الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 14

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

يُوَصِّل إِلَى الْمُرَادِ مِنْهُ (١)، وَلِذَا قِيل لِلنَّجَّارِ صَانِعٌ وَلاَ يُقَال لِلتَّاجِرِ صَانِعٌ. فَلاَ يَشْتَرِطُونَ فِي الصِّنَاعَةِ أَنْ يَجْعَلَهَا الشَّخْصُ دَأْبَهُ وَدَيْدَنَهُ، وَيَخُصُّ الْفُقَهَاءُ، كَلِمَةَ " صِنَاعَةٍ " بِالْحِرَفِ الَّتِي تُسْتَعْمَل فِيهَا الآْلَةُ، فَقَالُوا: الصِّنَاعَةُ مَا كَانَ بِآلَةٍ (٢) .

ب - الْعَمَل.

٣ - يَفْتَرِقُ الاِحْتِرَافُ عَنِ الْعَمَل، بِأَنَّ الْعَمَل يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْل سَوَاءٌ حَذَقَهُ الإِْنْسَانُ أَوْ لَمْ يَحْذِقْهُ، اتَّخَذَهُ دَيْدَنًا لَهُ أَوْ لَمْ يَتَّخِذْهُ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: الْعَمَل الْمِهْنَةُ وَالْفِعْل (٣) . وَغَالِبُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ إِطْلاَقُ الْعَمَل عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الاِحْتِرَافِ وَالصَّنْعَةِ، كَمَا أَنَّ الاِحْتِرَافَ أَعَمُّ مِنَ الصَّنْعَةِ.

ج - الاِكْتِسَابُ أَوِ الْكَسْبُ:

٤ - يَفْتَرِقُ مَعْنَى الاِحْتِرَافِ عَنْ مَعْنَى الاِكْتِسَابِ أَوِ الْكَسْبِ، بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَعَمُّ مِنَ الاِحْتِرَافِ، لأَِنَّهُمَا عِنْدَ أَهْل اللُّغَةِ مَا يَتَحَرَّاهُ الإِْنْسَانُ مِمَّا فِيهِ اجْتِلاَبُ نَفْعٍ وَتَحْصِيل حَظٍّ (٤)، فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَجْعَلَهُ الشَّخْصُ دَأْبَهُ وَدَيْدَنَهُ كَمَا هُوَ الْحَال فِي الاِحْتِرَافِ،

_________

(١) الفروق في اللغة ص ١٢٨ بتصرف

(٢) حاشية القليوبي ٤ / ٢١٥

(٣) لسان العرب مادة (عمل)

(٤) مفردات الراغب الأصبهاني

وَيُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ الاِكْتِسَابَ أَوِ الْكَسْبَ عَلَى تَحْصِيل الْمَال بِمَا حَل أَوْ حَرُمَ مِنَ الأَْسْبَابِ (١) سَوَاءٌ أَكَانَ بِاحْتِرَافٍ أَوْ بِغَيْرِ احْتِرَافٍ، كَمَا يُطْلِقُونَ الْكَسْبَ عَلَى الْحَاصِل بِالاِكْتِسَابِ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ إِجْمَالًا:

٥ - الاِحْتِرَافُ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الْعُمُومِ لاِحْتِيَاجِ النَّاسِ إِلَيْهِ وَعَدَمِ اسْتِغْنَائِهِمْ عَنْهُ. وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

تَصْنِيفُ الْحِرَفِ:

٦ - تُصَنَّفُ الْحِرَفُ إِلَى صِنْفَيْنِ: الصِّنْفُ الأَْوَّل: حِرَفٌ شَرِيفَةٌ، وَالصِّنْفُ الثَّانِي حِرَفٌ دَنِيئَةٌ. وَالأَْصْل فِي هَذَا التَّصْنِيفِ مَا رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: إِنِّي وَهَبْتُ لِخَالَتِي غُلاَمًا، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُبَارَكَ لَهَا فِيهِ. فَقُلْتُ لَهَا: لاَ تُسَلِّمِيهِ حَجَّامًا، وَلاَ صَائِغًا، وَلاَ قَصَّابًا.

