الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢
الْمَيِّتِ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ ".
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ عِنْدَ الْمَيِّتِ سُورَةَ الرَّعْدِ (١) . وَقَالَتِ الْمَالِكِيَّةُ: يُكْرَهُ قِرَاءَةُ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ وَعَلَى الْقُبُورِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَمَل السَّلَفِ (٢) .
ثَالِثًا: التَّوْجِيهُ:
١٠ - يُوَجَّهُ الْمُحْتَضَرُ لِلْقِبْلَةِ عِنْدَ شُخُوصِ بَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، لاَ قَبْل ذَلِكَ، لِئَلاَّ يُفْزِعَهُ، وَيُوَجَّهُ إِلَيْهَا مُضْطَجِعًا عَلَى شِقِّهِ الأَْيْمَنِ اعْتِبَارًا بِحَال الْوَضْعِ فِي الْقَبْرِ؛ لأَِنَّهُ أَشْرَفُ عَلَيْهِ (٣) . وَفِي تَوْجِيهِ الْمُحْتَضَرِ إِلَى الْقِبْلَةِ وَرَدَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ سَأَل عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ. فَقَالُوا: تُوُفِّيَ وَأَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لَكَ، وَأَنْ يُوَجَّهَ لِلْقِبْلَةِ لَمَّا احْتُضِرَ. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: أَصَابَ الْفِطْرَةَ، وَقَدْ رَدَدْتُ ثُلُثَ مَالِهِ عَلَى وَلَدِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَال: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَأَدْخِلْهُ جَنَّتَكَ، وَقَدْ فَعَلْتَ (٤) . قَال الْحَاكِمُ: وَلاَ أَعْلَمُ فِي تَوْجِيهِ الْمُحْتَضَرِ إِلَى الْقِبْلَةِ غَيْرَهُ.
وَفِي اضْطِجَاعِهِ عَلَى شِقِّهِ الأَْيْمَنِ قِيل: يُمْكِنُ الاِسْتِدْلاَل عَلَيْهِ بِحَدِيثِ النَّوْمِ، فَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال:
_________
(١) المصنف لابن أبي شيبة.
(٢) الشرح الصغير ١ / ٢٢٨
(٣) فتح القدير ١ / ٤٤٦، وبدائع الصنائع ١ / ٢٩٩
(٤) رواه البيهقي والحاكم وصححه عن أبي قتادة.
إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَْيْمَنِ، وَقُل: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ. . . إِلَى أَنْ قَال: فَإِنْ مِتَّ مِتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ (١) وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْقِبْلَةِ.
وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ شَاهِينَ فِي بَابِ الْمُحْتَضَرِ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ لَهُ غَيْرَ أَثَرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَال: " يُسْتَقْبَل بِالْمَيِّتِ الْقِبْلَةُ " وَزَادَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: " عَلَى شِقِّهِ الأَْيْمَنِ. مَا عَلِمْتُ أَحَدًا تَرَكَهُ مِنْ مَيِّتٍ "، وَلأَِنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الْوَضْعِ فِي الْقَبْرِ، وَمِنَ اضْطِجَاعِهِ فِي مَرَضِهِ، وَالسُّنَّةُ فِيهِمَا ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ فِيمَا قَرُبَ مِنْهُمَا. وَيُسْتَدَل عَلَيْهِ أَيْضًا بِمَا رَوَى أَحْمَدُ أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ عِنْدَ مَوْتِهَا اسْتَقْبَلَتِ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ تَوَسَّدَتْ يَمِينَهَا.
وَيَصِحُّ أَنْ يُوَجَّهَ الْمُحْتَضَرُ إِلَى الْقِبْلَةِ مُسْتَلْقِيًا عَلَى ظَهْرِهِ، فَذَلِكَ أَسْهَل لِخُرُوجِ الرُّوحِ، وَأَيْسَرُ لِتَغْمِيضِهِ وَشَدِّ لَحْيَيْهِ، وَأَمْنَعُ مِنْ تَقَوُّسِ أَعْضَائِهِ، ثُمَّ إِذَا أُلْقِيَ عَلَى الْقَفَا يُرْفَعُ رَأْسُهُ قَلِيلًا لِيَصِيرَ وَجْهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ دُونَ السَّمَاءِ (٢) .
