الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 23

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٥ - يُبْحَثُ الإِْحْرَازُ فِي السَّرِقَةِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ شُرُوطِهَا، وَفِي الْعُقُودِ الَّتِي بِهَا ضَمَانٌ كَالْوَدِيعَةِ وَغَيْرِهَا (١) .

إِحْرَاقٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْحْرَاقُ لُغَةً مَصْدَرُ أَحْرَقَ. أَمَّا اسْتِعْمَالُهُ الْفِقْهِيُّ فَيُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الإِْحْرَاقَ هُوَ إِذْهَابُ النَّارِ الشَّيْءَ بِالْكُلِّيَّةِ، أَوْ تَأْثِيرُهَا فِيهِ مَعَ بَقَائِهِ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ النَّوْعِ الأَْخِيرِ: الْكَيُّ وَالشَّيُّ (٢)

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

٢ - لِلإِْحْرَاقِ صِلَةٌ بِأَلْفَاظٍ اصْطِلاَحِيَّةٍ كَثِيرَةٍ أَهَمُّهَا:

أ - الإِْتْلاَفُ: وَهُوَ الإِْفْنَاءُ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الإِْحْرَاقِ.

ب - التَّسْخِينُ: وَهُوَ تَعْرِيضُ الشَّيْءِ لِلْحَرَارَةِ، فَهُوَ غَيْرُ الإِْحْرَاقِ.

ج - الْغَلْيُ: وَهُوَ آخِرُ دَرَجَاتِ التَّسْخِينِ، وَيَخْتَلِفُ

_________

(١) البدائع ٨ / ٣٨٨١ وما بعدها، والخرشي ٦ / ١٠٨ ط دار صادر، ونهاية المحتاج ٦ / ١٠٩ ط مصطفى الحلبي، والمغني ٧ / ٢٨٠

(٢) لسان العرب (حرق) والدسوقي ٣ / ٣٥٤

بِاخْتِلاَفِ الْمَادَّةِ الْمُرَادُ غَلْيُهَا، فَهُوَ غَيْرُ الإِْحْرَاقِ.

صِفَتُهُ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ):

٣ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الإِْحْرَاقِ بِاخْتِلاَفِ مَا يُرَادُ إِحْرَاقُهُ، فَتَعْتَرِيهِ الأَْحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ الْخَمْسَةُ.

أَثَرُ الإِْحْرَاقِ مِنْ حَيْثُ التَّطْهِيرُ:

٤ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الإِْحْرَاقَ إِذَا تَبَدَّلَتْ بِهِ الْعَيْنُ النَّجِسَةُ بِتَبَدُّل أَوْصَافِهَا أَوِ انْقِلاَبِ حَقِيقَتِهَا حَتَّى صَارَتْ شَيْئًا آخَرَ، وَذَلِكَ كَالْمَيْتَةِ إِذَا احْتَرَقَتْ فَصَارَتْ رَمَادًا أَوْ دُخَانًا، فَإِنَّ مَا يَتَخَلَّفُ مِنَ الإِْحْرَاقِ يَكُونُ طَاهِرًا، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى إِذَا كَانَتِ الْعَيْنُ طَاهِرَةً فِي الأَْصْل وَتَنَجَّسَتْ، كَالثَّوْبِ الْمُتَنَجِّسِ.

وَدَلِيلُهُمْ قِيَاسُ ذَلِكَ عَلَى الْخَمْرِ إِذَا تَخَلَّلَتْ وَالإِْهَابِ إِذَا دُبِغَ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي غَيْرِ الْمُعْتَمَدِ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْحَنْبَلِيِّ، إِلَى أَنَّ الإِْحْرَاقَ لاَ يَجْعَل مَا يَتَخَلَّفُ مِنْهُ شَيْئًا آخَرَ، فَيَبْقَى عَلَى نَجَاسَتِهِ. وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْعَيْنُ النَّجِسَةُ، أَوِ الْمُتَنَجِّسَةُ، لِقِيَامِ النَّجَاسَةِ؛ لأَِنَّ الْمُتَخَلِّفَ مِنَ الإِْحْرَاقِ جُزْءٌ مِنَ الْعَيْنِ النَّجِسَةِ.