(٢) قَال ابْنُ الأَْثِيرِ: الصَّائِغُ رُبَّمَا كَانَ مِنْ صُنْعِهِ شَيْءٌ لِلرِّجَال وَهُوَ حَرَامٌ، أَوْ كَانَ مِنْ آنِيَةٍ وَهِيَ حَرَامٌ، أَمَّا الْقَصَّابُ فَلأَِجْل النَّجَاسَةِ الْغَالِبَةِ عَلَى ثَوْبِهِ وَبَدَنِهِ مَعَ تَعَذُّرِ الاِحْتِرَازِ (٣) .

وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الْعَرَبُ أَكْفَاءٌ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إِلاَّ حَائِكًا أَوْ

_________

(١) المبسوط للسرخسي ٣ / ٢٤٤، وحاشية القليوبي ٣ / ١٩٥، ١٩٦ و١٩٧

(٢) رواه أبو داود بسند ضعيف. (جامع الأصول ١٠ / ٥٩٧)

(٣) جامع الأصول رقم ٨١٨١

حَجَّامًا (١) . قِيل لِلإِْمَامِ أَحْمَدَ: وَكَيْفَ تَأْخُذُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَنْتَ تُضَعِّفُهُ؟ قَال: الْعَمَل عَلَيْهِ. (٢)

تَفَاوُتُ الْحِرَفِ الشَّرِيفَةِ فِيمَا بَيْنَهَا:

٧ - فَاضَل الْفُقَهَاءُ بَيْنَ الْحِرَفِ الشَّرِيفَةِ لاِعْتِبَارَاتٍ ذَكَرُوهَا، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَشْرَفَ الْحِرَفِ الْعِلْمُ (٣) وَمَا آل إِلَيْهِ، كَالْقَضَاءِ وَالْحُكْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُدَرِّسَ كُفْءٌ لِبِنْتِ الأَْمِيرِ (٤) . وَذَكَرَ ابْنُ مُفْلِحٍ إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ أَشْرَفَ الْكَسْبِ الْغَنَائِمُ إِذَا سَلِمَ مِنَ الْغُلُول (٥) . ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَتْلُوهُ فِي الْفَضْل.

هَذَا وَإِنَّ لِلْفُقَهَاءِ فِي كُتُبِهِمْ (٦) كَلاَمًا فِي الْمُفَاضَلَةِ

_________

(١) رواه الحاكم بسند منقطع. تلخيص الحبير ٣ / ١٦٤

(٢) المغني لابن قدامة ٧ / ٣٧٧

(٣) نهاية المحتاج ٦ / ٢٥٤، وروضة الطالبين ٧ / ٨٢، ومنهاج اليقين للأرزنجاني، شرح أدب الدنيا والدين للماوردي ط، استانبول ص ٣٦٨، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٣٢٢ و٥ / ٢٩٧، وحاشية القليوبي ٣ / ٢٣٦

(٤) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٢٢

(٥) الآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٣٠٣، ومنهاج اليقين ص ٣٦٨، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٩٧، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٩ ط بولاق.

(٦) المبسوط ٣٠ / ٢٥٩، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٣٢٢ و٥ / ٢٩٧، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٩ ط. بولاق، وحاشية محمد بن المدني على كنون بهامش الرهوني ٥ / ٦، والإتحاف شرح إحياء علوم الدين ٥ / ٤١٨، وحاشية القليوبي ٢ / ١٥٢، ومجمع الأنهر ١ / ٣٣٠ - مطبعة الحاج محمد أفندي سنة ١٢٩٢ هـ، ونهاية المحتاج ٦ / ٢٥٤، وروضة الطالبين ٧ / ٨٢، ومنهاج اليقين ص ٣٦٦ و٣٦٨، والآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٣٠٣، ٣٠٧.

