الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨
لِلطَّوَافِ، فَلِذَا لاَ يُطْلَبُ مِنَ الْحَائِضِ لِمَنْعِهَا مِنْ دُخُول الْمَسْجِدِ (١) .
ب - الطَّوَافُ:
٣٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْحَيْضَ لاَ يَمْنَعُ شَيْئًا مِنْ أَعْمَال الْحَجِّ إِلاَّ الطَّوَافَ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِعَائِشَةَ حِينَ حَاضَتْ: افْعَلِي مَا يَفْعَل الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ.
ثُمَّ إِنَّ الأَْطْوِفَةَ الْمَشْرُوعَةَ فِي الْحَجِّ ثَلاَثَةٌ: طَوَافُ الْقُدُومِ، وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَدَا الْمَالِكِيَّةَ حَيْثُ قَالُوا بِوُجُوبِهِ، وَطَوَافُ الإِْفَاضَةِ، وَهُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ بِالاِتِّفَاقِ، وَطَوَافُ الْوَدَاعِ وَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَدَا الْمَالِكِيَّةَ حَيْثُ قَالُوا بِسُنِّيَّتِهِ.
فَإِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ قَبْل أَنْ تَطُوفَ طَوَافَ الْقُدُومِ سَقَطَ عَنْهَا وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهَا وَذَلِكَ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِسُنِّيَّتِهِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ يَجِبُ عَلَيْهَا حَيْثُ بَقِيَ عُذْرُهَا بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُهَا الإِْتْيَانُ بِهِ قَبْل الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَإِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ قَبْل طَوَافِ الإِْفَاضَةِ، فَإِنَّهَا تَبْقَى عَلَى إِحْرَامِهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَطُوفَ. فَإِنْ طَافَتْ وَهِيَ حَائِضٌ فَلاَ يَصِحُّ طَوَافُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ - الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٩٣، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ١ / ٣٩٨، ٤٠٩، مغني المحتاج ١ / ٤٧٨، كشاف القناع ١ / ١٥١.
وَالْحَنَابِلَةِ - وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى صِحَّتِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ، لأَِنَّ الطَّهَارَةَ لَهُ وَاجِبَةٌ، وَهِيَ غَيْرُ طَاهِرَةٍ، وَتَأْثَمُ وَعَلَيْهَا بَدَنَةٌ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ بِلاَ طَوَافِ وَدَاعٍ، تَخْفِيفًا عَلَيْهَا لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ صَفِيَّةَ ﵂ حَاضَتْ فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَنْصَرِفَ بِلاَ وَدَاعٍ (١) . وَعَنْ طَاوُسٍ قَال: " كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ قَال زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: تُفْتِي أَنْ تَصْدُرَ الْحَائِضُ قَبْل أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ. فَقَال لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِمَّا لاَ. فَسَل فُلاَنَةَ الأَْنْصَارِيَّةَ، هَل أَمَرَهَا بِذَلِكَ رَسُول اللَّهِ ﷺ؟ قَال: فَرَجَعَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَضْحَكُ، وَهُوَ يَقُول: مَا أَرَاكَ إِلاَّ قَدْ صَدَقْتَ (٢) .
وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهَا إِنْ طَهُرَتْ قَبْل مُفَارَقَةِ بُنْيَانِ مَكَّةَ لَزِمَهَا الْعَوْدُ فَتَغْتَسِل وَتَطُوفُ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَل فَعَلَيْهَا دَمٌ بِخِلاَفِ مَا إِذَا طَهُرَتْ خَارِجَ مَكَّةَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهَا (٣) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (حَجٌّ) .
_________
(١) حديث عائشة: " أن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ حاضت " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٥٨٦ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٩٦٤ - ط الحلبي) .
