الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 20

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

الأَْقْرَاءِ. وَلاَ تَرِدُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ، وَلاَ عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ الْعِدَّةَ عِنْدَهُمْ بِالْحَيْضِ لاَ بِالأَْطْهَارِ.

احْتِيَاطٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي الاِحْتِيَاطِ لُغَةً: الأَْخْذُ فِي الأُْمُورِ بِالأَْحْزَمِ وَالأَْوْثَقِ، وَبِمَعْنَى الْمُحَاذَرَةِ، وَمِنْهُ الْقَوْل السَّائِرُ: أَوْسَطُ الرَّأْيِ الاِحْتِيَاطُ، وَبِمَعْنَى الاِحْتِرَازِ مِنَ الْخَطَأِ وَاتِّقَائِهِ (١) .

وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ الاِحْتِيَاطَ بِهَذِهِ الْمَعَانِي كَذَلِكَ. أَمَّا الْوَرَعُ فَهُوَ اجْتِنَابُ الشُّبُهَاتِ خَوْفًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ (٢) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - كَثِيرٌ مِنَ الأَْحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ تَثْبُتُ لأَِجَل الاِحْتِيَاطِ، فَمَنْ نَسِيَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ مِنْ يَوْمَيْنِ لاَ يَدْرِي أَيَّ الْيَوْمَيْنِ أَسْبَقَ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ ثُمَّ الْعَصْرَ ثُمَّ الظُّهْرَ فِي أَحَدِ الاِحْتِمَالاَتِ، وَالْبَاعِثُ عَلَى ذَلِكَ الاِحْتِيَاطُ. وَلِتَعَارُضِ الاِحْتِيَاطِ مَعَ أَصْل بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، وَمَعَ

_________

(١) المصباح مادة (حوط) .

(٢) التعريفات ص ٢٢٤، وكشاف اصطلاحات الفنون ٦ / ١٣٨٠

قَاعِدَةِ التَّحَرِّي وَالتَّوَخِّي عِنْدَ الْحَرَجِ، يَأْتِي التَّرَدُّدُ وَالْخِلاَفُ فِي الأَْحْكَامِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الاِحْتِيَاطِ. وَيَذْكُرُ الأُْصُولِيُّونَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ الأَْنْصَارِيُّ شَارِحُ مُسْلِمٍ الثُّبُوتَ أَنَّهُ " لَيْسَ كُل مَا كَانَ أَحْوَطَ يَجِبُ، بَل إِنَّمَا هُوَ فِيمَا ثَبَتَ وُجُوبُهُ مِنْ قَبْل، فَيَجِبُ فِيهِ مَا تَخْرُجُ بِهِ عَنِ الْعُهْدَةِ يَقِينًا، كَالصَّلاَةِ الْمَنْسِيَّةِ، كَمَا إِذَا فَاتَتْ صَلاَةٌ مِنْ يَوْمِ فَنَسِيَهَا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِيَخْرُجَ عَنْ عُهْدَةِ الْمَنْسِيَّةِ يَقِينًا " قَال: " وَمِنْهُ نِسْيَانُ الْمُسْتَحَاضَةِ أَيَّامَهَا يَجِبُ عَلَيْهَا التَّطَهُّرُ لِكُل صَلاَةٍ أَوْ لِوَقْتِ كُل صَلاَةٍ " عَلَى خِلاَفِ تَفْصِيلِهِ فِي " حَيْضٌ ".

ثُمَّ ذَكَرَ الْحَالَةَ الثَّانِيَةَ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الْفِعْل احْتِيَاطًا فَقَال: " أَوْ كَانَ الْوُجُوبُ هُوَ الأَْصْل ثُمَّ يَعْرِضُ مَا يُوجِبُ الشَّكُّ، كَصَوْمِ الثَّلاَثِينَ مِنْ رَمَضَانَ، فَإِنَّ الْوُجُوبَ فِيهِ الأَْصْل، وَعُرُوضُ عَارِضِ الْغَمَامِ لاَ يَمْنَعُهُ، فَيَجِبُ احْتِيَاطًا، لاَ كَصَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ، فَلاَ يَثْبُتُ الْوُجُوبُ لِلاِحْتِيَاطِ فِي صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ؛ لأَِنَّ الْوُجُوبَ فِيهِ لَيْسَ هُوَ الأَْصْل، وَلاَ هُوَ ثَابِتٌ يَقِينًا (١) ".

