الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٩ الصفحة 24

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٩

وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ: الْمَجْبُوبُ هُوَ الَّذِي قُطِعَ ذَكَرُهُ (١) .

وَذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ الْمَجْبُوبَ فَقَال: الْمُتَضَمِّنُ مَعْنَى الْعُنَّةِ فِي الْعَجْزِ عَنِ الْوَطْءِ.

وَقَال الْمُطَرِّزِيُّ: الْمَجْبُوبُ: الْخَصِيُّ الَّذِي اسْتُؤْصِل ذَكَرُهُ وَخُصْيَاهُ (٢) .

ب - الْعُنَّةُ:

٣ - الْعُنَّةُ وَالتَّعْنِينُ: الْعَجْزُ عَنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ، أَوْ أَنْ لاَ يَشْتَهِيَ النِّسَاءَ فَهُوَ عِنِّينٌ، وَالْمَرْأَةُ عِنِّينَةٌ: أَيْ: لاَ تَشْتَهِي الرِّجَال (٣) .

وَعُنِّنَ عَنِ امْرَأَتِهِ تَعْنِينًا بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُول: إِذَا حَكَمَ عَلَيْهِ الْقَاضِي بِذَلِكَ، أَوْ مُنِعَ عَنْهَا بِالسِّحْرِ.

وَالاِسْمُ مِنْهُ: الْعُنَّةُ، وَسُمِّيَ عِنِّينًا: لأَِنَّ ذَكَرَهُ يَعِنُّ لِقُبُل الْمَرْأَةِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ، أَيْ يَعْتَرِضُ إِذَا أَرَادَ إِيلاَجَهُ.

وَسُمِّيَ عِنَانُ اللِّجَامِ مِنْ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ يَعِنُّ: أَيْ يَعْتَرِضُ الْفَمَ فَلاَ يَلِجُهُ (٤) .

_________

(١) نهاية المحتاج ٦ / ٣٠٩ - ٣١٠

(٢) المغني لابن قدامة ٦ / ٦٧٤، والمغرب، مادة: " جب " وانظر حاشية الدسوقي ٢ / ٢٧٨

(٣) المصباح المنير مادة: " عنن ".

(٤) المرجع نفسه.

فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ وُجُودُ الآْلَةِ فِي الْعِنِّينِ.

وَيَجْتَمِعُ الْخَصِيُّ مَعَ الْعِنِّينِ فِي عَدَمِ الإِْنْزَال، وَعَدَمُ الإِْنْزَال عِنْدَ الْخَصِيِّ لِذَهَابِ الْخُصْيَةِ، أَمَّا عَدَمُ الإِْنْزَال عِنْدَ الْعِنِّينِ فَهُوَ لِعِلَّةٍ فِي الظَّهْرِ أَوْ غَيْرِهِ. (١)

ج - الْوِجَاءُ:

٤ - الْوِجَاءُ اسْمٌ لِـ وَجَأَ، وَيُطْلَقُ عَلَى رَضِّ عُرُوقِ الْبَيْضَتَيْنِ حَتَّى تَنْفَضِخَا مِنْ غَيْرِ إِخْرَاجٍ، فَيَكُونُ شَبِيهًا بِالْخِصَاءِ، لأَِنَّهُ يَكْسِرُ الشَّهْوَةَ (٢) .

وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ هَذَا الْمَعْنَى فَقَالُوا:

الْمَوْجُوءُ هُوَ الَّذِي رُضَّتْ بَيْضَتَاهُ.

وَقِيل فِي مَعْنَى الْوِجَاءِ:

إِنَّ الْمَوْجُوءَ هُوَ مَنْزُوعُ الأُْنْثَيَيْنِ، وَقِيل: هُوَ الْمَشْقُوقُ عِرْقُ الأُْنْثَيَيْنِ وَالْخُصْيَتَانِ بِحَالِهِمَا (٣) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

أَوَّلًا: فِي الآْدَمِيِّ:

٥ - إِنَّ خِصَاءَ الآْدَمِيِّ حَرَامٌ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ عَلَى مَا يَأْتِي:

_________

(١) المغني لابن قدامة ٦ / ٦٦٧، ٧ / ٧١٤، وتبيين الحقائق للزيلعي ٣ / ٢١ - ٢٢، ونهاية المحتاج للرملي ٦ / ٣٠٩

(٢) المصباح المنير مادة " وجأ ".

