الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ أَقَل الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ثَلاَثَةَ عَشَرَ يَوْمًا. لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ " أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْهُ - قَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا - فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلاَثَ حِيَضٍ. فَقَال عَلِيٌّ لِشُرَيْحٍ. قُل فِيهَا. فَقَال شُرَيْحٌ: إِنْ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْجَى دِينُهُ وَأَمَانَتُهُ فَشَهِدَتْ بِذَلِكَ. وَإِلاَّ فَهِيَ كَاذِبَةٌ. فَقَال عَلِيٌّ: قَالُونُ - أَيْ جَيِّدٌ بِالرُّومِيَّةِ - قَالُوا: وَهَذَا لاَ يَقُولُهُ إِلاَّ تَوْقِيفًا، وَهُوَ قَوْل صَحَابِيٍّ اشْتُهِرَ، وَلَمْ يُعْلَمْ خِلاَفُهُ. وَوُجُودُ ثَلاَثِ حِيَضٍ فِي شَهْرٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثَّلاَثَةَ عَشَرَ طُهْرٌ صَحِيحٌ يَقِينًا. قَال أَحْمَدُ: لاَ يَخْتَلِفُ أَنَّ الْعِدَّةَ يَصِحُّ أَنْ تَنْقَضِيَ فِي شَهْرٍ إِذَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ. وَغَالِبُ الطُّهْرِ بَاقِي الشَّهْرِ الْهِلاَلِيِّ بَعْدَ غَالِبِ الْحَيْضِ، وَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ، أَوْ ثَلاَثَةٌ وَعِشْرُونَ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ (١) .
(٢) عَلاَمَةُ الطُّهْرِ:
٢٥ - الطُّهْرُ مِنَ الْحَيْضِ يَتَحَقَّقُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ، إِمَّا انْقِطَاعِ الدَّمِ، أَوْ رُؤْيَةِ الْقَصَّةِ.
وَالْمَقْصُودُ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ الْجَفَافُ بِحَيْثُ تَخْرُجُ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٨٩، ١٩٠، بدائع الصنائع ١ / ٤٠ دار الكتاب العربي ١٩٨٢م الخرشي على مختصر خليل ١ / ٢٠٤، مغني المحتاج ١ / ١٠٩، كشاف القناع ١ / ٢٠٣.
الْخِرْقَةُ غَيْرَ مُلَوَّثَةٍ بِدَمٍ، أَوْ كُدْرَةٍ، أَوْ صُفْرَةٍ. فَتَكُونُ جَافَّةً مِنْ كُل ذَلِكَ، وَلاَ يَضُرُّ بَلَلُهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ رُطُوبَةِ الْفَرْجِ.
وَالْقَصَّةُ مَاءٌ أَبْيَضُ يَخْرُجُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ يَأْتِي فِي آخِرِ الْحَيْضِ. قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا عَنْهَا: لَمَّا كَانَتِ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إِلَيْهَا بِالدُّرْجَةِ (اللِّفَافَةِ) فِيهَا الْكُرْسُفُ (الْقُطْنُ) فِيهِ الصُّفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ. لاَ تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ (١) .
وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْغَايَةَ الاِنْقِطَاعُ، فَإِذَا انْقَطَعَ طَهُرَتْ، سَوَاءٌ خَرَجَتْ بَعْدَهُ رُطُوبَةٌ بَيْضَاءُ أَمْ لاَ.
وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ مُعْتَادَةِ الْجُفُوفِ، وَمُعْتَادَةِ الْقَصَّةِ، وَمُعْتَادَةِ الْقَصَّةِ مَعَ الْجُفُوفِ. فَمُعْتَادَةُ الْجُفُوفِ إِذَا رَأَتِ الْقَصَّةَ أَوَّلًا، لاَ تَنْتَظِرُ الْجُفُوفَ وَإِذَا رَأَتِ الْجُفُوفَ أَوَّلًا، لاَ تَنْتَظِرُ الْقَصَّةَ.