(٢) حديث محاورة زيد بن ثابت مع ابن عباس. أخرجه مسلم (٢ / ٩٦٣ - ٩٦٤ - ط الحلبي)
(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ١٩٤، ٢ / ١٤٨، ١٦٦، مجموعة رسائل ابن عابدين ١ / ١١٣، حاشية الدسوقي ٢ / ٣٤، ٥٣، نهاية المحتاج ٣ / ٣١٧، مغني المحتاج ١ / ٥١٠، كشاف القناع ١ / ١٩٧، ٢ / ٤٨٣، ٥١٣، المغني ٣ / ٤٦١.
أ - قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ:
٣٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ قِرَاءَةِ الْحَائِضِ لِلْقُرْآنِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى حُرْمَةِ قِرَاءَتِهَا لِلْقُرْآنِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لاَ تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلاَ الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ (١) .
وَهُنَاكَ تَفْصِيلاَتٌ بَيَانُهَا فِيمَا يَلِي:
فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ حُرْمَةُ قِرَاءَتِهَا لِلْقُرْآنِ وَلَوْ دُونَ آيَةٍ مِنَ الْمُرَكَّبَاتِ لاَ الْمُفْرَدَاتِ، وَذَلِكَ إِذَا قَصَدَتِ الْقِرَاءَةَ، فَإِنْ لَمْ تَقْصِدِ الْقِرَاءَةَ بَل قَصَدَتِ الثَّنَاءَ أَوِ الذِّكْرَ فَلاَ بَأْسَ بِهِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: فَلَوْ قَرَأَتِ الْفَاتِحَةَ عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ، أَوْ شَيْئًا مِنَ الآْيَاتِ الَّتِي فِيهَا مَعْنَى الدُّعَاءِ، وَلَمْ تُرِدِ الْقِرَاءَةَ لاَ بَأْسَ بِهِ، وَصَرَّحُوا أَنَّ مَا لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الدُّعَاءِ كَسُورَةِ الْمَسَدِ، لاَ تُؤَثِّرُ فِيهِ نِيَّةُ الدُّعَاءِ فَيَحْرُمُ، وَقَدْ أَجَازُوا لِلْمُعَلِّمَةِ الْحَائِضِ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ كَلِمَةً كَلِمَةً، وَذَلِكَ بِأَنْ تُقَطِّعَ بَيْنَ كُل كَلِمَتَيْنِ، لأَِنَّهَا لاَ تُعَدُّ بِالْكَلِمَةِ قَارِئَةً. كَمَا أَجَازُوا لِلْحَائِضِ أَنْ تَتَهَجَّى بِالْقُرْآنِ حَرْفًا حَرْفًا، أَوْ كَلِمَةً كَلِمَةً مَعَ الْقَطْعِ، مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ،
_________
(١) حديث: " لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن " أخرجه الترمذي (١ / ٢٣٦ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر، ثم نقل الترمذي عن البخاري أنه أعل إسناده.
وَكَرِهُوا لَهَا قِرَاءَةَ مَا نُسِخَتْ تِلاَوَتُهُ مِنَ الْقُرْآنِ، وَلاَ يُكْرَهُ لَهَا قِرَاءَةُ الْقُنُوتِ، وَلاَ سَائِرُ الأَْذْكَارِ وَالدَّعَوَاتِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ حُرْمَةُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْحَائِضِ وَلَوْ بَعْضَ آيَةٍ، كَحَرْفٍ لِلإِْخْلاَل بِالتَّعْظِيمِ سَوَاءٌ أَقَصَدَتْ مَعَ ذَلِكَ غَيْرَهَا أَمْ لاَ، وَصَرَّحُوا بِجَوَازِ إِجْرَاءِ الْقُرْآنِ عَلَى قَلْبِهَا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكِ اللِّسَانِ، وَجَوَازِ النَّظَر فِي الْمُصْحَفِ، وَإِمْرَارِ مَا فِيهِ فِي الْقَلْبِ، وَكَذَا تَحْرِيكُ لِسَانِهَا وَهَمْسُهَا بِحَيْثُ لاَ تُسْمِعُ نَفْسَهَا، لأَِنَّهَا لَيْسَتْ بِقِرَاءَةِ قُرْآنٍ. وَيَجُوزُ لَهَا قِرَاءَةُ مَا نُسِخَتْ تِلاَوَتُهُ.
