الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢
أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ فَقَتَلُوهُ بِطَرَفِ الْقَدُومِ، فَسَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي، فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ وَلاَ نَفَقَةَ. قَالَتْ: فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَخَرَجْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي الْحُجْرَةِ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ دَعَانِي، أَوْ أَمَرَ بِي فَدُعِيتُ لَهُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ قُلْتِ؟ فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَال: امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، فَاعْتَدَّتْ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ أَرْسَل إِلَيَّ فَسَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَاتَّبَعَهُ وَقَضَى بِهِ. رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ (١) .
وَذَهَبَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَطَاءٌ مِنَ التَّابِعِينَ إِلَى أَنَّهَا تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ ﵃.
وَحَاصِل مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ: أَنَّ الآْيَةَ الَّتِي جَعَلَتْ عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٢) نَسَخَتِ الآْيَةَ الَّتِي جَعَلَتْ عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا حَوْلًا، وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَِزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْل غَيْرَ
_________
(١) حديث فريعة بنت مالك: في الموطأ بتحقيق محمد عبد الباقي ص ٤٠٥ ط دار النفائس. بيروت. ورواه أبو داود ٢ / ٣٩٠، والنسائي ٦ / ١٩٩ المطبعة المصرية بالأزهر. قال الشوكاني: رواه الخمسة وصححه الترمذي ولم يذكر النسائي وابن ماجه إرسال عثمان (نيل الأوطار ٧ / ١٠٠ ط بيروت) .
(٢) سورة البقرة / ٢٣٤
إِخْرَاجٍ﴾ . (١) وَالنَّسْخُ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى مَا زَادَ عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، فَبَقِيَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَْحْكَامِ، ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاثُ فَأَسْقَطَ تَعَلُّقَ حَقِّ إِسْكَانِهَا بِالتَّرِكَةِ.
مُسَوِّغَاتُ تَرْكِ مَسْكَنِ الإِْحْدَادِ:
٢٠ - إِنْ طَرَأَ عَلَى الْمُحِدَّةِ مَا يَقْتَضِي تَحَوُّلَهَا عَنِ الْمَسْكَنِ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهَا الإِْحْدَادُ فِيهِ، جَازَ لَهَا الاِنْتِقَال إِلَى مَسْكَنٍ آخَرَ تَأْمَنُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِهَا، كَأَنْ خَافَتْ هَدْمًا أَوْ عَدُوًّا، أَوْ أُخْرِجَتْ مِنَ السَّكَنِ مِنْ مُسْتَحِقٍّ أَخْذَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ عَارِيَّةً أَوْ إِجَارَةً انْقَضَتْ مُدَّتُهَا، أَوْ مُنِعَتِ السُّكْنَى تَعَدِّيًا، أَوْ طُلِبَ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل. وَإِذَا انْتَقَلَتْ تَنْتَقِل حَيْثُ شَاءَتْ إِلاَّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، فَعَلَيْهَا أَنْ تَنْتَقِل إِلَى أَقْرَبِ مَا يُمْكِنُهَا الاِنْتِقَال إِلَيْهِ قِيَاسًا عَلَى مَا إِذَا وَجَبَتِ الزَّكَاةُ وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا فِي مَكَانِ وُجُوبِهَا، فَإِنَّهَا تُنْقَل إِلَى أَقْرَبِ مَوْضِعٍ يَجِدُهُمْ فِيهِ. وَلِلْجُمْهُورِ أَنَّ الْوَاجِبَ سَقَطَ لِعُذْرٍ وَلَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ لَهُ بِبَدَلٍ فَلاَ يَجِبُ، وَلِعَدَمِ النَّصِّ عَلَى اخْتِيَارِ الأَْقْرَبِ.
أَمَّا الْبَدَوِيَّةُ إِذَا انْتَقَل جَمِيعُ أَهْل الْمَحَلَّةِ الَّذِينَ هِيَ مَعَهُمْ أَوْ بَقِيَ مِنْهُمْ مَنْ لاَ تَأْمَنُ مَعَهُ عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِهَا فَإِنَّهَا تَنْتَقِل عَنِ السَّكَنِ الَّذِي بَدَأَتْ فِيهِ الإِْحْدَادَ كَذَلِكَ. وَإِذَا مَاتَ رُبَّانُ السَّفِينَةِ، أَوْ أَحَدُ الْعَامِلِينَ فِيهَا، وَكَانَتْ مَعَهُ زَوْجَتُهُ، وَلَهَا مَسْكَنٌ خَاصٌّ بِهَا فِي
_________
(١) سورة البقرة / ٢٤٠
السَّفِينَةِ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ فِيهِ، وَتَجْرِي عَلَيْهَا الأَْحْكَامُ السَّابِقَةُ.