وَأَمَّا مُعْتَادَةُ الْقَصَّةِ فَقَطْ، أَوْ مَعَ الْجُفُوفِ إِذَا رَأَتِ الْجُفُوفَ أَوَّلًا، نُدِبَ لَهَا انْتِظَارُ الْقَصَّةِ لآِخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ. وَإِنْ رَأَتِ الْقَصَّةَ أَوَّلًا فَلاَ تَنْتَظِرُ شَيْئًا بَعْدَ ذَلِكَ. فَالْقَصَّةُ أَبْلَغُ لِمُعْتَادَتِهَا، وَلِمُعْتَادَتِهَا مَعَ الْجُفُوفِ أَيْضًا (٢) .
_________
(١) قول عائشة ﵂: " لا تعجلن. . . " تقدم تخريجه (ف / ٩) .
(٢) شرح فتح القدير ١ / ١٤٤ دار إحياء التراث العربي، الفتاوى الهندية ١ / ٣٦ المطبعة الأميرية ١٣١٠هـ، حاشية الدسوقي ١ / ١٧١ دار الفكر، المجموع ٢ / ٥٤٣ المكتبة السلفية المدينة المنورة، القوانين الفقهية ٥٥، نيل المآرب ١ / ١٠٨ مكتبة الفلاح ١٩٨٣ م بتحقيق محمد الأشقر، منار السبيل ١ / ٥٨ المكتب الإسلامي ١٩٨٢م.
حُكْمُ الطُّهْرِ الْمُتَخَلِّل بَيْنَ أَيَّامِ الْحَيْضِ:
٢٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي النَّقَاءِ الْمُتَخَلِّل بَيْنَ أَيَّامِ الْحَيْضِ، هَل هُوَ حَيْضٌ أَوْ طُهْرٌ؟ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ حَيْضٌ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ طُهْرٌ. وَهُنَاكَ تَفْصِيلٌ فِي بَعْضِ الْمَذَاهِبِ بَيَانُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (تَلْفِيقٌ) (١) .
(٤) دَمُ الْحَامِل:
٢٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي دَمِ الْحَامِل هَل هُوَ دَمُ حَيْضٍ، أَوْ عِلَّةٍ وَفَسَادٍ؟ .
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ دَمَ الْحَامِل دَمُ عِلَّةٍ وَفَسَادٍ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال فِي سَبْيِ أَوْطَاسٍ: لاَ تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلاَ غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ (٢) فَجَعَل الْحَيْضَ عَلَمًا
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٩٢، مجموعة رسائل ابن عابدين ١ / ٧٨، الفتاوى الهندية ١ / ٣٦، الكافي ١ / ١٨٦ الرياض ١٩٧٨ م، حاشية الدسوقي ١ / ١٦٨ دار الفكر، الخرشي على مختصر خليل ١ / ٢٠٤ المطبعة العامرة ١٣١٦ هـ، مغني المحتاج ١ / ١١٩، المبدع ١ / ٢٨٩ المكتب الإسلامي ١٩٨٠م، الروض المربع ١ / ٣٦ - المطبعة السلفية ١٣٨٠هـ القاهرة، كشاف القناع ١ / ٢٠٤ عالم الكتب ١٩٨٣ م.
(٢) حديث: " لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة ". أخرجه أبو داود (٣ / ٦١٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي سعيد وحسنه ابن حجر في التلخيص (١ / ١٧٢ - ط شركة الطباعة الفنية) .
عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، فَدَل عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجْتَمِعُ مَعَهُ. وَقَال ﷺ فِي حَقِّ ابْنِ عُمَرَ - لَمَّا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ - مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا (١) . فَجَعَل الْحَمْل عَلَمًا عَلَى عَدَمِ الْحَيْضِ كَالطُّهْرِ.