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٣ - يَذْكُرُ الأُْصُولِيُّونَ فِي بَابِ تَعَارُضِ الأَْدِلَّةِ تَرْجِيحَ الدَّلِيل الْمُقْتَضِي لِلتَّحْرِيمِ عَلَى مَا يَقْتَضِي غَيْرَهُ مِنَ الأَْحْكَامِ لاِسْتِنَادِ ذَلِكَ التَّرْجِيحِ لِلاِحْتِيَاطِ، وَفِي تَعَارُضِ الْعِلَل تَرْجِيحُ الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّحْرِيمِ عَلَى

_________

(١) فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت بهامش المستصفى ٢ / ١٨٢، وانظر المعتمد لأبي الحسين البصري ١ / ٢٧٨ ط دمشق.

الْمُقْتَضِيَةِ لِغَيْرِهِ (١) . وَذَكَرُوا أَيْضًا مَسْأَلَةَ جَرَيَانِ الاِحْتِيَاطِ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالتَّحْرِيمِ، فِي الْبَابِ نَفْسِهِ أَيْضًا (٢) . وَمَحَل ذَلِكَ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ. وَيَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ الْقَوَاعِدَ الْمَبْنِيَّةَ عَلَى الاِحْتِيَاطِ، وَمِنْهَا قَاعِدَةُ تَغْلِيبِ الْحَرَامِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الْحَرَامِ وَالْحَلاَل، وَمَا يَدْخُل فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَمَا يَخْرُجُ عَنْهَا، فِي كُتُبِ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ (٣) .

احْتِيَالٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - يَأْتِي الاِحْتِيَال بِمَعْنَى طَلَبِ الْحِيلَةِ، وَهِيَ الْحِذْقُ فِي تَدْبِيرِ الأُْمُورِ، أَيْ تَقْلِيبِ الْفِكْرِ حَتَّى يَهْتَدِيَ إِلَى الْمَقْصُودِ. وَيَأْتِي بِمَعْنَى الاِحْتِيَال بِالدِّينِ (٤) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الأُْصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ لَهُ عَنْ هَذَا، إِلاَّ أَنَّ ابْنَ الْقَيِّمِ ذَكَرَ أَنَّهُ غَلَبَ عَلَى الْحِيلَةِ فِي الْعُرْفِ اسْتِعْمَالُهَا فِي سُلُوكِ الطُّرُقِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي يَتَوَصَّل بِهَا الرَّجُل إِلَى حُصُول غَرَضِهِ بِحَيْثُ لاَ يُتَفَطَّنُ لَهُ إِلاَّ

_________

(١) شرح جمع الجوامع بحاشية البناني ٢ / ٣٧٤ ط مصطفى الحلبي، وشرح مسلم الثبوت ٢ / ٢٠٣

(٢) شرح جمع الجوامع ٢ / ٣٧٤

(٣) انظر مثلا: كتاب الأشباه والنظائر لابن نجيم بحاشية الحموي ص ١٣٤ ط الهند، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٠٥ - ١١٧ ط م الحلبي ١٣٧٨

(٤) المصباح المنير ولسان العرب.

بِنَوْعٍ مِنَ الذَّكَاءِ وَالْفِطْنَةِ. فَهَذَا أَخَصُّ مِنْ مَوْضُوعِهَا فِي أَصْل اللُّغَةِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْمَقْصُودُ أَمْرًا جَائِزًا أَمْ مُحَرَّمًا، وَأَخَصُّ مِنْ هَذَا اسْتِعْمَالُهَا فِي التَّوَصُّل إِلَى الْغَرَضِ الْمَمْنُوعِ مِنْهُ شَرْعًا أَوْ عَقْلًا أَوْ عَادَةً. وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَيْهَا فِي عُرْفِ النَّاسِ (١) .

إِطْلاَقَاتُهُ:

الأَْوَّل: بِمَعْنَى اسْتِعْمَال الطُّرُقِ الَّتِي يَتَوَصَّل بِهَا الإِْنْسَانُ إِلَى غَرَضِهِ (٢) .

