الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢
الشَّارِعَ يَعْتَبِرُهُ صَحِيحًا مَقْبُولًا (١) .
فَالْمَسْبُوقُ فِي الصَّلاَةِ إِذَا أَدْرَكَ الرُّكُوعَ مَعَ الإِْمَامِ احْتُسِبَتْ لَهُ رَكْعَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِالْفَرَائِضِ الَّتِي قَبْلَهُ، وَمَنْ دَخَل الْمَسْجِدَ، فَرَأَى الْجَمَاعَةَ قَائِمَةً لِصَلاَةِ الظُّهْرِ فَنَوَى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ وَصَلاَةَ الظُّهْرِ وَدَخَل مَعَهُمْ فِي صَلاَتِهِمْ، احْتُسِبَتْ لَهُ تِلْكَ الصَّلاَةُ تَحِيَّةَ مَسْجِدٍ وَصَلاَةَ ظُهْرٍ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي " الصَّلاَةِ ".
الاِحْتِسَابُ بِمَعْنَى طَلَبِ الثَّوَابِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى:
٣ - طَلَبُ الثَّوَابِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِالاِحْتِسَابِ يَتَحَقَّقُ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا:
أ - تَنَازُل الْمُسْلِمِ عَنْ حَقِّهِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْغَيْرِ طَلَبًا لِثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى، لاَ عَجْزًا (٢)، كَعِتْقِ الرَّقِيقِ، احْتِسَابًا، وَوَضْعِ السَّيِّدِ بَعْضَ مَال الْكِتَابَةِ احْتِسَابًا (٣) وَالْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ دُونَ مُقَابِلٍ احْتِسَابًا، وَإِرْضَاعِ الصَّغِيرِ دُونَ مُقَابِلٍ احْتِسَابًا.
ب - أَدَاءُ حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضَةِ كَالصَّلاَةِ، وَالصَّوْمِ، وَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ دُونَ طَلَبٍ فِي حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ الْمَحْضَةِ، وَفِيمَا لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِ حَقٌّ
_________
(١) المغني ١ / ٥٠٤ وما بعدها، وجواهر الإكليل ١ / ٣٩٩، ٨٤، ٤٦، وحاشية ابن عابدين ١ / ٤٥٦، وحاشية القليوبي ١ / ٢١٥
(٢) المغني ٧ / ٦٢٩
(٣) انظر القليوبي ٤ / ٣٦٦
غَالِبٌ مُؤَكَّدٌ (١)، وَهُوَ مَا لاَ يَتَأَثَّرُ بِرِضَا الآْدَمِيِّ - كَطَلاَقٍ، وَعِتْقٍ، وَعَفْوٍ عَنْ قِصَاصٍ، وَبَقَاءِ عِدَّةٍ، وَانْقِضَائِهَا، وَحَدٍّ، وَنَسَبٍ.
وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ الْقَوْل فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى مَا يُؤَدَّى حِسْبَةً مِنَ الشَّهَادَاتِ، وَمَا يَتَّصِل بِأَحْكَامِ الْمُحْتَسِبِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ " حِسْبَةٌ ".
احْتِشَاشٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِحْتِشَاشُ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ طَلَبُ الْحَشِيشِ وَجَمْعُهُ، وَالْحَشِيشُ يَابِسُ الْكَلأَِ. قَال الأَْزْهَرِيُّ: لاَ يُقَال لِلرَّطْبِ حَشِيشٌ (٢) .
وَاصْطِلاَحًا: قَطْعُ الْحَشِيشِ، سَوَاءٌ أَكَانَ يَابِسًا أَمْ رَطْبًا. وَإِطْلاَقُهُ فِي الرَّطْبِ مِنْ قَبِيل الْمَجَازِ، بِاعْتِبَارِ مَا يَؤُول إِلَيْهِ. (٣)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى إِبَاحَةِ الاِحْتِشَاشِ، رَطْبًا كَانَ الْكَلأَُ أَوْ جَافًّا، فِي غَيْرِ
_________
(١) القليوبي ٤ / ٣٦٦، والبدائع ٩ / ٤٠٤٩ ط مطبعة الإمام ومواهب الجليل ٦ / ١٦٥ نشر مكتبة النجاح - ليبيا - والمغني ٩ / ٢١٦ ط ٣ المنار.
