الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨ الصفحة 63

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨

الْحَائِضِ إِذِ الْحَيْضُ مَانِعٌ لِصِحَّتِهَا. كَمَا أَنَّهُ يَمْنَعُ وُجُوبَهَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا أَدَاؤُهَا. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى إِسْقَاطِ فَرْضِ الصَّلاَةِ عَنْهَا فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاَةَ (١) كَمَا نَقَل النَّوَوِيُّ الإِْجْمَاعَ عَلَى سُقُوطِ وُجُوبِ الصَّلاَةِ عَنْهَا.

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ سُجُودَ التِّلاَوَةِ وَالشُّكْرِ فِي مَعْنَى الصَّلاَةِ فَيَحْرُمَانِ عَلَى الْحَائِضِ.

كَمَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ قَضَاءَ مَا فَاتَ الْحَائِضَ فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، لِمَا رَوَتْ مُعَاذَةُ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ مَا بَال الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلاَ تَقْضِي الصَّلاَةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ فَقُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ (٢) . وَلَكِنْ أَسْأَل. فَقَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلاَ نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاَةِ (٣) . ثُمَّ إِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ قَضَائِهَا لِلصَّلاَةِ إِذَا أَرَادَتْ قَضَاءَهَا. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ

_________

(١) حديث: " إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٤٠٩ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٤٦٢ - ط الحلبي) واللفظ لمسلم.

(٢) الحرورية نسبة إلى حروراء، مواطن الخوارج، تريد أن تقول لها أتتشددين كالخوارج.

(٣) حديث عائشة: " كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ". أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٤٢١ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٢٦٥ - ط الحلبي) واللفظ لمسلم.

خِلاَفُ الأَْوْلَى. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ قَضَائِهَا، وَتَنْعَقِدُ نَفْلًا مُطْلَقًا لاَ ثَوَابَ فِيهِ، لأَِنَّهَا مَنْهِيَّةٌ عَنِ الصَّلاَةِ، لِذَاتِ الصَّلاَةِ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ لِذَاتِهِ لاَ ثَوَابَ فِيهِ. وَقَال أَبُو بَكْرٍ الْبَيْضَاوِيُّ بِحُرْمَتِهَا. وَخَالَفَ الرَّمْلِيُّ فَقَال بِصِحَّتِهَا وَانْعِقَادِهَا عَلَى قَوْل الْكَرَاهَةِ الْمُعْتَمَدِ، إِذْ لاَ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ طَلَبِ الْعِبَادَةِ عَدَمُ انْعِقَادِهَا. وَقِيل لأَِحْمَد فِي رِوَايَةِ الأَْثْرَمِ: فَإِنْ أَحَبَّتْ أَنْ تَقْضِيَهَا؟ قَال: لاَ، هَذَا خِلاَفُ السُّنَّةِ، قَال فِي الْفُرُوعِ: فَظَاهِرُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ. وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ أَنَّهُ يُكْرَهُ لَكِنَّهُ بِدْعَةٌ، وَلَعَل الْمُرَادَ إِلاَّ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ، لأَِنَّهَا نُسُكٌ لاَ آخِرَ لِوَقْتِهِ (١) .

إِدْرَاكُ وَقْتِ الصَّلاَةِ:

الْحَائِضُ إِمَّا أَنْ تُدْرِكَ أَوَّل وَقْتِ الصَّلاَةِ بِأَنْ تَكُونَ طَاهِرًا ثُمَّ يَطْرَأَ الْحَيْضُ، أَوْ تُدْرِكَ آخِرَ الْوَقْتِ بِأَنْ تَكُونَ حَائِضًا ثُمَّ تَطْهُرَ.

