الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨
الْعَشَرَةِ، فَإِذَا رَأَتِ الدَّمَ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل تَتْرُكُ الصَّلاَةَ وَالصَّوْمَ. وَإِذَا طَهُرَتْ فِي الثَّانِي تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ وَفِي الثَّالِثِ تَتْرُكُ الصَّلاَةَ وَالصَّوْمَ. وَفِي الرَّابِعِ تَغْتَسِل وَتُصَلِّي وَهَكَذَا إِلَى الْعَشَرَةِ.
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ فِيمَا لَوْ عَادَ الدَّمُ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ، فَإِنْ كَانَ مِقْدَارُ الاِنْقِطَاعِ لاَ يَبْلُغُ أَقَلّ الطُّهْرِ أُلْغِيَ وَلَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ، وَأُضِيفَ الدَّمُ الأَْوَّل إِلَى الثَّانِي، وَجُعِل حَيْضَةً مُنْقَطِعَةً تَغْتَسِل مِنْهَا الْمَرْأَةُ عِنْدَ إِدْبَارِ الدَّمِ وَإِقْبَال الطُّهْرِ، يَوْمًا كَانَ أَوْ أَكْثَرَ، وَتُصَلِّي فَإِذَا عَادَ الدَّمُ إِلَيْهَا كَفَّتْ عَنِ الصَّلاَةِ وَضَمَّتْهُ إِلَى أَيَّامِ دَمِهَا، وَعَدَّتْهُ مِنْ حَيْضَتِهَا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا عَادَ الدَّمُ بَعْدَ النَّقَاءِ، فَالْكُل حَيْضٌ - الدَّمُ وَالنَّقَاءُ - بِشُرُوطٍ: وَهِيَ أَنْ لاَ يُجَاوِزَ ذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَمْ تَنْقُصِ الدِّمَاءُ مِنْ أَقَل الْحَيْضِ، وَأَنْ يَكُونَ النَّقَاءُ مُحْتَوَشًا بَيْنَ دَمَيِ الْحَيْضِ. وَهَذَا الْقَوْل يُسَمَّى عِنْدَهُمْ قَوْل السَّحْبِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَالْقَوْل الثَّانِي عِنْدَهُمْ هُوَ أَنَّ النَّقَاءَ طُهْرٌ، لأَِنَّ الدَّمَ إِذَا دَل عَلَى الْحَيْضِ وَجَبَ أَنْ يَدُل النَّقَاءُ عَلَى الطُّهْرِ وَيُسَمَّى هَذَا الْقَوْل قَوْل اللَّقْطِ وَقَوْل التَّلْفِيقِ. وَمَحَل التَّلْفِيقِ عِنْدَهُمْ فِي الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِمَا بِخِلاَفِ الْعِدَّةِ، فَلاَ يُجْعَل النَّقَاءُ طُهْرًا فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِإِجْمَاعِهِمْ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا إِنْ طَهُرَتْ فِي أَثْنَاءِ
عَادَتِهَا طُهْرًا خَالِصًا وَلَوْ أَقَلاّ مُدَّةٍ فَهِيَ طَاهِرٌ تَغْتَسِل وَتُصَلِّي وَتَفْعَل مَا تَفْعَلُهُ الطَّاهِرَاتُ، وَلاَ يُكْرَهُ وَطْءُ الزَّوْجِ لَهَا بَعْدَ الاِغْتِسَال، فَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ فِي أَثْنَاءِ الْعَادَةِ وَلَمْ يُجَاوِزْهَا، فَإِنَّهَا تَجْلِسُ زَمَنَ الدَّمِ مِنَ الْعَادَةِ كَمَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ، لأَِنَّهُ صَادَفَ زَمَنَ الْعَادَةِ (١) .
