً.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: لاَ يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ، وَلاَ يَزُول مِلْكُ صَاحِبِهِ عَنْهُ؛ لأَِنَّ بَقَاءَ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ يُوجِبُ بَقَاءَ مِلْكِ الْمَالِكِ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ الأَْصْلِيَّ فِي الْغَصْبِ رَدُّ الْعَيْنِ عِنْدَ قِيَامِهَا، وَالْعَيْنُ بَاقِيَةٌ، فَتَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ، وَتَتْبَعُهُ الصَّنْعَةُ الْحَادِثَةُ؛ لأَِنَّهَا تَابِعَةٌ لِلأَْصْل، وَلاَ مُعْتَبَرَ بِفِعْلِهِ؛ لأَِنَّهُ مَحْظُورٌ فَلاَ يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْقِيمَةِ أَوِ الْعَيْنِ مَعَ الأَْرْشِ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ: أَنَّ الْغَاصِبَ يُشَارِكُ الْمَالِكَ بِكُل الزِّيَادَةِ؛ لأَِنَّهَا حَصَلَتْ بِمَنَافِعِهِ، وَمَنَافِعُهُ أُجْرِيَتْ مَجْرَى الأَْعْيَانِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ، وَذَلِكَ بِأَنْ تُقَوَّمَ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ غَيْرَ مُصَنَّعَةٍ، ثُمَّ تُقَوَّمَ مُصَنَّعَةً، فَالزِّيَادَةُ تَكُونُ لِلْغَاصِبِ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ (١) .

_________

(١) نتائج الأفكار (تكملة فتح القدير) والعناية ٧ / ٣٧٥، ٣٧٨ وبدائع الصنائع ٧ / ١٤٨، ١٥٣، ١٥٤، والمغني لابن قدامة والشرح الكبير ٥ / ٣٩٤، ٣٩٦، ٤٠٣، ٤٠٥، وبلغة السالك لأقرب المسالك ٢ / ٢١٢ وما بعدها، وروضة الطالبين ٥ / ٢٤ وما بعدها، ونيل الأوطار ٦ / ٦٩، ٧٠، وحاشية الدسوقي ٣ / ٤٤٦

مَا يُبَاحُ إِحْرَاقُهُ وَمَا لاَ يُبَاحُ:

٢٦ - الأَْصْل أَنَّ الْمُصْحَفَ الصَّالِحَ لِلْقِرَاءَةِ لاَ يُحْرَقُ، لِحُرْمَتِهِ، وَإِذَا أُحْرِقَ امْتِهَانًا يَكُونُ كُفْرًا عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ.

وَهُنَاكَ بَعْضُ الْمَسَائِل الْفَرْعِيَّةِ، مِنْهَا: قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْمُصْحَفُ إِذَا صَارَ خَلَقًا، وَتَعَذَّرَ الْقِرَاءَةُ مِنْهُ، لاَ يُحْرَقُ بِالنَّارِ، بَل يُدْفَنُ، كَالْمُسْلِمِ.

وَذَلِكَ بِأَنْ يُلَفَّ فِي خِرْقَةٍ طَاهِرَةٍ ثُمَّ يُدْفَنَ. وَتُكْرَهُ إِذَابَةُ دِرْهَمٍ عَلَيْهِ آيَةٌ، إِلاَّ إِذَا كُسِرَ، فَحِينَئِذٍ لاَ يُكْرَهُ إِذَابَتُهُ، لِتَفَرُّقِ الْحُرُوفِ، أَوْ؛ لأَِنَّ الْبَاقِيَ دُونَ آيَةٍ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: حَرْقُ الْمُصْحَفِ الْخَلَقِ إِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ صِيَانَتِهِ فَلاَ ضَرَرَ، بَل رُبَّمَا وَجَبَ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الْخَشَبَةُ الْمَنْقُوشُ عَلَيْهَا قُرْآنٌ فِي حَرْقِهَا أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: يُكْرَهُ حَرْقُهَا لِحَاجَةِ الطَّبْخِ مَثَلًا، وَإِنْ قُصِدَ بِحَرْقِهَا إِحْرَازُهَا لَمْ يُكْرَهْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْحَرْقُ لِحَاجَةٍ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ عَبَثًا فَيَحْرُمُ، وَإِنْ قَصَدَ الاِمْتِهَانَ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَكْفُرُ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ تَحْرِيقِ الْمُصْحَفِ غَيْرِ الصَّالِحِ لِلْقِرَاءَةِ (٢) .

أَمَّا كُتُبُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهَا فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الاِسْتِخْفَافِ فَإِحْرَاقُهَا كُفْرٌ مِثْل الْقُرْآنِ، وَأَيْضًا أَسْمَاءُ اللَّهِ وَأَسْمَاءُ الأَْنْبِيَاءِ الْمَقْرُونَةِ بِمَا يَدُل عَلَى ذَلِكَ مِثْل: " ﵊ " لاَ مُطْلَقُ الأَْسْمَاءِ.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: هَذِهِ الْكُتُبُ إِذَا كَانَ يَتَعَذَّرُ

_________

(١) الدسوقي ٤ / ٣٠١

(٢) الفروع ١ / ١١٥، وكشاف القناع ١ / ١٣٧

الاِنْتِفَاعُ بِهَا يُمْحَى عَنْهَا اسْمُ اللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَيُحْرَقُ الْبَاقِي (١) .