وَيَقُول بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: إِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ حَدِيثٌ فِي تَوْجِيهِ الْمُحْتَضَرِ إِلَى الْقِبْلَةِ، بَل كَرِهَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ تَوْجِيهَهُ إِلَيْهَا. فَقَدْ وَرَدَ عَنْ زُرْعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: " أَنَّهُ شَهِدَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فِي مَرَضِهِ، وَعِنْدَهُ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَغُشِيَ عَلَى سَعِيدٍ، فَأَمَرَ أَبُو سَلَمَةَ أَنْ يُحَوَّل فِرَاشُهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَفَاقَ، فَقَال: حَوَّلْتُمْ فِرَاشِي؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِي سَلَمَةَ
_________
(١) أخرجه البخاري ومسلم.
(٢) فتح القدير ١ / ٤٤٦، والهندية ١ / ١٥٤
فَقَال: أَرَاهُ بِعِلْمِكَ، فَقَال: أَنَا أَمَرْتُهُمْ. فَأَمَرَ سَعِيدٌ أَنْ يُعَادَ فِرَاشُهُ (١) ".
رَابِعًا: بَل حَلْقِ الْمُحْتَضَرِ بِالْمَاءِ:
١١ - يُسَنُّ لِلْحَاضِرِينَ أَنْ يَتَعَاهَدُوا بَل حَلْقِ الْمُحْتَضَرِ بِمَاءٍ أَوْ شَرَابٍ، وَأَنْ يَتَعَاهَدُوا تَنْدِيَةَ شَفَتَيْهِ بِقُطْنَةٍ لأَِنَّهُ رُبَّمَا يَنْشَفُ حَلْقُهُ مِنْ شِدَّةِ مَا نَزَل بِهِ فَيَعْجِزُ عَنِ الْكَلاَمِ. وَتَعَاهُدُهُ بِذَلِكَ يُطْفِئُ مَا نَزَل بِهِ مِنَ الشِّدَّةِ، وَيُسَهِّل عَلَيْهِ النُّطْقَ بِالشَّهَادَةِ (٢) .
خَامِسًا: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى:
١٢ - يُسْتَحَبُّ لِلصَّالِحِينَ مِمَّنْ يَحْضُرُونَ عِنْدَ الْمُحْتَضَرِ أَنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَأَنْ يُكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ لَهُ بِتَسْهِيل الأَْمْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَأَنْ يَدْعُوا لِلْحَاضِرِينَ، إِذْ هُوَ مِنْ مَوَاطِنِ الإِْجَابَةِ؛ لأَِنَّ الْمَلاَئِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى قَوْلِهِمْ (٣) قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: " إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَرِيضَ، أَوِ الْمَيِّتَ، فَقُولُوا خَيْرًا، فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ (٤) ".
سَادِسًا: تَحْسِينُ ظَنِّ الْمُحْتَضَرِ بِاللَّهِ تَعَالَى:
١٣ - إِذَا رَأَى الْحَاضِرُونَ مِنَ الْمُحْتَضَرِ أَمَارَاتِ الْيَأْسِ وَالْقُنُوطِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُحَسِّنُوا ظَنَّهُ بِرَبِّهِ، وَأَنْ يُطَمِّعُوهُ فِي رَحْمَتِهِ، إِذْ قَدْ يُفَارِقُ عَلَى ذَلِكَ فَيَهْلِكُ،
_________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٤ / ٧١ بسند صحيح.
(٢) مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى ١ / ٨٣٦، والمغني لابن قدامة ٢ / ٤٥٥ ط المنار الثالثة.
(٣) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٤١٤
(٤) رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن أم سلمة.
فَتَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، أَخْذًا مِنْ قَاعِدَةِ النَّصِيحَةِ الْوَاجِبَةِ. وَهَذَا الْحَال مِنْ أَهَمِّهَا (١) .