بَيْنَ الْحِرَفِ الشَّرِيفَةِ، مِنْ عِلْمٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ صِنَاعَةٍ أَوْ زِرَاعَةٍ. . إِلَخْ وَلَهُمْ فِي اتِّجَاهَاتِهِمُ الْمُخْتَلِفَةِ فِيمَا هُوَ أَشْرَفُ اسْتِدْلاَلٌ بِأَحَادِيثَ وَوُجُوهٌ مِنَ الْمَعْقُول ظَنِّيَّةُ الْوُرُودِ أَوِ الدَّلاَلَةِ، وَلَعَل فِي آرَائِهِمْ تِلْكَ مُرَاعَاةً لِبَعْضِ الأَْعْرَافِ وَالْمُلاَبَسَاتِ الَّتِي كَانَتْ سَائِدَةً فِي زَمَانِهِمْ، وَنَجْتَزِئُ بِهَذِهِ الإِْشَارَةِ عَنْ إِيرَادِ الاِتِّجَاهَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

الْحِرَفُ الدَّنِيئَةُ:

٨ - لَقَدْ حَرَصَ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَحْدِيدِ الْحِرَفِ الدَّنِيئَةِ لِيَبْقَى مَا وَرَاءَهَا مِنَ الْحِرَفِ شَرِيفًا. فَقَالُوا: الْحِرَفُ الدَّنِيئَةُ هِيَ كُل حِرْفَةٍ دَلَّتْ مُلاَبَسَتُهَا عَلَى انْحِطَاطِ الْمُرُوءَةِ وَسُقُوطِ النَّفْسِ (١) . وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اعْتِبَارِهِمُ الْحِرَفَ الْمُحَرَّمَةَ، كَاحْتِرَافِ الزِّنَا وَبَيْعِ الْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، حِرَفًا دَنِيئَةً كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ سَلَكَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْدِيدِ الْحِرَفِ الدَّنِيئَةِ - فِيمَا عَدَا الْمُحَرَّمَةِ مِنْهَا - مَسْلَكَيْنِ:

الأَْوَّل: تَحْدِيدُهَا بِالضَّابِطِ، وَمِنْهُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ مِنْ أَنَّ كُل حِرْفَةٍ فِيهَا مُبَاشَرَةُ نَجَاسَةٍ هِيَ حِرْفَةٌ دَنِيئَةٌ. (٢) الثَّانِيَ: تَحْدِيدَهَا بِالْعُرْفِ، وَهُوَ مَسْلَكُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَمِنْهُمُ الشَّافِعِيَّةُ (٣) أَيْضًا، وَاجْتَهَدُوا اسْتِنَادًا إِلَى الأَْعْرَافِ السَّائِدَةِ فِي

_________

(١) نهاية المحتاج ٦ / ٢٥٣، وحاشية القليوبي ٣ / ٢٣٥

(٢) نهاية المحتاج ٦ / ٢٥٤، ومغني المحتاج ٣ / ١٦٦، ١٦٧

(٣) نهاية المحتاج ٦ / ٢٥٣، ٢٥٤، والبهجة شرح التحفة ١ / ٢٦٢، والمغني ٦ / ٣٧٧.

عُصُورِهِمْ فِي تَحْدِيدِ الْحِرَفِ الدَّنِيئَةِ (١) .

هَذَا، وَإِنَّ مَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ مِنْ وَصْفِ بَعْضِ أَنْوَاعٍ مِنَ الْحِرَفِ بِالدَّنَاءَةِ - تَبَعًا لأَِوْضَاعٍ زَمَنِيَّةٍ - فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ تَزُول كَرَاهَةُ الاِحْتِرَافِ بِحِرْفَةٍ دَنِيئَةٍ إِذَا كَانَ احْتِرَافُهَا لِلْقِيَامِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ، إِذْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي كُل بَلَدٍ جَمِيعُ الصَّنَائِعِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا (٢) .