(٣) المغني لابن قدامة ٣ / ٥٥٤، والمقنع ١ / ٤٧٤، ونيل الأوطار للشوكاني ٥ / ٢٠٩

وَقَال ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ بِلاَ خِلاَفٍ فِي بَنِي آدَمَ (١) .

وَمِنَ النَّهْيِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَال: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ لَنَا شَيْءٌ، فَقُلْنَا: أَلاَ نَسْتَخْصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ. (٢)

وَحَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: رَدَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّل، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لاَخْتَصَيْنَا. (٣) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ نَفْسِهِ أَنَّهُ قَال: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ تَشُقُّ عَلَيَّ هَذِهِ الْعُزُوبَةُ فِي الْمَغَازِي فَتَأْذَنُ لِي فِي الْخِصَاءِ فَأَخْتَصِي؟ قَال: لاَ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالصِّيَامِ. (٤)

_________

(١) صحيح مسلم بشرح النووي ٩ / ١٧٧، وفتح الباري شرح صحيح البخاري ٩ / ١١٩، الدر المختار ٥ / ٢٤٩، والزرقاني ٣ / ٢٣٧

(٢) حديث عبد الله بن مسعود قال: " كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ". أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ١١٧ - ط السلفية) .

(٣) حديث سعد بن أبي وقاص: " رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل ". أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ١١٧ - ط السلفية) .

(٤) حديث عثمان بن مظعون: " يا رسول الله إني رجل تشق علي هذه العزوبة ". أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد (٤ / ٢٥٣ - ط القدسي)، وقال الهيثمي: " فيه عبد الملك بن قدامة الجمحي، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات ".

وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ قَال: يَا رَسُول اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي الاِخْتِصَاءِ فَقَال: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَنَا بِالرَّهْبَانِيَّةِ الْحَنِيفِيَّةَ السَّمْحَةَ. (١)

وَيُرْوَى مَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: (لاَ كَنِيسَةَ فِي الإِْسْلاَمِ وَلاَ خِصَاءَ) (٢) قَال ابْنُ حَجَرٍ تَعْقِيبًا عَلَى هَذِهِ الأَْحَادِيثِ:

وَالْحِكْمَةُ فِي مَنْعِ الْخِصَاءِ أَنَّهُ خِلاَفُ مَا أَرَادَهُ الشَّارِعُ مِنْ تَكْثِيرِ النَّسْل لِيَسْتَمِرَّ جِهَادُ الْكُفَّارِ، وَإِلاَّ لَوْ أَذِنَ فِي ذَلِكَ لأَوْشَكَ تَوَارُدُهُمْ عَلَيْهِ فَيَنْقَطِعُ النَّسْل فَيَقِل الْمُسْلِمُونَ بِانْقِطَاعِهِ وَيَكْثُرُ الْكُفَّارُ، فَهُوَ خِلاَفُ الْمَقْصُودِ مِنْ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ.

كَمَا أَنَّ فِيهِ مِنَ الْمَفَاسِدِ، تَعْذِيبَ النَّفْسِ وَالتَّشْوِيهَ مَعَ إِدْخَال الضَّرَرِ الَّذِي قَدْ يُفْضِي إِلَى الْهَلاَكِ. وَفِيهِ إِبْطَال مَعْنَى الرُّجُولِيَّةِ الَّتِي أَوْجَدَهَا اللَّهُ فِيهِ، وَتَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ، وَكُفْرُ النِّعْمَةِ، وَفِيهِ تَشَبُّهٌ بِالْمَرْأَةِ وَاخْتِيَارُ النَّقْصِ عَلَى الْكَمَال (٣) .