(٢) لسان العرب (حشش)
(٣) ابن عابدين ٢ / ٢١٦
الْحَرَمِ، مَا دَامَ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لأَِحَدٍ. أَمَّا إِذَا كَانَ مَمْلُوكًا فَلاَ يَجُوزُ احْتِشَاشُهُ إِلاَّ بِإِذْنِ مَالِكِهِ (١) . أَمَّا فِي الْحَرَمِ فَقَدِ اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَحِل قَطْعُ حَشِيشِ الْحَرَمِ غَيْرِ الْمَمْلُوكِ لأَِحَدٍ، إِلاَّ أَنَّهُمْ أَبَاحُوا الإِْذْخِرَ وَمُلْحَقَاتِهِ وَالسِّوَاكَ وَالْعَوْسَجَ، وَقَدْ أَبَاحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رَأْيٍ وَأَبُو يُوسُفَ فِي رَأْيٍ أَيْضًا الاِحْتِشَاشَ فِي الْحَرَمِ لِعَلَفِ الدَّوَابِّ. وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ الْجِنَايَاتُ فِي الإِْحْرَامِ (٢) .
السَّرِقَةُ فِي الاِحْتِشَاشِ:
٣ - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ: تُقْطَعُ الْيَدُ فِي الْعُشْبِ الْمُحْتَشِّ إِذَا أُخِذَ مِنْ حِرْزٍ وَبَلَغَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ: لاَ قَطْعَ فِيهِ (٣) .
حِمَايَةُ الْكَلأَِ مِنَ الاِحْتِشَاشِ:
٤ - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ رَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَمْنَعَ الاِحْتِشَاشَ فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ يَجْعَلُهُ
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٢٨٣ ط الأول، والقليوبي وعميرة ٣ / ٩٥، والمغني ٦ / ١٨٤ ط المنار.
(٢) الهداية ١ / ١٧٥ ط مصطفى الحلبي، ونهاية المحتاج ٣ / ٣٤٣ ط مصطفى الحلبي، والمقنع ٢ / ١٤٩، ١٨٣ ط السلفية، وبلغة السالك لأقرب المسالك ١ / ٢٩٧ ط مصطفى الحلبي، وبدائع الصنائع ٦ / ١٩٣ ط الجمالية.
(٣) ابن عابدين ٣ / ٩٨ ط الأولى، والدسوقي ٤ / ٣٣٤ ط دار الفكر، وأسنى المطالب شرح روض الطالب ٤ / ١٤١ نشر المكتبة الإسلامية، والمغني ٨ / ٢٤٦ ط الرياض، وفتح القدير ٤ / ٢٢٦
حِمًى لِرَعْيِ خَيْل الْمُجَاهِدِينَ، وَلِمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فَهُمْ لاَ يُجِيزُونَ الْمَنْعَ مِنَ الاِحْتِشَاشِ.
الشَّرِكَةُ فِي الاِحْتِشَاشِ:
٥ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ لاَ يُجِيزُونَ عَقْدَ الشَّرِكَةِ فِي تَحْصِيل الْمُبَاحَاتِ الْعَامَّةِ وَلاَ التَّوْكِيل فِيهَا. وَالاِحْتِشَاشُ وَالاِحْتِطَابُ مِنْ هَذَا الْقَبِيل. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَدْ أَجَازُوا ذَلِكَ. وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَى أَبْوَابِ الشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ (١) .
احْتِضَارٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِحْتِضَارُ لُغَةً: الإِْشْرَافُ عَلَى الْمَوْتِ بِظُهُورِ عَلاَمَاتِهِ. وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الإِْصَابَةِ بِاللَّمَمِ أَوِ الْجُنُونِ، وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ فِي الاِصْطِلاَحِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الأَْوَّل (٢) .
عَلاَمَاتُ الاِحْتِضَارِ:
٢ - لِلاِحْتِضَارِ عَلاَمَاتٌ كَثِيرَةٌ يَعْرِفُهَا الْمُخْتَصُّونَ،
_________
(١) المغني ٥ / ٤٢٨ ط المنار، ورد المحتار ٣ / ٣٦٠، ٣٦١ ط الأولى، وفتح القدير ٥ / ٣١، ٣٢، والخرشي ٤ / ٢٦٧، ٢٦٩، ومطالب أولي النهى ٣ / ٤٥، والقليوبي وعميرة ٢ / ٣٣٩ ط مصطفى الحلبي.
(٢) تاج العروس، والمصباح، والمفردات للأصفهاني (حضر)، وكفاية الطالب ١ / ٣١٢، ومجمع الأنهر ١ / ١٧٣
ذَكَرَ مِنْهَا الْفُقَهَاءُ: اسْتِرْخَاءَ الْقَدَمَيْنِ، وَاعْوِجَاجَ الأَْنْفِ، وَانْخِسَافَ الصُّدْغَيْنِ، وَامْتِدَادَ جِلْدَةِ الْوَجْهِ (١) .