مُجَاوَزَةُ الدَّمِ لِلْعَادَةِ:
١٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا جَاوَزَ دَمُ الْمُعْتَادَةِ عَادَتَهَا.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا رَأَتِ الْمُعْتَادَةُ مَا يُخَالِفُ عَادَتَهَا، فَإِمَّا أَنْ تَنْتَقِل عَادَتُهَا أَوْ لاَ، فَإِنْ لَمْ تَنْتَقِل رُدَّتْ إِلَى عَادَتِهَا، فَيُجْعَل الْمَرْئِيُّ فِيهَا حَيْضًا وَمَا جَاوَزَ الْعَادَةَ اسْتِحَاضَةً، وَإِنِ انْتَقَلَتْ فَالْكُل حَيْضٌ - وَسَيَأْتِي تَفْصِيل قَاعِدَةِ انْتِقَال الْعَادَةِ - فَإِذَا اسْتَمَرَّ دَمُ الْمُعْتَادَةِ وَزَادَ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ فَطُهْرُهَا وَحَيْضُهَا مَا اعْتَادَتْ فَتُرَدُّ إِلَيْهَا فِيهِمَا فِي جَمِيعِ الأَْحْكَامِ إِنْ كَانَ طُهْرُهَا أَقَلّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِنْ كَانَ طُهْرُهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ فَإِنَّهُ لاَ يُقَدَّرُ حِينَئِذٍ بِذَلِكَ، لأَِنَّ الطُّهْرَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ أَقَل مِنْ أَدْنَى مُدَّةِ الْحَمْل عَادَةً فَيُرَدُّ إِلَى سِتَّةِ
_________
(١) مجموعة رسائل ابن عابدين ١ / ٩٢، ٩٣ دار سعادت ١٣٢٥هـ، الكافي ١ / ١٨٦ مكتبة الرياض ١٩٧٨ م، مغني المحتاج ١ / ١١٩ دار إحياء التراث العربي، حاشية الجمل ١ / ٢٤٧ دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع ١ / ٢١٢ عالم الكتب ١٩٨٣ م.
أَشْهُرٍ إِلاَّ سَاعَةً تَحْقِيقًا لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَ طُهْرِ الْحَيْضِ وَطُهْرِ الْحَمْل وَحَيْضُهَا بِحَالِهِ. وَهَذَا قَوْل مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَيْدَانِيِّ. قَال فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا: وَعَلَيْهِ الأَْكْثَرُ. وَفِي التَّتَارَخَانِيّةِ: (وَعَلَيْهِ الاِعْتِمَادُ، وَهُنَاكَ قَوْلٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِشَهْرَيْنِ وَاخْتَارَهُ الْحَاكِمُ) . قَال صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قِيل وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْل الْحَاكِمِ وَاخْتَرْنَا قَوْل الْمَيْدَانِيِّ لِقُوَّةِ قَوْلِهِ رِوَايَةً وَدِرَايَةً. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ مَا اخْتَارَهُ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ عَلَيْهِ الْفَتْوَى، لأَِنَّهُ أَيْسَرُ عَلَى الْمُفْتِي وَالنِّسَاءِ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَمَادَى دَمُ الْحَيْضِ عَلَى الْمُعْتَادَةِ، فَإِنَّهَا تَسْتَظْهِرُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَيَّامِ الدَّمِ الزَّائِدِ عَلَى أَكْثَرِ عَادَتِهَا، ثُمَّ هِيَ طَاهِرٌ بِشَرْطِ أَنْ لاَ تُجَاوِزَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِذَا اعْتَادَتْ خَمْسَةَ أَيَّامٍ أَوَّلًا، ثُمَّ تَمَادَى، مَكَثَتْ ثَمَانِيَةً، فَإِنْ تَمَادَى فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ مَكَثَتْ أَحَدَ عَشَرَ، فَإِنْ تَمَادَى فِي الرَّابِعَةِ مَكَثَتْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ. فَإِنْ تَمَادَى فِي مُرَّةٍ أُخْرَى فَلاَ تَزِيدُ عَلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ. وَمَنْ كَانَتْ عَادَتُهَا ثَلاَثَةَ عَشَرَ فَتَسْتَظْهِرُ يَوْمَيْنِ. وَمَنْ عَادَتُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ فَلاَ اسْتِظْهَارَ عَلَيْهَا، وَقَاعِدَةُ ذَلِكَ أَنَّ الَّتِي أَيَّامُ عَادَتِهَا اثْنَا عَشَرَ يَوْمًا فَدُونَ ذَلِكَ تَسْتَظْهِرُ بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ وَثَلاَثَةَ عَشَرَ بِيَوْمَيْنِ، وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ بِيَوْمٍ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ لاَ تَسْتَظْهِرُ بِشَيْءٍ. وَأَمَّا الَّتِي عَادَتُهَا غَيْرُ ثَابِتَةٍ تَحِيضُ فِي شَهْرٍ خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَفِي آخَرَ أَقَلّ أَوْ أَكْثَر إِذَا تَمَادَى بِهَا الدَّمُ
فَإِنَّهَا تَسْتَظْهِرُ عَلَى أَكْثَرِ أَيَّامِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقَال ابْنُ حَبِيبٍ تَسْتَظْهِرُ عَلَى أَقَل الْعَادَةِ. وَأَيَّامُ الاِسْتِظْهَارِ كَأَيَّامِ الْحَيْضِ، وَالدَّمُ بَعْدَ الاِسْتِظْهَارِ فِيمَا بَيْنَ عَادَتِهَا وَنِصْفِ شَهْرٍ اسْتِحَاضَةٌ.