التَّحَوُّل مِنْ حِرْفَةٍ إِلَى حِرْفَةٍ:

٩ - قَال ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الآْدَابِ الشَّرْعِيَّةِ: قَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: يُسْتَحَبُّ إِذَا وَجَدَ الْخَيْرَ فِي نَوْعٍ مِنَ التِّجَارَةِ أَنْ يَلْزَمَهُ، وَإِنْ قَصَدَ إِلَى جِهَةٍ مِنَ التِّجَارَةِ فَلَمْ يُقْسَمْ لَهُ فِيهَا رِزْقُهُ، عَدَل إِلَى غَيْرِهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مَرْفُوعًا: إِذَا رُزِقَ أَحَدُكُمْ فِي الْوَجْهِ مِنَ التِّجَارَةِ فَلْيَلْزَمْهُ (٣) .

وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَال: مَنِ اتَّجَرَ فِي شَيْءٍ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَلَمْ يُصِبْ فِيهِ فَلْيَتَحَوَّل إِلَى غَيْرِهِ (٤) . وَقَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَنِ اتَّجَرَ فِي شَيْءٍ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يُصِبْ فِيهِ، فَلْيَتَحَوَّل إِلَى غَيْرِهِ (٥) .

_________

(١) انظر: حاشية الدسوقي ٢ / ٢٥، والبهجة شرح التحفة ١ / ٢٦١، والمغني ٧ / ٣٧٧، والآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٣٠٢، ٣٠٣، والقليوبي ٣ / ٢٣٥، ونهاية المحتاج ٦ / ٢٥٤، وروضة الطالبين ٧ / ٨٢، ومغني المحتاج ٣ / ١٦٧، والبحر الرائق ٣ / ١٤٣، وابن عابدين ٢ / ٣٢١، والجوهرة شرح القدوري ٢ / ١٢

(٢) الآداب الشرعية ٣ / ٣٠٥

(٣) الآداب الشرعية ٣ / ٣٠٥

(٤) كنز العمال ٩٨٦٥ ط دمشق

(٥) الآداب الشرعية ٢ / ٣٠٥

وَلَكِنْ هَل لِهَذَا التَّحَوُّل أَثَرٌ فِي الْكَفَاءَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي الْحِرْفَةِ؟ (ر: كَفَاءَةٌ. نِكَاحٌ)

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلاِحْتِرَافِ تَفْصِيلًا:

١٠ - أ - يُنْدَبُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَخْتَارَ حِرْفَةً لِكَسْبِ رِزْقِهِ، قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنِّي لأَرَى الرَّجُل فَيُعْجِبُنِي، فَأَقُول: لَهُ حِرْفَةٌ؟ فَإِنْ قَالُوا: لاَ، سَقَطَ مِنْ عَيْنِي (١) .

ب - وَيَجِبُ - عَلَى الْكِفَايَةِ - أَنْ يَتَوَفَّرَ فِي بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ أُصُول الْحِرَفِ جَمِيعِهَا، احْتِيجَ إِلَيْهَا أَوْ لاَ. قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: قَال غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرُهُمْ كَالْغَزَالِيِّ، وَابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَغَيْرِهِمْ: إِنَّ هَذِهِ الصِّنَاعَاتِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَإِنَّهُ لاَ تَتِمُّ مَصْلَحَةُ النَّاسِ إِلاَّ بِهَا. (٢)

وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ احْتِرَافَ بَعْضِ الْحِرَفِ يُصْبِحُ فَرْضَ كِفَايَةٍ إِذَا احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهَا، فَإِنِ اسْتَغْنَوْا عَنْهَا بِمَا يَجْلِبُونَهُ أَوْ يُجْلَبُ إِلَيْهِمْ فَقَدْ سَقَطَ وُجُوبُ احْتِرَافِهَا (٣) . فَإِذَا امْتَنَعَ الْمُحْتَرِفُونَ عَنِ الْقِيَامِ بِهَذَا الْفَرْضِ أَجْبَرَهُمُ الإِْمَامُ عَلَيْهِ بِعِوَضِ الْمِثْل. قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّ هَذِهِ الأَْعْمَال الَّتِي هِيَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ مَتَى لَمْ يَقُمْ بِهَا إِلاَّ إِنْسَانٌ بِعَيْنِهِ صَارَتْ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَيْهِ، إِنْ كَانَ غَيْرُهُ عَاجِزًا عَنْهَا، فَإِذَا كَانَ النَّاسُ مُحْتَاجِينَ إِلَى فِلاَحَةِ قَوْمٍ أَوْ نِسَاجَتِهِمْ أَوْ بِنَائِهِمْ

