الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 19

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

أَمْوَال النَّاسِ قَهْرًا وَأَكْلِهَا بِالْبَاطِل، وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ (١) .

الْعُقُوبَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ لِلْمُحْتَكِرِ:

١٢ - اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ يَأْمُرُ الْمُحْتَكِرَ بِإِخْرَاجِ مَا احْتَكَرَ إِلَى السُّوقِ وَبَيْعِهِ لِلنَّاسِ. فَإِنْ لَمْ يَمْتَثِل فَهَل يُجْبَرُ عَلَى الْبَيْعِ؟ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ:

أَوَّلًا: إِذَا خِيفَ الضَّرَرُ عَلَى الْعَامَّةِ أُجْبِرَ، بَل أَخَذَ مِنْهُ مَا احْتَكَرَهُ، وَبَاعَهُ، وَأَعْطَاهُ الْمِثْل عِنْدَ وُجُودِهِ، أَوْ قِيمَتَهُ. وَهَذَا قَدْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الأَْئِمَّةِ، وَلاَ يُعْلَمُ خِلاَفٌ فِي ذَلِكَ.

ثَانِيًا: إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ خَوْفٌ عَلَى الْعَامَّةِ فَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ يَرَوْنَ أَنَّ لِلْحَاكِمِ جَبْرَهُ إِذَا لَمْ يَمْتَثِل الأَْمْرَ بِالْبَيْعِ. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ فَيَرَيَانِ أَنَّهُ لاَ يُجْبَرُ عَلَى الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا إِذَا امْتَنَعَ عَنِ الْبَيْعِ عَزَّرَهُ الْحَاكِمُ.

وَعِنْدَ مَنْ يَرَى الْجَبْرَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى الْجَبْرَ بَادِئَ ذِي بَدْءٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى الإِْنْذَارَ مَرَّةً، وَقِيل اثْنَتَيْنِ، وَقِيل ثَلاَثًا. وَتَدُل النُّقُول عَنِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَرْجِعُهَا مُرَاعَاةُ الْمَصْلَحَةِ. وَهُوَ مِنْ قَبِيل السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ (٢) .

_________

(١) المرجع السابق ص ٢٤٥

(٢) الطرق الحكمية ص ٢٤٣ وانظر ٢٦٢، والبدائع ٥ / ١٢٩، وتكملة الفتح ٨ / ١٢٦، ٤ / ١٦١ ط الثانية سنة ١٣٧٠ هـ، ورد المحتار على الدر المختار ٥ / ٢٥٦ ط بولاق سنة ١٢٧٢ هـ، والرهوني ٥ / ١٢ - ١٥، والقوانين الفقهية ٣ / ٢٤٧، ومواهب الجليل ٤ / ٢٢٧، ٢٢٨، ونهاية المحتاج، ٤ / ٤٥٦، وحاشية القليوبي ٢ / ١٨٦، وكشاف القناع ٣ / ١٥١

احْتِلاَمٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي الاِحْتِلاَمِ فِي اللُّغَةِ رُؤْيَا الْمُبَاشَرَةَ فِي الْمَنَامِ. وَيُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ أَيْضًا عَلَى الإِْدْرَاكِ وَالْبُلُوغِ (١) . وَمِثْلُهُ الْحُلُمُ. وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ اسْمٌ لِمَا يَرَاهُ النَّائِمُ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ، فَيَحْدُثُ مَعَهُ إِنْزَال الْمَنِيِّ غَالِبًا (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

٢ - أ - الإِْمْنَاءُ: يُذْكَرُ الاِحْتِلاَمُ وَيُرَادُ بِهِ الإِْمْنَاءُ، إِلاَّ أَنَّ الإِْمْنَاءَ أَعَمُّ مِنْهُ، إِذْ لاَ يُقَال لِمَنْ أَمْنَى فِي الْيَقَظَةِ مُحْتَلِمٌ (٣) .

ب - الْجَنَابَةُ: أَعَمُّ مِنْ وَجْهٍ مِنَ الاِحْتِلاَمِ فَقَدْ تَكُونُ مِنَ الاِحْتِلاَمِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِهِ كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ (٤) كَمَا أَنَّ الاِحْتِلاَمَ قَدْ يَكُونُ بِلاَ إِنْزَالٍ فَلاَ تَحْصُل الْجَنَابَةُ.