أُجْرَةُ سَكَنِ الْمُحِدَّةِ، وَنَفَقَتُهَا:
٢١ - اخْتَلَفَتْ مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِيمَنْ يَلْزَمُهُ أَجْرُ سَكَنِ الْمُحِدَّةِ هَل هُوَ عَلَيْهَا أَمْ مِنْ مَال الْمُتَوَفَّى عَنْهَا. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ أُجْرَةَ سَكَنِ الْمُحِدَّةِ مِنْ وَفَاةٍ، مِنْ مَالِهَا؛ لأَِنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِتَوْرِيثِهَا، وَلَمْ يُثْبِتْ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. أَمَّا الْمُحِدَّةُ مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ - عِنْدَهُمْ - فَأُجْرَةُ سُكْنَاهَا عَلَى الزَّوْجِ؛ لأَِنَّ نَفَقَتَهَا عَلَيْهِ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ دَفَعَتْ مِنْ مَالِهَا رَجَعَتْ عَلَيْهِ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَدْخُول بِهَا وَغَيْرِهَا، فَغَيْرُ الْمَدْخُول بِهَا سُكْنَاهَا مَعَ أَهْلِهَا أَوْ مِنْ مَالِهَا، لِلدَّلِيل السَّابِقِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَأَمَّا الْمَدْخُول بِهَا فَإِنْ كَانَتْ تَسْكُنُ فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي مَسْكَنٍ اسْتَأْجَرَهُ لَهَا وَعَجَّل أُجْرَتَهُ فَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ إِخْرَاجُهَا حَتَّى لَوْ بِيعَتِ الدَّارُ، فَيُسْتَثْنَى مِنْهَا مُدَّةُ إِحْدَادِهَا. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَأُجْرَةُ سُكْنَاهَا مِنْ مَالِهَا، وَلَيْسَ لَهَا الرُّجُوعُ عَلَى مَال التَّرِكَةِ بِشَيْءٍ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْحَامِل وَالْحَائِل (٢) ".
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُحِدَّةَ تَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ السَّكَنِ مِنَ التَّرِكَةِ، بَل تَتَعَلَّقُ بِأَعْيَانِ التَّرِكَةِ. وَتُقَدَّمُ عَلَى مُؤْنَةِ التَّجْهِيزِ وَالدُّيُونِ الْمُرْسَلَةِ فِي الذِّمَّةِ فِي الأَْظْهَرِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ حَائِلًا أَمْ حَامِلًا، مَدْخُولًا بِهَا أَوْ غَيْرَ
_________
(١) رد المحتار ٢ / ٦٢٠، ٦٢١
(٢) التاج والإكليل ٤ / ١٦٢
مَدْخُولٍ (١) .
وَفِي غَيْرِ الأَْظْهَرِ أَنَّ أُجْرَةَ السُّكْنَى عَلَيْهَا؛ لأَِنَّهَا وَارِثَةٌ، فَتَلْزَمُهَا، كَالنَّفَقَةِ. وَهُنَاكَ قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّ الَّذِي يُقَدَّمُ عَلَى مُؤْنَةِ التَّجْهِيزِ أُجْرَةُ سُكْنَى يَوْمِ الْوَفَاةِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ تَكُنْ تَسْكُنُ فِيمَا يَمْلِكُهُ أَوْ يَمْلِكُ مَنْفَعَتَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ عَجَّل الأُْجْرَةَ قَبْل الْوَفَاةِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْحَامِل وَالْحَائِل، فَالْحَائِل أُجْرَةُ سُكْنَاهَا فِي الإِْحْدَادِ مِنْ مَالِهَا بِلاَ خِلاَفٍ عِنْدَهُمْ، لِلدَّلِيل الْمَذْكُورِ سَابِقًا. وَأَمَّا الْحَامِل فَعِنْدَهُمْ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: لَهَا أُجْرَةُ السُّكْنَى مِنْ مَال الْمُتَوَفَّى عَنْهَا؛ لأَِنَّهَا حَامِلٌ مِنْ زَوْجِهَا، فَكَانَتْ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ، كَالْمُفَارَقَةِ فِي الْحَيَاةِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ. وَصَحَّحَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى هَذِهِ الرِّوَايَةَ. هَذَا عَنْ أُجْرَةِ سُكْنَى الْمُحِدَّةِ، أَمَّا نَفَقَتُهَا فَمَوْطِنُ بَحْثِهِ مُصْطَلَحُ (عِدَّةٌ)؛ لأَِنَّ حُكْمَ النَّفَقَةِ تَابِعٌ لِلاِعْتِدَادِ لاَ لِلإِْحْدَادِ.