مُلاَزَمَةُ أَهْل الْمُحْتَضَرِ لَهُ:
٣ - يَجِبُ عَلَى أَقَارِبِ الْمُحْتَضَرِ أَنْ يُلاَزِمُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى أَصْحَابِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى جِيرَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِ الْكِفَايَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَلِيَهُ مِنْ أَقَارِبِهِ أَحْسَنُهُمْ خَلْقًا وَخُلُقًا وَدِينًا، وَأَرْفَقُهُمْ بِهِ، وَأَعْلَمُهُمْ بِسِيَاسَتِهِ، وَأَتْقَاهُمْ لِلَّهِ. وَنُدِبَ أَنْ يُحْضِرُوا عِنْدَهُ طِيبًا، وَأَنْ يُبْعِدُوا النِّسَاءَ لِقِلَّةِ صَبْرِهِنَّ، وَنُدِبَ إِظْهَارُ التَّجَلُّدِ لِمَنْ حَضَرَ مِنَ الرِّجَال (٢) . وَلاَ بَأْسَ بِحُضُورِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْجُنُبِ عِنْدَ الْمُحْتَضَرِ وَقْتَ الْمَوْتِ، إِذْ إِنَّهُ قَدْ لاَ يُمْكِنُ مَنْعُهُنَّ، لِلشَّفَقَةِ، أَوْ لِلاِحْتِيَاجِ إِلَيْهِنَّ. وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ لاَ يَرَى بَأْسًا أَنْ تَحْضُرَ الْحَائِضُ الْمَيِّتَ (٣) وَالْكَرَاهَةُ قَوْل الْحَنَابِلَةِ (٤) . وَقَالَتِ الْمَالِكِيَّةُ: يُنْدَبُ تَجَنُّبُ حَائِضٍ وَجُنُبٍ وَتِمْثَالٍ وَآلَةِ لَهْوٍ (٥) .
مَنْ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الاِحْتِضَارِ:
٤ - يَجْرِي حُكْمُ الاِحْتِضَارِ عَلَى مَنْ قُدِّمَ لِلْقَتْل
_________
(١) الفتاوى الهندية ١ / ١٥٧، وفتح القدير ١ / ٤٤٦
(٢) كفاية الطالب ١ / ٣١٣، وبلغة السالك ١ / ٢٢٧، وفتح القدير ١ / ٤٤٦
(٣) المصنف لابن أبي شيبة ٤ / ٧٥
(٤) كشاف القناع ٢ / ٨٣
(٥) مصنف ابن أبي شبة ٤ / ٨٧، وكفاية الطالب ١ / ٣١٣
حَدًّا، أَوْ قِصَاصًا، أَوْ ظُلْمًا، أَوْ مَنْ أُصِيبَ إِصَابَةً قَاتِلَةً (١)، كَمَا يَجْرِي عَلَى مَنْ كَانَ عِنْدَ الْتِحَامِ صُفُوفِ الْمَعْرَكَةِ.
مَا يَفْعَلُهُ الْمُحْتَضَرُ:
٥ - أ - يَنْبَغِي لِلْمُحْتَضَرِ تَحْسِينُ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى، فَيُنْدَبُ لِمَنْ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَنْ يَرْجُوَ رَحْمَةَ رَبِّهِ وَمَغْفِرَتَهُ وَسَعَةَ عَفْوِهِ، زِيَادَةً عَلَى حَالَةِ الصِّحَّةِ، تَرْجِيحًا لِلرَّجَاءِ عَلَى الْخَوْفِ (٢)، لِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: " سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُول قَبْل مَوْتِهِ بِثَلاَثٍ: لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ تَعَالَى (٣) وَلِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ قَال اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلاَ يَظُنُّ بِي إِلاَّ خَيْرًا. وَلِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَل عَلَى شَابٍّ وَهُوَ بِالْمَوْتِ، فَقَال: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَال: وَاللَّهِ يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي أَرْجُو اللَّهَ، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْل هَذَا الْمَوْطِنِ إِلاَّ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَأَمَّنَهُ مِمَّا يَخَافُ. (٤)
ب - وُجُوبُ الإِْيصَاءِ بِأَدَاءِ الْحُقُوقِ
_________
(١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ٣٠٥، والمغني٦ / ٥٠٥ والقليوبي ٣ / ١٦٤
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٤١٤، وحاشية الجمل على شرح المنهج ١ / ١٣٨
(٣) أخرجه مسلم.
(٤) أخرجه ابن ماجه والترمذي عن أنس بسند حسن.