وَتَغْتَسِل بَعْدَ الاِسْتِظْهَارِ وَتُصَلِّي وَتَصُومُ وَتُوطَأُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْل الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ جَاوَزَ الدَّمُ عَادَتَهَا وَلَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ فَالْجَمِيعُ حَيْضٌ، لأَِنَّ الأَْصْل اسْتِمْرَارُ الْحَيْضِ.
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهَا لاَ تَلْتَفِتُ إِلَى مَا خَرَجَ عَنْ عَادَتِهَا قَبْل تَكَرُّرِهِ، فَمَا تَكَرَّرَ مِنْ ذَلِكَ ثَلاَثًا أَوْ مَرَّتَيْنِ عَلَى اخْتِلاَفٍ فِي ذَلِكَ فَهُوَ حَيْضٌ، وَإِلاَّ فَلاَ، فَتَصُومُ وَتُصَلِّي قَبْل التَّكْرَارِ.
وَتَغْتَسِل عِنْدَ انْقِطَاعِهِ ثَانِيًا. فَإِذَا تَكَرَّرَ ثَلاَثًا أَوْ مَرَّتَيْنِ صَارَ عَادَةً فَتُعِيدُ مَا صَامَتْهُ وَنَحْوَهُ مِنْ فَرْضٍ. وَيَرَى ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّهَا تَصِيرُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ لِقَوْل عَائِشَةَ ﵂ لِلنِّسَاءِ: لاَ تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ (١)، وَلأَِنَّ الشَّارِعَ رَدَّ النَّاسَ إِلَى الْعُرْفِ فِي مِثْل هَذِهِ الْحَالَةِ وَالْعُرْفُ بَيْنَ النِّسَاءِ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَتَى رَأَتْ دَمًا يَصْلُحُ لأَنْ يَكُونَ حَيْضًا اعْتَقَدَتْهُ حَيْضًا، وَإِنْ عَبَرَ الدَّمُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ. وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل أَحْكَامِهَا فِي مُصْطَلَحِ اسْتِحَاضَةٌ (٢) .
_________
(١) حديث عائشة " لا تعجلن. . . " تقدم تخريجه " ف / ٩ ".
(٢) مجموعة رسائل ابن عابدين ١ / ٩٣ الرسالة الرابعة دار سعادت ١٣٢٥هـ، حاشية الدسوقي ١ / ١٦٩ دار الفكر، مواهب الجليل ١ / ٣٦٨ دار الفكر ١٩٧٨ م، شرح الزرقاني على مختصر خليل ١ / ١٣٤ دار الفكر ١٩٧٨ م، المجموع ١ / ١٤٥ المكتبة السلفية، كشاف القناع ١ / ٢١٢ عالم الكتب ١٩٨٣ م، الروض المربع ٣٦ المطبعة السلفية ١٣٨٠هـ القاهرة، المغني ١ / ٣٥١ الرياض ١٩٨١ م، الموسوعة الفقهية ٣ / ٢٠٣ الطبعة الأولى ١٩٨٢ م، المقنع لابن قدامة ١ / ٨٩ المطبعة السلفية القاهرة.