وَفَصَّل بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فَقَالُوا: إِنْ أَكَلَتِ النَّارُ النَّجَاسَةَ أَكْلًا قَوِيًّا فَرَمَادُهَا طَاهِرٌ، وَإِلاَّ فَنَجِسٌ (١) .

_________

(١) فتح القدير ١ / ١٣٩، وحاشية الدسوقي ١ / ٥٧، ٥٨، والمغني ١ / ٦٠، والبدائع ١ / ٨٥، ونهاية المحتاج ١ / ٢٣٠، وروضة الطالبين ١ / ٢٩، ٣٠، وابن عابدين ١ / ٣٣٢

هَذَا وَإِنَّ مَنْ قَال مِنَ الْفُقَهَاءِ بِنَجَاسَةِ الْمُتَخَلِّفِ مِنْ إِحْرَاقِ النَّجِسِ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ لِلضَّرُورَةِ؛ وَلأَِنَّ الْمَشَقَّةَ تَجْلُبُ التَّيْسِيرَ.

طَهَارَةُ الأَْرْضِ بِالشَّمْسِ وَالنَّارِ:

٥ - إِذَا أَصَابَتِ الأَْرْضَ نَجَاسَةٌ، فَجَفَّتْ بِالشَّمْسِ أَوِ النَّارِ، وَذَهَبَ أَثَرُهَا، وَهُوَ هُنَا اللَّوْنُ وَالرَّائِحَةُ، جَازَتِ الصَّلاَةُ مَكَانَهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﵊: ذَكَاةُ الأَْرْضِ يُبْسُهَا. (١) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَكُنْتُ فَتًى شَابًّا عَزَبًا، وَكَانَتِ الْكِلاَبُ تَبُول وَتُقْبِل وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. (٢)

كَمَا ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ؛ لأَِنَّ طَهَارَةَ الصَّعِيدِ شَرْطٌ بِنَصِّ الْكِتَابِ وَقَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٣) وَطَهَارَةُ الأَْرْضِ بِالْجَفَافِ ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، فَلاَ يَتَحَقَّقُ بِهَا الطَّهَارَةُ الْقَطْعِيَّةُ الْمَطْلُوبَةُ لِلتَّيَمُّمِ بِنَصِّ الآْيَةِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الأَْرْضَ لاَ تَطْهُرُ بِالْجَفَافِ، وَلاَ يَجُوزُ

_________

(١) حديث " زكاة الأرض يبسها " قال السخاوي لا يصح مرفوعا وقد ذكره ابن أبي شيبة من قول محمد بن علي بن الحسين وابن الحنفية وأبي قلابة، وذكره عبد الرزاق من قول أبي قلابة بلفظ " جفوف الأرض ظهورها " (المقاصد الحسنة ص ٢٢٠) .

(٢) حديث ابن عمر رواه البخاري وأبو داود (عون المعبود ١ / ١٤٦ الطبعة الهندية) .

(٣) سورة النساء / ٤٣، وسورة المائدة / ٦

الصَّلاَةُ عَلَى مَكَانِهَا وَلاَ التَّيَمُّمُ بِهَا؛ لأَِنَّ النَّجَاسَةَ حَصَلَتْ فِي الْمَكَانِ، وَالْمُزِيل لَمْ يُوجَدْ (١) .

تَمْوِيهُ الْمَعَادِنِ بِالنَّجِسِ:

٦ - الإِْجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ سُقِيَ الْحَدِيدُ بِنَجِسٍ، فَغُسِل ثَلاَثًا، يَطْهُرُ ظَاهِرُهُ، فَإِذَا اسْتُعْمِل بَعْدَئِذٍ فِي شَيْءٍ لاَ يَنْجُسُ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَدَا مُحَمَّدٍ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَطْهُرُ مُطْلَقًا لَوْ سُقِيَ بِالطَّاهِرِ ثَلاَثًا، وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِحَمْلِهِ فِي الصَّلاَةِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ لاَ يَطْهُرُ أَبَدًا.

وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْحَمْل فِي الصَّلاَةِ. أَمَّا لَوْ غُسِل ثَلاَثًا ثُمَّ قُطِعَ بِهِ نَحْوُ بِطِّيخٍ، أَوْ وَقَعَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ، لاَ يُنَجِّسُهُ. فَالْغُسْل يُطَهِّرُ ظَاهِرَهُ إِجْمَاعًا.

وَهُنَاكَ قَوْلٌ آخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ، اخْتَارَهُ الشَّاشِيُّ، أَنَّهُ يُكْتَفَى لِتَطْهِيرِ الْحَدِيدِ الْمَسْقِيِّ بِنَجِسٍ بِتَطْهِيرِهِ ظَاهِرًا؛ لأَِنَّ الطَّهَارَةَ كُلَّهَا جُعِلَتْ عَلَى مَا يَظْهَرُ لاَ عَلَى الْجَوْفِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ سُقِيَ الْحَدِيدُ الْمُحْمَى وَالنُّحَاسُ وَغَيْرُهُمَا بِنَجِسٍ لاَ يُنَجِّسُهُمَا وَيَبْقَيَانِ عَلَى طَهَارَتِهِمَا لِعَدَمِ سَرَيَانِ النَّجَاسَةِ فِيهِمَا لاِنْدِفَاعِ النَّجَاسَةِ بِالْحَرَارَةِ (٢) .

_________

(١) فتح القدير ١ / ١٣٨، ١٣٩، وروضة الطالبين ١ / ٢٩، وابن عابدين ١ / ٣١١، والمغني ١ / ٧٣٩ مع الشرح الكبير، والحطاب ١ / ١٥٨، ١٥٩

(٢) روضة الطالبين ١ / ٣٠، وابن عابدين ١ / ٢٢٢، وحاشية الدسوقي ١ / ٦٠

الاِسْتِصْبَاحُ بِالنَّجِسِ وَالْمُتَنَجِّسِ

الاِسْتِصْبَاحُ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ:

٧ - عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، شُحُومُ الْمَيْتَةِ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِصْبَاحُ بِهَا. وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَيْنُ النَّجَاسَةِ وَجُزْؤُهَا. وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ يَقُول وَهُوَ بِمَكَّةَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ. فَقِيل: يَا رَسُول اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ قَال: لاَ، هُوَ حَرَامٌ. (١) الْحَدِيثَ.

وَنَحْوُهُمُ الْمَالِكِيَّةُ حَيْثُ قَالُوا: لاَ يُنْتَفَعُ بِالنَّجِسِ إِلاَّ شَحْمُ مَيْتَةٍ لِدَهْنِ الْعَجَلاَتِ وَنَحْوِهَا. وَذَلِكَ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ، لاَ فِيهِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَحِل مَعَ الْكَرَاهَةِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الاِسْتِصْبَاحُ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ (٢) .

الاِسْتِصْبَاحُ بِالدُّهْنِ الْمُتَنَجِّسِ:

٨ - اخْتَلَفَتِ الآْرَاءُ فِي الاِسْتِصْبَاحِ بِالأَْدْهَانِ الْمُتَنَجِّسَةِ:

_________

(١) حديث " أرأيت شحوم الميتة. . . " رواه أيضا مسلم وتمامه " ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه " وفي بعض رواياته " إن الله ورسوله حرما. . . الحديث " (فتح الباري ٤ / ٤٢٤ ط السلفية) .