_________

(١) كنز العمال برقم ٩٨٥٩

(٢) فتاوى ابن تيمية ٢٨ / ٧٩، ٢٩ / ١٩٤ ط مطابع الرياض ١٣٨٣ هـ

(٣) فتاوى ابن تيمية ٢٨ / ٨٢، ٨٦ و٢٩ / ١٩٤ والآداب الشرعية ٣ / ٣٠٥

صَارَ هَذَا الْعَمَل وَاجِبًا يُجْبِرُهُمْ وَلِيُّ الأَْمْرِ عَلَيْهِ إِذَا امْتَنَعُوا عَنْهُ بِعِوَضِ الْمِثْل، وَلاَ يُمَكِّنُهُمْ مِنْ مُطَالَبَةِ النَّاسِ بِزِيَادَةٍ عَنْ عِوَضِ الْمِثْل (١) .

١١ - ج - وَلَمَّا كَانَ إِقَامَةُ الصِّنَاعَاتِ فَرْضَ كِفَايَةٍ كَانَ تَوْفِيرُ الْمُحْتَرِفِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي هَذِهِ الصِّنَاعَاتِ فَرْضًا، لأَِنَّ مَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ، قَال الْقَلْيُوبِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ مَا مُفَادُهُ: يَجِبُ أَنْ يُسَلِّمَ الْوَلِيُّ الصَّغِيرَ لِذِي حِرْفَةٍ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ الْحِرْفَةَ (٢) . وَرَغْمَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالْمَالِكِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ لَمْ يَنُصُّوا عَلَى وُجُوبِ دَفْعِ الْوَلِيِّ الصَّغِيرَ إِلَى مَنْ يُعَلِّمُهُ الْحِرْفَةَ إِلاَّ أَنَّ كَلاَمَهُمْ يَقْتَضِي ذَلِكَ. (٣)

حُكْمُ الْحِرَفِ الدَّنِيئَةِ:

١٢ - د - وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْمَكَاسِبَ غَيْرَ الْمُحَرَّمَةِ كُلُّهَا فِي الإِْبَاحَةِ سَوَاءٌ (٤) . وَلَكِنَّ هَذِهِ الإِْبَاحَةَ تَكْتَنِفُهَا الْكَرَاهَةُ إِذَا اخْتَارَ الْمَرْءُ لِنَفْسِهِ أَوْ وَلَدِهِ حِرْفَةً دَنِيئَةً إِنْ وَسِعَهُ احْتِرَافُ مَا هُوَ أَصْلَحُ مِنْهَا (٥) . وَمَعَ هَذَا فَقَدْ قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: مَكْسَبَةٌ فِيهَا بَعْضُ الدَّنَاءَةِ خَيْرٌ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ (٦) . وَقَال ابْنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ تَعَلُّمُ الصَّنَائِعِ الرَّدِيئَةِ مَعَ إِمْكَانِ مَا هُوَ أَصْلَحُ مِنْهَا (٧) . وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى زَوَال هَذِهِ

_________

(١) فتاوى ابن تيميه ٢٨ / ٨٢، ٨٦

(٢) حاشية القليوبي ٤ / ٩١

(٣) حاشية ابن عابدين ٢ / ٦٤٢ و٦٧١، والمغني ٩ / ٣٠٤، والخرشي ٣ / ٣٤٨

(٤) المبسوط ٣٠ / ٢٥٨، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٩٧

(٥) انظر: الآداب الشرعية ٣ / ٣٠٥، والقليوبي ٤ / ٩١، والمبسوط ٣٠ / ٢٥٨

(٦) كنز العمال برقم ٩٨٥٤

(٧) الآداب الشرعية ٣ / ٣٠٥

الْكَرَاهَةِ إِذَا كَانَتِ الْحِرْفَةُ الدَّنِيئَةُ هِيَ حِرْفَةُ أَبِيهِ (١) . وَنَصَّ ابْنُ مُفْلِحٍ الْحَنْبَلِيُّ عَلَى زَوَال هَذِهِ الْكَرَاهَةِ إِذَا احْتَرَفَ الْمَرْءُ حِرْفَةً دَنِيئَةً لِلْقِيَامِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ (٢) .