انْتِقَال الْعَادَةِ:
مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ فِي انْتِقَال الْعَادَةِ:
٢٠ - إِذَا رَأَتِ الْمُعْتَادَةُ مَا يُخَالِفُ عَادَتَهَا فِي الْحَيْضِ. فَإِذَا لَمْ يُجَاوِزِ الدَّمُ الْعَشَرَةَ الأَْيَّامَ، فَالْكُل حَيْضٌ، وَانْتَقَلَتِ الْعَادَةُ عَدَدًا فَقَطْ إِنْ طَهُرَتْ بَعْدَهُ طُهْرًا صَحِيحًا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَإِنْ جَاوَزَ الْعَشَرَةَ الأَْيَّامَ رُدَّتْ إِلَى عَادَتِهَا، لأَِنَّهُ صَارَ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي. وَهَذَا فِيمَا إِذَا لَمْ تَتَسَاوَ الْعَادَةُ وَالْمُخَالَفَةُ حَيْثُ يَصِيرُ الثَّانِي عَادَةً لَهَا. فَإِنْ تَسَاوَتِ الْعَادَةُ وَالْمُخَالَفَةُ فَالْعَدَدُ بِحَالِهِ، سَوَاءٌ رَأَتْ نِصَابًا (ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ) فِي أَيَّامِ عَادَتِهَا، أَوْ قَبْلَهَا، أَوْ بَعْدَهَا، أَوْ بَعْضُهُ فِي أَيَّامِهَا، وَبَعْضُهُ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا، لَكِنْ إِنْ وَافَقَ زَمَانًا وَعَدَدًا فَلاَ انْتِقَال أَصْلًا. وَإِلاَّ فَالاِنْتِقَال ثَابِتٌ عَلَى حَسَبِ الْمُخَالِفِ.
فَإِذَا جَاوَزَ الدَّمُ الْعَشَرَةَ وَوَقَعَ نِصَابٌ فِي زَمَانِ الْعَادَةِ. فَالْوَاقِعُ فِي زَمَانِ الْعَادَةِ فَقَطْ حَيْضٌ وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ. ثُمَّ إِنَّهُ مَتَى كَانَ الْوَاقِعُ فِي زَمَانِ الْعَادَةِ مُسَاوِيًا لِعَادَتِهَا عَدَدًا، فَالْعَادَةُ بَاقِيَةٌ
فِي حَقِّ الْعَدَدِ وَالزَّمَانِ مَعًا. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسَاوِيًا لِعَادَتِهَا انْتَقَلَتِ الْعَادَةُ عَدَدًا إِلَى مَا رَأَتْهُ نَاقِصًا. وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالنَّاقِصِ لأَِنَّهُ لاَ احْتِمَال لِكَوْنِ الْوَاقِعِ فِي الْعَادَةِ زَائِدًا عَلَيْهَا.
وَإِذَا جَاوَزَ الدَّمُ الْعَشَرَةَ وَلَمْ يَقَعْ فِي زَمَانِ الْعَادَةِ نِصَابٌ بِأَنْ لَمْ تَرَ شَيْئًا، أَوْ رَأَتْ أَقَل مِنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ انْتَقَلَتِ الْعَادَةُ زَمَانًا، وَالْعَدَدُ بِحَالِهِ يُعْتَبَرُ مِنْ أَوَّل مَا رَأَتْ (١) .
انْتِقَال الْعَادَةِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ:
٢١ - صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْعَادَةَ قَدْ تَنْتَقِل، فَتَتَقَدَّمُ أَوْ تَتَأَخَّرُ، أَوْ يَزِيدُ قَدْرُ الْحَيْضِ أَوْ يَنْقُصُ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ انْتِقَال الْعَادَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مَا إِذَا تَمَادَى دَمُ الْمُعْتَادَةِ وَزَادَ عَلَى عَادَتِهَا فَإِنَّهَا تَسْتَظْهِرُ بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ عَلَى عَادَتِهَا، وَيَصِيرُ الاِسْتِظْهَارُ عَادَةً لَهَا.