الثَّانِي: بِمَعْنَى نَقْل الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ، وَهُوَ الْحَوَالَةُ (٣) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

أَوَّلًا: بِالْمَعْنَى الأَْوَّل:

يَخْتَلِفُ حُكْمُ الاِحْتِيَال بِاخْتِلاَفِ الْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ، وَبِاخْتِلاَفِ مَآل الْعَمَل، وَذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الآْتِي:

٢ - يَكُونُ الاِحْتِيَال حَرَامًا إِذَا تَسَبَّبَ بِهِ الْمُكَلَّفُ فِي إِسْقَاطِ مَا وَجَبَ شَرْعًا، حَتَّى يَصِيرَ غَيْرَ وَاجِبٍ فِي الظَّاهِرِ، أَوْ فِي جَعْل الْمُحَرَّمِ حَلاَلًا فِي الظَّاهِرِ. ذَلِكَ أَنَّ الْعَمَل إِذَا قُصِدَ بِهِ إِبْطَال حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَتَحْوِيلُهُ فِي الظَّاهِرِ إِلَى حُكْمٍ آخَرَ، حَتَّى يَصِيرَ مَآل ذَلِكَ الْعَمَل

_________

(١) الموافقات ٤ / ٢٠١ نشر المكتبة التجارية، والفتاوى الهندية ٦ / ٣٩٠ ط بولاق، وأعلام الموقعين ٣ / ٢٥٢ ط السعادة بمصر.

(٢) أعلام الموقعين ٣ / ٢٥٢، والموافقات ٤ / ٢٠١

(٣) نهاية المحتاج ٤ / ٤٠٨ ط مصطفى الحلبي، ومنح الجليل ٣ / ٢٢٨ نشر ليبيا.

خَرْمَ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ فِي الْوَاقِعِ، فَهُوَ حَرَامٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَذَلِكَ كَمَا لَوْ دَخَل عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلاَةِ فَشَرِبَ خَمْرًا أَوْ دَوَاءً مُنَوِّمًا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا وَهُوَ فَاقِدٌ لِعَقْلِهِ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، أَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَقْدِرُ بِهِ عَلَى الْحَجِّ فَوَهَبَهُ كَيْ لاَ يَجِبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ (١) .

وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ التَّصَرُّفُ فِي الْمَال بِهِبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا قَبْل الْحَوْل لِلْفِرَارِ مِنَ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ذَلِكَ، فَقَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ يُكْرَهُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ امْتِنَاعٌ عَنِ الْوُجُوبِ لإِبْطَال حَقِّ الْغَيْرِ. وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ الأَْصَحُّ. وَقَال مُحَمَّدٌ: يُكْرَهُ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ حَمِيدُ الدِّينِ الضَّرِيرُ؛ لأَِنَّ فِيهِ إِضْرَارًا بِالْفُقَرَاءِ، وَإِبْطَال حَقِّهِمْ مَآلًا. وَقِيل: الْفَتْوَى عَلَى قَوْل مُحَمَّدٍ، كَذَلِكَ الأَْمْرُ بِالنِّسْبَةِ لِلشَّافِعِيَّةِ، فَفِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ وَالشِّرْوَانِيِّ: يُكْرَهُ تَنْزِيهًا إِنْ قَصَدَ بِهِ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ. وَقَال الشِّرْوَانِيُّ: وَفِي الْوَجِيزِ يَحْرُمُ. زَادَ فِي الإِْحْيَاءِ: وَلاَ تَبْرَأُ بِهِ الذِّمَّةُ بَاطِنًا، وَأَنَّ هَذَا مِنَ الْفِقْهِ الضَّارِّ، وَقَال ابْنُ الصَّلاَحِ يَأْثَمُ بِقَصْدِهِ لاَ بِفِعْلِهِ (٢) .

كَذَلِكَ يَحْرُمُ الاِحْتِيَال لأَِخْذِ أَمْوَال النَّاسِ وَظُلْمِهِمْ فِي نُفُوسِهِمْ وَسَفْكِ دِمَائِهِمْ وَإِبْطَال حُقُوقِهِمْ. وَالدَّلِيل عَلَى حُرْمَةِ الاِحْتِيَال قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ. . .﴾؛ لأَِنَّهُمُ

_________

(١) الموافقات ٢ / ٣٧٩، ٤ / ٢٠١ والشرح الصغير ١ / ٦٠٠ ط دار المعارف، والمغني ٢ / ٥٣٤ ط المنار.

