الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 26

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

الرُّكْنِ انْتِهَاءً (١) ".

وَيَتَفَرَّعُ عَلَى كَوْنِ الإِْحْرَامِ شَرْطًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَكَوْنِهِ يُشْبِهُ الرُّكْنَ فُرُوعٌ. مِنْهَا:

١ - أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ الإِْحْرَامَ بِالْحَجِّ قَبْل أَشْهُرِ الْحَجِّ، مَعَ الْكَرَاهَةِ، لِكَوْنِ الإِْحْرَامِ شَرْطًا عِنْدَهُمْ، فَجَازَ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْوَقْتِ (٢) .

٢ - لَوْ أَحْرَمَ الْمُتَمَتِّعُ بِالْعُمْرَةِ قَبْل أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَأَتَى بِأَفْعَالِهَا، أَوْ بِرُكْنِهَا، أَوْ أَكْثَرِ الرُّكْنِ - يَعْنِي أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ مِنَ الطَّوَافِ - فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٣) .

٣ - تَفَرَّعَ عَلَى شِبْهِ الإِْحْرَامِ بِالرُّكْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ الصَّبِيُّ، ثُمَّ بَلَغَ بَعْدَمَا أَحْرَمَ، فَإِنَّهُ إِذَا مَضَى فِي إِحْرَامِهِ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ. لَكِنْ لَوْ جَدَّدَ الإِْحْرَامَ قَبْل الْوُقُوفِ وَنَوَى حَجَّةَ الإِْسْلاَمِ، جَازَ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ اعْتِبَارًا لِشَبَهِ الرُّكْنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ احْتِيَاطًا فِي الْعِبَادَةِ (٤) .

حِكْمَةُ تَشْرِيعِ الإِْحْرَامِ:

٥ - فَرْضِيَّةُ الإِْحْرَامِ لِلنُّسُكِ لَهَا حِكَمٌ جَلِيلَةٌ، وَأَسْرَارٌ وَمَقَاصِدُ تَشْرِيعِيَّةٌ كَثِيرَةٌ، أَهَمُّهَا: اسْتِشْعَارُ

_________

(١) وهذه عبارة الدر الختار ٢ / ٢٠٢، وانظر فتح القدير لابن الهمام ٢ / ١٣٠ط الأميرية ١٣١٥ هـ.

(٢) شرح اللباب ص ٤٥، ورد المحتار ٢ / ٢٠٢ - ٢٠٦، ويأتي مزيد بحث في المسألة في المواقيت (ف ٣٤)

(٣) بدائع الصنائع ٢ / ١٦٨، ١٦٩ ط شركة المطبوعات العلمية ١٣٢٧ هـ ويأتي مزيد بحث لهذا في (التمتع)

(٤) فتح القدير ٢ / ١٣٠، وانظر شرح اللباب ٤٥، ورد المحتار ٢ / ٢٠٢

تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَلْبِيَةُ أَمْرِهِ بِأَدَاءِ النُّسُكِ الَّذِي يُرِيدُهُ الْمُحْرِمُ، وَأَنَّ صَاحِبَهُ يُرِيدُ أَنْ يُحَقِّقَ بِهِ التَّعَبُّدَ وَالاِمْتِثَال لِلَّهِ تَعَالَى.

شُرُوطُ الإِْحْرَامِ:

٦ - يَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ لِصِحَّةِ الإِْحْرَامِ: الإِْسْلاَمَ وَالنِّيَّةَ. وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ الْمَرْجُوحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، اشْتِرَاطَ التَّلْبِيَةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا.

٧ - وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي النِّيَّةِ لِلنُّسُكِ الْفَرْضِ تَعْيِينُ أَنَّهُ فَرْضٌ فِي النِّيَّةِ، وَلَوْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ وَلَمْ يَكُنْ قَدْ حَجَّ حَجَّةَ الْفَرْضِ يَقَعُ عَنْهَا اتِّفَاقًا. بِخِلاَفِ مَا لَوْ نَوَى حَجَّةَ نَفْلٍ فَالْمَذْهَبُ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَقَعُ عَمَّا نَوَى.

وَبِهَذَا قَال سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (١) .

وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ (٢) وَالْحَنَابِلَةُ (٣) فَقَالُوا: إِنْ أَحْرَمَ بِتَطَوُّعٍ أَوْ نَذْرٍ مَنْ لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الإِْسْلاَمِ وَقَعَ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ. وَبِهَذَا قَال ابْنُ عُمَرَ وَأَنَسٌ. وَقَالُوا: مَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، رَدَّ مَا أَخَذَ، وَكَانَتِ الْحَجَّةُ عَنْ نَفْسِهِ، وَبِهَذَا قَال الأَْوْزَاعِيُّ (٤) .

اسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ مَعَهُمْ: " بِأَنَّ الْمُطْلَقَ

_________

(١) فتح القدير ٢ / ١٤٠، وشرح الحطاب ٢ / ٤٩٠، وانظر الشرح الكبير ٢ / ٥، والزرقاني ٢ / ٢٣٣، والمغني ٣ / ٢٤٦، والمسلك المتقسط ص ٧٤، والبدائع ٢ / ١٦٣، وشروح خليل المواضع السابقة.

(٢) المجموع للنووي ٧ / ٩٨، مطبعة العاصمة، والإيضاح بحاشية ابن حجر الهيثمي ص ١١٨، ١١٩

(٣) المغني ٣ / ٢٤٥، ٢٤٦، والكافي ١ / ٥٢٢، ٥٢٣

(٤) مراجع الحاشيتين السابقتين، والعبارة للمغني.

يَنْصَرِفُ إِلَى الْفَرْدِ الْكَامِل، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَجَّةُ الإِْسْلاَمِ يَقَعُ عَنْهَا اسْتِحْسَانًا، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ (١) أَيْ إِذَا أَطْلَقَ وَلَمْ يُعَيِّنْ. "

وَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ: " أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَال مَنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الإِْسْلاَمِ أَنَّهُ لاَ يُرِيدُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ حَجَّةَ التَّطَوُّعِ، وَيُبْقِي نَفْسَهُ فِي عُهْدَةِ الْفَرْضِ، فَيُحْمَل عَلَى حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ، بِدَلاَلَةِ حَالِهِ، فَكَانَ الإِْطْلاَقُ فِيهِ تَعْيِينًا، كَمَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ (٢) ".

وَقَالُوا فِي اعْتِبَارِهِ عَمَّا نَوَاهُ مِنْ غَيْرِ الْفَرْضِ: " إِنَّمَا أَوْقَعْنَاهُ عَنِ الْفَرْضِ عِنْدَ إِطْلاَقِ النِّيَّةِ بِدَلاَلَةِ حَالِهِ، وَالدَّلاَلَةُ لاَ تَعْمَل مَعَ النَّصِّ بِخِلاَفِهِ (٣) ".

وَيَشْهَدُ لَهُمْ نَصُّ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ الصَّحِيحِ: وَإِنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى (٤) وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُول: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ. قَال: مَنْ شُبْرُمَةُ؟ قَال: أَخٌ لِي، أَوْ قَرِيبٌ لِي. قَال: حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَال: لاَ. قَال: حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمَا (٥) . وَفِي رِوَايَةٍ: اجْعَل هَذِهِ عَنْ

_________

(١) المسلك المتقسط شرح لباب المناسك ص ٧٤

(٢) بدائع الصنائع ٢ / ١٦٣

(٣) بدائع الصنائع ٢ / ١٦٣

(٤) سبق تخريجه (فقرة ٤) .

(٥) أبو داود بلفظ (الرجل يحج عن غيره) ٢ / ١٦٢ وابن ماجه (الحج عن الميت) ص ٩٦٧ رقم ٢٩٠٣ ط عيسى الحلبي ١٣٧٢ هـ، والدارقطني قد توسع في سرد أسانيده ٢ / ٢٦٧ - ٢٧١ بتحقيق اليماني، شركة الطباعة الفنية المتحدة بمصر، والبيهقي (باب من ليس له أن يحج عن غيره) ٤ / ٣٣٦ ط الهند.

نَفْسِكَ. . . فَاسْتَدَلُّوا بِهَا. وَقَدْ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ أَسَانِيدَهُ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُهُ، فَرَجَّحَ إِرْسَالَهُ، وَوَقْفَهُ (١) . وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ صَرُورَةَ فِي الإِْسْلاَمِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ (٢) وَاخْتُلِفَ فِي صِحَّتِهِ كَذَلِكَ (٣) .

قَال الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ (٤): " وَقَدْ يَسْتَدِل بِهِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الصَّرُورَةَ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ.