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَمْثِلَةً كَثِيرَةً عَلَى انْتِقَال الْعَادَةِ، نَذْكُرُ مِنْهَا مَا يَلِي: إِذَا كَانَتْ عَادَتُهَا الأَْيَّامَ الْخَمْسَةَ الثَّانِيَةَ مِنَ الشَّهْرِ، فَرَأَتْ فِي بَعْضِ الشُّهُورِ، الأَْيَّامَ الْخَمْسَةَ الأُْولَى دَمًا وَانْقَطَعَ، فَقَدْ تَقَدَّمَتْ عَادَتُهَا، وَلَمْ يَزِدْ حَيْضُهَا، وَلَمْ يَنْقُصْ وَلَكِنْ نَقَصَ طُهْرُهَا فَصَارَ عِشْرِينَ بَعْدَ أَنْ كَانَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ. وَإِنْ رَأَتْهُ فِي الْخَمْسَةِ الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ، أَوِ الْخَامِسَةِ أَوِ السَّادِسَةِ، فَقَدْ تَأَخَّرَتْ عَادَتُهَا، وَلَمْ يَزِدْ حَيْضُهَا، وَلَمْ يَنْقُصْ، وَلَكِنْ زَادَ
_________
(١) مجموعة رسائل ابن عابدين ١ / ٨٧ وما بعدها دار سعادت ١٣٢٥ هـ.
طُهْرُهَا. وَإِنْ رَأَتْهُ فِي الْخَمْسَةِ الثَّانِيَةِ مَعَ الثَّالِثَةِ فَقَدْ زَادَ حَيْضُهَا، وَتَأَخَّرَتْ عَادَتُهَا. وَإِنْ رَأَتْهُ فِي الْخَمْسَةِ الأُْولَى وَالثَّانِيَةِ، فَقَدْ زَادَ حَيْضُهَا وَتَقَدَّمَتْ عَادَتُهَا. وَإِنْ رَأَتْهُ فِي الْخَمْسَةِ الأُْولَى وَالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فَقَدْ زَادَ حَيْضُهَا، فَصَارَ خَمْسَةَ عَشَرَ وَتَقَدَّمَتْ عَادَتُهَا وَتَأَخَّرَتْ. وَإِنْ رَأَتْهُ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَوْ ثَلاَثَةٍ، أَوْ يَوْمَيْنِ، أَوْ يَوْمٍ مِنَ الْخَمْسَةِ الْمُعْتَادَةِ، فَقَدْ نَقَصَ حَيْضُهَا وَلَمْ تَنْتَقِل عَادَتُهَا.
وَإِنْ رَأَتْهُ فِي يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلاَثَةٍ، أَوْ أَرْبَعَةٍ مِنَ الْخَمْسَةِ الأُْولَى فَقَدْ نَقَصَ حَيْضُهَا وَتَقَدَّمَتْ عَادَتُهَا. وَإِنْ رَأَتْ ذَلِكَ فِي الْخَمْسَةِ الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ، أَوْ مَا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ نَقَصَ حَيْضُهَا وَتَأَخَّرَتْ عَادَتُهَا.
وَالأَْمْثِلَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْحَنَابِلَةُ فِي انْتِقَال الْعَادَةِ لاَ تَخْرُجُ عَنِ الأَْمْثِلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّافِعِيَّةُ.
وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْعَمَل بِالْعَادَةِ الْمُنْتَقِلَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَهُمْ، وَانْتِقَال الْعَادَةِ يَثْبُتُ بِمَرَّةٍ فِي الأَْصَحِّ. وَهَذَا إِنْ كَانَتْ مُتَّفِقَةً غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فِي الْحَيْضِ، فَرَأَتِ الدَّمَ فِي غَيْرِ
_________
(١) الخرشي على مختصر خليل ١ / ٢٠٥ المطبعة العامرة ١٣١٦هـ، الذخيرة للقرافي ٣٨٣، ٣٨٧، وزارة الأوقاف الكويت ١٩٨٢ م، المجموع ٢ / ٤٢٢، ٤٢٣ المكتبة السلفية المدنية المنورة، مغني المحتاج ١ / ١١٥، نهاية المحتاج ١ / ٣٢٦، الروض المربع ٣٦ المطبعة السلفية ١٣٨٠هـ القاهرة.