وَقَدِ اسْتَحَبَّ الْحَنَابِلَةُ لِلْحَامِل أَنْ تَغْتَسِل عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ عَنْهَا احْتِيَاطًا، وَخُرُوجًا مِنَ الْخِلاَفِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ دَمَ الْحَامِل حَيْضٌ، إِنْ تَوَافَرَتْ شُرُوطُهُ لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ لِخَبَرِ: دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ (٢) وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ فِي الْحَامِل تَرَى الدَّمَ: أَنَّهَا تَتْرُكُ الصَّلاَةَ، مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ إِجْمَاعًا. وَإِجْمَاعُ أَهْل الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ، وَلأَِنَّهُ دَمٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ دَمَيِ الْجِبِلَّةِ وَالْعِلَّةِ، وَالأَْصْل السَّلاَمَةُ مِنَ الْعِلَّةِ، وَلأَِنَّهُ دَمٌ لاَ يَمْنَعُهُ الرَّضَاعُ بَل إِذَا وُجِدَ مَعَهُ حُكِمَ بِكَوْنِهِ حَيْضًا، وَإِنْ نَدَرَ فَكَذَا لاَ يَمْنَعُهُ الْحَيْضُ (٣) .
_________
(١) حديث: " مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرة أو حاملا ". أخرجه مسلم (٢ / ١٠٩٥ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر.
(٢) حديث: " دم الحيض أسود يعرف. . . " أخرجه أبو داود (١ / ١٩٧ تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (١ / ١٧٤ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ١٨٩، مجموعة رسائل ابن عابدين ١ / ٩٨، الذخيرة ٣٨٤، حاشية الدسوقي ١ / ١٦٩، نهاية المحتاج ١ / ٣٥٥، مغني المحتاج ١ / ١١٨، وكشاف القناع ١ / ٢٠٢.
وَأَكْثَرُ الْحَيْضِ لِلْحَامِل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَخْتَلِفُ عَنْ غَيْرِهَا، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي فَتْرَةِ الْحَيْضِ.
(٥) أَنْوَاعُ الطُّهْرِ:
٢٨ - قَسَّمَ الْحَنَفِيَّةُ الطُّهْرَ إِلَى صَحِيحٍ، وَفَاسِدٍ، وَإِلَى تَامٍّ، وَنَاقِصٍ.
فَالطُّهْرُ الصَّحِيحُ: هُوَ النَّقَاءُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَكْثَر لاَ يَشُوبُهُ خِلاَلَهَا دَمٌ مُطْلَقًا لاَ فِي أَوَّلِهِ، وَلاَ فِي وَسَطِهِ، وَلاَ فِي آخِرِهِ، وَيَكُونُ بَيْنَ دَمَيْنِ صَحِيحَيْنِ، وَالطُّهْرُ الْفَاسِدُ مَا خَالَفَ الصَّحِيحَ فِي أَحَدِ أَوْصَافِهِ، بِأَنْ كَانَ أَقَلّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ، أَوْ خَالَطَهُ دَمٌ أَوْ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ دَمَيْنِ صَحِيحَيْنِ.
فَإِذَا كَانَ الطُّهْرُ أَقَلّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِنَّهُ طُهْرٌ فَاسِدٌ، وَيُجْعَل كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي. وَلَوْ كَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، لَكِنْ خَالَطَهُ دَمٌ صَارَ طُهْرًا فَاسِدًا، كَمَا لَوْ رَأَتِ الْمُبْتَدَأَةُ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا دَمًا، وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ، فَالطُّهْرُ هُنَا صَحِيحٌ ظَاهِرٌ، لأَِنَّهُ اسْتَكْمَل خَمْسَةَ عَشَرَ، لَكِنَّهُ فَاسِدٌ مَعْنًى، لأَِنَّ الْيَوْمَ الْحَادِيَ عَشَرَ تُصَلِّي فِيهِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الطُّهْرِ. فَقَدْ خَالَطَ هَذَا الطُّهْرَ دَمٌ فِي أَوَّلِهِ فَفَسَدَ.