_________

(١) حديث: " إن الله قد أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة ". أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (٦ / ٧٥ - ٧٦ - ط وزارة الأوقاف العراقية)، وأورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٤ / ٢٥٢ ط القدسي) وقال: " فيه إبراهيم بن زكريا، وهوضعيف ".

(٢) رواه الإمام أحمد، وأنظر أحكام أهل الذمة (٢ / ٦٧٣) .

(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ٩ / ١٧٧، وفتح الباري شرح صحيح البخاري ٩ / ١١٩.

ثَانِيًا: فِي غَيْرِ الآْدَمِيِّ:

٦ - قَرَّرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِخِصَاءِ الْبَهَائِمِ؛ لأَِنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلْبَهِيمَةِ وَالنَّاسِ.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يَجُوزُ خِصَاءُ الْمَأْكُول مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ صَلاَحِ اللَّحْمِ.

وَالشَّافِعِيَّةُ فَرَّقُوا بَيْنَ الْمَأْكُول وَغَيْرِهِ، فَقَالُوا: يَجُوزُ خِصَاءُ مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ فِي الصِّغَرِ، وَيَحْرُمُ فِي غَيْرِهِ. وَشَرَطُوا أَنْ لاَ يَحْصُل فِي الْخِصَاءِ هَلاَكٌ.

أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيُبَاحُ عِنْدَهُمْ خَصِيُّ الْغَنَمِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِصْلاَحِ لَحْمِهَا، وَقِيل: يُكْرَهُ كَالْخَيْل وَغَيْرِهَا وَالشَّدْخُ أَهْوَنُ مِنَ الْجَبِّ. وَقَدْ قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: لاَ يُعْجِبُنِي لِلرَّجُل أَنْ يَخْصِيَ شَيْئًا، وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ عَنْ إِيلاَمِ الْحَيَوَانِ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ إِخْصَاءِ الْبَهَائِمِ نَهْيًا شَدِيدًا. (١)

الأَْحْكَامُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الْخِصَاءِ:

أ - فِي الْعُيُوبِ الَّتِي يُفْسَخُ بِهَا النِّكَاحُ:

٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْخَصِيَّ يَأْخُذُ حُكْمَ الْعِنِّينِ فَيُؤَجَّل سَنَةً، وَلاَ فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ سَل

_________

(١) حديث: " نهى عن إخصاء البهائم نهيا شديدا ". أخرجه البزار (٢ / ٢٧٤ - كشف الأستار - ط الرسالة) من حديث عبد الله بن عباس، وقال الهيثمي: " رجاله رجال الصحيح " مجمع الزوائد (٥ / ٢٦٥ - ط القدسي) . وانظر الهداية مع فتح القدير ٨ / ١٣١، والزرقاني ٢ / ٢٣٧، وحاشية عميرة على المحلي ٣ / ٢٠٤، المغني ٨ / ٦٢٥، والآداب الشرعية ٣ / ١٤٤.

الْخُصْيَتَيْنِ أَوْ قَطْعِهِمَا، وَبَيْنَ مَا لَوْ كَانَ ذَكَرُهُ لاَ يَنْتَشِرُ؛ لأَِنَّ آلَتَهُ لَوْ كَانَتْ تَنْتَشِرُ فَلاَ خِيَارَ لِلزَّوْجَةِ.

وَحُكْمُ ذَلِكَ التَّأْجِيل كَالْعِنِّينِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ اسْمِ الْعِنِّينِ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ عَالِمَةً بِحَالِهِ لاَ خِيَارَ لَهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَالِمَةً فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالْفُرْقَةِ (١) .