عَادَتِهَا لَمْ تَعْتَبِرْ مَا خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ حَيْضًا حَتَّى يَتَكَرَّرَ ثَلاَثًا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، أَوْ مَرَّتَيْنِ فِي رِوَايَةٍ. وَسَوَاءٌ رَأَتِ الدَّمَ قَبْل عَادَتِهَا أَوْ بَعْدَهَا، مَعَ بَقَاءِ الْعَادَةِ، أَوِ انْقِطَاعِ الدَّمِ فِيهَا، أَوْ فِي بَعْضِهَا، فَإِنَّهَا لاَ تَجْلِسُ فِي غَيْرِ أَيَّامِهَا حَتَّى يَتَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، فَإِذَا تَكَرَّرَ عَلِمْنَا أَنَّهُ حَيْضٌ مُتَنَقِّلٌ فَتَصِيرُ إِلَيْهِ، أَيْ تَتْرُكُ الصَّلاَةَ وَالصَّوْمَ فِيهِ، وَيَصِيرُ عَادَةً لَهَا، وَتَتْرُكُ الْعَادَةَ الأُْولَى. وَيَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ مَا صَامَتْهُ مِنَ الْفَرْضِ فِي هَذِهِ الْمَرَّاتِ الثَّلاَثِ الَّتِي أَمَرْنَاهَا بِالصِّيَامِ فِيهَا، لأَِنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا صَامَتْهُ فِي حَيْضٍ، وَالصَّوْمُ فِي الْحَيْضِ غَيْرُ صَحِيحٍ. وَلاَ تَقْضِي الصَّلاَةَ. وَقِيل: لاَ حَاجَةَ إِلَى التَّكْرَارِ، وَتَنْتَقِل بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهَا دَمًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا. فَعَلَيْهِ: تَجْلِسُ مَا تَرَاهُ مِنَ الدَّمِ قَبْل عَادَتِهَا وَبَعْدَهَا مَا لَمْ يَزِدْ عَنْ أَكْثَرِ الْحَيْضِ، وَرَجَّحَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي. وَعَلَى كُل حَالٍ فَإِنْ تَجَاوَزَتِ الزِّيَادَةُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ فَهِيَ اسْتِحَاضَةٌ وَنَرُدُّهَا إِلَى عَادَتِهَا، وَيَلْزَمُهَا قَضَاءُ مَا تَرَكَتْهُ مِنَ الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ فِيمَا زَادَ عَنْ عَادَتِهَا.
وَإِنْ كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ فَرَأَتِ الدَّمَ أَكْثَر مِنْهَا وَجَاوَزَ أَكْثَر الْحَيْضِ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، وَحَيْضُهَا مِنْهُ قَدْرُ الْعَادَةِ لاَ غَيْرُ. وَلاَ تَجْلِسُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الشُّهُورِ الْمُسْتَقْبَلَةِ إِلاَّ قَدْرَ الْعَادَةِ بِلاَ خِلاَفٍ عِنْدَ مَنِ اعْتَبَرَ الْعَادَةَ (١) .
_________
(١) المغني ١ / ٣٥١ - ٣٥٤.
أَنْوَاعُ الْعَادَةِ:
٢٢ - الْعَادَةُ ضَرْبَانِ: مُتَّفِقَةٌ، وَمُخْتَلِفَةٌ.
فَالْمُتَّفِقَةُ مَا كَانَتْ أَيَّامًا مُتَسَاوِيَةً، كَسَبْعَةٍ مِنْ كُل شَهْرٍ، فَهَذِهِ تَجْلِسُ أَيَّامَ عَادَتِهَا وَلاَ تَلْتَفِتُ إِلَى مَا زَادَ عَلَيْهَا. وَالْمُخْتَلِفَةُ هِيَ مَا كَانَتْ أَيَّامًا مُخْتَلِفَةً، وَهِيَ قِسْمَانِ مُرَتَّبَةٌ، بِأَنْ تَرَى فِي شَهْرٍ ثَلاَثَةً، وَفِي الثَّانِي أَرْبَعَةٍ، وَفِي الثَّالِثِ خَمْسَةً، ثُمَّ تَعُودُ إِلَى مِثْل ذَلِكَ. فَهَذِهِ، إِذَا اسْتُحِيضَتْ فِي شَهْرٍ وَعَرَفَتْ نَوْبَتَهُ عَمِلَتْ عَلَيْهِ. وَإِنْ نَسِيَتْ نَوْبَتَهُ جَلَسَتِ الأَْقَل، وَهُوَ ثَلاَثَةٌ لأَِنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ.