إِحْرَاقُ السَّمَكِ وَالْعَظْمِ وَغَيْرِهِمَا:

٢٧ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ إِلْقَاءِ السَّمَكِ فِي النَّارِ حَيًّا لِشَيِّهِ. كَمَا أَبَاحُوا إِحْرَاقَ الْعَظْمِ وَغَيْرِهِ لِلاِنْتِفَاعِ بِهِ. وَوَافَقَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الرَّاجِحِ فِي إِحْرَاقِ الْعَظْمِ. وَكَرِهَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ شَيَّ السَّمَكِ الْحَيِّ وَلَكِنْ لاَ يُكْرَهُ أَكْلُهُ.

وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ شَيُّ الْجَرَادِ حَيًّا، لِمَا أُثِرَ مِنْ فِعْل الصَّحَابَةِ ذَلِكَ أَمَامَ عُمَرَ ﵁ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ،

وَلاَ يَجُوزُ عِنْدَ الْجَمِيعِ إِضَاعَةُ الْمَال بِالإِْحْرَاقِ أَوْ غَيْرِهِ (٢) .

الإِْحْرَاقُ بِالْكَيِّ لِلتَّدَاوِي (٣):

٢٨ - إِذَا لَمْ يَكُنْ حَاجَةٌ إِلَى التَّدَاوِي بِالْكَيِّ فَإِنَّهُ حَرَامٌ؛ لأَِنَّهُ تَعْذِيبٌ بِالنَّارِ، وَلاَ يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلاَّ خَالِقُهَا (٤) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٧٧، ١٧٨، و٦ / ٤٢٢، وحاشية الدسوقي ١ / ١٢٥، ٤ / ٣٠١، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٣٣، وروضة الطالبين ١ / ٨٠، ٨١، ونهاية المحتاج ١ / ١١٢، وشرح الروض ١ / ٦٢

(٢) حاشية ابن عابدين ٦ / ٣٥٤، وحاشية الدسوقي ١ / ٥٧، ٦٠، ٦١، ونهاية المحتاج ١ / ١٣٢

(٣) الكي هو أن يحمى حديد أو غيره ويرضع على عضو محلول ليحرق ويحبس، أو لينقطع العرق الذي خرج منه الدم.

(٤) حاشية ابن عابدين ١ / ١٣٧ - ١٤٠ و٦ / ٣٨٨، والمغني لابن قدامة ١ / ١٧٦، ١٧٨، ونهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي ٨ / ٣٠، ونيل الأوطار ٨ / ٢١٢، ٢١٥ واللجنة ترى - نظرا - لعموم البلوي أن في مذهب الشافعي سعة. وفي حكم المصحف المحرف.

وَأَمَّا إِذَا تَعَيَّنَ الْكَيُّ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ الْحَدِيدَ أَوْ غَيْرَهُ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (تَدَاوِي) .

الْوَسْمُ بِالنَّارِ (١):

٢٩ - الْوَسْمُ فِي الْوَجْهِ بِالنَّارِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِالإِْجْمَاعِ فِي غَيْرِ الآْدَمِيِّ. وَمِنْ بَابِ أَوْلَى وَسْمُ الآْدَمِيِّ، فَهُوَ حَرَامٌ لِكَرَامَتِهِ؛ وَلأَِنَّهُ لاَ حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَلاَ يَجُوزُ تَعْذِيبُهُ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ فِي غَيْرِ الآْدَمِيِّ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ لِلْكَرَاهَةِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ إِلَى تَحْرِيمِهِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ فَاعِلَهُ، وَاللَّعْنُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، حَيْثُ قَال: أَمَا بَلَغَكُمْ أَنِّي لَعَنْتُ مَنْ وَسَمَ الْبَهِيمَةَ فِي وَجْهِهَا؟ (٢)

أَمَّا وَسْمُ غَيْرِ الآْدَمِيِّ فِي بَقِيَّةِ الْجِسْمِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ، بَل مُسْتَحَبٌّ، لِمَا رُوِيَ مِنْ فِعْل الصَّحَابَةِ فِي مَاشِيَةِ الزَّكَاةِ وَالْجِزْيَةِ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى كَرَاهَتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْذِيبٍ وَمُثْلَةٍ (٣) .

الاِنْتِقَال مِنْ سَبَبِ مَوْتٍ - لآِخَرَ أَهْوَنَ:

٣٠ - لَوْ شَبَّتِ النَّارُ فِي سَفِينَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمُ السَّلاَمَةُ فِيهِ مِنْ بَقَائِهِمْ فِي أَمَاكِنِهِمْ أَوْ تَرْكِهَا فَعَلُوهُ.

_________

(١) الرسم - أثر الكية.

(٢) رواه مسلم والترمذي بمعناه وأبو داود (عون المعبود ٧ / ٢٣٢)

(٣) حاشية ابن عابدين ٦ / ٣٨٨، والمغني لابن قدامة ٣ / ٥٧٤، ونيل الأوطار ٨ / ٩٠، ٩٢ ط الحلبي.