وَقَال السَّرَخْسِيُّ: الْخَصِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْعِنِّينِ، لأَِنَّ الْوُصُول فِي حَقِّهِ مَوْجُودٌ لِبَقَاءِ الآْلَةِ. وَلَوْ تَزَوَّجَتْ وَهِيَ تَعْلَمُ بِحَالِهِ فَلاَ خِيَارَ لَهَا فِيهِ؛ لأَِنَّهَا صَارَتْ رَاضِيَةً بِهِ حِينَ أَقْدَمَتْ عَلَى الْعَقْدِ مَعَ عِلْمِهَا بِحَالِهِ، وَلَوْ رَضِيَتْ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ بِأَنْ قَالَتْ: رَضِيتُ، سَقَطَ خِيَارُهَا، فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ عَالِمَةً بِهِ، وَلاَ فَرْقَ فِي قَوْلِهَا رَضِيتُ بِالْمُقَامِ مَعَهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لأَِنَّهُ إِسْقَاطٌ لِحَقِّهَا (٢) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لَهَا الْخِيَارُ إِذَا كَانَ لاَ يُمْنِي، أَمَّا إِنْ أَمْنَى فَلاَ رَدَّ بِهِ؛ لأَِنَّ الْخِيَارَ إِنَّمَا هُوَ لِعَدَمِ تَمَامِ اللَّذَّةِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ مَعَ الإِْنْزَال (٣) .

وَلِلشَّافِعِيَّةِ إِذَا وَجَدَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا خَصِيًّا قَوْلاَنِ:

_________

(١) البحر الرائق لابن نجيم ٤ / ١٢٤، وفتح القدير لابن الهمام ٥ / ١٣٢، وانظر نيل الأوطار للشوكاني ٦ / ٢٩٨ - ٢٩٩

(٢) المبسوط للسرخسي ٣ / ١٠٤

(٣) الزرقاني ٣ / ٢٣٦، ٢٣٧

أَحَدُهُمَا: لَهَا الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ؛ لأَِنَّ النَّفْسَ تَعَافُهُ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ لاَ خِيَارَ لَهَا لأَِنَّهَا، تَقْدِرُ عَلَى الاِسْتِمْتَاعِ بِهِ (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الْخَصِيُّ إِنْ وَصَل إِلَيْهَا فَلاَ خِيَارَ لَهَا؛ لأَِنَّ الْوَطْءَ مُمْكِنٌ، وَالاِسْتِمْتَاعُ حَاصِلٌ بِوَطْئِهِ (٢) .

ب - حُكْمُ الْخِصَاءِ فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ:

٨ - سَبَقَ أَنْ بَيَّنَّا أَنَّ الْخِصَاءَ هُوَ أَخْذُ الْخُصْيَتَيْنِ دُونَ الذَّكَرِ أَوْ مَعَهُ، وَفِيمَا يَلِي نَذْكُرُ مُوجِبَ قَطْعِ الْخُصْيَتَيْنِ دُونَ الذَّكَرِ أَوْ مَعَهُ:

ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْقِصَاصَ يَجْرِي عِنْدَ تَوَافُرِ شُرُوطِهِ فِي الأُْنْثَيَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٣) فَيُقْطَعُ الأُْنْثَيَانِ بِالأُْنْثَيَيْنِ؛ لأَِنَّهُ يَنْتَهِي إِلَى حَدٍّ فَاصِلٍ يُمْكِنُ الْقِصَاصُ فِيهِ فَوَجَبَ فِيهِ الْقِصَاصُ (٤) .

وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيَّةُ إِشْلاَل الأُْنْثَيَيْنِ وَدَقَّهُمَا بِالْقَطْعِ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ. قَال النَّوَوِيُّ: وَفِي قَطْعِ الأُْنْثَيَيْنِ وَإِشْلاَلِهِمَا الْقِصَاصُ، سَوَاءٌ أَقُطِعَ الذَّكَرُ وَالأُْنْثَيَيْنِ مَعًا، أَمْ قُدِّمَ الذَّكَرُ أَوِ الأُْنْثَيَيْنِ،

_________

(١) المهذب للشيرازي ٢ / ٦٢ - كفاية الأخيار ٢ / ٥٩ - ٦٠

(٢) المغني ٦ / ٦٧٠، وانظر المقنع لابن قدامة ١ / ٥٥

(٣) سورة المائدة / ٤٥

(٤) المهذب ٢ / ١٨٣، والمغني ٧ / ٧١٤، والتاج والإكليل بهامش الحطاب ٦ / ٧٤٧

وَلَوْ دَقَّ خُصْيَيْهِ فَفِي التَّهْذِيبِ أَنَّهُ يُقْتَصُّ بِمِثْلِهِ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلاَّ وَجَبَتِ الدِّيَةُ (١) .