وَغَيْرُ مُرَتَّبَةٍ: بِأَنْ تَتَقَدَّمَ هَذِهِ مَرَّةً، وَهَذِهِ أُخْرَى كَأَنْ تَحِيضَ فِي شَهْرٍ ثَلاَثَةً، وَفِي الثَّانِي خَمْسَةً، وَفِي الثَّالِثِ أَرْبَعَةً. فَإِنْ أَمْكَنَ ضَبْطُهُ بِحَيْثُ لاَ يَخْتَلِفُ هُوَ، فَالَّتِي قَبْلَهَا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ضَبْطُهُ رُدَّتْ إِلَى مَا قَبْل شَهْرِ الاِسْتِحَاضَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الْعَادَةِ بِمَرَّةٍ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تَجْلِسُ الأَْقَل فِي كُل شَهْرٍ (١) .
وَتَلْفِيقُ الْحَيْضِ:
٢٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا رَأَتِ الْمَرْأَةُ الدَّمَ يَوْمًا أَوْ أَيَّامًا، وَالطُّهْرَ يَوْمًا أَوْ أَيَّامًا، بِحَيْثُ لاَ يَحْصُل لَهَا طُهْرٌ كَامِلٌ، اخْتِلاَفًا يَرْجِعُ حَاصِلُهُ إِلَى قَوْلَيْنِ الأَْوَّل: وَيُسَمَّى قَوْل التَّلْفِيقِ أَوِ اللَّقْطَ، وَهُوَ أَنْ
_________
(١) نهاية المحتاج ١ / ٣٤٥ مصطفى البابي الحلبي ١٩٦٧ م، مغني المحتاج ١ / ١١٥ دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع ١ / ٢٠٨ عالم الكتب ١٩٨٣.
تُلَفِّقَ حَيْضَهَا مِنْ أَيَّامِ الدَّمِ فَقَطْ، وَتُلْغِيَ أَيَّامَ الطُّهْرِ فَتَكُونَ فِيهَا طَاهِرًا، تُصَلِّيَ وَتَصُومَ. وَالْقَوْل الثَّانِي وَيُسَمِّيهِ الشَّافِعِيَّةُ قَوْل السَّحْبِ، وَهُوَ أَنْ تَجْعَل أَيَّامَ الدَّمِ، وَأَيَّامَ الطُّهْرِ كُلَّهَا أَيَّامَ حَيْضٍ. وَذَلِكَ بِشُرُوطٍ ذَكَرُوهَا، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (تَلْفِيقٌ) (١) .
الطُّهْرُ مِنَ الْحَيْضِ:
(١) أَقَل الطُّهْرِ وَأَكْثَرُهُ:
٢٤ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ حَدَّ لأَِكْثَرِ الطُّهْرِ، لأَِنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ لاَ تَحِيضُ أَصْلًا.
وَقَدْ تَحِيضُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً. حَكَى أَبُو الطَّيِّبِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، أَنَّ امْرَأَةً فِي زَمَنِهِ كَانَتْ تَحِيضُ فِي كُل سَنَةٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَقَل الطُّهْرِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَقَلاّ طُهْرٍ بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بِلَيَالِيِهَا، لأَِنَّ الشَّهْرَ غَالِبًا لاَ يَخْلُو مِنْ حَيْضٍ وَطُهْرٍ، وَإِذَا كَانَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ أَقَل الطُّهْرِ كَذَلِكَ. وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ.
_________
(١) الفتاوى الهندية ١ / ٣٧ المطبعة الأميرية ١٣١٠هـ، حاشية الدسوقي ١ / ١٧٠ دار الفكر، مواهب الجليل ١ / ٣٦٩ دار الفكر ١٩٧٨م، المجموع ٢ / ٥٠٦ وما بعدها المكتبة السلفية المدينة المنورة، كشاف القناع ١ / ٢١٤ عالم الكتب ١٩٨٣م.