وَتَقْدِيرُ الْكَلاَمِ عِنْدَهُ: أَنَّ الصَّرُورَةَ إِذَا شَرَعَ فِي الْحَجِّ عَنْ غَيْرِهِ صَارَ الْحَجُّ عَنْهُ، وَانْقَلَبَ عَنْ فَرْضِهِ، لِيَحْصُل مَعْنَى النَّفْيِ، فَلاَ يَكُونُ صَرُورَةً، وَهَذَا مَذْهَبُ الأَْوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ. . . ". وَاسْتَدَلُّوا مِنَ الْمَعْقُول: " أَنَّ النَّفَل وَالنَّذْرَ أَضْعَفُ مِنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ، فَلاَ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُمَا عَلَيْهَا، كَحَجِّ غَيْرِهِ عَلَى حَجِّهِ ". وَبِقِيَاسِ النَّفْل وَالنَّذْرِ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ عَنْ غَيْرِهِ وَعَلَيْهِ فَرْضُهُ (٥) .

_________

(١) المجموع ٧ / ٩٩ وتوسع الزيلعي في بيان إعلال الحديث من عدة أوجه في نصب الراية ٣ / ١٥٥ ط دار المأمون ١٣٥٧ هـ، وانظر الدراية ٢ / ٤٩ مطبعة الفجالة.

(٢) المسند ٤ / ٣٠٣ رقم ١٨٤٥، تحقيق أحمد شاكر وأبو داود (باب لا صرورة) ٢ / ١٤٠، وانظر معالم السنن ٢ / ٢٧٨

(٣) ضعفه المنذري في مختصر السنن ٢ / ٢٧٨

(٤) المهذب ٧ / ٩٨ من نسخة المجموع.

التَّلْبِيَةُ:

٨ - التَّلْبِيَةُ لُغَةً إِجَابَةُ الْمُنَادِي. وَالْمُرَادُ بِالتَّلْبِيَةِ هُنَا: قَوْل الْمُحْرِمِ: " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. . . " أَيْ إِجَابَتِي لَكَ يَا رَبُّ. وَلَمْ يُسْتَعْمَل " لَبَّيْكَ " إِلاَّ عَلَى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ. وَالْمُرَادُ بِهَا التَّكْثِيرُ. وَالْمَعْنَى: أَجَبْتُكَ إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ، إِلَى مَا لاَ نِهَايَةَ (١) .

حُكْمُ التَّلْبِيَةِ:

٩ - التَّلْبِيَةُ شَرْطٌ فِي الإِْحْرَامِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَابْنِ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، لاَ يَصِحُّ الإِْحْرَامُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، حَتَّى يَقْرِنَهَا بِالتَّلْبِيَةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِمَّا يَدُل عَلَى التَّعْظِيمِ مِنْ ذِكْرٍ وَدُعَاءٍ أَوْ سَوْقِ الْهَدْيِ. فَإِذَا نَوَى النُّسُكَ الَّذِي يُرِيدُهُ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ هُمَا مَعًا وَلَبَّى فَقَدْ أَحْرَمَ، وَلَزِمَهُ كُل أَحْكَامِ الإِْحْرَامِ الآْتِيَةِ، وَأَنْ يَمْضِيَ، فِي أَدَاءِ مَا أَحْرَمَ بِهِ. وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ " أَنَّهُ يَصِيرُ مُحْرِمًا بِالنِّيَّةِ لَكِنْ عِنْدَ التَّلْبِيَةِ، كَمَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي الصَّلاَةِ بِالنِّيَّةِ، لَكِنْ بِشَرْطِ التَّكْبِيرِ، لاَ بِالتَّكْبِيرِ (٢) ".

وَقَدْ نُقِل هَذَا الْمَذْهَبُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَطَاوُسٍ

_________

(١) النهاية لابن الأثير مادة " لبب " ٤ / ٤٧، وانظر المادة في لسان العرب ٢ / ٢٢٥، ٢٣٠، والقاموس وشرحه تاج العروس ١ / ٤٦٤، ٤٦٨

(٢) متن الكنز نسخة شرح العيني ١ / ٩٠، وشرح اللباب ص ٦٢، ورد المحتار ٢ / ٢١٣، ٢١٤، وانظر المبسوط ٤ / ٦، ١٨٧ مطبعة السعادة ١٣٢٤ هـ، وشرح الزيلعي ٢ / ١١، ومواهب الجليل ٣ / ٩، وانظر المراجع السابقة في تعريف الإحرام.

وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ بَل ادَّعَى فِيهِ اتِّفَاقَ السَّلَفِ (١) . وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ التَّلْبِيَةَ لاَ تُشْتَرَطُ فِي الإِْحْرَامِ، فَإِذَا نَوَى فَقَدْ أَحْرَمَ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَلَزِمَتْهُ أَحْكَامُ الإِْحْرَامِ الآْتِيَةُ، وَالْمُضِيُّ فِي أَدَاءِ مَا أَحْرَمَ بِهِ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا: فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: هِيَ وَاجِبَةٌ فِي الأَْصْل، وَالسُّنَّةُ قَرْنُهَا بِالإِْحْرَامِ (٢) . وَيَلْزَمُ الدَّمُ بِطُول فَصْلِهَا عَنِ النِّيَّةِ. وَلَوْ رَجَعَ وَلَبَّى لاَ يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ. وَسَوَاءٌ أَكَانَ التَّرْكُ أَوْ طُول الْفَصْل عَمْدًا أَمْ نِسْيَانًا (٣) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ (٤) وَالْحَنَابِلَةُ (٥) - وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (٦) - إِلَى أَنَّ التَّلْبِيَةَ سُنَّةٌ فِي الإِْحْرَامِ مُطْلَقًا.

الْمِقْدَارُ الْوَاجِبُ مِنْ لَفْظِ التَّلْبِيَةِ:

١٠ - الصِّيغَةُ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْفُقَهَاءُ لِلتَّلْبِيَةِ: هِيَ: " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ. إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكُ. لاَ شَرِيكَ لَكَ ".

هَذِهِ الصِّيغَةُ الَّتِي لَزِمَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا (٧) وَالَّذِي يَحْصُل

_________

(١) كذا أفاد أبو بكر الرازي الجصاص في أحكام القرآن ١ / ٣٦١ المطبعة البهية المصرية.

(٢) شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني بحاشية العدوي ١ / ٤٦٠

(٣) الشرح الكبير ٢ / ٤٠ والمراجع السابقة.

(٤) المهذب والمجموع ٧ / ٢٢٦، ٢٢٧

(٥) المغني ٣ / ٢٨٨، والكافي ١ / ٥٤١، والمقنع ١ / ٣٩٨

(٦) شرح الكنز للعيني ١ / ٩٠، والمسلك المتقسط ص ٦٢

(٧) كما صرح بذلك في حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي ﷺ أخرجه مسلم (باب حجة النبي ﷺ ٤ / ٣٨، ٤٣ وأبو داود ٢ / ١٨٢ - ١٨٦: ابن ماجه رقم ٣٠٧٤ ص ١٠٢٢ - ١٠٢٧، والدارمي (باب في سنة الحال) ٢ / ٤٤، ٤٩ ط دمشق ١٣٤٩ هـ

بِهِ أَدَاءُ التَّلْبِيَةِ فِي الإِْحْرَامِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ مَا يَحْصُل بِهِ التَّعْظِيمُ. فَإِنَّ الْمَشْرُوطَ عَلَى الْحَقِيقَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ تَقْتَرِنَ النِّيَّةُ " بِذِكْرٍ يُقْصَدُ بِهِ التَّعْظِيمُ، كَتَسْبِيحٍ، وَتَهْلِيلٍ (١) " وَلَوْ مَشُوبًا بِالدُّعَاءِ (٢) ".

النُّطْقُ بِالتَّلْبِيَةِ:

١١ - يُشْتَرَطُ لأَِدَاءِ التَّلْبِيَةِ أَنْ تُلْفَظَ بِاللِّسَانِ، فَلَوْ ذَكَرَهَا بِقَلْبِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا عِنْدَ مَنْ يَقُول إِنَّهَا شَرْطٌ، وَمَنْ يَقُول إِنَّهَا وَاجِبٌ، وَمَنْ يَقُول إِنَّهَا سُنَّةٌ.

وَتَفَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَرْعَانِ:

١٢ - الْفَرْعُ الأَْوَّل: لَوْ كَانَ لاَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ، فَنَطَقَ بِالتَّلْبِيَةِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، أَجْزَأَهُ اتِّفَاقًا. أَمَّا لَوْ كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ، فَنَطَقَ بِهَا بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، فَلاَ يُجْزِئُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَدَلِيلُهُمْ أَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ، فَلاَ يُشْرَعُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، كَالأَْذَانِ وَالأَْذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الصَّلاَةِ (٣) .

