الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨
وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ غَالِبَ الْحَيْضِ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ (١)، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ لَمَّا سَأَلَتْهُ تَحِيضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإِذَا رَأَيْتِ أَنْ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، أَوْ ثَلاَثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا، وَصُومِي وَصَلِّي، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ (٢) .
أَحْوَال الْحَائِضِ:
١٢ - الْحَائِضُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُبْتَدَأَةً، أَوْ مُعْتَادَةً، أَوْ مُتَحَيِّرَةً.
فَالْمُبْتَدَأَةُ: هِيَ مَنْ كَانَتْ فِي أَوَّل حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ، أَوْ هِيَ الَّتِي لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا حَيْضٌ قَبْل ذَلِكَ (٣) .
_________
(١) مغني المحتاج ١ / ١٠٩ دار إحياء التراث العربي، نهاية المحتاج ١ / ٣٢٥، ٣٢٦ مصطفى البابي الحلبي ١٩٦٧ م، كشاف القناع ١ / ٢٠٣ عالم الكتب ١٩٨٣م.
(٢) حديث: " تحيضي ستة أيام أو سبعة ". أخرجه الترمذي (١ / ٢٢٣ - ٢٢٤ - ط الحلبي)، ونقل عن البخاري أنه حسنه.
(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ١٩٠ دار إحياء التراث العربي، الخرشي على مختصر خليل ١ / ٢٠٤ المطبعة العامرة ١٣١٦هـ، شرح روض الطالب ١ / ١٠٣ المكتبة الإسلامية كشاف القناع ١ / ٢٠٤ عالم الكتب ١٩٨٣ م.
وَالْمُعْتَادَةُ: عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هِيَ مَنْ سَبَقَ مِنْهَا دَمٌ وَطُهْرٌ صَحِيحَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: هِيَ الَّتِي سَبَقَ لَهَا حَيْضٌ وَلَوْ مَرَّةً. وَهِيَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مَنْ سَبَقَ لَهَا حَيْضٌ وَطُهْرٌ وَهِيَ تَعْلَمُهُمَا قَدْرًا وَوَقْتًا. وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْعَادَةَ لاَ تَثْبُتُ إِلاَّ فِي ثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ - فِي كُل شَهْرٍ مَرَّةً - وَلاَ يَشْتَرِطُونَ فِيهَا التَّوَالِي (١) .
وَالْمُتَحَيِّرَةُ: مَنْ نَسِيَتْ عَادَتَهَا عَدَدًا أَوْ مَكَانًا. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: هِيَ الْمُسْتَحَاضَةُ غَيْرُ الْمُمَيِّزَةِ النَّاسِيَةُ لِلْعَادَةِ. وَتُسَمَّى الضَّالَّةَ وَالْمُضِلَّةَ وَالْمُحَيِّرَةَ أَيْضًا بِالْكَسْرِ لأَِنَّهَا حَيَّرَتِ الْفَقِيهَ (٢) .
أ - الْمُبْتَدَأَةُ:
١٣ - إِذَا رَأَتِ الْمُبْتَدَأَةُ الدَّمَ وَكَانَ فِي زَمَنِ إِمْكَانِ الْحَيْضِ - أَيْ فِي سِنِّ تِسْعِ سَنَوَاتٍ فَأَكْثَر - وَلَمْ يَكُنِ الدَّمُ نَاقِصًا عَنْ أَقَل الْحَيْضِ وَلاَ زَائِدًا عَلَى أَكْثَرِهِ - عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَقَل الْحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ كَمَا سَبَقَ - فَإِنَّهُ دَمُ حَيْضٍ، وَيَلْزَمُهَا أَحْكَامُ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٩٠، منهل الواردين ١ / ٧٦ الرسالة الرابعة من مجموعة رسائل ابن عابدين دار سعادت ١٣٢٥هـ، حاشية الدسوقي ١ / ١٦٩، الخرشي على مختصر خليل ١ / ٢٠٥، مغني المحتاج ١ / ١١٥ دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع ١ / ٢٠٥.
(٢) منهل الواردين ١ / ٧٦ مجموعة رسائل ابن عابدين دار سعادت ١٣٢٥هـ، حاشية ابن عابدين ١ / ١٩٠ دار إحياء التراث العربي، نهاية المحتاج ١ / ٣٤٦ مصطفى البابي الحلبي ١٩٦٧ م، مغني المحتاج ١ / ١١٦ دار إحياء التراث العربي، شرح روض الطالب ١ / ١٠٧ المكتبة الإسلامية.