ج - الْبُلُوغُ: الْبُلُوغُ يَحْصُل بِعَلاَمَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا الاِحْتِلاَمُ، فَهُوَ عَلاَمَةُ الْبُلُوغِ.

_________

(١) لسان العرب. المصباح مادة (حلم)

(٢) المجموع ٢ / ١٣٩ ط المنيرية، وفتح المعين شرح منلا مسكين ١ / ٥٨ ط الأولى.

(٣) ابن عابدين ١ / ٤٠٦ ط بولاق الأولى.

(٤) فتح القدير ١ / ٤١ ط بولاق، وتحفة الفقهاء ١ / ٤٥ ط دار الفكر.

مِمَّنْ يَكُونُ الاِحْتِلاَمُ؟

٣ - الاِحْتِلاَمُ كَمَا يَكُونُ مِنَ الرَّجُل يَكُونُ مِنَ الْمَرْأَةِ، فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ حَدَّثَتْ أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: هَل عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ قَال: نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ.

بِمَ يَتَحَقَّقُ احْتِلاَمُ الْمَرْأَةِ؟ .

٤ - لِلْفُقَهَاءِ فِي حُصُول الاِحْتِلاَمِ مِنَ الْمَرْأَةِ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ:

أ - حُصُول الاِحْتِلاَمِ بِوُصُول الْمَنِيِّ إِلَى ظَاهِرِ الْفَرْجِ. وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ، وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلثَّيِّبِ. وَالْمُرَادُ بِظَاهِرِ الْفَرْجِ: مَا يَظْهَرُ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، أَوْ عِنْدَ الْجُلُوسِ عِنْدَ الْقَدَمَيْنِ.

ب - حُصُول الاِحْتِلاَمِ بِوُصُول الْمَنِيِّ خَارِجَ الْفَرْجِ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ مُطْلَقًا، وَقَوْل الشَّافِعِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْبِكْرِ؛ لأَِنَّ دَاخِل فَرْجِهَا كَبَاطِنِ الْجِسْمِ.

ح - حُصُول الاِحْتِلاَمِ بِمُجَرَّدِ إِنْزَال الْمَرْأَةِ فِي رَحِمِهَا وَإِنْ لَمْ يَخْرُجِ الْمَنِيُّ إِلَى ظَاهِرِ الْفَرْجِ؛ لأَِنَّ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ عَادَةً يَنْعَكِسُ دَاخِل الرَّحِمِ لِيَتَخَلَّقَ مِنْهُ الْوَلَدُ، وَهُوَ قَوْل مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (١) .

_________

(١) الفتاوى الهندية ١ / ١٤ ط بولاق، والتاج والإكليل ٥ / ٣٥١ نشر مكتبة النجاح، والمجموع ١٢ / ٣٨ - ١٤٠ ط المنيرية، والمغني لابن قدامة ١ / ١٩٩ ط الرياض، وفتح القدير ١ / ٤٢، ٤٣ ط بولاق، والحطاب ١ / ٣٠٧، والدسوقي ١ / ١٢٦، والزرقاني على خليل ١ / ٩٥ ط دار الفكر، والعدوي على خليل ١ / ١٩٨ ط دار صادر، والجمل على المنهج ١ / ١٥٣، ١٦١، وكشاف القناع ١ / ١٣٨

أَثَرُ الاِحْتِلاَمِ فِي الْغُسْل؟

٥ - إِنْ كَانَ الْمُحْتَلِمُ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ فَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ رَأْيَانِ:

الأَْوَّل: وُجُوبُ الْغُسْل مِنَ الْجَنَابَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ، لِبَقَاءِ صِفَةِ الْجَنَابَةِ بَعْدَ الاِحْتِلاَمِ، وَلاَ يَجُوزُ أَدَاءُ الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا إِلاَّ بِزَوَال الْجَنَابَةِ (١) . الثَّانِي: نَدْبُ الْغُسْل، وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْقَاضِي إِسْمَاعِيل مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْكَافِرَ وَقْتَ الاِحْتِلاَمِ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ (٢) .