مَا يُسَنُّ لِلْحَاضِرِينَ أَنْ يَفْعَلُوهُ عِنْدَ مَوْتِ الْمُحْتَضَرِ:
١٤ - إِذَا تَيَقَّنَ الْحَاضِرُونَ مَوْتَ الْمُحْتَضَرِ، وَعَلاَمَةُ ذَلِكَ انْقِطَاعُ نَفَسِهِ وَانْفِرَاجُ شَفَتَيْهِ تَوَلَّى أَرْفَقُ أَهْلِهِ بِهِ إِغْمَاضَ عَيْنَيْهِ، وَالدُّعَاءَ لَهُ، وَشَدَّ لَحْيَيْهِ بِعِصَابَةٍ عَرِيضَةٍ تُشَدُّ فِي لَحْيَيْهِ لِلأَْسْفَل وَتُرْبَطُ فَوْقَ رَأْسِهِ، لأَِنَّهُ لَوْ تُرِكَ مَفْتُوحَ الْعَيْنَيْنِ وَالْفَمِ حَتَّى يَبْرُدَ بَقِيَ مَفْتُوحَهُمَا فَيَقْبُحُ مَنْظَرُهُ، وَلاَ يُؤْمَنُ دُخُول الْهَوَامِّ فِيهِ وَالْمَاءُ فِي وَقْتِ غُسْلِهِ، وَيُلَيِّنُ مَفَاصِلَهُ وَيَرُدُّ ذِرَاعَيْهِ إِلَى عَضُدَيْهِ ثُمَّ يَمُدُّهُمَا، وَيَرُدُّ أَصَابِعَ يَدَيْهِ إِلَى كَفَّيْهِ ثُمَّ يَمُدُّهَا، وَيَرُدُّ فَخِذَيْهِ إِلَى بَطْنِهِ، وَسَاقَيْهِ إِلَى فَخِذَيْهِ ثُمَّ يَمُدُّهُمَا (٢) . وَيَقُول مُغْمِضُهُ: " بِاسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ. اللَّهُمَّ يَسِّرْ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَسَهِّل عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ، وَأَسْعِدْهُ بِلِقَائِكَ، وَاجْعَل مَا خَرَجَ إِلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا خَرَجَ مِنْهُ (٣) ". فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: دَخَل رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شُقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَال: إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ. فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقَال: لاَ تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ. ثُمَّ قَال: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَِبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ الْمُقَرَّبِينَ وَاخْلُفْهُ
_________
(١) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٢ / ٤٢٨
(٢) الفتاوى الهندية ١ / ١٥٤ وغاية المنتهى ١ / ٢٢٨، ومختصر المزني ١ / ١٩٩
(٣) الفتاوى الهندية ١ / ١٥٤، ومختصر خليل ١ / ٣٧
فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَأَفْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ. (١)
وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ: قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا حَضَرْتُمْ مَوْتَاكُمْ فَأَغْمِضُوا الْبَصَرَ. وَإِنَّ الْبَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ. وَقُولُوا خَيْرًا، فَإِنَّهُ يُؤَمَّنُ عَلَى مَا قَال أَهْل الْمَيِّتِ. (٢)
كَشْفُ وَجْهِ الْمَيِّتِ وَالْبُكَاءُ عَلَيْهِ:
١٥ - يَجُوزُ لِلْحَاضِرِينَ وَغَيْرِهِمْ كَشْفُ وَجْهِ الْمَيِّتِ وَتَقْبِيلُهُ، وَالْبُكَاءُ عَلَيْهِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ بُكَاءً خَالِيًا مِنَ الصُّرَاخِ وَالنُّوَاحِ، لِمَا وَرَدَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَال: لَمَّا قُتِل أَبِي جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أَبْكِي، وَنَهَوْنِي، وَالنَّبِيُّ ﷺ لاَ يَنْهَانِي، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَرُفِعَ فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: تَبْكِينَ أَوْ لاَ تَبْكِينَ، مَا زَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ. (٣) وَلِمَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَشَفَ وَجْهَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَبَّلَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ بَكَى، وَقَال: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُول اللَّهِ، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا (٤)، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَل عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ، فَقَبَّلَهُ وَبَكَى حَتَّى رَأَيْتُ
_________
(١) أخرجه مسلم.