الْحَائِضِ، لأَِنَّ دَمَ الْحَيْضِ جِبِلَّةٌ وَعَادَةٌ، وَدَمُ الاِسْتِحَاضَةِ لِعَارِضٍ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، وَالأَْصْل عَدَمُهُ. وَسَوَاءٌ أَكَانَ مَا رَأَتْهُ دَمًا أَسْوَد أَمْ لاَ، وَلَوْ كَانَ صُفْرَةً وَكُدْرَةً فَإِنَّهُ حَيْضٌ، لأَِنَّهُ الأَْصْل فِيمَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ فِي زَمَنِ الإِْمْكَانِ، وَلِقَوْل عَائِشَةَ ﵂ لَمَّا كَانَتِ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إِلَيْهَا بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ: لاَ تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ (١) تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضَةِ.
فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ لِدُونِ أَقَل الْحَيْضِ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ لِعَدَمِ صَلاَحِيَّتِهِ لَهُ، بَل هُوَ دَمُ فَسَادٍ (٢) .
ثُمَّ إِنَّ لِلْمُبْتَدَأَةِ أَحْوَالًا، بِحَسَبِ انْقِطَاعِ الدَّمِ وَاسْتِمْرَارِهِ.
الْحَالَةُ الأُْولَى: انْقِطَاعُ الدَّمِ لِتَمَامِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ فَمَا دُونُ:
١٤ - إِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ دُونَ أَكْثَرِ الْحَيْضِ أَوْ لأَِكْثَرِهِ وَلَمْ يُجَاوِزْ وَرَأَتِ الطُّهْرَ، طَهُرَتْ، وَيَكُونُ الدَّمُ
_________
(١) حديث عائشة ﵂: " لا تعجلن. . . " تقدم تخريجه (ف / ٩) .
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ١٨٩ دار إحياء التراث العربي، منهل الواردين ١ / ٨٦ مجموعة رسائل ابن عابدين دار سعادت ١٣٢٥هـ، حاشية الدسوقي ١ / ١٦٨ دار الفكر، مغني المحتاج ١ / ١١٣ دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع ١ / ٢٠٤ عالم الكتب ١٩٨٣ م.
بَيْنَ أَوَّل مَا تَرَاهُ إِلَى رُؤْيَةِ الطُّهْرِ حَيْضًا، يَجِبُ عَلَيْهَا خِلاَلُهُ مَا يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الدَّمَ إِنْ جَاوَزَ أَقَل الْحَيْضِ وَلَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرَهُ، فَإِنَّ الْمُبْتَدَأَةَ لاَ تَجْلِسُ الْمُجَاوِزَ لأَِنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، بَل تَغْتَسِل عَقِبَ أَقَل الْحَيْضِ وَتَصُومُ وَتُصَلِّي فِيمَا جَاوَزَهُ، لأَِنَّ الْمَانِعَ مِنْهُمَا هُوَ الْحَيْضُ وَقَدْ حُكِمَ بِانْقِطَاعِهِ، وَهُوَ آخِرُ الْحَيْضِ حُكْمًا، أَشْبَهَ آخِرَهُ حِسًّا. وَقَدْ صَرَّحُوا بِحُرْمَةِ وَطْئِهَا فِي الزَّمَنِ الْمُجَاوِزِ لأَِقَل الْحَيْضِ قَبْل تَكْرَارِهِ، لأَِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ حَيْضٌ، وَإِنَّمَا أُمِرَتْ بِالْعِبَادَةِ احْتِيَاطًا لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهَا، فَتَعَيَّنَ تَرْكُ وَطْئِهَا احْتِيَاطًا. ثُمَّ إِنَّهُ مَتَى انْقَطَعَ الدَّمُ يَوْمًا فَأَكْثَرَ أَوْ أَقَلّ قَبْل مُجَاوَزَةِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ، اغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ، لاِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ آخِرَ حَيْضِهَا، وَلاَ تَطْهُرُ بِيَقِينٍ إِلاَّ بِالْغُسْل ثُمَّ حُكْمُهَا حُكْمُ الطَّاهِرَاتِ، فَإِنْ عَادَ الدَّمُ فَكَمَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ.
هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَعِنْدَهُمْ رِوَايَةٌ تُوَافِقُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ (٢) .
_________
(١) المراجع السابقة. ومنهل الواردين ١ / ٩٠ وما بعدها، وشرح الزرقاني على مختصر خليل ١ / ١٣٣ دار الفكر ١٩٧٨م.