الاِحْتِلاَمُ بِلاَ إِنْزَالٍ:

٦ - مَنِ احْتَلَمَ وَلَمْ يَجِدْ مَنِيًّا فَلاَ غُسْل عَلَيْهِ. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُل مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ (٣) . وَلَوِ اسْتَيْقَظَ وَوَجَدَ الْمَنِيَّ وَلَمْ يَذْكُرِ احْتِلاَمًا فَعَلَيْهِ الْغُسْل، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِل عَنِ الرَّجُل يَجِدُ الْبَلَل وَلاَ يَذْكُرُ الاِحْتِلاَمَ، قَال: يَغْتَسِل، وَعَنِ الرَّجُل يَرَى أَنَّهُ

_________

(١) فتح القدير ١ / ٤٤، والبجيرمي على الخطيب ١ / ٢٢٣ ط الحلبي، والمغني ١ / ٢٠٨

(٢) الحطاب ١ / ٣١١، والزرقاني على خليل ١ / ٩٨، الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٥٤

(٣) الفتاوى الخانية ١ / ٤٤، والحطاب وبهامشه التاج والإكليل ١ / ٣٠٦ - ٣٠٧، والمجموع ٢ / ١٤٢، والمغني لابن قدامة ١ / ٢٠٢

احْتَلَمَ وَلاَ يَجِدُ الْبَلَل قَال: لاَ غُسْل عَلَيْهِ. (١) وَلاَ يُوجَدُ مَنْ يَقُول غَيْرَ ذَلِكَ، إِلاَّ وَجْهًا شَاذًّا لِلشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْلًا لِلْمَالِكِيَّةِ (٢) .

٧ - وَإِذَا رَأَى الْمَنِيَّ فِي فِرَاشٍ يَنَامُ فِيهِ مَعَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُمْكِنُ أَنْ يُمْنِيَ، وَنَسَبَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، فَالْغُسْل مُسْتَحَبٌّ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَلاَ يَلْزَمُ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُهُمَا خَلْفَ الآْخَرِ قَبْل الاِغْتِسَال، لِلشَّكِّ، وَهُوَ لاَ يَرْتَفِعُ بِهِ الْيَقِينُ (٣) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ بِوُجُوبِ الْغُسْل عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا.

وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: إِنَّهُ إِنْ كَانَا زَوْجَيْنِ وَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ وَحْدَهُ؛ لأَِنَّ الْغَالِبَ خُرُوجُ الْمَنِيِّ مِنَ الزَّوْجِ وَحْدَهُ، وَيُعِيدُ الصَّلاَةَ مِنْ آخِرِ نَوْمَةٍ، وَيَجِبُ عَلَيْهِمَا مَعًا الْغُسْل إِنْ كَانَا غَيْرَ زَوْجَيْنِ (٤) .

_________

(١) المراجع السابقة والحديث أخرجه أبو داود (عون المعبود ١ / ٩٥، ٩٦ ط الهند) والترمذي. وقال المباركفوري: قال في المنتقى بعد ذكر هذا الحديث: رواه الخمسة إلا النسائي. وقال في النيل: رجاله رجال الصحيح إلا عبد الله بن عمر العمري، وقد اختلف فيه. ثم ذكر ما فيه من الجرح والتعديل، ثم قال: وقد تفرد به المذكور عند من ذكره المصنف من المخرجين له، ولم نجده عن غيره، وهكذا رواه أحمد وابن أبي شيبة من طريقه. فالحديث معلول بعلتين الأولى: العمري، والثانية: التفرد وعدم المتابعة، فقصر عن درجة الحسن والصحة انتهى (تحفة الأحوذي ١ / ٣٦٩) ورواه أحمد في المسند (٦ / ٢٥٦ ط الميمنية)

(٢) المجموع ٢ / ١٤٣، والحطاب ١ / ٣٠٦

(٣) المجموع ٢ / ١٤٣، والمغني ١ / ٢٠٣

(٤) ابن عابدين ١ / ١١١، والزرقاني على خليل ١ / ٩١، والدسوقي ١ / ٣١٢

وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عِنْدَ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ.

٨ - وَالثَّوْبُ الَّذِي يَنَامُ فِيهِ هُوَ وَغَيْرُهُ كَالْفِرَاشِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَيُعِيدُ كُل صَلاَةٍ لاَ يُحْتَمَل خُلُوُّهَا عَنِ الإِْمْنَاءِ قَبْلَهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَمِنْ آخِرِ نَوْمَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ مَا لَمْ تَظْهَرْ أَمَارَةٌ عَلَى أَنَّهُ حَدَثَ قَبْلَهَا (١) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ يُسْتَحَبُّ الْغُسْل (٢) .