(٢) رواه أحمد وابن ماجه عن شداد بن أوس.
(٣) أخرجه الشيخان.
(٤) أخرجه البخاري.
الدُّمُوعَ تَسِيل عَلَى وَجْنَتَيْهِ (١) وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ أَمْهَل آل جَعْفَرٍ ثَلاَثًا أَنْ يَأْتِيَهُمْ، ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَال: لاَ تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ. (٢)
احْتِطَابٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِحْتِطَابُ مَصْدَرُ احْتَطَبَ، يُقَال احْتَطَبَ بِمَعْنَى جَمَعَ الْحَطَبَ، وَالْحَطَبُ: مَا أُعِدَّ مِنْ شَجَرٍ وُقُودًا لِلنَّارِ. وَالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
صِفَتُهُ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ):
٢ - اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى إِبَاحَةِ الاِحْتِطَابِ رَطْبًا كَانَ الشَّجَرُ أَوْ جَافًّا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ مَا دَامَ لاَ يَمْلِكُهُ أَحَدٌ. أَمَّا إِذَا كَانَ مَحُوزًا أَوْ مَمْلُوكًا، فَلاَ يَجُوزُ أَخْذُهُ أَوِ الاِحْتِطَابُ مِنْهُ إِلاَّ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ (٣) .
_________
(١) أخرجه الترمذي وصححه عن عائشة.
(٢) رواه أبو داود والنسائي.
(٣) ابن عابدين ٢ / ٢١٦، ٣ / ١٩٧، ١٩٨ ط بولاق، والقليوبي وعميرة ٣ / ٩٥ ط الحلبي، والمغني ٦ / ١٨٤ ط المنار و٨ / ٢٤٦ ط الرياض، والمقنع ٢ / ١٤٩، ١٨٣، والدسوقي ٤ / ٣٣٤ ط دار الفكر، وفتح القدير ٤ / ٢٢٦ ط بولاق، وأسنى المطالب شرح روض الطالب ٤ / ١٤١ ص المكتبة الإسلامية.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - يَأْخُذُ الاِحْتِطَابُ حُكْمَ الاِحْتِشَاشِ التَّكْلِيفِيِّ (ر: احْتِشَاشٌ)، غَيْرَ أَنَّهُ يُخَالِفُهُ فِي أَمْرَيْنِ: الأَْوَّل: يُبَاحُ فِي الاِحْتِشَاشِ فِي الْحَرَمِ قَطْعُ الإِْذْخِرِ وَالْعَوْسَجِ وَمُلْحَقَاتِهِمَا وَلاَ يُبَاحُ ذَلِكَ فِي الاِحْتِطَابِ. الثَّانِي: أَبَاحَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الاِحْتِشَاشِ مِنَ الْحَرَمِ عَلْفَ الدَّوَابِّ مِنْهُ بِخِلاَفِ الاِحْتِطَابِ الَّذِي لَمْ يُبَحْ فِيهِ ذَلِكَ.
احْتِقَانٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِحْتِقَانُ لُغَةً: مَصْدَرُ احْتَقَنَ، بِمَعْنَى احْتَبَسَ. يُقَال: حَقَنَ الرَّجُل بَوْلَهُ: حَبَسَهُ وَجَمَعَهُ، فَهُوَ حَاقِنٌ وَمُطَاوِعُهُ: الاِحْتِقَانُ: وَحَقَنْتُ الْمَرِيضَ إِذَا أَوْصَلْتَ الدَّوَاءَ إِلَى بَاطِنِهِ بِالْمِحْقَنِ (١) . وَيُطْلَقُ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى احْتِبَاسِ الْبَوْل، كَمَا يُطْلِقُونَهُ عَلَى تَعَاطِي الدَّوَاءِ بِالْحُقْنَةِ فِي الدُّبُرِ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - الاِحْتِبَاسُ. مَصْدَرُ احْتَبَسَ. يُقَال: حَبَسْتُهُ فَاحْتَبَسَ بِمَعْنَى مَنَعْتُهُ فَامْتَنَعَ (٣) . فَالاِحْتِبَاسُ أَعَمُّ.