حَجُّ الْمُحِدَّةِ:
٢٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَخْرُجُ الْمُعْتَدَّةُ إِلَى الْحَجِّ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ؛ لأَِنَّ الْحَجَّ لاَ يَفُوتُ، وَالْعِدَّةُ تَفُوتُ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَبِهِ قَال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَال: تُوُفِّيَ أَزْوَاجٌ نِسَاؤُهُنَّ حَاجَّاتٌ أَوْ مُعْتَمِرَاتٌ، فَرَدَّهُنَّ عُمَرُ ﵁
_________
(١) الجمل على شرح المنهج ٤ / ٤٦١، ونهاية المحتاج ٧ / ١٤٥، وشرح الروض ٣ / ٣٩٩، والمغني ٩ / ٢٩١
مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ حَتَّى يَعْتَدِدْنَ فِي بُيُوتِهِنَّ (١) . فَإِذَا خَرَجَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى الْحَجِّ فَتُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ بِالْقُرْبِ، أَيْ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرِ الصَّلاَةِ، رَجَعَتْ لِتَقْضِيَ الْعِدَّةَ؛ لأَِنَّهَا فِي حُكْمِ الإِْقَامَةِ. وَمَتَى رَجَعَتْ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ عِدَّتِهَا شَيْءٌ، أَتَتْ بِهِ فِي مَنْزِلِهَا (٢) . وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَبَاعَدَتْ بِأَنْ قَطَعَتْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ فَأَكْثَرَ، مَضَتْ فِي سَفَرِهَا؛ لأَِنَّ عَلَيْهَا فِي الرُّجُوعِ مَشَقَّةً، فَلاَ يَلْزَمُهَا. فَإِنْ خَافَتْ أَنْ تَتَعَرَّضَ لِمَخَاطِرَ فِي الرُّجُوعِ، مَضَتْ فِي سَفَرِهَا وَلَوْ كَانَتْ قَرِيبَةً؛ لأَِنَّ عَلَيْهَا ضَرَرًا فِي رُجُوعِهَا (٣) . وَإِنْ أَحْرَمَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ لَزِمَتْهَا الإِْقَامَةُ؛ لأَِنَّ الْعِدَّةَ أَسْبَقُ (٤) .
وَفِي رَأْيٍ لِلْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا خَرَجَتْ إِلَى الْحَجِّ، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَالرُّجُوعُ أَوْلَى لِتَعْتَدَّ فِي مَنْزِلِهَا، فَلاَ يَنْبَغِي لِمُعْتَدَّةٍ أَنْ تَحُجَّ، وَلاَ تُسَافِرَ مَعَ مَحْرَمٍ أَوْ غَيْرِ مَحْرَمٍ، فَقَدْ تُوُفِّيَ أَزْوَاجٌ نِسَاؤُهُنَّ حَاجَّاتٌ أَوْ مُعْتَمِرَاتٌ، فَرَدَّهُنَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁
_________
(١) رواه سعيد، هكذا في المغني لابن قدامة ٩ / ١٨٤ والشرح الكبير ط المنار، ولعلها (نساء هن) بدون الواو. وهو عند مالك في الموطأ بلفظ آخر (ص ٤٠٦ ط دار النفايس) .
(٢) المغني لابن قدامة ٩ / ١٧٤ - ٢٩١ ط المنار، وابن عابدين ٢ / ٦٠٠ - ٦٧٠ ط الأولى، والجوهرة النيرة ٢ / ٨٥ ط الخشاب، والخرشي على مختصر خليل ٣ / ٢٩٠، ٣٣٢، والمجموع ١٧ / ١٦٤، والمنتقى شرح الموطأ للباجي ٤ / ١٣٦ ط السعادة والكافي ٢ / ٩٨٢ ط الأولى.
(٣) فتح القدير ٣ / ٢١٨ ط الأميرية، ونهاية المحتاج ٧ / ١٤٣، والقليوبي ٤ / ٥٦ ط الحلبي، والشرح الكبير مع المغني لابن قدامة ٩ / ١٨٣، ١٦٦، ١٦٧ ط المنار، والكافي لابن قدامة ٢ / ٩٤٨
(٤) ومثله تعذر العودة بسبب ظروف وسائل السفر الحديثة.