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهَا قِرَاءَةُ آيَةٍ فَصَاعِدًا، وَلاَ يَحْرُمُ عَلَيْهَا قِرَاءَةُ بَعْضِ آيَةٍ، لأَِنَّهُ لاَ إِعْجَازَ فِيهِ، وَذَلِكَ مَا لَمْ تَكُنْ طَوِيلَةً، كَمَا لاَ يَحْرُمُ عَلَيْهَا تَكْرِيرُ بَعْضِ آيَةٍ مَا لَمْ تَتَحَيَّل عَلَى الْقِرَاءَةِ فَتَحْرُمُ عَلَيْهَا. وَلَهَا تَهْجِيَةُ آيِ الْقُرْآنِ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِقِرَاءَةٍ لَهُ، وَلَهَا التَّفَكُّرُ فِيهِ وَتَحْرِيكُ شَفَتَيْهَا بِهِ مَا لَمْ تُبَيِّنِ الْحُرُوفَ، وَلَهَا قِرَاءَةُ أَبْعَاضِ آيَةٍ مُتَوَالِيَةٍ، أَوْ آيَاتٍ سَكَتَتْ بَيْنَهَا سُكُوتًا طَوِيلًا. وَلَهَا قَوْل مَا وَافَقَ الْقُرْآنَ وَلَمْ تَقْصِدْهُ، كَالْبَسْمَلَةِ، وَقَوْل الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَآيَةِ الاِسْتِرْجَاعِ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ وَآيَةِ الرُّكُوبِ، وَلَهَا أَيْضًا أَنْ يُقْرَأَ عَلَيْهَا وَهِيَ سَاكِتَةٌ، لأَِنَّهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ تُنْسَبُ إِلَى الْقِرَاءَةِ، وَلَهَا أَنْ تَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَاخْتَارَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّهُ يُبَاحُ لِلْحَائِضِ أَنْ
تَقْرَأَ الْقُرْآنَ إِذَا خَافَتْ نِسْيَانَهُ، بَل يَجِبُ لأَِنَّ مَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحَائِضَ يَجُوزُ لَهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي حَال اسْتِرْسَال الدَّمِ مُطْلَقًا، كَانَتْ جُنُبًا أَمْ لاَ، خَافَتِ النِّسْيَانَ أَمْ لاَ. وَأَمَّا إِذَا انْقَطَعَ حَيْضُهَا، فَلاَ تَجُوزُ لَهَا الْقِرَاءَةُ حَتَّى تَغْتَسِل جُنُبًا كَانَتْ أَمْ لاَ، إِلاَّ أَنْ تَخَافَ النِّسْيَانَ.
هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ، لأَِنَّهَا قَادِرَةٌ عَلَى التَّطَهُّرِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَهُنَاكَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ هُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا انْقَطَعَ حَيْضُهَا جَازَ لَهَا الْقِرَاءَةُ إِنْ لَمْ تَكُنْ جُنُبًا قَبْل الْحَيْضِ. فَإِنْ كَانَتْ جَنْبًا قَبْلَهُ فَلاَ تَجُوزُ لَهَا الْقِرَاءَةُ (١) .
(ب) مَسُّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلُهُ:
٤٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْحَائِضِ مَسُّ الْمُصْحَفِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٢) وَلِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْل الْيَمَنِ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٩٥، مجموعة رسائل ابن عابدين ١ / ١١١، ١١٢، حاشية الدسوقي ١ / ١٧٤، مغني المحتاج ١ / ٧٢، المجموع ١ / ٣٥٦، كشاف القناع ١ / ١٤٧، الإنصاف ١ / ٣٤٧.
(٢) سورة الواقعة / ٧٩.