(أ) إِدْرَاكُ أَوَّل الْوَقْتِ:

٣٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا أَدْرَكَتِ الْحَائِضُ أَوَّل الْوَقْتِ، بِأَنْ كَانَتْ طَاهِرًا ثُمَّ حَاضَتْ هَل تَجِبُ عَلَيْهَا تِلْكَ الصَّلاَةُ أَوْ لاَ؟ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٩٣، حاشية الدسوقي ١ / ١٧٢، الخرشي على خليل ١ / ٢٠٧، نهاية المحتاج ١ / ٣٣٠، مغني المحتاج ١ / ١٠٩، حاشية الجمل ١ / ٢٤٠، كشاف القناع ١ / ١٩٧، الفروع ١ / ٣٦٠، الإنصاف ١ / ٣٤٦ دار إحياء التراث العربي ١٩٨٦م. البحر الرائق ١ / ٢٠٣ المطبعة العلمية بالقاهرة

إِلَى أَنَّهُ إِنْ طَرَأَ الْحَيْضُ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ سَقَطَتْ تِلْكَ الصَّلاَةُ، وَلَوْ بَعْدَ مَا افْتَتَحَتِ الْفَرْضَ.

أَمَّا لَوْ طَرَأَ وَهِيَ فِي التَّطَوُّعِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلاَةِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ حَدَثَ الْحَيْضُ فِي وَقْتٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ سَقَطَتِ الصَّلاَتَانِ، وَإِنْ حَدَثَ فِي وَقْتٍ مُخْتَصٍّ بِإِحْدَاهُمَا، سَقَطَتِ الْمُخْتَصَّةُ بِالْوَقْتِ وَقُضِيَتِ الأُْخْرَى. فَمِثْلًا إِنَّ أَوَّل الزَّوَال مُخْتَصٌّ بِالظُّهْرِ إِلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فِي الْحَضَرِ، وَرَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ، ثُمَّ تَشْتَرِكُ الصَّلاَتَانِ إِلَى أَنْ تَخْتَصَّ الْعَصْرُ بِأَرْبَعٍ قَبْل الْغُرُوبِ فِي الْحَضَرِ، وَرَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ. فَلَوْ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِي وَقْتِ الاِشْتِرَاكِ سَقَطَتِ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ، وَلَوْ حَاضَتْ فِي وَقْتِ الاِخْتِصَاصِ بِالْعَصْرِ وَكَانَتْ لَمْ تُصَل الظُّهْرَ وَلاَ الْعَصْرَ سَقَطَ عَنْهَا قَضَاءُ الْعَصْرِ وَحْدَهَا، وَلَوْ حَاضَتْ فِي وَقْتِ الاِخْتِصَاصِ بِالظُّهْرِ سَقَطَتْ، وَإِنْ تَمَادَى الْحَيْضُ إِلَى وَقْتِ الاِشْتِرَاكِ سَقَطَتِ الْعَصْرُ، فَإِنِ ارْتَفَعَ قَبْلَهُ وَجَبَتْ، وَمِثْل ذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ طَرَأَ الْحَيْضُ فِي أَوَّل الْوَقْتِ، فَإِنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهَا تِلْكَ الصَّلاَةُ فَقَطْ إِنْ أَدْرَكَتْ قَدْرَ الْفَرْضِ، وَلاَ تَجِبُ مَعَهَا الصَّلاَةُ الَّتِي تَجْمَعُ مَعَهَا بَعْدَهَا، وَيَجِبُ الْفَرْضُ الَّذِي قَبْلَهَا أَيْضًا، إِنْ كَانَتْ تَجْمَعُ مَعَهَا وَأَدْرَكَتْ قَدْرَهُ وَلَمْ تَكُنْ قَدْ صَلَّتْهُ لِتَمَكُّنِهَا مِنْ فِعْل ذَلِكَ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ أَدْرَكَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ أَوَّل الْوَقْتِ قَدْرَ تَكْبِيرَةٍ، ثُمَّ طَرَأَ الْحَيْضُ لَزِمَهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلاَةِ الَّتِي أَدْرَكَتِ التَّكْبِيرَةَ مِنْ وَقْتِهَا فَقَطْ، لأَِنَّ الصَّلاَةَ تَجِبُ بِدُخُول أَوَّل الْوَقْتِ عَلَى مُكَلَّفٍ، لَمْ يَقُمْ بِهِ مَانِعٌ وُجُوبًا مُسْتَقِرًّا، فَإِذَا قَامَ بِهِ مَانِعٌ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُسْقِطْهَا. فَيَجِبُ قَضَاؤُهَا عِنْدَ زَوَال الْمَانِعِ. وَلاَ تَلْزَمُهَا غَيْرُ الَّتِي دَخَل وَقْتُهَا قَبْل طُرُوءِ الْحَيْضِ، لأَِنَّهَا لَمْ تُدْرِكْ جُزْءًا مِنْ وَقْتِهَا، وَلاَ مِنْ وَقْتِ تَبَعِهَا فَلَمْ تَجِبْ (١) .