_________
(١) لسان العرب، والمصباح مادة (حقن) .
(٢) العدوي على الخرشي ١ / ١٥٢، ومراقي الفلاح بهامش الطحطاوي ص ٣٦٨ ط العثمانية.
(٣) لسان العرب، والمصباح، مادة (حبس) .
الْحَصْرُ: هُوَ الإِْحَاطَةُ وَالْمَنْعُ وَالْحَبْسُ. يُقَال حَصَرَهُ الْعَدُوُّ فِي مَنْزِلِهِ: حَبَسَهُ، وَأَحْصَرَهُ الْمَرَضُ: مَنَعَهُ مِنَ السَّفَرِ. وَيُطْلَقُ عَلَى احْتِبَاسِ النَّجْوِ مِنْ ضِيقِ الْمَخْرَجِ، فَهُوَ كَذَلِكَ أَعَمُّ (١) .
الْحُقْبُ: حَقِبَ بِالْكَسْرِ حُقْبًا فَهُوَ حَقِيبٌ: تَعَسَّرَ عَلَيْهِ الْبَوْل، أَوْ أَعْجَلَهُ (٢) . وَقِيل: الْحَاقِبُ الَّذِي احْتَبَسَ غَائِطُهُ. فَهُوَ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي مُبَايِنٌ لِلاِحْتِقَانِ.
صِفَتُهُ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ):
٣ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الاِحْتِقَانِ تَبَعًا لإِطْلاَقَاتِهِ، فَيُطْلَقُ الاِحْتِقَانُ عَلَى امْتِنَاعِ خُرُوجِ الْبَوْل لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الاِحْتِقَانُ الطَّبِيعِيُّ. وَيُعْتَبَرُ أَحَدَ الأَْعْذَارِ الَّتِي يَسْقُطُ مَعَهَا الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ مَا دَامَتْ مَوْجُودَةً.
أَمَّا مَنْعُ الإِْنْسَانِ نَفْسَهُ مِنْ خُرُوجِ الْبَوْل عِنْدَ الشُّعُورِ بِالْحَاجَةِ لِلتَّبَوُّل فَهُوَ الْحَقْنُ. وَيُسَمَّى الإِْنْسَانُ حِينَئِذٍ حَاقِنًا. وَحُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ الْكَرَاهَةُ أَوِ الْحُرْمَةُ - عَلَى خِلاَفٍ سَيَأْتِي ذِكْرُهُ - فِي حَالَتَيِ الصَّلاَةِ، وَالْقَضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ.
وَيُطْلَقُ الاِحْتِقَانُ أَيْضًا عَلَى تَعَاطِي الدَّوَاءِ أَوِ الْمَاءِ عَنْ طَرِيقِ الشَّرَجِ، وَحُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ تَارَةً الإِْبَاحَةُ، وَتَارَةً الْحَظْرُ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ سَيَأْتِي
_________
(١) لسان العرب والصحاح والمصباح، مادة (حصر) .
(٢) لسان العرب، مادة (حقب)، والخرشي ١ / ١٥٢ ط دار صادر. والفروق في اللغة ص ١٠٧ بتصرف. ط دار الآفاق.
بَيَانُهُ (١) . وَدَلِيل حُكْمِ الْحَقْنِ فِي الصَّلاَةِ أَوِ الْقَضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ هُوَ حَدِيثُ عَائِشَةَ، ﵂ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ صَلاَةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ وَلاَ وَهُوَ يُدَافِعُ الأَْخْبَثَيْنِ (٢) وَحَدِيثُ لاَ يَحِل لاِمْرِئٍ مُسْلِمٍ أَنْ يَنْظُرَ فِي جَوْفِ امْرِئٍ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ، وَلاَ يَقُومَ إِلَى الصَّلاَةِ وَهُوَ حَاقِنٌ. (٣) وَحَدِيثُ رَسُول اللَّهِ ﷺ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو بَكْرَةَ عَنْهُ قَال: لاَ يَحْكُمُ أَحَدُكُمْ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ (٤) . وَقَاسُوا عَلَيْهِ الْحَاقِنَ. وَدَلِيل الاِحْتِقَانِ لِلتَّدَاوِي هُوَ دَلِيل التَّدَاوِي نَفْسِهِ بِشُرُوطٍ. (ر: تَدَاوِي) .