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يُقْتَصُّ فِي الرَّضِّ، قَال أَشْهَبُ: إِنْ قُطِعَتِ الأُْنْثَيَانِ أَوْ أُخْرِجَتَا فَفِيهِمَا الْقَوَدُ لاَ فِي رَضِّهِمَا، لأَِنَّهُ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى التَّلَفِ لِعَدَمِ الاِنْضِبَاطِ فِي الْقِصَاصِ (٢) .

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ نَقْلًا عَنِ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ، أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكُتُبِ الظَّاهِرَةِ نَصٌّ يَدُل عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي قَطْعِ الأُْنْثَيَيْنِ حَالَةَ الْعَمْدِ (٣)، وَيَقُول الْكَاسَانِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ لاَ يَجِبَ الْقِصَاصُ فِيهِمَا، حَيْثُ لَيْسَ لَهُمَا مَفْصِلٌ مَعْلُومٌ فَلاَ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمِثْل (٤) .

وَإِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ لِعَدَمِ تَوَافُرِ أَيِّ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهِ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي الأُْنْثَيَيْنِ، فَقَدْ وَرَدَ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ (٥) وَلأَِنَّ فِيهِمَا الْجَمَال وَالْمَنْفَعَةَ، فَإِنَّ النَّسْل يَكُونُ بِهِمَا، فَكَانَتْ فِيهِمَا الدِّيَةُ كَالْيَدَيْنِ، وَرَوَى

_________

(١) روضة الطالبين ٩ / ١٩٥

(٢) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ٤ / ٣٨٨، والتاج والإكليل ٦ / ٢٤٧

(٣) الفتاوى الهندية ٦ / ١٥

(٤) بدائع الصنائع ٧ / ٣٠٩

(٥) حديث: " وفي البيضتين الدية ". أخرجه النسائي (٨ / ٥٨ - ط المكتبة التجارية) من حديث طويل رواه عمرو بن حزم وضعف إسناده النووي كما في التلخيص لابن حجر (١ / ١٣١ - ط شركة الطباعة الفنية) ولكن ابن حجر أورد له شواهد تقوية.

الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَال: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ فِي الصُّلْبِ الدِّيَةَ، وَفِي الأُْنْثَيَيْنِ الدِّيَةَ. وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفَ الدِّيَةِ فِي قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ، لأَِنَّ مَا وَجَبَ فِي اثْنَيْنِ مِنْهُ الدِّيَةُ، وَجَبَ فِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا، كَالْيَدَيْنِ وَسَائِرِ الأَْعْضَاءِ؛ وَلأَِنَّهُمَا ذَوَا عَدَدٍ تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ فَاسْتَوَتْ دِيَتُهُمَا كَالأَْصَابِعِ، وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ فِي الْيُسْرَى ثُلُثَيِ الدِّيَةِ، وَفِي الْيُمْنَى ثُلُثَهَا؛ لأَِنَّ الْيُسْرَى أَكْثَرُ لأَِنَّ النَّسْل يَكُونُ بِهَا (١) .

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَإِنْ رَضَّ أُنْثَيَيْهِ أَوْ أَشَلَّهُمَا كَمُلَتْ دِيَتُهُمَا كَمَا لَوْ أَشَل يَدَيْهِ أَوْ ذَكَرَهُ، فَإِنْ قَطَعَ أُنْثَيَيْهِ فَذَهَبَ نَسْلُهُ لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ نَفْعَهُمَا فَلَمْ تَزْدَدِ الدِّيَةُ بِذَهَابِهِ مَعَهُمَا، كَالْبَصَرِ مَعَ ذَهَابِ الْعَيْنَيْنِ، وَالْبَطْشِ مَعَ ذَهَابِ الْيَدَيْنِ، وَإِنْ قُطِعَ إِحْدَاهُمَا فَذَهَبَ النَّسْل لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ؛ لأَِنَّ ذَهَابَهُ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ (٢) .