وَإِذَا كَانَ الطُّهْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَكِنْ كَانَ بَيْنَ اسْتِحَاضَتَيْنِ، أَوْ بَيْنَ حَيْضَيْنِ وَنِفَاسٍ، أَوْ بَيْنَ نِفَاسٍ وَاسْتِحَاضَةٍ، أَوْ بَيْنَ طَرَفَيْ نِفَاسٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ يَكُونُ طُهْرًا فَاسِدًا.
وَالطُّهْرُ التَّامُّ مَا كَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَكْثَر
سَوَاءٌ أَكَانَ صَحِيحًا، أَمْ فَاسِدًا.
وَالطُّهْرُ النَّاقِصُ: مَا نَقَصَ عَنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الطُّهْرِ الْفَاسِدِ (١) .
مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْحَيْضِ:
(١) الْبُلُوغُ:
٢٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَيْضَ عَلاَمَةٌ مِنْ عَلاَمَاتِ الْبُلُوغِ الَّتِي يَحْصُل بِهَا التَّكْلِيفُ، فَإِذَا رَأَتِ الْمَرْأَةُ الدَّمَ فِي زَمَنِ الإِْمْكَانِ، أَصْبَحَتْ بَالِغَةً مُكَلَّفَةً يَجِبُ عَلَيْهَا مَا يَجِبُ عَلَى الْبَالِغَاتِ الْمُكَلَّفَاتِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ يَقْبَل اللَّهُ صَلاَةَ حَائِضٍ إِلاَّ بِخِمَارٍ (٢) . فَأَوْجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتَتِرَ لِبُلُوغِهَا بِالْحَيْضِ. فَدَل عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ حَصَل بِهِ. وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ بِالْحَيْضِ الَّذِي يَنْزِل بِنَفْسِهِ، أَمَّا إِذَا تَسَبَّبَ فِي جَلْبِهِ، فَلاَ يَكُونُ عَلاَمَةً (٣) .
(٢) التَّطَهُّرُ:
٣٠ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ
_________
(١) مجموعة رسائل ابن عابدين ١ / ٧٥، ٧٦، دار سعادت ١٣٢٥هـ.
(٢) حديث: " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار. . . " أخرجه أبو داود (١ / ٤٢١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي (٢ / ٢١٥ - ط الحلبي) من حديث عائشة، واللفظ لأبي داود، وحسنه الترمذي.
(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ١٩٣، حاشية الدسوقي٣ / ٢٩٣، حاشية الجمل ١ / ٢٣٨، وكشاف القناع ١ / ١٩٩، المغني ١ / ٣٠٧ الرياض ١٩٨١م، الأشباه والنظائر للسيوطي ٢٢٣ دار الكتب العلمية ١٩٨٣م. الأشباه والنظائر لابن نجيم ٣٢٣ مكتبة الهلال ١٩٨٠ م.
تَصِحُّ طَهَارَةُ الْحَائِضِ، فَإِذَا اغْتَسَلَتِ الْحَائِضُ لِرَفْعِ حَدَثِ الْجَنَابَةِ، فَلاَ يَصِحُّ غُسْلُهَا، وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْحَائِضَ، إِنِ اغْتَسَلَتْ لِلْجَنَابَةِ زَمَنَ حَيْضِهَا صَحَّ غُسْلُهَا، وَاسْتُحِبَّ تَخْفِيفًا لِلْحَدَثِ، وَيَزُول حُكْمُ الْجَنَابَةِ. لأَِنَّ بَقَاءَ أَحَدِ الْحَدَثَيْنِ لاَ يَمْنَعُ ارْتِفَاعَ الآْخَرِ. كَمَا لَوِ اغْتَسَل الْمُحْدِثُ حَدَثًا أَصْغَر. وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِل لِلْجَنَابَةِ حَتَّى يَنْقَطِعَ حَيْضُهَا لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ (١) .