أَوَّلًا - احْتِقَانُ الْبَوْل
وُضُوءُ الْحَاقِنِ:
٤ - فِي الْمَسْأَلَةِ رَأْيَانِ: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُنْتَقَضُ وُضُوءُ الْحَاقِنِ؛ لأَِنَّهُمُ اعْتَبَرُوا لاِنْتِقَاضِ الْوُضُوءِ الْخُرُوجَ الْفِعْلِيَّ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، لاَ الْخُرُوجَ
_________
(١) الدسوقي ١ / ١٠٦، والطحطاوي على مراقي الفلاح ١ / ١٩٧ ط العثمانية، والمغني ١ / ٤٥٠، ٤٥١ ط مكتبة القاهرة، والمجموع ٤ / ١٠٥ ط التضامن.
(٢) رواه البخاري ومسلم وأبو داود (فيض القدير ٦ / ٤٤٧) .
(٣) رواه الترمذي وحسنه، وقال الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه: وصححه ابن خزيمة ورواه أحمد في المسند ٣ / ٤٣٦، ٤٣٧ و٥ / ٩٣، وأبو داود ١ / ٢٣٢، والنسائي ١ / ١٢٧ (سنن الترمذي ٣ / ١٨٨ ط مصطفى الحلبي) .
(٤) رواه مسلم والترمذي والنسائي (الفتح الكبير ٣ / ٣٣٥)
الْحُكْمِيَّ. وَالْحَاقِنُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ مِنَ السَّبِيلَيْنِ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَإِنَّهُمُ اعْتَبَرُوا الْخُرُوجَ الْفِعْلِيَّ أَوِ الْحُكْمِيَّ نَاقِضًا لِلْوُضُوءِ، وَاعْتَبَرُوا الْحَقْنَ الشَّدِيدَ خُرُوجًا حُكْمِيًّا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. وَلَكِنَّهُمُ انْقَسَمُوا إِلَى رَأْيَيْنِ فِي تَحْدِيدِ دَرَجَةِ الاِحْتِقَانِ الَّتِي تَنْقُضُ الْوُضُوءَ، فَقَال بَعْضُهُمْ: إِذَا كَانَ الاِحْتِقَانُ شَدِيدًا بِحَيْثُ يَمْنَعُ مِنَ الإِْتْيَانِ بِشَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، كَمَا لَوْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الإِْتْيَانِ بِهَا بِعُسْرٍ، فَقَدْ أَبْطَل الْحَقْنُ الْوُضُوءَ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَل بِهِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الطَّهَارَةِ، كَمَسِّ الْمُصْحَفِ. وَاعْتَبَرُوا هَذَا خُرُوجًا حُكْمِيًّا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ.
وَقَال الْبَعْضُ الآْخَرُ: الْحَقْنُ الشَّدِيدُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنَ الإِْتْيَانِ بِشَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ (١) .
صَلاَةُ الْحَاقِنِ:
٥ - لِلْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ صَلاَةِ الْحَاقِنِ اتِّجَاهَانِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، إِلَى أَنَّ صَلاَةَ الْحَاقِنِ مَكْرُوهَةٌ، لِمَا وَرَدَ مِنَ الأَْحَادِيثِ السَّابِقَةِ. وَقَال الْخُرَاسَانِيُّونَ وَأَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِذَا كَانَتْ مُدَافَعَةُ الأَْخْبَثَيْنِ شَدِيدَةً لَمْ تَصِحَّ الصَّلاَةُ (٢) . وَاسْتَدَل الْجَمِيعُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ
_________
(١) حاشية الدسوقي ١ / ١٠٦ ط عيسى الحلبي.
(٢) الطحطاوي على مراقي الفلاح ١٩٧، والمغني ١ / ٤٥٠، والمجموع للنووي ٤ / ١٠٥