(ب) إِدْرَاكُ آخِرِ الْوَقْتِ:

٣٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مِقْدَارِ الْوَقْتِ الَّذِي تُدْرِكُ فِيهِ الْحَائِضُ الصَّلاَةَ إِنْ طَهُرَتْ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ انْقِطَاعِ الدَّمِ لأَِكْثَرِ الْحَيْضِ، وَانْقِطَاعِهِ قَبْل أَكْثَرِ الْحَيْضِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُبْتَدَأَةِ، وَانْقِطَاعِ دَمِ الْمُعْتَادَةِ فِي أَيَّامِ عَادَتِهَا أَوْ بَعْدَهَا، أَوْ قَبْلَهَا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُعْتَادَةِ.

فَإِنْ كَانَ انْقِطَاعُ الدَّمِ لأَِكْثَرَ الْحَيْضِ فِي الْمُبْتَدَأَةِ، فَإِنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهَا الصَّلاَةُ لَوْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارُ تَحْرِيمَةٍ، وَإِنْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ

_________

(١) شرح فتح القدير ١ / ١٥٢ دار إحياء التراث العربي، القوانين الفقهية / ٦٠ دار العلم للملايين ١٩٧٩م. نهاية المحتاج ١ / ٣٩٧ مصطفى البابي الحلبي ١٩٦٧ م. مغني المحتاج ١ / ١٣٢ دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع ١ / ٢٥٩ عالم الكتب ١٩٨٣م.

مَا يُمْكِنُهَا الاِغْتِسَال فِيهِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ يَجِبُ أَدَاءُ الصَّلاَةِ. فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْوَقْتِ هَذَا الْمِقْدَارُ فَلاَ قَضَاءَ وَلاَ أَدَاءَ. فَالْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُمُ الْجُزْءُ الأَْخِيرُ مِنَ الْوَقْتِ بِقَدْرِ التَّحْرِيمَةِ. فَلَوْ كَانَتْ فِيهِ طَاهِرَةً وَجَبَتِ الصَّلاَةُ وَإِلاَّ فَلاَ.

وَإِنْ كَانَ انْقِطَاعُ الدَّمِ قَبْل أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُبْتَدَأَةِ، أَوْ كَانَ انْقِطَاعُهُ فِي أَيَّامِ عَادَتِهَا أَوْ بَعْدَهَا - قَبْل تَمَامِ أَكْثَرِ الْمُدَّةِ - أَوْ قَبْلَهَا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُعْتَادَةِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهَا الْقَضَاءُ إِنْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ قَدْرُ التَّحْرِيمَةِ، وَالْغُسْل أَوِ التَّيَمُّمِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْمَاءِ. وَلاَ بُدَّ هُنَا مِنْ بَقَاءِ قَدْرِ الْغُسْل أَوِ التَّيَمُّمِ زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ التَّحْرِيمَةِ، لأَِنَّ زَمَانَ الْغُسْل أَوِ التَّيَمُّمِ حَيْضٌ، فَلاَ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهَا قَبْل الْغُسْل أَوِ التَّيَمُّمِ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَبْقَى مِنَ الْوَقْتِ زَمَنٌ يَسَعُهُ وَيَسَعُ التَّحْرِيمَةَ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ بَعْدَ زَمَانِ الْغُسْل أَوِ التَّيَمُّمِ مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارُ التَّحْرِيمَةِ لاَ يَجِبُ الْقَضَاءُ، وَذَلِكَ بِخِلاَفِ مَا لَوِ انْقَطَعَ الدَّمُ لأَِكْثَرَ الْمُدَّةِ فِي الْمُبْتَدَأَةِ، فَإِنَّهُ يَكْفِي قَدْرُ التَّحْرِيمَةِ فَقَطْ، لأَِنَّ زَمَانَ الْغُسْل أَوِ التَّيَمُّمِ مِنَ الطُّهْرِ، لِئَلاَّ يَزِيدَ الْحَيْضُ عَنِ الْعَشَرَةِ، فَبِمُجَرَّدِ الاِنْقِطَاعِ تَخْرُجُ مِنَ الْحَيْضِ، فَإِذَا أَدْرَكَتْ بَعْدَهُ قَدْرَ التَّحْرِيمَةِ تَحَقَّقَ طُهْرُهَا فِيهِ، وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِل فَيَلْزَمُهَا الْقَضَاءُ، وَالْمَقْصُودُ بِالْغُسْل هُنَا الْغُسْل مَعَ مُقَدِّمَاتِهِ، كَالاِسْتِقَاءِ، وَخَلْعِ الثِّيَابِ، وَالتَّسَتُّرِ عَنِ الأَْعْيُنِ، كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ

بِهِ الْغُسْل الْفَرْضُ لاَ الْمَسْنُونُ، لأَِنَّهُ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ رُجْحَانُ جَانِبِ الطَّهَارَةِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحَائِضَ تُدْرِكُ الصَّلاَةَ إِذَا بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ رَكْعَةً تَامَّةً، وَذَلِكَ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ، فَإِذَا طَهُرَتْ الْحَائِضُ قَبْل الطُّلُوعِ، أَوِ الْغُرُوبِ، أَوِ الْفَجْرِ بِقَدْرِ رَكْعَةٍ، فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهَا تِلْكَ الصَّلاَةُ، وَلاَ تُدْرِكُ بِأَقَل مِنْ رَكْعَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَتُدْرِكُ الظُّهْرَ وَالْمَغْرِبَ إِذَا بَقِيَ مِنْ وَقْتِهِمَا الضَّرُورِيِّ مَا يَسَعُ فَضْل رَكْعَةٍ عَلَى الصَّلاَةِ الأُْولَى لاَ الثَّانِيَةِ، فَإِذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ وَقَدْ بَقِيَ مِنَ اللَّيْل قَدْرُ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ صَلَّتِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، لأَِنَّهُ إِذَا صَلَّتِ الْمَغْرِبَ بَقِيَتْ رَكْعَةٌ لِلْعِشَاءِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الصَّلاَةَ تَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ إِذَا طَهُرَتْ وَقَدْ أَدْرَكَتْ مِنْ آخِرِ الْوَقْتِ قَدْرَ تَكْبِيرَةٍ، فَيَجِبُ قَضَاؤُهَا فَقَطْ إِنْ لَمْ تَجْمَعْ مَعَ الَّتِي قَبْلَهَا، وَقَضَاؤُهَا وَقَضَاءُ مَا قَبْلَهَا إِنْ كَانَتْ تَجْمَعُ، فَإِذَا طَهُرَتْ قَبْل طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَبَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ تَكْبِيرَةً لَزِمَهَا قَضَاءُ الصُّبْحِ فَقَطْ، لأَِنَّ الَّتِي قَبْلَهَا لاَ تُجْمَعُ إِلَيْهَا. وَإِنْ طَهُرَتْ قَبْل غُرُوبِ الشَّمْسِ بِمِقْدَارِ تَكْبِيرَةٍ لَزِمَهَا قَضَاءُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَكَذَا إِنْ طَهُرَتْ قَبْل طُلُوعِ الْفَجْرِ بِمِقْدَارِ تَكْبِيرَةٍ لَزِمَهَا قَضَاءُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَالاَ: فِي

الْحَائِضِ تَطْهُرُ قَبْل طُلُوعِ الْفَجْرِ بِرَكْعَةٍ " تُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، فَإِذَا طَهُرَتْ قَبْل غُرُوبِ الشَّمْسِ صَلَّتِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا " لأَِنَّ وَقْتَ الثَّانِيَةِ وَقْتٌ لِلأُْولَى فِي حَالَةِ الْعُذْرِ، فَفِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ أَوْلَى، لأَِنَّهَا فَوْقَ الْعُذْرِ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ الْوُجُوبُ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةٍ لأَِنَّهُ إِدْرَاكٌ (١) .