وَقَال بَعْضُ الْمُتَشَدِّدِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: مَا يَرْجِعُ إِلَى الدَّنَاءَةِ مِنَ الْمَكَاسِبِ فِي عُرْفِ النَّاسِ لاَ يَسَعُ الإِْقْدَامُ عَلَيْهِ إِلاَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ: لَيْسَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِل نَفْسَهُ (٣) . وَقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُْمُورِ وَيُبْغِضُ سَفْسَافَهَا (٤) وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الأَْوَّل (٥) .

الْحِرَفُ الْمَحْظُورَةُ:

١٣ - أ - الأَْصْل أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ احْتِرَافُ عَمَلٍ مُحَرَّمٍ بِذَاتِهِ، وَمِنْ هُنَا مُنِعَ الاِتِّجَارُ بِالْخَمْرِ وَاحْتِرَافُ الْكِهَانَةِ.

ب - كَمَا لاَ يَجُوزُ احْتِرَافُ مَا يُؤَدِّي إِلَى الْحَرَامِ أَوْ مَا يَكُونُ فِيهِ إِعَانَةٌ عَلَيْهِ، كَالْوَشْمِ: لِمَا فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ وَكَكِتَابَةِ الرِّبَا: لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْعَانَةِ عَلَى أَكْل أَمْوَال النَّاسِ بِالْبَاطِل وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَتَعَرَّضَ الْفُقَهَاءُ إِلَى اتِّخَاذِ حِرَفٍ يَتَكَسَّبُ مِنْهَا الْمُحْتَرِفُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْذُل فِيهَا جَهْدًا، أَوْ يَزِيدَ زِيَادَةً،

_________

(١) (القليوبي ٤ / ٩١)

(٢) الآداب الشرعية ٣ / ٣٠٥

(٣) " ليس لمؤمن. . . " رواه الترمذي بلفظ " لا ينبغي لمؤمن. . . " وقال: حسن غريب. وضعفه غير الترمذي. ورواه أحمد وابن ماجه. انظر تحفة الأحوذي ٦ / ٥٣١

(٤) رواه البيهقي بسند رجاله ثقات. (فيض القدير ٢ / ٢٩٦)

(٥) (انظر المبسوط ٣٠ / ٢٥٨)

كَالْخَيَّاطِ يَتَسَلَّمُ الثَّوْبَ لِيَخِيطَهُ بِدِينَارَيْنِ فَيُعْطِيَهُ لِمَنْ يَخِيطَهُ بِدِينَارٍ وَيَأْخُذَ الْفَرْقَ.

فَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ مِثْل هَذِهِ الإِْجَارَةِ كَالْبَيْعِ، وَبَيْعُ الْمَبِيعِ يَجُوزُ بِرَأْسِ الْمَال وَبِأَقَل مِنْهُ وَبِأَكْثَرَ، فَكَذَلِكَ الإِْجَارَةُ إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الأُْجْرَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ جِنْسِ الأُْجْرَةِ الأُْولَى فَإِنَّ الزِّيَادَةَ لاَ تَطِيبُ لَهُ إِلاَّ إِذَا بَذَل جَهْدًا أَوْ زَادَ زِيَادَةً، فَإِنَّهَا تَطِيبُ وَلَوِ اتَّحَدَ الْجِنْسُ (١) .

آثَارُ الاِحْتِرَافِ:

١٤ - أ - يُعْطَى الْفَقِيرُ الْمُحْتَرِفُ الَّذِي لاَ يَمْلِكُ آلاَتِ حِرْفَتِهِ مِنَ الزَّكَاةِ مَا يَشْتَرِي بِهِ آلَةَ حِرْفَتِهِ (٢) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (زَكَاةٌ) .