كِتَابًا، وَكَانَ فِيهِ: لاَ يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلاَّ طَاهِرٌ (١) وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ الْمُعَلِّمَةَ وَالْمُتَعَلِّمَةَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُمَا مَسُّ الْمُصْحَفِ. وَهُنَاكَ تَفْصِيلاَتٌ فِي بَعْضِ الْمَذَاهِبِ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (مُصْحَفٌ) .
دُخُول الْمَسْجِدِ:
٤١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُرْمَةِ اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ لِلْحَائِضِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ أُحِل الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلاَ جُنُبٍ (٢) وَيَنْدَرِجُ فِيهِ الاِعْتِكَافُ كَمَا صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِذَلِكَ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ عُبُورِهَا لِلْمَسْجِدِ دُونَ لُبْثٍ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ وَالْعُذْرِ، كَالْخَوْفِ مِنَ السَّبُعِ قِيَاسًا عَلَى الْجُنُبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٣) وَاللِّصِّ وَالْبَرْدِ وَالْعَطَشِ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ عَائِشَةَ أَنْ تُنَاوِلَهُ الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَقَالَتْ إِنَّهَا حَائِضٌ فَقَال
_________
(١) حديث عمرو بن حزم: " لا يمس القرآن إلا طاهر ". أخرجه الدارقطني (٢ / ٢٨٥ - دار المحاسن) وصوب ابن عبد البر الإرسال فيه كما في حاشية الموطأ (١ / ١٩٩ - ط الحلبي) ولكن له شواهد تقويه، ذكرها ابن حجر في التلخيص (١ / ١٣١ - ط شركة الطباعة الفنية) .
(٢) حديث: " لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " أخرجه أبو داود (١ / ١٥٩ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عائشة، وفي إسناده جهالة، كذا في التلخيص لابن حجر (١ / ١٤٠ - ط شركة الطباعة الفنية) .
(٣) سورة النساء / ٤٣.
حَيْضَتُك لَيْسَتْ بِيَدِكِ، وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الأَْوْلَى لَهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ أَنْ تَتَيَمَّمَ ثُمَّ تَدْخُل.
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ حُرْمَةَ دُخُولِهَا الْمَسْجِدَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ لِلْمُكْثِ أَوْ لِلْعُبُورِ، وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ دُخُولَهَا لِلطَّوَافِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى حُرْمَةِ مُرُورِهَا فِي الْمَسْجِدِ إِنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ، لأَِنَّ تَلْوِيثَهُ بِالنَّجَاسَةِ مُحَرَّمٌ، وَالْوَسَائِل لَهَا حُكْمُ الْمَقَاصِدِ. فَإِنْ أَمِنَتْ تَلْوِيثَهُ فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ عُبُورِهَا الْمَسْجِدَ، وَمَحِل الْكَرَاهَةِ إِذَا عَبَرَتْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَمِنَ الْحَاجَةِ الْمُرُورُ مِنَ الْمَسْجِدِ، لِبُعْدِ بَيْتِهَا مِنْ طَرِيقٍ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَقُرْبِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا لاَ تُمْنَعُ مِنْ مُرُورِهَا فِي الْمَسْجِدِ حِينَئِذٍ. قَال أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ - تَمُرُّ وَلاَ تَقْعُدُ.
كَمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي دُخُول الْحَائِضِ مُصَلَّى الْعِيدِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَكَذَا مُصَلَّى الْجِنَازَةِ إِذْ لَيْسَ لَهُمَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ فِي الأَْصَحِّ، وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى حُرْمَةِ مُصَلَّى الْعِيدِ عَلَيْهَا، لأَِنَّهُ مَسْجِدٌ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: وَيَعْتَزِل الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى، وَأَجَازُوا مُصَلَّى الْجَنَائِزِ لَهَا لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَسْجِدٍ.