وَدَلِيل الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ ذِكْرٌ مَقْصُودٌ بِهِ التَّعْظِيمُ، فَإِذَا حَصَل هَذَا الْمَقْصُودُ أَجْزَأَهُ، وَلَوْ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ.

١٣ - الْفَرْعُ الثَّانِي فِي الأَْخْرَسِ: الأَْصَحُّ أَنَّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ بِالتَّلْبِيَةِ مَعَ النِّيَّةِ،

_________

(١) الدر المختار ٢ / ٢١٧، وانظر حاشيته ص ٢١٨، وشرح الكنز للزيلعي ٢ / ١١، والبدائع ٢ / ١٦١

(٢) على الصحيح كما في شرح اللباب ص ٧٠، ورد المحتار

(٣) المغني ٣ / ٢٩٢

وَلاَ يَجِبُ. وَقِيل: يَجِبُ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ، فَإِنَّهُ نَصُّ الإِْمَامِ مُحَمَّدٍ عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ (١) . وَعَلَى هَذَا " فَيَنْبَغِي (٢) " أَلاَّ يَلْزَمَهُ فِي الْحَجِّ بِالأَْوْلَى، فَإِنَّ بَابَ الْحَجِّ أَوْسَعُ، مَعَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فَرْضٌ قَطْعِيٌّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالتَّلْبِيَةُ أَمْرٌ ظَنِّيٌّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ (٣) .

وَقْتُ التَّلْبِيَةِ:

١٤ - الأَْفْضَل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٤) وَالْحَنَابِلَةِ (٥) أَنْ يُلَبِّيَ بِنِيَّةِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوْ نِيَّتِهِمَا مَعًا عَقِبَ صَلاَتِهِ رَكْعَتَيْنِ سُنَّةَ الإِْحْرَامِ، وَبَعْدَ نِيَّةِ النُّسُكِ. وَإِنْ لَبَّى بَعْدَمَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَوْ رَكُوبَتُهُ جَازَ، إِلَى أَنْ يَبْلُغَ نِهَايَةَ الْمِيقَاتِ، فَإِذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَلَمْ يُلَبِّ بِنِيَّةِ النُّسُكِ صَارَ مُجَاوِزًا لِلْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلَزِمَهُ مَا يَلْزَمُ ذَاكَ عِنْدَهُمْ.

وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ (٦) يُسْتَحَبُّ الْبَدْءُ بِالتَّلْبِيَةِ إِذَا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، وَاسْتَوَتْ بِهِ، لَكِنْ يَلْزَمُهُ الدَّمُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ تَرَكَهَا أَوْ أَخَّرَهَا حَتَّى طَال الْفَصْل بَيْنَ الإِْحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ (ف ٩) . وَلاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لِقَوْلِهِمْ إِنَّ التَّلْبِيَةَ سُنَّةٌ.

_________

(١) فتح القدير ٢ / ١٣٩، وشرح اللباب ص ٧٠، وانظر رد المحتار ٢ / ٢١٧

(٢) كما قال القاري في منسكه وهو شرح اللباب ص ٧٠

(٣) المبسوط ٤ / ١٨٨

(٤) الهداية ٢ / ١٣٦ - ١٣٧

(٥) غاية المنتهى ٢ / ٣٢١ نسخة مطالب أولي النهى.

(٦) مختصر خليل والشرح الكبير ٢ / ٣٩، والمنهاج ٢ / ٩٩، والكافي ١ / ٥٤٢

مَا يَقُومُ مَقَامَ التَّلْبِيَةِ:

١٥ - يَقُومُ مَقَامَ التَّلْبِيَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِصِحَّةِ الإِْحْرَامِ أَمْرَانِ:

الأَْوَّل: كُل ذِكْرٍ فِيهِ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعَالَى، كَالتَّسْبِيحِ، وَالتَّحْمِيدِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَلَوْ بِغَيْرِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ (ف ١٠)

الثَّانِي: تَقْلِيدُ الْهَدْيِ وَسَوْقُهُ وَالتَّوَجُّهُ مَعَهُ. وَالْهَدْيُ يَشْمَل الإِْبِل وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ. لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنَ التَّقْلِيدِ الْغَنَمُ، لِعَدَمِ سُنِّيَّةِ تَقْلِيدِ الْغَنَمِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (١) . (ر: هَدْيٌ) وَالتَّقْلِيدُ هُوَ أَنْ يَرْبِطَ فِي عُنُقِ الْبَدَنَةِ أَوِ الْبَقَرَةِ عَلاَمَةً عَلَى أَنَّهُ هَدْيٌ.