(أ) غُسْل الْحَائِضِ:
٣١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَيْضَ مُوجِبٌ مِنْ مُوجِبَاتِ الْغُسْل، فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ وَجَبَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَغْتَسِل لاِسْتِبَاحَةِ مَا كَانَتْ مَمْنُوعَةً مِنْهُ بِالْحَيْضِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: دَعِي الصَّلاَةَ قَدْرَ الأَْيَّامِ الَّتِي كُنْت تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي (٢) وَأَمَرَ بِهِ أُمَّ حَبِيبَةَ وَسَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ وَغَيْرَهُنَّ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ (٣) أَيْ إِذَا اغْتَسَلْنَ، فَمَنَعَ الزَّوْجَ مِنْ وَطْئِهَا قَبْل غُسْلِهَا فَدَل عَلَى وُجُوبِهِ عَلَيْهَا لإِبَاحَةِ الْوَطْءِ،
_________
(١) حاشية الدسوقي ١ / ١٧٣، المجموع ٢ / ٣٤٩، كشاف القناع ١ / ١٤٦، ١٥١، ١٩٧، البحر الرائق ١ / ٢٠٣ المطبعة العلمية بالقاهرة.
(٢) حديث: " فاطمة بنت أبي حبيش دعي الصلاة قدر الأيام. . . " سبق تخريجه بهذا المعنى ف / ١٦.
(٣) سورة البقرة / ٢٢٢.
وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الاِنْقِطَاعَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْغُسْل، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ الْقِيَامَ إِلَى الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا، وَالْمُرَادُ بِالْقِيَامِ إِلَى الصَّلاَةِ، إِمَّا حَقِيقَةً، بِأَنْ أَرَادَتْ صَلاَةَ مَا قَبْل دُخُول الْوَقْت مِنْ نَافِلَةٍ أَوْ مَقْضِيَّةٍ، أَوْ حُكْمًا بِأَنْ دَخَل وَقْتُ الصَّلاَةِ، إِذْ بِدُخُولِهِ تَجِبُ الصَّلاَةُ وَيَجِبُ تَحْصِيل شُرُوطِهَا وَإِنْ لَمْ تُرِدِ الْفِعْل فَهِيَ مُرِيدَةٌ حُكْمًا لِكَوْنِ الشَّارِعِ أَلْجَأَهَا إِلَى الْفِعْل الْمُسْتَلْزِمِ لِلإِْرَادَةِ فَهِيَ مُرِيدَةٌ بِالْقُوَّةِ (١) .
وَغُسْل الْحَيْضِ كَغُسْل الْجَنَابَةِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُغْتَسِلَةِ مِنَ الْحَيْضِ، غَيْرِ الْمُحْرِمَةِ وَالْمُحِدَّةِ تَطْيِيبُ مَوْضِعِ الدَّمِ (٢) . لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَة ﵂ أَنَّ أَسْمَاءَ ﵂، سَأَلْتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْل الْمَحِيضِ؟ فَقَال: تَأْخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا (٣) فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ. ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا، حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ. ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً
_________
(١) شرح فتح القدير ١ / ٥٦ دار إحياء التراث العربي، حاشية ابن عابدين ١ / ١١٩، ١٩٣ دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي ١ / ١٣٠، ١٧٣، نهاية المحتاج ١ / ٢١١ مصطفى البابي الحلبي ١٩٦٧ م، حاشية الجمل ١ / ١٥٠، ٢٣٨ دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع ١ / ١٤٦، ١٩٩ عالم الكتب ١٩٨٣ م.
(٢) مغني المحتاج ١ / ٧٤، كشاف القناع ١ / ١٥٣، مجموعة رسائل ابن عابدين ١ / ٨٤ دار سعادت ١٣٢٥ هـ.
(٣)
(وسدرتها) السدرة شجرة النبق. والمراد هنا ورقها الذي ينتقع به في الغسيل.