(٢) المغني ٤ / ١٥، وحاشية ابن عابدين ١ / ٣٣٠، ٣٣١ و٥ / ٧٣، وحاشية الدسوقي ١ / ٦٠، ٦١، ونهاية المحتاج، وحاشية الشبراملسي ٢ / ٣٧٣

ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، أَنَّهُ يَجُوزُ الاِسْتِصْبَاحُ بِهِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْمِصْبَاحُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَالضَّوْءُ فِيهِ فَيَجُوزُ؛ لأَِنَّهُ أَمْكَنَ الاِنْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَجَازَ كَالطَّاهِرِ. وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْمُنْذِرِ، إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ مُطْلَقًا؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِل عَنْ شُحُومِ الْمَيْتَةِ تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَال: لاَ، هُوَ حَرَامٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) . فَقَدْ سَوَّوْا بَيْنَ النَّجِسِ وَالْمُتَنَجِّسِ.

دُخَانُ وَبُخَارُ النَّجَاسَةِ الْمُحْرَقَةِ:

٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ رُشْدٍ وَبَعْضٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى الْقَوْل بِالطَّهَارَةِ مُطْلَقًا.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي مُقَابِل الصَّحِيحِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْحَنْبَلِيِّ، وَاخْتَارَهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ اللَّخْمِيُّ وَالتُّونِسِيُّ وَالْمَازِرِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَوَصَفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ، إِلَى عَدَمِ طَهَارَةِ الدُّخَانِ الْمُتَصَاعِدِ مِنْ وَقُودِ النَّجَاسَةِ، وَالْبُخَارِ الْمُتَصَاعِدِ مِنَ الْمَاءِ النَّجِسِ إِذَا اجْتَمَعَتْ مِنْهُ نَدَاوَةٌ عَلَى جِسْمٍ صَقِيلٍ ثُمَّ قُطِّرَ فَهُوَ نَجِسٌ، وَمَا يُصِيبُ الثَّوْبَ مِنْ بُخَارِ النَّجَاسَةِ يُنَجِّسُهُ.

_________

(١) المغني مع الشرح الكبير ٤ / ١٥

وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ دُخَانَ النَّجَاسَةِ نَجِسٌ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ. وَبُخَارُ النَّجَاسَةِ إِذَا تَصَاعَدَ بِوَاسِطَةِ نَارٍ نَجِسٌ؛ لأَِنَّ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ تَفْصِلُهَا النَّارُ بِقُوَّتِهَا فَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ.

وَإِذَا طُبِخَ طَعَامٌ بِرَوْثِ آدَمِيٍّ، أَوْ بَهِيمَةٍ، أَوْ أُوقِدَ بِهِ تَحْتَ هِبَابٍ فَصَارَ نَشَادِرًا، فَالطَّعَامُ طَاهِرٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَا أَصَابَهُ مِنْ دُخَانِ النَّجَاسَةِ كَثِيرًا، وَإِلاَّ تَنَجَّسَ. وَكَذَا النَّشَادِرُ إِنْ كَانَ هِبَابُهُ طَاهِرًا، وَإِلاَّ فَهُوَ نَجِسٌ. فَالْهِبَابُ الْمَعْرُوفُ الْمُتَّخَذُ مِنْ دُخَانِ السِّرْجِينِ أَوِ الزَّيْتِ الْمُتَنَجِّسِ إِذَا أُوقِدَ بِهِ نَجِسٌ، كَالرَّمَادِ، وَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ؛ لأَِنَّ الْمَشَقَّةَ تَجْلُبُ التَّيْسِيرَ (١) .

التَّيَمُّمُ بِالرَّمَادِ:

١٠ - كُل شَيْءٍ أُحْرِقَ حَتَّى صَارَ رَمَادًا لَمْ يَجُزِ التَّيَمُّمُ بِهِ بِالإِْجْمَاعِ. أَمَّا مَا أُحْرِقَ وَلَمْ يَصِرْ رَمَادًا فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ أَصَحُّ الأَْقْوَال عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، إِلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ مِنْهُ؛ لأَِنَّهُ بِالإِْحْرَاقِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ أَصْلِهِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِكُل مَا احْتَرَقَ، لِخُرُوجِهِ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ صَعِيدًا.