(٢) الأشباه لابن نجيم ٢ / ٢٩٢ ط استنبول، والشرواني ٣ / ٢٣٥ ط دار صادر.

احْتَالُوا لِلاِصْطِيَادِ فِي السَّبْتِ بِصُورَةِ الاِصْطِيَادِ فِي غَيْرِهِ. وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ (١)

٣ - وَيَكُونُ الاِحْتِيَال جَائِزًا إِذَا قَصَدَ بِهِ أَخْذَ حَقٍّ، أَوْ دَفْعَ بَاطِلٍ، أَوِ التَّخَلُّصَ مِنَ الْحَرَامِ، أَوِ التَّوَصُّل إِلَى الْحَلاَل، وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الْوَسِيلَةُ مُحَرَّمَةً أَمْ مَشْرُوعَةً، إِلاَّ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً فَهُوَ آثِمٌ عَلَى الْوَسِيلَةِ دُونَ الْمَقْصُودِ، وَقَدْ يُطْلَبُ الاِحْتِيَال وَلاَ سِيَّمَا فِي الْحَرْبِ؛ لأَِنَّهَا خُدْعَةٌ. وَالأَْصْل فِي الْجَوَازِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلاَ تَحْنَثْ﴾ . (٢)

٤ - وَمِنْهُ مَا يُخْتَلَفُ فِيهِ وَهُوَ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ مَقْصِدٌ لِلشَّارِعِ يَتَّفِقُ عَلَى أَنَّهُ مَقْصُودٌ لَهُ، وَلاَ ظَهَرَ أَنَّهُ عَلَى خِلاَفِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي وُضِعَتْ لَهَا الشَّرِيعَةُ بِحَسَبِ الْمَسْأَلَةِ الْمَفْرُوضَةِ. فَمَنْ رَأَى مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الاِحْتِيَال فِي أَمْرٍ مَا غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلْمَصْلَحَةِ فَالتَّحَيُّل جَائِزٌ عِنْدَهُ فِيهِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ فَالتَّحَيُّل مَمْنُوعٌ عِنْدَهُ فِيهِ. عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ مَنْ يُجِيزُ التَّحَيُّل فِي بَعْضِ الْمَسَائِل فَإِنَّمَا يُجِيزُهُ بِنَاءً عَلَى تَحَرِّي قَصْدِ الْمُكَلَّفِ الْمُحْتَال، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُخَالِفٍ

_________

(١) إعلام المرقعين ٣ / ٣٤٠، والأشباه والنظائر لابن نجيم ٢ / ٢٩١، والفتاوى الهندية ٦ / ٣٩٠، والمغني ٤ / ٣٠٤ ط الرياض وحديث " لا يجمع. . . " - أخرجه البخاري وأبو داود وأحمد والترمذي والحاكم وغيرهم (فتح الباري ٣ / ٣١٤ ط السلفية) .

(٢) الفتاوى الهندية ٦ / ٣٩٠، وإعلام المرقعين ٣ / ٣٤٧، والمرافقات ٢ / ٣٨٧، والمغني ١٠ / ٣٩٦، والمخارج في الحيل ص ٨٧ وما بعدها نشر مكتبة المثني ببغداد. والآية من سورة (ص) / ٤٤

لِقَصْدِ الشَّارِعِ؛ لأَِنَّ مُصَادَمَةَ الشَّارِعِ صُرَاحًا، عِلْمًا أَوْ ظَنًّا، مَمْنُوعٌ، كَمَا أَنَّ الْمَانِعَ إِنَّمَا مَنَعَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ؛ وَلِمَا وُضِعَ فِي الأَْحْكَامِ مِنَ الْمَصَالِحِ.

وَمِنْ ذَلِكَ نِكَاحُ الْمُحَلِّل، فَإِنَّهُ تَحَيُّلٌ إِلَى رُجُوعِ الزَّوْجَةِ إِلَى مُطَلِّقِهَا الأَْوَّل بِحِيلَةٍ تُوَافِقُ فِي الظَّاهِرِ قَوْلَهُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِل لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١) فَقَدْ نَكَحَتِ الْمَرْأَةُ هَذَا الْمُحَلِّل، فَكَانَ رُجُوعُهَا إِلَى الأَْوَّل بَعْدَ تَطْلِيقِ الثَّانِي مُوَافِقًا. وَنُصُوصُ الشَّارِعِ مُفْهِمَةٌ لِمَقَاصِدِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ بُيُوعُ الآْجَال (٢) .