٩ - وَلَوِ اسْتَيْقَظَ فَوَجَدَ شَيْئًا وَشَكَّ فِي كَوْنِهِ مَنِيًّا أَوْ غَيْرَهُ (وَالشَّكُّ: اسْتِوَاءُ الطَّرَفَيْنِ دُونَ تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ) فَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ عِدَّةُ آرَاءٍ:

أ - وُجُوبُ الْغُسْل، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ أَوْجَبُوا الْغُسْل إِنْ تَذَكَّرَ الاِحْتِلاَمَ وَشَكَّ فِي كَوْنِهِ مَنِيًّا أَوْ مَذْيًا، أَوْ مَنِيًّا أَوْ وَدْيًا، وَكَذَا إِنْ شَكَّ فِي كَوْنِهِ مَذْيًا أَوْ وَدْيًا؛ لأَِنَّ الْمَنِيَّ قَدْ يَرِقُّ لِعَارِضٍ كَالْهَوَاءِ، لِوُجُودِ الْقَرِينَةِ، وَهِيَ تَذَكُّرُ الاِحْتِلاَمِ. فَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرِ الاِحْتِلاَمَ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، أَخْذًا بِالْحَدِيثِ فِي جَوَابِهِ ﷺ عَنِ الرَّجُل يَجِدُ الْبَلَل وَلَمْ يَذْكُرِ احْتِلاَمًا قَال: يَغْتَسِل (٣) . لِلإِْطْلاَقِ فِي كَلِمَةِ " الْبَلَل ". وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ يَجِبُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لأَِنَّ الْيَقِينَ لاَ يَزُول بِالشَّكِّ، وَهَذَا كُلُّهُ مُقَيَّدٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِأَلاَّ يَسْبِقَهُ انْتِشَارٌ قَبْل النَّوْمِ، فَإِنْ سَبَقَهُ انْتِشَارٌ تَرَجَّحَ أَنَّهُ

_________

(١) شرح الروض وحاشية الرملي عليه ١ / ٦٥، ٦٦، ط الميمنية، والمغني ١ / ٢٠٣

(٢) الدسوقي ١ / ١٣٢

(٣) تقدم تخريج الحديث في فقرة ٦

مَذْيٌ (١) . وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ: أَوْ كَانَتْ بِهَا إِبْرِدَةٍ؛ لاِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ مَذْيًا، وَقَدْ وُجِدَ سَبَبُهُ (٢) . وَيَجِبُ مِنْهُ حِينَئِذٍ الْوُضُوءُ، وَقَصَرَ الْمَالِكِيَّةُ وُجُوبَ الْغُسْل عَلَى مَا إِذَا كَانَ الشَّكُّ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا مَنِيٌّ. فَإِنْ شَكَّ فِي كَوْنِهِ وَاحِدًا مِنْ ثَلاَثَةٍ فَلاَ يَجِبُ الْغُسْل (٣)، لِضَعْفِ الشَّكِّ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَنِيِّ، لِتَعَدُّدِ مُقَابِلِهِ.

ب - عَدَمُ وُجُوبِ الْغُسْل، وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْل مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ؛ لأَِنَّ الْيَقِينَ لاَ يَزُول بِالشَّكِّ. وَالأَْوْلَى الاِغْتِسَال لإِزَالَةِ الشَّكِّ. وَأَوْجَبُوا مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءَ مُرَتَّبًا.

ج - التَّخْيِيرُ فِي اعْتِبَارِهِ وَاحِدًا مِمَّا اشْتَبَهَ فِيهِ، وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ، وَذَلِكَ لاِشْتِغَال ذِمَّتِهِ بِطَهَارَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ.

د - وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ لُزُومُ مُقْتَضَى الْجَمِيعِ. أَيِ الْغُسْل وَالْوُضُوءِ، لِلاِحْتِيَاطِ (٤) .