مِنْ قَصْرِ النَّجَفِ. فَدَل عَلَى أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ تُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ (١) . أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيَقُولُونَ: إِذَا أَحْرَمَتْ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، ثُمَّ طَرَأَتْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ بِأَنْ تُوُفِّيَ زَوْجُهَا، بَقِيَتْ عَلَى مَا هِيَ فِيهِ، وَلاَ تَرْجِعُ لِمَسْكَنِهَا لِتَعْتَدَّ بِهِ؛ لأَِنَّ الْحَجَّ سَابِقٌ عَلَى الْعِدَّةِ. وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ بَعْدَ مُوجِبِ الْعِدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ أَوْ وَفَاةٍ، فَإِنَّهَا تَمْضِي عَلَى إِحْرَامِهَا الطَّارِئِ، وَأَثِمَتْ بِإِدْخَال الإِْحْرَامِ عَلَى نَفْسِهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ بِخُرُوجِهَا مِنْ مَسْكَنِهَا (٢) .
وَلَمْ يَعْتَبِرِ الشَّافِعِيَّةُ الْمَسَافَةَ الَّتِي تَقْطَعُهَا الْمُحِدَّةُ الْمُحْرِمَةُ بِالأَْيَّامِ الَّتِي تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلاَةُ. وَلَكِنْ قَالُوا: إِنْ فَارَقَتِ الْبُنْيَانَ، فَلَهَا الْخِيَارُ بَيْنَ الرُّجُوعِ وَالتَّمَامِ؛ لأَِنَّهَا صَارَتْ فِي مَوْضِعٍ أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا فِيهِ وَهُوَ السَّفَرُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَعُدَتْ (٣) .
٢٣ - وَمِثْل الْحَجِّ كُل سَفَرٍ، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُنْشِئَ ذَلِكَ السَّفَرَ وَهِيَ مُحِدَّةٌ. وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعَهَا مَحْرَمٌ فَلاَ بَأْسَ بِأَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمِصْرِ قَبْل أَنْ تَعْتَدَّ (٤) .
وَحَاصِل مَا تُفِيدُهُ عِبَارَاتُ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الْمُخْتَلِفَةِ أَنَّهُ إِذَا أَذِنَ الزَّوْجُ بِالسَّفَرِ لِزَوْجَتِهِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا وَبَلَغَهَا الْخَبَرُ، فَإِنْ كَانَ الطَّلاَقُ رَجْعِيًّا فَلاَ يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ؛ لِقِيَامِ الزَّوْجِيَّةِ، حَتَّى لَوْ كَانَ مَعَهَا فِي السَّفَرِ تَمْضِي مَعَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَالطَّلاَقُ بَائِنٌ وَكَانَتْ
_________
(١) المبسوط للسرخسي ٦ / ٣٦ ط السعادة.
(٢) الشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي عليه ٢ / ٤٨٦
(٣) نهاية المحتاج ٧ / ١٤٣
(٤) فتح القدير ٣ / ٢٩٩
أَقْرَبَ إِلَى بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَعُودَ لِتَعْتَدَّ وَتُحِدَّ فِي بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ. وَإِنْ كَانَتْ أَقْرَبَ إِلَى مَقْصِدِهَا فَهِيَ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ الْمُضِيِّ إِلَى مَقْصِدِهَا وَبَيْنَ الْعَوْدَةِ، وَالْعَوْدَةُ أَوْلَى. إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يُوجِبُونَ الْعَوْدَةَ، وَلَوْ بَلَغَتْ مَقْصِدَهَا، مَا لَمْ تُقِمْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، إِلاَّ إِذَا كَانَتْ فِي حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ وَأَحْرَمَتْ فَإِنَّهَا تَمْضِي عِنْدَهُمْ فِي حَجَّتِهَا (١) .
اعْتِكَافُ الْمُحِدَّةِ:
٢٤ - الْمُعْتَكِفَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، لَزِمَهَا الْخُرُوجُ لِقَضَاءِ الْعِدَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ خُرُوجَهَا لِقَضَاءِ الْعِدَّةِ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ، كَمَا إِذَا خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ لِلْجُمُعَةِ وَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ، كَإِنْقَاذِ غَرِيقٍ، أَوْ إِطْفَاءِ حَرِيقٍ، أَوْ أَدَاءِ شَهَادَةٍ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، أَوْ لِفِتْنَةٍ يَخْشَاهَا عَلَى نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ.