(٢) كشاف القناع ١ / ٢٠٤ عالم الكتب ١٩٨٣ م، الفروع ١ / ٢٦٩ عالم الكتب ١٤٠٢هـ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: اسْتِمْرَارُ الدَّمِ وَعُبُورُهُ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَيْضِ:
١٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا اسْتَمَرَّ دَمُ الْمُبْتَدَأَةِ وَجَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ حَيْضَهَا أَكْثَرُ فَتْرَةِ الْحَيْضِ وَطُهْرَهَا مَا جَاوَزَهُ. فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ حَيْضَهَا فِي كُل شَهْرٍ عَشَرَةٌ، وَطُهْرُهَا عِشْرُونَ. قَالُوا: لأَِنَّ هَذَا دَمٌ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ وَأَمْكَنَ جَعْلُهُ حَيْضًا فَيُجْعَل حَيْضًا. وَمَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ يَكُونُ اسْتِحَاضَةً لأَِنَّهُ لاَ مَزِيدَ لِلْحَيْضِ عَلَى الْعَشَرَةِ، وَهَكَذَا فِي كُل شَهْرٍ. هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْجُمْلَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْبِرْكَوِيُّ لِلْمُبْتَدَأَةِ الَّتِي اسْتَمَرَّ دَمُهَا أَرْبَعَةَ وُجُوهٍ سَبَقَ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِحَاضَةٌ) مِنَ الْمَوْسُوعَةِ (٣ ١٩٨) .
وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهَا تَمْكُثُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا - أَكْثَرُ فَتْرَةِ الْحَيْضِ عِنْدَهُمْ - أَخْذًا بِالأَْحْوَطِ ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ (١) . وَتَفْصِيل أَحْكَامِ اسْتِمْرَارِ الدَّمِ فِي (اسْتِحَاضَةٌ) مِنَ الْمَوْسُوعَةِ (٣ - ٢٠٠ وَمَا بَعْدَهَا) .
ب - الْمُعْتَادَةُ:
ثُبُوتُ الْعَادَةِ:
١٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٩٠، ٢٠٠، منهل الواردين ١ / ٩٤ وما بعدها دار سعادت ١٣٢٥ هـ بدائع الصنائع ١ / ٤١، حاشية الدسوقي ١ / ١٦٨ دار الفكر، الخرشي على مختصر خليل ١ / ٢٠٤ المطبعة العامرة ١٣١٦هـ، مواهب الجليل ١ / ٣٦٧ دار الفكر ١٩٧٨م.
الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى أَنَّ الْعَادَةَ تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ فِي الْمُبْتَدَأَةِ، لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَاسْتَفْتَيْتُ لَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: لِتَنْظُرْ عَدَدَ الأَْيَّامِ وَاللَّيَالِي الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْل أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فَلْتَدَعِ الصَّلاَةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِل ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَل فِيهِ (١) .
فَالْحَدِيثُ قَدْ دَل عَلَى اعْتِبَارِ الشَّهْرِ الَّذِي قَبْل الاِسْتِحَاضَةِ، وَلأَِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا فِيهِ كَالَّذِي يَلِيهِ لِقُرْبِهِ إِلَيْهَا فَهُوَ أَوْلَى مِمَّا انْقَضَى. وَاسْتَدَل الْمَالِكِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (٢) حَيْثُ شَبَّهَ الْعَوْدَ بِالْبَدْءِ فَيُفِيدُ إِطْلاَقَ الْعَوْدِ عَلَى مَا فُعِل مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا لاَ تَثْبُتُ إِلاَّ بِثَلاَثِ مَرَّاتٍ فِي كُل شَهْرٍ مَرَّةٌ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ دَعِي الصَّلاَةَ قَدْرَ الأَْيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا (٣) وَهِيَ صِيغَةُ جَمْعٍ وَأَقَلُّهُ ثَلاَثٌ، وَلأَِنَّ مَا اعْتُبِرَ لَهُ
_________
(١) حديث: " لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن " أخرجه أبو داود (١ / ١٨٧ - ١٨٩ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أم سلمة، وصححه النووي كما في التلخيص (١ / ١٧٠ - ط شركة الطباعة الفنية) .
(٢) سورة الأعراف / ٢٩.
(٣) حديث: " دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٤٢٥ - ط السلفية) من حديث عائشة.