أَثَرُ الاِحْتِلاَمِ فِي الصَّوْمِ وَالْحَجِّ:

١٠ - لاَ أَثَرَ لِلاِحْتِلاَمِ فِي الصَّوْمِ، وَلاَ يَبْطُل بِهِ بِاتِّفَاقٍ، لِقَوْلِهِ ﵊: ثَلاَثٌ لاَ يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ: الْحِجَامَةُ، وَالْقَيْءُ، وَالاِحْتِلاَمُ (٥)،

_________

(١) البحر الرائق ١ / ٥٨ - ٥٩، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٥٤، والمغني ١ / ٢٠٣

(٢) الإبردة (بكسر الهمزة والراء) علة تنشأ عن البرد والرطوبة (لسان العرب - مادة: برد)

(٣) المغني ١ / ٢٠٣

(٤) المجموع ٢ / ١٤٥، ١٤٦

(٥) رواه الترمذي والبيهقي عن أبي سعيد الخدري، وقال الترمذي: هذا غير محفوظ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم مضعف. والمشهور عن عطاء مرسل. ونقل عن ابن عباس عند البزار بسند معلول، وعن ثوبان عند الطبراني وهو ضعيف (فيض القدير ٣ / ٣١٢)

وَلأَِنَّ فِيهِ حَرَجًا، لِعَدَمِ إِمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ إِلاَّ بِتَرْكِ النَّوْمِ، وَالنَّوْمُ مُبَاحٌ، وَتَرْكُهُ غَيْرُ مُسْتَطَاعٍ. وَلأَِنَّهُ لَمْ تُوجَدْ صُورَةُ الْجِمَاعِ، وَلاَ مَعْنَاهُ وَهُوَ الإِْنْزَال عَنْ شَهْوَةٍ بِمُبَاشَرَةٍ (١) وَلاَ أَثَرَ لَهُ كَذَلِكَ فِي الْحَجِّ بِاتِّفَاقٍ (٢) .

أَثَرُ الاِحْتِلاَمِ فِي الاِعْتِكَافِ:

١١ - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الاِعْتِكَافَ لاَ يَبْطُل بِالاِحْتِلاَمِ، وَلاَ يَفْسُدُ إِنْ خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ لِلاِغْتِسَال خَارِجَ الْمَسْجِدِ، إِلاَّ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ذَكَرَهَا الْحَنَفِيَّةُ وَهِيَ إِنْ أَمْكَنَهُ الاِغْتِسَال فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَخْشَ تَلْوِيثَهُ فَإِنْ خِيفَ تَلْوِيثُهُ مُنِعَ؛ لأَِنَّ تَنْظِيفَ الْمَسْجِدِ وَاجِبٌ.

وَبَقِيَّةُ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ مَنْ يُجِيزُ الْخُرُوجَ لِلاِغْتِسَال وَلَوْ مَعَ أَمْنِ الْمَسْجِدِ فِي التَّلَوُّثِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُوجِبُ الْخُرُوجَ وَيُحَرِّمُ الاِغْتِسَال فِي الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْخُرُوجُ فَعَلَيْهِ تَيَمُّمٌ (٣) .

_________

(١) الدسوقي على الدردير ١ / ٥٢٣ ط الحلبي، ومغني المحتاج ١ / ٤٣٠ ط مصطفى الحلبي، والمغني مع الشرح الكبير ٣ / ٥٠ ط المنار.

(٢) الفتاوى الهندية ١ / ٢٤٤، المغني مع الشرح الكبير ط بولاق ٣ / ٣٣٠، والحطاب ٢ / ٤٢٣، والجمل على المنهج ٢ / ٥١٧

(٣) ابن عابدين ٢ / ١٣٢، والحطاب ٢ / ٤٦٢، وجواهر الإكليل ١ / ١٥٩ ط عباس شقرون، والشرح الصغير ١ / ٧٢٨، ٧٣٥ ط دار المعارف، ونهاية المحتاج ٣ / ١٩ ط الحلبي، والجمل ٢ / ٣٦٣ الميمنية، والإنصاف ١ / ١٦٨، ٣ / ٣٧٢ ط الأولى، والمحرر ١ / ٢٣٢ مطبعة السنة المحمدية.

وَالْخُرُوجُ لاَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ بِاتِّفَاقٍ مَا لَمْ يَطُل.

١٢ - وَفِي اعْتِبَارِ زَمَنِ الْجَنَابَةِ مِنَ الاِعْتِكَافِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. فَالشَّافِعِيَّةُ لاَ يَعُدُّونَ زَمَنَ الْجَنَابَةِ مِنَ الاِعْتِكَافِ إِنِ اتَّفَقَ الْمُكْثُ مَعَهَا لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِمُنَافَاةِ ذَلِكَ لِلاِحْتِلاَمِ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَيُحْسَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، فَقَدْ صَرَّحُوا بِعَدَمِ قَضَائِهِ لِكَوْنِهِ مُعْتَادًا، وَلاَ كَفَّارَةَ فِيهِ (١) .