وَإِذَا خَرَجَتِ الْمُعْتَكِفَةُ لِهَذِهِ الضَّرُورَاتِ، فَهَل يَبْطُل اعْتِكَافُهَا؟ وَهَل تَلْزَمُهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ، أَوْ لاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهَا؟ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ، أَنَّهُ لاَ يَبْطُل اعْتِكَافُهَا، فَتَقْضِي عِدَّتَهَا، ثُمَّ تَعُودُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَتَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنَ اعْتِكَافِهَا.
وَالْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ: يَبْطُل اعْتِكَافُهَا، وَقَدْ
_________
(١) فتح القدير ٣ / ٢٩٨، ٢٩٩، والدسوقي ٢ / ٤٨٥، والمواق ٤ / ١٦٣، والخرشي ٤ / ١٥٧، ١٥٨، والمغني ٩ / ١٨٦ ط الأولى، وشرح الروض ٣ / ٤٠٤، والجمل ٤ / ٤٦٥
خَرَّجَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ أَنَّهَا إِذَا لَزِمَهَا الْخُرُوجُ لِلْعِدَّةِ، فَمَكَثَتْ فِي الاِعْتِكَافِ، عَصَتْ وَأَجْزَأَهَا الاِعْتِكَافُ. قَالَهُ الدَّارِمِيُّ (١) .
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيَقُولُونَ: " تَمْضِي الْمُعْتَكِفَةُ عَلَى اعْتِكَافِهَا إِنْ طَرَأَتْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ مِنْ وَفَاةٍ أَوْ طَلاَقٍ. وَبِهَذَا قَال رَبِيعَةُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. أَمَّا إِذَا طَرَأَ اعْتِكَافٌ عَلَى عِدَّةٍ فَلاَ تَخْرُجُ لَهُ، بَل تَبْقَى فِي بَيْتِهَا حَتَّى تُتِمَّ عِدَّتَهَا، فَلاَ تَخْرُجُ لِلطَّارِئِ، بَل تَسْتَمِرُّ عَلَى السَّابِقِ (٢) " (ر: اعْتِكَافٌ) .
عُقُوبَةُ غَيْرِ الْمُلْتَزِمَةِ بِالإِْحْدَادِ:
٢٥ - يُسْتَفَادُ مِنْ كَلاَمِ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ فِي الإِْحْدَادِ أَنَّ الْمُحِدَّةَ الْمُكَلَّفَةَ لَوْ تَرَكَتِ الإِْحْدَادَ الْوَاجِبَ كُل الْمُدَّةِ أَوْ بَعْضَهَا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ جَهْلٍ فَلاَ حَرَجَ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا، فَقَدْ أَثِمَتْ مَتَى عَلِمَتْ حُرْمَةَ ذَلِكَ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُقْرِي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. وَلَكِنَّهَا لاَ تُعِيدُ الإِْحْدَادَ؛ لأَِنَّ وَقْتَهُ قَدْ مَضَى، وَلاَ يَجُوزُ عَمَل شَيْءٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ، وَانْقَضَتِ الْعِدَّةُ مَعَ الْعِصْيَانِ، كَمَا لَوْ فَارَقَتِ الْمُعْتَدَّةُ الْمَسْكَنَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهَا مُلاَزَمَتُهُ بِلاَ عُذْرٍ، فَإِنَّهَا تَعْصِي وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا. (ف ٢٤) وَعَلَى وَلِيِّ غَيْرِ الْمُكَلَّفَةِ إِلْزَامُهَا بِالإِْحْدَادِ فِي مُدَّتِهِ وَإِلاَّ كَانَ آثِمًا.
_________
(١) تبيين الحقائق شرح الكنز ١ / ٣٥١ ط الأمير بولاق سنة ١٣١٣ هـ، والبحر الرائق ٢ / ٣٢٦ المطبعة العلمية، والفتاوى الهندية ١ / ٢١٢، والمجموع ٦ / ٤٤٥، ٤٤٦، والمغني لابن قدامة ٣ / ٢٠٧
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٢ / ٤٨٦
وَلَمْ تَرِدْ فِي الشَّرْعِ عُقُوبَةٌ مُحَدَّدَةٌ لِمَنْ تَرَكَتِ الإِْحْدَادَ، وَلَكِنَّهَا تُوصَفُ بِأَنَّهَا عَصَتْ (١) .