الاِسْتِمْتَاعُ بِالْحَائِضِ:
٤٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُرْمَةِ وَطْءِ الْحَائِضِ فِي الْفَرَجِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: اصْنَعُوا كُل شَيْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ وَحَكَى النَّوَوِيُّ الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، وَاسْتَثْنَى الْحَنَابِلَةُ مَنْ بِهِ شَبَقٌ لاَ تَنْدَفِعُ شَهْوَتُهُ بِدُونِ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ، وَيَخَافُ تَشَقُّقَ أُنْثَيَيْهِ إِنْ لَمْ يَطَأْ، وَلاَ يَجِدُ غَيْرَ الْحَائِضِ، بِأَنْ لاَ يَقْدِرَ عَلَى مَهْرِ امْرَأَةٍ أُخْرَى.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الاِسْتِمْتَاعِ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - إِلَى حُرْمَةِ الاِسْتِمْتَاعِ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا فَأَرَادَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبَاشِرَهَا أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ ثُمَّ يُبَاشِرُهَا. قَالَتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَمْلِكُ إِرْبَهُ وَعَنْ مَيْمُونَةَ
﵂ نَحْوُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ كَانَ يُبَاشِرُ الْمَرْأَةَ مِنْ نِسَائِهِ وَهِيَ حَائِضٌ إِذَا كَانَ عَلَيْهَا إِزَارٌ وَلأَِنَّ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ حَرِيمٌ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ يَرْعَى حَوْل الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُخَالِطَ الْحِمَى.
وَقَدْ أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ الاِسْتِمْتَاعَ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ.
وَمَنَعَهُ الْمَالِكِيَّةُ. كَمَا مَنَعَ الْحَنَفِيَّةُ النَّظَرَ إِلَى مَا تَحْتَ الإِْزَارِ، وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِجَوَازِهِ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الاِسْتِمْتَاعِ بِالرُّكْبَةِ لاِسْتِدْلاَلِهِمْ بِقَوْلِهِ ﷺ: مَا دُونَ الإِْزَارِ وَمَحَلُّهُ الْعَوْرَةُ الَّتِي يَدْخُل فِيهَا الرُّكْبَةُ. وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ الاِسْتِمْتَاعَ بِالسُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ حُكْمَ مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ لِزَوْجِهَا، وَقَرَّرُوا أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهَا مُبَاشَرَتُهَا لَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا فِي جَمِيعِ بَدَنِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ الاِسْتِمْتَاعِ مِنَ الْحَائِضِ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَهَذَا مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ.
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ حِينَئِذٍ سَتْرُ الْفَرْجِ عِنْدَ الْمُبَاشَرَةِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، قَال فِي النُّكَتِ: وَظَاهِرُ كَلاَمِ إِمَامِنَا وَأَصْحَابِنَا أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ مُوَاقَعَةَ الْمَحْظُورِ أَوْ يَخَافَ، وَصَوَّبَ الْمِرْدَاوِيُّ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَأْمَنْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ حَرُمَ عَلَيْهِ لِئَلاَّ يَكُونَ طَرِيقًا إِلَى مُوَاقَعَةِ الْمَحْظُورِ.
كَفَّارَةُ وَطْءِ الْحَائِضِ:
٤٣ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ وَطْءَ الْحَائِضِ فِي الْفَرْجِ كَبِيرَةٌ مِنَ الْعَامِدِ الْمُخْتَارِ الْعَالِمِ بِالتَّحْرِيمِ، وَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ لأَِنَّهُ حَرَامٌ لِغَيْرِهِ. وَقَدْ أَوْجَبَ الْحَنَابِلَةُ نِصْفَ دِينَارٍ ذَهَبًا كَفَّارَةً فِي وَطْءِ الْحَائِضِ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ.
وَاسْتَحَبَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ إِنْ كَانَ الْجِمَاعُ فِي أَوَّل الْحَيْضِ وَبِنِصْفِهِ إِنْ كَانَ فِي آخِرِهِ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: أَوْ وَسَطِهِ. لِحَدِيثِ: إِذَا وَاقَعَ الرَّجُل أَهْلَهُ وَهِيَ حَائِضٌ إِنْ كَانَ دَمًا أَحْمَر