مُمَسَّكَةً فَتَطَهَّرُ بِهَا فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: وَكَيْفَ تَطَهَّرُ بِهَا. فَقَال: سُبْحَانَ اللَّهِ. تَطَهَّرِينَ بِهَا. فَقَالَتْ عَائِشَةُ. كَأَنَّهَا تُخْفِي ذَلِكَ تَتَبَّعِينَ أَثَرَ الدَّمِ. وَسَأَلَتْهُ عَنْ غُسْل الْجَنَابَةِ؟ فَقَال: تَأْخُذُ مَاءً فَتَطَهَّرُ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، أَوْ تُبْلِغُ الطُّهُورَ. ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ. حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا. ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ (١) . فَقَالَتْ عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَْنْصَارِ، لَمْ يَكُنْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ (٢) .
(ب) طَهَارَةُ الْحَائِضِ:
٣٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي طَهَارَةِ جَسَدِ الْحَائِضِ، وَعَرَقِهَا، وَسُؤْرِهَا، وَجَوَازِ أَكْل طَبْخِهَا وَعَجْنِهَا، وَمَا مَسَّتْهُ مِنَ الْمَائِعَاتِ، وَالأَْكْل مَعَهَا وَمُسَاكَنَتُهَا، مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلاَ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، فَسَأَل أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَل اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ (٣) الآْيَةَ. فَقَال ﷺ: اصْنَعُوا كُل شَيْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ فَأَنْكَرَتِ الْيَهُودُ ذَلِكَ. فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ
_________
(١) (شؤون رأسها) معناه أصول شعر رأسها. وأصول الشؤون الخطوط في عظام الجمجمة، وهو مجتمع شعب عظامها. الواحد منها شأن. وفي النهاية: هي عظامه وطرائقه ومواصل قبائله.
(٢) حديث: " تأخذ إحداكن ماءها وسدرها " أخرجه مسلم (١ / ٢٦١ - ط الحلبي) .
(٣) سورة البقرة / ٢٢٢.
وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالاَ يَا رَسُول اللَّهِ: إِنَّ الْيَهُودَ تَقُول: كَذَا كَذَا، فَلاَ نُجَامِعُهُنَّ؟ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا (١) .
وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِعَائِشَةَ: نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ. قَال: إِنَّ حَيْضَتَك لَيْسَتْ فِي يَدِك (٢) . وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَشْرَبُ مِنْ سُؤْرِ عَائِشَةَ وَهِيَ حَائِضٌ، وَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيهَا (٣) . وَكَانَتْ تَغْسِل رَأْسَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ (٤) .
وَقَدْ نَقَل ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ (٥) .
(٣) الصَّلاَةُ:
٣٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الصَّلاَةِ مِنَ
_________
(١) حديث: " اصنعوا كل شيء إلا النكاح ". أخرجه مسلم (١ / ٢٤٦ - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك.
(٢) حديث: " إن حيضتك ليست في يدك " أخرجه مسلم (١ / ٢٤٥ - ط الحلبي) عن عائشة.
(٣) حديث: " كان يشرب من سؤر عائشة وهي حائض ويضع فاه على موضع فيها " أخرجه مسلم (١ / ٢٤٥ - ٢٤٦ - ط الحلبي) من حديث عائشة.
(٤) حديث: " كانت تغسل رأس رسول الله ﷺ وهي حائض " أخرجه مسلم (١ / ٢٤٤ - ط الحلبي) .
(٥) حاشية ابن عابدين ١ / ١٩٤ دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي ١ / ٣٥ - ٥٠ دار الفكر، القوانين الفقهية ٤٥ دار العلم للملايين ١٩٧٩م. قليوبي وعميرة ١ / ١٠٠ عيسى البابي الحلبي، حاشية الجمل ١ / ٢٣٥، دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع ١ / ٢٠١ عالم الكتب ١٩٨٣ م، المغني ١ / ٢٠١ الرياض ١٩٨١ م.