_________

(١) الفتاوى الهندية ١ / ٤٧، وحاشية ابن عابدين ١ / ٣٢٥، وحاشية الدسوقي ١ / ٣٨، ٥٨، ومغني المحتاج ١ / ٨١، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج مع حاشية الشبراملسي القاهري ١ / ٢٢٩، ٢٣٠، ٢ / ١٧٣، وروضة الطالبين ٢ / ٦١، والمغني لابن قدامة ١ / ٦٠

وَتَفْصِيل مَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ مِنْهُ وَمَا لاَ يَصِحُّ فِي مُصْطَلَحِ (تَيَمُّمٌ) . (١)

الْمَاءُ الْمُتَجَمِّعُ تَحْتَ الْجِلْدِ بِالاِحْتِرَاقِ (النَّفِطَةُ):

١١ - النَّفِطَةُ تَحْتَ الْجِلْدِ لاَ يُحْكَمُ عَلَيْهَا بِنَجَاسَةٍ وَلاَ نَقْضٍ لِلْوُضُوءِ. أَمَّا إِذَا خَرَجَ مَاؤُهَا فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَيُعْفَى عَمَّا يُعْتَبَرُ مِنْهُ قَلِيلًا تَبَعًا لِكُل مَذْهَبٍ فِي ضَابِطِ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ فِي الْمَعْفُوَّاتِ. أَمَّا نَقْضُ الْوُضُوءِ بِخُرُوجِهِ فَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ إِنْ سَال عَنْ مَكَانِهِ، وَالْحَنَابِلَةِ إِنْ كَانَ فَاحِشًا، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فَهُوَ غَيْرُ نَاقِضٍ عِنْدَهُمْ، كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ عَدَمِ ذِكْرِهِمْ لَهُ بَيْنَ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ (٢) .

تَغْسِيل الْمَيِّتِ الْمُحْتَرِقِ:

١٢ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مَنِ احْتَرَقَ بِالنَّارِ يُغَسَّل كَغَيْرِهِ مِنَ الْمَوْتَى إِنْ أَمْكَنَ تَغْسِيلُهُ؛ لأَِنَّ الَّذِي لاَ يُغَسَّل إِنَّمَا هُوَ شَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ وَلَوْ كَانَ مُحْتَرِقًا بِفِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِهَا. أَمَّا الْمُحْتَرِقُ خَارِجَ الْمَعْرَكَةِ فَهُوَ مِنْ شُهَدَاءِ الآْخِرَةِ. وَلاَ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ شُهَدَاءِ الْمَعْرَكَةِ (٣) .

فَإِنْ خِيفَ تَقَطُّعُهُ بِالْغُسْل يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ صَبًّا

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٢٤١، وحاشية السوقي ١ / ١٥٦، ونهاية المحتاج ١ / ٢٦١، ٢٧٤، ٢٧٥، والمغني لابن قدامة ١ / ٢٤٩، ٢٥٠، ومغني المحتاج ١ / ٩٦، وروضة الطالبين ١ / ١٠٩

(٢) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٤٨، والدسوقي ١ / ٥٦، ٥٧، ٧٣، ونهاية المحتاج - ونواقض الوضوء والمغني مع الشرح الكبير ١ / ١٧٧

(٣) حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٤٩، والفتاوى الهندية ١ / ١٦٧، ١٦٨، وفتح القدير ١ / ٤٧٤، وبدائع الصنائع ١ / ٣٢٣، والمغني ٢ / ٤٠١، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٠٧

وَلاَ يُمَسُّ. فَإِنْ خِيفَ تَقَطُّعُهُ بِصَبِّ الْمَاءِ لَمْ يُغَسَّل وَيُيَمَّمُ إِنْ أَمْكَنَ، كَالْحَيِّ الَّذِي يُؤْذِيهِ الْمَاءُ. وَإِنْ تَعَذَّرَ غُسْل بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ غُسِّل مَا أَمْكَنَ غُسْلُهُ وَيُيَمَّمُ الْبَاقِي كَالْحَيِّ سَوَاءً (١) .