ب - إِذَا فَعَل الْمُحْتَرِفُ فِعْلًا فِي حُدُودِ حِرْفَتِهِ، فَأَخْطَأَ فِيهِ خَطَأً يُحْتَمَل أَنْ يُخْطِئَ فِيهِ الْمُحْتَرِفُونَ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، كَالطَّبِيبِ. أَمَّا مَنْ عَدَاهُ فَيَضْمَنُ (٣) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي بَابِ الضَّمَانِ.

ج - يَرَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ جَوَازَ إِفْطَارِ رَمَضَانَ لِمَنْ يَحْتَرِفُ حِرْفَةً شَاقَّةً يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الصِّيَامُ مَعَهَا، وَلَيْسَ بِإِمْكَانِهِ تَرْكُهَا فِي رَمَضَانَ (٤) .

د - لِلْمُعْتَدَّةِ - وَلاَ سِيَّمَا الْمُحْتَرِفَةِ - الْخُرُوجُ فِي

_________

(١) المهذب ١ / ٤١٠ ط دار المعرفة، والحطاب ٦ / ٤١٧، والمواق ٦ / ٤٠٧، والقواعد لابن رجب ١٩٧، والمغني ٥ / ٤٧٩، والفتاوى الهندية ٤ / ٤٢٥

(٢) الغرر البهية شرح البهجة ٤ / ٧٢، ومغني المحتاج ٣ / ١١٥، وإعانة الطالبين ٢ / ١٨٩، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٢٢

(٣) معين الحكام ٢٣٧، ٢٣٨، وحاشية القليوبي ٤ / ٢٠٩، وأسنى المطالب ٤ / ١٦٦، والمغني ٨ / ٣٢٨

(٤) حاشية ابن عابدين ٢ / ١١٤

حَوَائِجِهَا نَهَارًا سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُطَلَّقَةً أَوْ مُتَوَفًّى عَنْهَا وَلَيْسَ لَهَا الْمَبِيتُ فِي غَيْرِ بَيْتِهَا وَلاَ الْخُرُوجُ لَيْلًا إِلاَّ لِضَرُورَةٍ (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي (عِدَّةٌ) (وَإِحْدَادٌ) .

هـ - لِلاِحْتِرَافِ أَثَرٌ فِي الْكَفَاءَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَتَفْصِيلُهُ فِي (نِكَاحٌ)،

ولِلاِحْتِرَافِ أَثَرٌ فِي تَخْفِيفِ بَعْضِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، كَالتَّرْخِيصِ لِلْقَصَّابِ بِالصَّلاَةِ فِي ثِيَابِ مِهْنَتِهِ مَعَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الدَّمِ، مَا لَمْ يَفْحُشْ. وَتَفْصِيلُهُ فِي (نَجَاسَةٌ - مَا يُعْفَى عَنْهُ مِنَ النَّجَاسَاتِ) .

احْتِسَابٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - تَأْتِي كَلِمَةُ " احْتِسَابٍ " فِي اللُّغَةِ بِمَعَانٍ عَدِيدَةٍ مِنْهَا:

أ - الاِعْتِدَادُ بِالشَّيْءِ، مِنَ الْحَسْبِ، وَهُوَ الْعَدُّ.

ب - طَلَبُ الثَّوَابِ، وَقَدِ اسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ هَذَا اللَّفْظَ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ كِلَيْهِمَا، عَلَى أَنَّهُ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ يَنْصَرِفُ إِلَى مَعْنَى طَلَبِ الثَّوَابِ (٢) .

الاِحْتِسَابُ بِمَعْنَى الاِعْتِدَادِ أَوِ الاِعْتِبَارِ:

٢ - يُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ كَلِمَةَ " احْتِسَابٍ " عِنْدَمَا يَأْتِي الْمُكَلَّفُ بِالْفِعْل عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْكَمَال، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ

_________

(١) المغني مع الشرح الكبير ٩ / ١٧٦

(٢) المصباح المنير مادة (حسب)