التَّكْرَارُ اعْتُبِرَ فِيهِ الثَّلاَثُ كَالأَْقْرَاءِ وَالشُّهُورِ فِي عِدَّةِ الْحُرَّةِ، وَخِيَارِ الْمُصَرَّاةِ، وَمُهْلَةِ الْمُرْتَدِّ. وَلأَِنَّ الْعَادَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْمُعَاوَدَةِ وَلاَ تَحْصُل الْمُعَاوَدَةُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ. ثُمَّ إِنَّ الدَّمَ عِنْدَهُمْ إِمَّا أَنْ يَأْتِيَ فِي الثَّلاَثِ مُتَسَاوِيًا أَوْ مُخْتَلِفًا. فَإِنْ كَانَ الدَّمُ فِي الثَّلاَثِ مُتَسَاوِيًا ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً، وَلَمْ يَخْتَلِفْ تُيُقِّنَ أَنَّهُ حَيْضٌ وَصَارَ عَادَةً. وَإِنْ كَانَ الدَّمُ عَلَى أَعْدَادٍ مُخْتَلِفَةٍ فَمَا تَكُونُ مِنْهُ ثَلاَثًا صَارَ عَادَةً لَهَا دُونَ مَا لَمْ يَتَكَرَّرْ مُرَتَّبًا، كَانَ كَخَمْسَةٍ فِي أَوَّل شَهْرٍ، وَسِتَّةٍ فِي شَهْرٍ ثَانٍ، وَسَبْعَةٍ فِي شَهْرٍ ثَالِثٍ، فَتَجْلِسُ الْخَمْسَةَ لِتَكْرَارِهَا ثَلاَثًا، كَمَا لَوْ لَمْ يَخْتَلِفْ. أَوْ غَيْرَ مُرَتَّبٍ كَأَنْ تَرَى فِي الشَّهْرِ الأَْوَّل خَمْسَةً، وَفِي الشَّهْرِ الثَّانِي أَرْبَعَةً، وَفِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ سِتَّةً، فَتَجْلِسُ الأَْرْبَعَةَ لِتَكَرُّرِهَا.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا تَثْبُتُ بِمَرَّتَيْنِ.
وَقَدْ نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ نَقْصَ الْعَادَةِ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى تَكْرَارٍ، لأَِنَّهُ رُجُوعٌ إِلَى الأَْصْل وَهُوَ الْعَدَمُ. فَلَوْ نَقَصَتْ عَادَتُهَا ثُمَّ اسْتُحِيضَتْ بَعْدَهُ. فَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ فَرَأَتِ الدَّمَ سَبْعَةً ثُمَّ اسْتُحِيضَتْ فِي الشَّهْرِ الآْخَرِ جَلَسَتِ السَّبْعَةَ لأَِنَّهَا الَّتِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهَا عَادَتُهَا.
وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُعْتَادَةِ إِذَا رَأَتْ مَا يُخَالِفُ عَادَتَهَا مُرَّةً وَاحِدَةً، هَل يَصِيرُ ذَلِكَ الْمُخَالِفُ عَادَةً لَهَا أَمْ لاَ بُدَّ مِنْ تَكْرَارِهِ؟ فَذَهَبَ
أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّهُ يَصِيرُ ذَلِكَ عَادَةً بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ. وَذَهَبَ مُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِيرُ عَادَةً إِلاَّ بِتَكْرَارِهِ. بَيَانُ ذَلِكَ لَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا خَمْسَةً مِنْ أَوَّل الشَّهْرِ فَرَأَتْ سِتَّةً فَهِيَ حَيْضٌ اتِّفَاقًا، لَكِنْ عِنْدَهُمَا يَصِيرُ ذَلِكَ عَادَةً، فَإِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي تُرَدُّ إِلَى آخِرِ مَا رَأَتْ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تُرَدُّ إِلَى الْعَادَةِ الْقَدِيمَةِ. وَلَوْ رَأَتِ السِّتَّةَ مَرَّتَيْنِ تُرَدُّ إِلَيْهَا عِنْدَ الاِسْتِمْرَارِ اتِّفَاقًا.
وَالْخِلاَفُ فِي الْعَادَةِ الأَْصْلِيَّةِ وَهِيَ أَنْ تَرَى دَمَيْنِ مُتَّفِقَيْنِ وَطُهْرَيْنِ مُتَّفِقَيْنِ عَلَى الْوَلاَءِ أَوْ أَكْثَرَ لاَ الْجَعْلِيَّةُ.