الصَّلاَةُ عَلَى الْمُحْتَرِقِ الْمُتَرَمِّدِ:

١٣ - ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ مَعَ تَعَذُّرِ الْغُسْل وَالتَّيَمُّمِ؛ لأَِنَّهُ لاَ وَجْهَ لِتَرْكِ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْمَيْسُورَ لاَ يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ، لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (٢)، وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الصَّلاَةِ الدُّعَاءُ وَالشَّفَاعَةُ لِلْمَيِّتِ.

أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَجُمْهُورِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ بَعْضَهُمْ يَشْتَرِطُ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ عَلَى الْجِنَازَةِ تَقَدُّمَ غُسْل الْمَيِّتِ، وَبَعْضُهُمْ يَشْتَرِطُ حُضُورَهُ أَوْ أَكْثَرِهِ، فَلَمَّا تَعَذَّرَ غُسْلُهُ وَتَيَمُّمُهُ لَمْ يُصَل عَلَيْهِ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ (٣) .

_________

(١) المبسوط للسرخسي ٢ / ٥٢، وبدائع الصنائع ١ / ٣٢٠، ونهاية المحتاج ٣ / ١٩، ومغني المحتاج ١ / ٣٥٨، وروضة الطالبين ٢ / ١٠٨، وحاشية الدسوقي ١ / ٤١٠، والمغني لابن قدامة ٢ / ٤٠٧

(٢) حديث " إذا أمرتكم. . . " رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه (الفتح الكبير ٢ / ١٢٠) .

(٣) مراقي الفلاح مع حاشية الطحطاري ص ٣١٩

الدَّفْنُ فِي التَّابُوتِ:

١٤ - يُكْرَهُ دَفْنُ الْمَيِّتِ فِي تَابُوتٍ بِالإِْجْمَاعِ؛ لأَِنَّهُ بِدْعَةٌ، وَلاَ تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ بِذَلِكَ،

وَلاَ يُكْرَهُ لِلْمَصْلَحَةِ، وَمِنْهَا الْمَيِّتُ الْمُحْتَرِقُ إِذَا دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ (١) .

الإِْحْرَاقُ

فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَالتَّعْزِيرِ

الإِْحْرَاقُ الْعَمْدُ:

١٥ - يُعْتَبَرُ الإِْحْرَاقُ بِالنَّارِ عَمْدًا جِنَايَةُ عَمْدٍ. وَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْعَمْدِ؛ لأَِنَّهَا تَعْمَل عَمَل الْمُحَدَّدِ.

وَتَفْصِيلُهُ فِي (الْجِنَايَاتِ) . (٢)

الْقِصَاصُ بِالإِْحْرَاقِ:

١٦ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ؛ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، إِلَى قَتْل الْقَاتِل بِمَا قَتَل بِهِ وَلَوْ نَارًا. وَيَكُونُ الْقِصَاصُ بِالنَّارِ مُسْتَثْنًى مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّعْذِيبِ بِهَا. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٣) وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْل مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٤) وَبِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْبَزَّارُ عَنِ النَّبِيِّ

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٢٣٤، ٢٣٥، وحاشية الدسوقي ١ / ٤١٩، ومغني المحتاج ١ / ٣٦٠، ونهاية المحتاج ٣ / ٣٠، والمغني ٢ / ٤٠٩،٠ ٤١٥

(٢) المغني " لابن قدامة ٩ / ٣٢٥، ٣٢٦، ونتائج الأفكار ٨ / ٢٤٥، وحاشية ابن عابدين ٦ / ٥٢٧، ٥٢٨، ومغني المحتاج ٤ / ٨، والدسوقي ٤ / ٣١٢

(٣) سورة النحل / ١٢٦

(٤) سورة البقرة / ١٦٤