شُرُوطُ إِقَامَةِ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ وَسَوْقِهِ مَقَامَ التَّلْبِيَةِ:

١٦ - يُشْتَرَطُ:

١ - النِّيَّةُ.

٢ - سَوْقُ الْبَدَنَةِ وَالتَّوَجُّهُ مَعَهَا.

٣ - يُشْتَرَطُ - إِنْ بَعَثَ بِهَا وَلَمْ يَتَوَجَّهْ مَعَهَا - أَنْ يُدْرِكَهَا قَبْل الْمِيقَاتِ وَيَسُوقَهَا، إِلاَّ إِذَا كَانَ بَعَثَهَا لِنُسُكِ مُتْعَةٍ أَوْ قِرَانٍ، وَكَانَ التَّقْلِيدُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُحْرِمًا إِذَا تَوَجَّهَ بِنِيَّةِ الإِْحْرَامِ وَإِنْ لَمْ يَلْحَقْهَا، اسْتِحْسَانًا (٢) .

_________

(١) الهداية ٢ / ٣٢٦ نسخة فتح القدير، وشرح الكنز للزيلعي ٢ / ٩١، ٩٢، بدائع الصنائع ٢ / ١٦٢

(٢) شرح اللباب ص ٧٢، ٧٣ وتبيين الحقائق ٢ / ٣٩ ط الأميرية ١٣١٣ هـ، والدر المختار وحاشيته ٢ / ٢١٩ - ٢٢٠

الْفَصْل الثَّانِي

حَالاَتُ الإِْحْرَامِ مِنْ حَيْثُ إِبْهَامُ النِّيَّةِ وَإِطْلاَقُهَا

إِبْهَامُ الإِْحْرَامِ

تَعْرِيفُهُ:

١٧ - هُوَ أَنْ يَنْوِيَ مُطْلَقَ نُسُكٍ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، كَأَنْ يَقُول: أَحْرَمْتُ لِلَّهِ، ثُمَّ يُلَبِّيَ، وَلاَ يُعَيِّنَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً، أَوْ يَقُول: نَوَيْتُ الإِْحْرَامَ لِلَّهِ تَعَالَى، لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ. .، أَوْ يَنْوِيَ الدُّخُول فِي حُرُمَاتِ نُسُكٍ، وَلَمْ يُعَيِّنْ شَيْئًا. فَهَذَا الإِْحْرَامُ صَحِيحٌ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ. وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كُل أَحْكَامِ الإِْحْرَامِ، وَعَلَيْهِ اجْتِنَابُ جَمِيعِ مَحْظُورَاتِهِ، كَالإِْحْرَامِ الْمُعَيَّنِ

وَيُسَمَّى هَذَا إِحْرَامًا مُبْهَمًا، وَيُسَمُّونَهُ أَيْضًا إِحْرَامًا مُطْلَقًا.

تَعْيِينُ النُّسُكِ:

١٨ - ثُمَّ عَلَى هَذَا الْمُحْرِمِ التَّعْيِينُ قَبْل أَنْ يَشْرَعَ فِي أَفْعَال أَحَدِهِمَا، وَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ لِلْعُمْرَةِ، أَوْ لِلْحَجِّ، أَوْ لَهُمَا مَعًا حَسْبَمَا يَشَاءُ. وَتَرْجِعُ الأَْفْضَلِيَّةُ فِيمَا يَخْتَارُهُ وَيُعَيِّنُهُ إِلَى خِلاَفِ الْمَذَاهِبِ فِي أَيِّ أَوْجُهِ الإِْحْرَامِ أَفْضَل: الْقِرَانُ، أَوِ التَّمَتُّعُ، أَوِ الإِْفْرَادُ، وَإِلَى حُكْمِ الإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ قَبْل أَشْهُرِ الْحَجِّ، إِنْ وَقَعَ هَذَا الإِْحْرَامُ قَبْل أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَأَرَادَ التَّعْيِينَ قَبْلَهَا (١) .

_________

(١) انظر المذاهب في حكم الإحرام قبل أشهر الحج في (ف ٣٥)