٥ - وَأَكْثَرُ الَّذِينَ أَخَذُوا بِالاِحْتِيَال هُمُ الْحَنَفِيَّةُ فَالشَّافِعِيَّةُ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَإِنَّ الأَْصْل عِنْدَهُمْ هُوَ مَنْعُ الاِحْتِيَال غَالِبًا، وَهُوَ لاَ يُفِيدُ فِي الْعِبَادَاتِ وَلاَ فِي الْمُعَامَلاَتِ؛ لأَِنَّ تَجْوِيزَ الْحِيَل يُنَاقِضُ سَدَّ الذَّرَائِعِ، فَإِنَّ الشَّارِعَ يَسُدُّ الطَّرِيقَ إِلَى الْمَفَاسِدِ بِكُل مُمْكِنٍ، وَالْمُحْتَال يَفْتَحُ الطَّرِيقَ إِلَيْهَا بِحِيلَةٍ (٣) .

ثَانِيًا بِالْمَعْنَى الثَّانِي:

٦ - الاِحْتِيَال بِالْحَقِّ مِنْ جِهَةِ الْمُحِيل يَكُونُ نَتِيجَةَ عَقْدِ الْحَوَالَةِ، فَالْحَوَالَةُ عَقْدٌ يَقْتَضِي نَقْل دَيْنٍ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى أُخْرَى، وَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ - كَمَا يَقُول بَعْضُ الْفُقَهَاءِ - مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ.

_________

(١) سورة البقرة / ٢٣٠

(٢) الموافقات ٢ / ٣٨٨

(٣) إعلام الموقعين ٣ / ١٧١، والشرح الصغير ١ / ٦٠١ ط دار المعارف، والفتاوى الهندية ٦ / ٣٩٠، والأشباه والنظائر ٢ / ٢٩١، والموافقات ٤ / ١٩٨

٧ - وَهِيَ جَائِزَةٌ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا. وَالأَْصْل فِيهَا قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا أُحِيل أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَل (١) وَالْحُكْمُ فِيهَا بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمُحِيل مِنْ دَيْنِ الْمُحَال لَهُ. وَقَدِ اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ لِصِحَّتِهَا شُرُوطًا، كَرِضَا الْمُحِيل الْمُحَال لَهُ، وَالْعِلْمِ بِمَا يُحَال بِهِ وَعَلَيْهِ (٢) . وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّفَاصِيل تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (حَوَالَةٌ) .

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٨ - لِلاِحْتِيَال بِمَعْنَى الطُّرُقِ الَّتِي يَتَوَصَّل بِهَا الإِْنْسَانُ إِلَى غَرَضِهِ أَحْكَامٌ مُفَصَّلَةٌ فِي مُصْطَلَحِ (حِيلَةٌ) وَفِي كُتُبِ الأُْصُول وَلَهَا عَلاَقَتُهَا بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ وَبِالذَّرَائِعِ. وَيُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

إِحْدَادٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي الإِْحْدَادِ فِي اللُّغَةِ: الْمَنْعُ، وَمِنْهُ

_________

(١) حديث " إذا أحيل. . . " متفق عليه من حديث أبي هريرة بلفظ " مطل الغني ظلم، وإذا اتبع أحدكم على مليء فليتبع " وأخرجه أحمد وابن أبي شيبة بلفظ " ومن أحيل على مليء فليحتل ". (الدراية ٢ / ١٦٤) ورواه أصحاب السنن إلا الترمذي من حديث أبي الزناد، ورواه الترمذي من حديث ابن عمر نحوه (تلخيص الحبير ٣ / ٤٦)

(٢) نهاية المحتاج ٤ / ٤٠٨ ط مصطفى الحلبي، ومنح الجليل ٣ / ٢٢٨ نشر ليبيا، والمغني ٥ / ٥٤