الْبُلُوغُ بِالاِحْتِلاَمِ:

١٣ - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْبُلُوغَ يَحْصُل بِالاِحْتِلاَمِ مَعَ الإِْنْزَال، وَيَنْقَطِعُ بِهِ الْيُتْمُ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ قَال: لاَ يُتْمَ بَعْدَ احْتِلاَمٍ وَلاَ صُمَاتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْل. (٢)

_________

(١) الجمل على المنهج ٢ / ٣٦٣، والحطاب ٢ / ٤٦٢، والدسوقي ١ / ٥٥١ ط دار الفكر، والزرقاني على خليل ٢ / ٢٢٨، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٤٦٩ ط دار الفكر، والبدائع ١ / ١١٦ مكتبة المطبوعات العلمية، وفتح المعين على شرح منلا مسكين ١ / ٤٥٤

(٢) فتح القدير ٢ / ٣١٢، ٣١٣، وابن عابدين ٥ / ٩٧، والدسوقي ٣ / ٢٩٣، ومغني المحتاج ٢ / ١٦٦ ط مصطفى الحلبي، ونهاية المحتاج ٦ / ١٣٦ ط الحلبي، ومغني ابن قدامة ٤ / ٣٤٥ ط مكتبة القاهرة، ومطالب أولي النهى ٢ / ٥٥٣، ٥٥٤، ٣ / ٤٠٢ والحديث رواه أبو داود في كتاب الوصايا من سننه، باب ما جاء متى ينقطع اليتم، قال المنذري: في إسناده يحيى بن محمد المدني الجاري، قال البخاري: يتكلمون فيه. وقال ابن حبان: يجب التنكب عما انفرد به من الروايات. وذكر العقيلي هذا الحديث وذكر أن هذا الحديث لا يتابع عليه يحيى. هذا آخر كلامه. وهو منسوب إلى الجار بالجيم والراء المهملة بلدة على الساحل تقرب من مدينة رسول الله صلى الله عليه وس وليس فيهما شيء يثبت (عون المعبود ٣ / ٧٤ ط الهند) .

احْتِوَاشٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِحْتِوَاشُ لُغَةً الإِْحَاطَةُ. يُقَال: احْتَوَشَ الْقَوْمُ عَلَى فُلاَنٍ إِذَا جَعَلُوهُ وَسَطَهُمْ (١)، وَاحْتَوَشَ الْقَوْمُ الصَّيْدَ أَحَاطُوا بِهِ (٢) .

وَمَنِ اسْتَعْمَلَهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ - وَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ - أَطْلَقُوهُ عَلَى إِحَاطَةٍ خَاصَّةٍ، وَهِيَ إِحَاطَةُ الدَّمَيْنِ بِطُهْرٍ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ تَعَرَّضَ لِلْمَسْأَلَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَال هَذِهِ التَّسْمِيَةِ.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الطُّهْرَ الَّذِي يُعْتَبَرُ فِي الْعِدَّةِ هُوَ الْمُحْتَوَشُ بَيْنَ دَمَيْنِ، فَلَوْ طَلَّقَ صَغِيرَةً وَمَضَى قَدْرُ زَمَنِ الطُّهْرِ ثُمَّ حَاضَتْ فَلاَ يُعْتَبَرُ قُرْءًا. وَمُقَابِل الأَْصَحِّ اعْتِبَارُهُ قُرْءًا؛ لأَِنَّ الْقُرْءَ هُوَ انْتِقَالٌ مِنْ طُهْرٍ إِلَى حَيْضٍ (٣) وَلاَ يَخْفَى أَنَّ هَذَا لاَ يُسَمَّى احْتِوَاشًا. وَيَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي عِدَّةِ ذَوَاتِ

_________

(١) النهاية لابن الأثير (حوش) .

(٢) المصباح المنير (حوش) .

(٣) نهاية المحتاج ٧ / ١٢٢، ١٢٣ ط الحلبي، والقليوبي ٤ / ٤٠ ط الحلبي، والتاج والإكليل ٤ / ١٤١، ١٤٢ ط ليبيا.