لأَِصْحَابِهَا (١) .
ج - تَوْصِيَةُ أَهْلِهِ بِاتِّبَاعِ مَا جَرَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي التَّجْهِيزِ وَالدَّفْنِ وَاجْتِنَابِ الْبِدَعِ فِي ذَلِكَ اتِّبَاعًا لأَِصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَدْ وَرَدَتِ الآْثَارُ الْكَثِيرَةُ عَنْهُمْ فِي هَذَا الْمَجَال، مِنْهَا مَا وَرَدَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَال: أَوْصَى أَبُو مُوسَى ﵁ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ، قَال: إِذَا انْطَلَقْتُمْ بِجِنَازَتِي فَأَسْرِعُوا بِيَ الْمَشْيَ، وَلاَ تَتْبَعُونِي بِمُجَمِّرٍ، وَلاَ تَجْعَلُوا عَلَى لَحْدِي شَيْئًا يَحُول بَيْنِي وَبَيْنَ التُّرَابِ، وَلاَ تَجْعَلُوا عَلَى قَبْرِي بِنَاءً. وَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ كُل حَالِقَةٍ (٢) أَوْ سَالِقَةٍ أَوْ خَارِقَةٍ (٣) . قَالُوا: سَمِعْتَ فِيهِ شَيْئًا؟ قَال: نَعَمْ مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ (٤) .
د - التَّوْصِيَةُ لأَِقْرِبَائِهِ الَّذِينَ لاَ يَرِثُونَ مِنْهُ، إِنْ لَمْ يَكُنْ وَصَّى لَهُمْ فِي حَال صِحَّتِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَْقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٥)﴾ . وَلِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَال: كُنْتُ مَعَ رَسُول اللَّهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمَرِضْتُ مَرَضًا أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ، فَعَادَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا، وَلَيْسَ يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ لِي، أَفَأُوصِي بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَال: لاَ. قُلْتُ: بِشَطْرِ
_________
(١) الاختيار ٥ / ٧٢ - ٧٦، وكشاف القناع ٤ / ٣٣٥، ٣٥١، ومغني المحتاج، وشرح الروض ٣ / ٦٧
(٢) التي تحلق شعرها عند المصيبة.
(٣) السالقة: هي التي ترفع صوتها عند المصيبة. والخارقة: التي تخرق ثوبها.
(٤) أخرجه أحمد والبيهقي وابن ماجه بسند حسن
(٥) سورة البقرة / ١٨٠
مَالِي؟ قَال: لاَ. قُلْتُ: فَثُلُثُ مَالِي؟ قَال: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ يَا سَعْدُ إِنْ تَدَعْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ (١) .
التَّوْبَةُ إِلَى اللَّهِ:
٦ - يَجِبُ عَلَى الْمُحْتَضَرِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ مِنْ ذُنُوبِهِ قَبْل وُصُول الرُّوحِ إِلَى الْحُلْقُومِ؛ لأَِنَّ قُرْبَ الْمَوْتِ لاَ يَمْنَعُ مِنْ قَبُول التَّوْبَةِ، لِقَوْلِهِ ﵊: إِنَّ اللَّهَ يَقْبَل تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ. (٢) وَتَفْصِيل مَا يَتَّصِل بِالتَّوْبَةِ مِنْ أَحْكَامٍ فِي مُصْطَلَحِ " تَوْبَةٌ ".
تَصَرُّفَاتُ الْمُحْتَضَرِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِ:
٧ - يَجْرِي عَلَى تَصَرُّفَاتِ الْمُحْتَضَرِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِ مَا يَجْرِي عَلَى تَصَرُّفَاتِ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ مِنْ أَحْكَامٍ، إِذَا كَانَ فِي وَعْيِهِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ " مَرَضُ الْمَوْتِ ".
مَا يُسَنُّ لِلْحَاضِرِينَ أَنْ يَفْعَلُوهُ عِنْدَ الاِحْتِضَارِ:
أَوَّلًا: التَّلْقِينُ:
٨ - يَنْبَغِي تَلْقِينُ الْمُحْتَضَرِ: " لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ " لِقَوْل الرَّسُول ﷺ: لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ
_________
(١) أخرجه أحمد والشيخان.
(٢) أخرجه أبو داود. وانظر حاشية ابن عابدين ١ / ٥٧٠، وكشاف القناع ٢ / ٨١
لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. (١) قَال النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْمَوْتَى فِي الْحَدِيثِ الْمُحْتَضَرُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي سِيَاقِ الْمَوْتِ، سُمُّوا مَوْتَى لِقُرْبِهِمْ مِنَ الْمَوْتِ، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ مَجَازًا (٢) .
وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي وُجُوبَ التَّلْقِينِ، وَإِلَيْهِ مَال الْقُرْطُبِيُّ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ، وَأَنَّهُ لاَ يُسَنُّ زِيَادَةُ " مُحَمَّدٌ رَسُول اللَّهِ " وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَالْمَجْمُوعِ (٣) .
وَيَكُونُ التَّلْقِينُ قَبْل الْغَرْغَرَةِ، جَهْرًا وَهُوَ يَسْمَعُ؛ لأَِنَّ الْغَرْغَرَةَ تَكُونُ قُرْبَ كَوْنِ الرُّوحِ فِي الْحُلْقُومِ، وَحِينَئِذٍ لاَ يُمْكِنُ النُّطْقُ بِهَا (٤) . وَالتَّلْقِينُ إِنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ حَضَرَ عَقْلُهُ وَقَدَرَ عَلَى الْكَلاَمِ، فَإِنَّ شَارِدَ اللُّبِّ لاَ يُمْكِنُ تَلْقِينُهُ، وَالْعَاجِزُ عَنِ الْكَلاَمِ يُرَدِّدُ الشَّهَادَةَ فِي نَفْسِهِ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﵊: لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ذَكِّرُوا الْمُحْتَضَرَ " لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ " لِكَيْ تَكُونَ آخِرَ كَلاَمِهِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ: مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَل الْجَنَّةَ.
(٥) وَيَرَى جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يُلَقَّنُ الشَّهَادَةَ، وَقَالُوا: صُورَةُ التَّلْقِينِ أَنْ يُقَال عِنْدَهُ فِي حَالَةِ النَّزْعِ قَبْل الْغَرْغَرَةِ،
_________
(١) رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري.
(٢) الفتاوى الهندية ١ / ١٥٧، وفتح القدير ١ / ٤٦٦، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٢٨
(٣) نهاية المحتاج شرح المنهاج ٢ / ٤٢٨
(٤) حاشية ابن عابدين ١ / ٥٧٠ وما بعدها.
(٥) رواه أبو داود وصححه الحاكم عن معاذ بن جبل.
جَهْرًا وَهُوَ يَسْمَعُ: " أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ " وَلاَ يُقَال لَهُ: قُل، وَلاَ يُلَحُّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهَا، مَخَافَةَ أَنْ يَضْجَرَ فَيَأْتِي بِكَلاَمٍ غَيْرِ لاَئِقٍ. فَإِذَا قَالَهَا مَرَّةً لاَ يُعِيدُهَا عَلَيْهِ الْمُلَقِّنُ، إِلاَّ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلاَمٍ غَيْرِهَا. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُلَقِّنُ غَيْرَ مُتَّهَمٍ بِالْمَسَرَّةِ بِمَوْتِهِ، كَعَدُوٍّ أَوْ حَاسِدٍ أَوْ وَارِثٍ غَيْرِ وَلَدِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُعْتَقَدُ فِيهِ الْخَيْرُ. وَإِذَا ظَهَرَتْ مِنَ الْمُحْتَضَرِ كَلِمَاتٌ تُوجِبُ الْكُفْرَ لاَ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ، وَيُعَامَل مُعَامَلَةَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ (١) .
ثَانِيًا: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ:
٩ - يُنْدَبُ قِرَاءَةُ سُورَةِ (يس) عِنْدَ الْمُحْتَضَرِ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ صَفْوَانَ، قَال: " كَانَتِ الْمَشْيَخَةُ يَقُولُونَ: إِذَا قُرِئَتْ (يس) عِنْدَ الْمَوْتِ خُفِّفَ عَنْهُ بِهَا. وَأَسْنَدَهُ صَاحِبُ مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي ذَرٍّ، قَالاَ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَتُقْرَأُ عِنْدَهُ يس إِلاَّ هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
قَال ابْنُ حِبَّانَ: أَرَادَ بِهِ مَنْ حَضَرَتْهُ الْمَنِيَّةُ، لاَ أَنَّ الْمَيِّتَ يُقْرَأُ عَلَيْهِ. وَبِهِ قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٢) . وَزَادَتِ الْحَنَابِلَةُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ. وَقَال الشَّعْبِيُّ: " كَانَ الأَْنْصَارُ يَقْرَءُونَ عِنْدَ
_________
(١) المغني لابن قدامة ١ / ٣٠٣، والفتاوى الهندية ١ / ١٥٧، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٢٨
(٢) الفتاوى الهندية ١ / ١٥٧، والمغني ٢ / ٣٠٣، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٢٨