(٤) الصَّوْمُ:

٣٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَائِضِ مُطْلَقًا فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، وَعَدَمُ صِحَّتِهِ مِنْهَا لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَل، وَلَمْ تَصُمْ؟ قُلْنَ: بَلَى، قَال: فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا (٢) فَإِذَا رَأَتِ الْمَرْأَةُ الدَّمَ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَسَدَ صَوْمُهَا، وَقَدْ نَقَل ابْنُ جَرِيرٍ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، قَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَكَوْنُ الصَّوْمِ لاَ يَصِحُّ مِنْهَا لاَ يُدْرَكُ مَعْنَاهُ، لأَِنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ مَشْرُوطَةً فِيهِ.

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٩٦ مجموعة رسائل ابن عابدين ١ / ٩٠ وما بعدها دار سعادت ١٣٢٥هـ حاشية الدسوقي ١ / ١٨٢، مواهب الجليل ٤٠٦، ٤٠٨ دار الفكر ١٩٧٨م. القوانين الفقهية ٥٩ دار العلم للملايين ١٩٧٩م. مغني المحتاج ١ / ١٣٢ دار إحياء التراث العربي، نهاية المحتاج ١ / ٣٩٦ مصطفى البابي الحلبي ١٩٦٧ م، كشاف القناع ١ / ٢٥٩ عالم الكتب ١٩٨٣ م.

(٢) حديث أبي سعيد الخدري: " أليس إذا حاضت لم تصل. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٤٠٥ ط السلفية) ومسلم (١ / ٥٧ ط الحلبي) .

كَمَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ قَضَاءِ رَمَضَانَ عَلَيْهَا، لِقَوْل عَائِشَةَ ﵂ فِي الْحَيْضِ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلاَ نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاَةِ (١) . وَنَقَل التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُمْ الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ (٢) . وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْحَيْضَ لاَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَاتِ، لأَِنَّهُ يُنَافِي الصَّوْمَ وَلاَ تَخْلُو عَنْهُ ذَاتُ الأَْقْرَاءِ فِي الشَّهْرِ غَالِبًا، وَالتَّأْخِيرُ إِلَى سِنِّ الْيَأْسِ فِيهِ خَطَرٌ، وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ وَنَحْوَهَا (٣) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (كَفَّارَةٌ) .

إِدْرَاكُ الصَّوْمِ:

لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ إِذَا انْقَطَعَ دَمُ الْحَيْضِ بَعْدَ الْفَجْرِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجْزِيهَا صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَيَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاؤُهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهَا الإِْمْسَاكُ حِينَئِذٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ لَهَا التَّمَادِي عَلَى تَعَاطِي الْمُفْطِرِ وَلاَ يُسْتَحَبُّ لَهَا الإِْمْسَاكُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يَلْزَمُهَا الإِْمْسَاكُ.

_________

(١) حديث: " عائشة " كان يصيبنا ذلك فنؤمر ": تقدم ف ٣٣.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ١٩٣، مجموعة رسائل ابن عابدين ١ / ١١١ الرسالة الرابعة، حاشية الدسوقي ١ / ١٧٢، مغني المحتاج ١ / ١٠٩، المجموع ١ / ٣٥٤، ٣٥٥، كشاف القناع ١ / ١٩٧.

(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ١٩٣، حاشية الدسوقي ٢ / ٤٥٢، مغني المحتاج ٣ / ٣٦٥، كشاف القناع ٥ / ٣٨٤.

كَمَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا طَهُرَتِ الْمَرْأَةُ قَبْل الْفَجْرِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ.

لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي الْفَتْرَةِ الَّتِي إِذَا انْقَطَعَ فِيهَا الدَّمُ فَإِنَّهُ يَجْزِيهَا صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجْزِيهَا صَوْمُ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَبْقَ مِنَ الْوَقْتِ قَدْرُ الاِغْتِسَال وَالتَّحْرِيمَةِ، لأَِنَّهُ لاَ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهَا إِلاَّ بِهَذَا، وَإِنْ بَقِيَ قَدْرُهُمَا يَجْزِيهَا، لأَِنَّ الْعِشَاءَ صَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ مِنْ حُكْمِ الطَّاهِرَاتِ فَحُكِمَ بِطَهَارَتِهَا ضَرُورَةً. وَالْمُرَادُ بِالْغُسْل هُنَا مَا يَشْمَل مُقَدِّمَاتِهِ كَمَا فِي غُسْل الْحَائِضِ لِلصَّلاَةِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا إِنْ رَأَتِ الطُّهْرَ قَبْل الْفَجْرِ بِلَحْظَةٍ وَجَبَ الصَّوْمُ، بِأَنْ رَأَتْ عَلاَمَةَ الطُّهْرِ مُقَارِنَةً لِلْفَجْرِ وَنَوَتِ الصَّوْمَ حِينَئِذٍ. وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مُعْتَادَةَ الْقَصَّةِ لاَ تَنْتَظِرُهَا هُنَا، بَل مَتَى رَأَتْ أَيَّ عَلاَمَةٍ جُفُوفًا كَانَتْ أَوْ قَصَّةً، وَجَبَ عَلَيْهَا الصَّوْمُ، وَيَصِحُّ صَوْمُهَا حِينَئِذٍ، وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِل إِلاَّ بَعْدَ الْفَجْرِ، بَل إِنْ لَمْ تَغْتَسِل أَصْلًا، لأَِنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي الصَّوْمِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ مَتَى انْقَطَعَ دَمُ الْحَيْضِ وَجَبَ عَلَيْهَا الصَّوْمُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فَتْرَةً مُعَيَّنَةً كَالْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. قَال النَّوَوِيُّ: وَإِذَا انْقَطَعَ الْحَيْضُ ارْتَفَعَ تَحْرِيمُ الصَّوْمِ وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِل.

وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا نَوَتِ الْحَائِضُ

صَوْمَ غَدٍ قَبْل انْقِطَاعِ دَمِهَا، ثُمَّ انْقَطَعَ لَيْلًا صَحَّ إِنْ تَمَّ لَهَا فِي اللَّيْل أَكْثَرُ الْحَيْضِ، وَكَذَا قَدْرُ الْعَادَةِ فِي الأَْصَحِّ. كَمَا صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِمِثْل هَذَا، فَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَوَتِ الْحَائِضُ صَوْمَ غَدٍ وَقَدْ عَرَفَتْ أَنَّهَا تَطْهُرُ لَيْلًا صَحَّ (١) .

(٥) الْحَجُّ:

أ - أَغْسَال الْحَجِّ:

٣٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى سُنِّيَّةِ أَغْسَال الْحَجِّ لِلْحَائِضِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: قَالَتْ: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلاَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. قَالَتْ: فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: افْعَلِي كَمَا يَفْعَل الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي (٢) . فَيُسَنُّ لَهَا أَنْ تَغْتَسِل لِلإِْحْرَامِ، وَلِدُخُول مَكَّةَ. وَلِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَغَيْرِهَا مِنَ الأَْغْسَال الْمَسْنُونَةِ.

وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ الاِغْتِسَال لِدُخُول مَكَّةَ فَلَمْ يَسْتَحِبُّوهُ لِلْحَائِضِ، قَالُوا: لأَِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٩٧، مجموعة رسائل ابن عابدين ١ / ٩١، حاشية الدسوقي ١ / ٥١٤، ٥٢١ روضة الطالبين ١ / ١٣٧، ٢ / ٣٧٣، مغني المحتاج ١ / ٤٢٦، كشاف القناع ٢ / ٣٠٩، ٣١٥.

(٢) حديث عائشة: قالت: قدمت مكة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، قالت فشكوت إلى رسول الله ﷺ فقال: افعلي كما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري. أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٥٠٤ - ط السلفية) .