هَذَا وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الإِْمَامَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُعَزِّرَ الْمَرْأَةَ الْمُكَلَّفَةَ عَلَى تَرْكِ الإِْحْدَادِ إِذَا تَعَمَّدَتْ ذَلِكَ بِمَا يَرَاهُ مِنْ وَسَائِل التَّعْزِيرِ.
٢٦ - وَإِذَا أَمَرَ الْمُطَلِّقُ أَوِ الْمَيِّتُ قَبْل الْمَوْتِ، الزَّوْجَةَ بِتَرْكِ الإِْحْدَادِ، فَلاَ تَتْرُكُهُ؛ لأَِنَّهُ حَقُّ الشَّرْعِ، فَلاَ يَمْلِكُ الْعَبْدُ إِسْقَاطَهُ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ دَوَاعِي الرَّغْبَةِ، وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ عَنِ النِّكَاحِ فَتَجْتَنِبُهَا لِئَلاَّ تَصِيرَ ذَرِيعَةً إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ.
إِحْرَازٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْحْرَازُ لُغَةً: حِفْظُ الشَّيْءِ وَصِيَانَتُهُ عَنِ الأَْخْذِ (٢) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الْمَذْكُورِ (٣) فَقَدْ عَرَّفَهُ النَّسَفِيُّ بِأَنَّهُ: جَعْل الشَّيْءِ فِي الْحِرْزِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْحَصِينُ.
_________
(١) الزواجر لابن حبر ٢ / ٦٣ ط دار المعرفة، ونهاية المحتاج ٧ / ١٤٣، والمغني لابن قدامة ٩ / ١٦٦ وما بعدها، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٦١٧، والمحلى لابن حزم ١٠ / ٢٨١ ط المنيرية.
(٢) القاموس المحيط، وتاج العروس، والنهاية لابن الأثير
(٣) ابن عابدين ٣ / ١٩٤ وما بعدها ط بولاق، وطلبة الطلبة ص ٧٧ المطبعة العامرة، والصاوي على الشرح الصغير ٤ / ٤٧٧ ط دار المعارف.
هَذَا وَالإِْحْرَازُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَصَانَةِ مَوْضِعِهِ، وَهُوَ كُل بُقْعَةٍ مُعَدَّةٍ لِلإِْحْرَازِ، مَمْنُوعٍ مِنَ الدُّخُول فِيهَا إِلاَّ بِإِذْنٍ، كَالدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ وَالْخِيَمِ وَالْخَزَائِنِ وَالصَّنَادِيقِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَافِظٍ يَحْرُسُهُ.
وَالْمُحَكَّمُ فِي الْحِرْزِ الْعُرْفُ، إِذْ لَمْ يُحَدَّ فِي الشَّرْعِ وَلاَ فِي اللُّغَةِ. وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْمْوَال وَالأَْحْوَال وَالأَْوْقَاتِ. وَضَبَطَهُ الْغَزَالِيُّ بِمَا لاَ يُعَدُّ صَاحِبُهُ مُضَيِّعًا لَهُ. (١)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - الْحِيَازَةُ: هِيَ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ وَالاِسْتِيلاَءُ عَلَيْهِ (٢) . وَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ الْمَحُوزُ فِي حِرْزٍ أَوْ لاَ يَكُونُ، لِهَذَا فَالْحِيَازَةُ أَعَمُّ مِنَ الإِْحْرَازِ.
٣ - الاِسْتِيلاَءُ: هُوَ الْقَهْرُ وَالْغَلَبَةُ وَلَوْ حُكْمًا (٣) فِي أَخْذِ الشَّيْءِ مِنْ حِرْزِهِ وَوَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ. فَهُوَ مُخْتَلِفٌ أَيْضًا عَنْ مُطْلَقِ الإِْحْرَازِ، وَأَخَصُّ مِنْهُ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - الإِْحْرَازُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ لِلْمَال الْمَمْلُوكِ (٤) .
_________
(١) ابن عابدين ٣ / ١٩٤ وما بعدها، ومغني المحتاج ٤ / ١٦٤ ط مصطفى الحلبي.
(٢) الشرح الصغير ٤ / ٣١٩ ط دار المعارف.
(٣) القليوبي ٣ / ٢٦ ط عيسى الحلبي.
(٤) البدائع ٩ / ٤٢٢٣ وما بعدها مطبعة الإمام، والشرح الصغير ٤ / ٤٦٩ وما بعدها ط دار المعارف، وشرح منهاج الطالبين مع القليوبي وعميرة ٤ / ١٩٠ ط مصطفى الحلبي، والمغني ١٠ / ٤٢٩ ط الأولى.