هَذَا مُوجِبٌ قَطْعَ الأُْنْثَيَيْنِ دُونَ الذَّكَرِ، أَمَّا إِذَا قَطَعَ الأُْنْثَيَيْنِ مَعَ الذَّكَرِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَفِيهِمَا دِيَتَانِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، دِيَةٌ لِلأُْنْثَيَيْنِ وَدِيَةٌ لِلذَّكَرِ؛ لأَِنَّ الْجَانِيَ فَوَّتَ مَنْفَعَةَ الْجِمَاعِ بِقَطْعِ الذَّكَرِ وَمَنْفَعَةَ

_________

(١) المبسوط ٢٦ / ٧٠، والشرح الصغير ٤ / ٣٨٨، بداية المجتهد ٢ / ٤٢٢ ط الحلبي، وروضة الطالبين ٩ / ٢٨٧، والمهذب ٢ / ٢٠٨، والمغني ٨ / ٣٤

(٢) المغني ٨ / ٣٤، ٣٥

الإِْنْزَال بِقَطْعِ الأُْنْثَيَيْنِ، فَقَدْ وُجِدَ تَفْوِيتُ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ فِي قَطْعِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَيَجِبُ فِي كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ (١) .

وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ إِنْ قَطَعَ الذَّكَرَ أَوَّلًا ثُمَّ قَطَعَ الأُْنْثَيَيْنِ تَجِبُ دِيَتَانِ، فَإِنْ قَطَعَ الأُْنْثَيَيْنِ ثُمَّ قَطَعَ الذَّكَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلاَّ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الأُْنْثَيَيْنِ، وَفِي الذَّكَرِ حُكُومَةُ الْعَدْل؛ لأَِنَّهُ ذَكَرُ الْخَصِيِّ وَلاَ تَكْمُل الدِّيَةُ فِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ (٢) .

وَقَال الْكَاسَانِيُّ فِي تَعْلِيلِهِ لِهَذَا الْحُكْمِ: لأَِنَّ مَنْفَعَةَ الأُْنْثَيَيْنِ كَانَتْ كَامِلَةً وَقْتَ قَطْعِهِمَا، وَمَنْفَعَةَ الذَّكَرِ تَفُوتُ بِقَطْعِ الأُْنْثَيَيْنِ إِذْ لاَ يَتَحَقَّقُ الإِْنْزَال بَعْدَ قَطْعِ الأُْنْثَيَيْنِ فَنَقَصَ أَرْشُهُ (٣) .

وَيُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ تَجِبُ فِي قَطْعِ الأُْنْثَيَيْنِ مَعَ الذَّكَرِ دِيَتَانِ سَوَاءٌ أَقُطِعَتَا قَبْل الذَّكَرِ أَمْ بَعْدَهُ (٤) .

قَال الْمَوَّاقُ: إِنْ قُطِعَتِ الأُْنْثَيَانِ مَعَ الذَّكَرِ فَفِي ذَلِكَ دِيَتَانِ، إِنْ قُطِعَتَا قَبْل الذَّكَرِ أَوْ بَعْدَهُ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَإِنْ قُطِعَ الذَّكَرُ قَبْلَهُمَا أَوْ بَعْدَهُمَا فَفِيهِ الدِّيَةُ، وَمَنْ لاَ ذَكَرَ لَهُ فَفِي أُنْثَيَيْهِ الدِّيَةُ، وَمَنْ لاَ أُنْثَيَيْنِ لَهُ فَفِي ذَكَرِهِ الدِّيَةُ (٥) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٣٢٤، المغني ٨ / ٣٣، ٣٤، والتاج والإكليل ٦ / ٢٤١، وشرح المنهج ٥ / ٧٩

(٢) بدائع الصنائع ٧ / ٣٢٤، والمغني ٨ / ٣٣، ٣٤

(٣) بدائع الصنائع ٧ / ٣٢٤

(٤) التاج والإكليل ٦ / ٢٦١، وشرح المنهج ٥ / ١٧٩

(٥) التاج والإكليل ٦ / ٢٦١