امْتِنَاعُ الْمَرْأَةِ عَنِ الزِّينَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا إِظْهَارًا لِلْحُزْنِ (١) . وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ: امْتِنَاعُ الْمَرْأَةِ مِنَ الزِّينَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مُدَّةً مَخْصُوصَةً فِي أَحْوَالٍ مَخْصُوصَةٍ، وَكَذَلِكَ مِنَ الإِْحْدَادِ امْتِنَاعُهَا مِنَ الْبَيْتُوتَةِ فِي غَيْرِ مَنْزِلِهَا (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الاِعْتِدَادُ:

٢ - وَهُوَ تَرَبُّصُ الْمَرْأَةِ مُدَّةً مُحَدَّدَةً شَرْعًا لِفِرَاقِ زَوْجِهَا بِوَفَاةٍ أَوْ طَلاَقٍ أَوْ فَسْخٍ.

وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الاِعْتِدَادِ وَالإِْحْدَادِ أَنَّ الاِعْتِدَادَ طَرَفٌ لِلإِْحْدَادِ، فَفِي الْعِدَّةِ. تَتْرُكُ الْمَرْأَةُ زِينَتَهَا لِمَوْتِ زَوْجِهَا.

صِفَتُهُ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ):

٣ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الإِْحْدَادِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ بِالزَّوْجَةِ.

وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: لاَ يَحِل لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.

_________

(١) انظر لسان العرب، والمصباح المنير، ومختار الصحاح (حدد) .

(٢) فتح القدير ٣ / ٢٩٣، وابن عابدين ٢ / ٦١٦ وما بعدها الطبعة الأولى، والحطاب ٤ / ١٥٤ مكتبة النجاح طرابلس - ليبيا، ونهاية المحتاج ٧ / ١٤٠ ط الحلبي، والمغني لابن قدامة ٩ / ١٦٦ ط المنار.

كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لاَ إِحْدَادَ عَلَى الرَّجُل. وَقَدْ أَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لاَ إِحْدَادَ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ رَجْعِيًّا، بَل يُطْلَبُ مِنْهَا أَنْ تَتَعَرَّضَ لِمُطَلِّقِهَا وَتَتَزَيَّنَ لَهُ لَعَل اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا. عَلَى أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ رَأْيًا بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُطَلَّقَةِ رَجْعِيًّا الإِْحْدَادُ إِذَا لَمْ تَرْجُ الرَّجْعَةَ (١) .

٤ - وَأَمَّا الْمُعْتَدَّةُ مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ بَيْنُونَةً صُغْرَى أَوْ كُبْرَى فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ عَلَى اتِّجَاهَيْنِ:

الأَْوَّل: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَدِيمِهِ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، أَنَّ عَلَيْهَا الإِْحْدَادَ، لِفَوَاتِ نِعْمَةِ النِّكَاحِ. فَهِيَ تُشْبِهُ مِنْ وَجْهٍ مَنْ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا (٢) .

الثَّانِي: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي جَدِيدِهِ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ

الإِْمَامِ أَحْمَدَ

(وَقِيل فِي بَعْضِ الْكُتُبِ إِنَّهَا الْمَذْهَبُ) إِلاَّ أَنَّهُ لاَ إِحْدَادَ عَلَيْهَا؛ لأَِنَّ الزَّوْجَ هُوَ الَّذِي فَارَقَهَا نَابِذًا لَهَا، فَلاَ يَسْتَحِقُّ أَنْ تُحِدَّ عَلَيْهِ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَعَطَاءٌ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ (٣) . إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَرَى فِي جَدِيدِهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تُحِدَّ.

٥ - وَأَمَّا الْمَنْكُوحَةُ نِكَاحًا فَاسِدًا إِذَا مَاتَ عَنْهَا

_________

(١) الجمل ٤ / ٤٥٨

(٢) فتح القدير ٣ / ٢٩١ ط الأميرية الكبرى سنة ١٣١٦ هـ الأولى، والمهذب للشيرازي ٢ / ١٥٠ ط الحلبي الثانية، والمغني لابن قدامة ٩ / ١٧٨ ط المنار.

(٣) الخرشي ٣ / ٢٨٧، والمهذب للشيرازي ٢ / ١٥٠ ط الحلبي، والمغني لابن قدامة مع حاشيته ٣ / ٢٨٩ المطبعة السلفية، والمغني لابن قدامة ٩ / ١٧٨.