أَمَّا الْجَعْلِيَّةُ فَإِنَّهَا تُنْتَقَضُ بِرُؤْيَةِ الْمُخَالِفِ مُرَّةً بِالاِتِّفَاقِ (١) . وَصُورَةُ الْجَعْلِيَّةِ أَنْ تَرَى أَطْهَارًا مُخْتَلِفَةً، وَدِمَاءً مُخْتَلِفَةً فَتَبْنِيَ عَلَى أَوْسَطِ الأَْعْدَادِ عَلَى قَوْل مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَعَلَى الأَْقَل مِنَ الْمَرَّتَيْنِ الأَْخِيرَتَيْنِ عَلَى قَوْل أَبِي عُثْمَانَ سَعِيدِ بْنِ مُزَاحِمٍ.
_________
(١) منهل الواردين ١ / ٧٩ مجموعة رسائل ابن عابدين دار سعادت ١٣٢٥هـ، وحاشية الدسوقي ١ / ١٦٩ دار الفكر، شرح الزرقاني على مختصر خليل ١ / ١٣٤ دار الفكر ١٩٧٨م، مغني المحتاج ١ / ١١٥ دار إحياء التراث العربي، نهاية المحتاج ١ / ٣٤٥ مصطفى البابي الحلبي ١٩٦٧م، المغني لابن قدامة ١ / ٣١٦ مكتبة الرياض الحديثة ١٩٨١ م، كشاف القناع ١ / ٢٠٥، ٢٠٨ عالم الكتب ١٩٨٣م، شرح فتح القدير ١ / ١٥٧ دار إحياء التراث العربي.
أَحْوَال الْمُعْتَادَةِ:
الْمُعْتَادَةُ إِمَّا أَنْ تَرَى مِنَ الدَّمِ مَا يُوَافِقُ عَادَتَهَا. أَوْ يَنْقَطِعُ الدَّمُ دُونَ عَادَتِهَا، أَوْ يُجَاوِزُ عَادَتَهَا.
مُوَافَقَةُ الدَّمِ لِلْعَادَةِ:
١٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا رَأَتِ الْمُعْتَادَةُ مَا يُوَافِقُ عَادَتَهَا بِأَنِ انْقَطَعَ دَمُهَا وَلَمْ يَنْقُصْ أَوْ يَزِدْ عَلَى عَادَتِهَا، فَأَيَّامُ الدَّمِ حَيْضٌ وَمَا بَعْدَهَا طُهْرٌ. فَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ حَيْضًا. وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ طُهْرًا وَرَأَتْ مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ، فَحَيْضُهَا خَمْسَةُ أَيَّامٍ، وَطُهْرُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ كَعَادَتِهَا (١) .
انْقِطَاعُ الدَّمِ دُونَ الْعَادَةِ:
١٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا انْقَطَعَ دَمُ الْمُعْتَادَةِ دُونَ عَادَتِهَا، فَإِنَّهَا تَطْهُرُ بِذَلِكَ وَلاَ تُتَمِّمُ عَادَتَهَا، بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَكُونَ انْقِطَاعُ الدَّمِ دُونَ أَقَل الْحَيْضِ. وَمَنَعَ الْحَنَفِيَّةُ وَطْأَهَا حِينَئِذٍ حَتَّى تَمْضِيَ عَادَتُهَا وَإِنِ اغْتَسَلَتْ. قَالُوا: لأَِنَّ الْعَوْدَ فِي الْعَادَةِ غَالِبٌ فَكَانَ الاِحْتِيَاطُ فِي الاِجْتِنَابِ.
وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يَجُوزُ وَطْؤُهَا. وَقَدْ
_________
(١) منهل الواردين ١ / ٨٦ مجموعة رسائل ابن عابدين دار سعادت ١٣٢٥هـ، الذخيرة للقرافي ٣٨٢ نشر وزارة الأوقاف الكويت ١٩٨٢م، مغني المحتاج ١ / ١١٥ دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع ١ / ٢٠٥ عالم الكتب ١٩٨٣م.
صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِعَدَمِ كَرَاهَتِهِ كَسَائِرِ الطَّاهِرَاتِ
وَمَتَى كَانَ انْقِطَاعُ الدَّمِ دُونَ أَقَل الْحَيْضِ - عَلَى الْخِلاَفِ الْمُتَقَدِّمِ فِيهِ - فَلَيْسَ ذَلِكَ الدَّمُ بِحَيْضٍ فِي حَقِّهَا لِتَبَيُّنِ أَنَّهُ دَمُ فَسَادٍ لاَ حَيْضٍ وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّهَا تَقْضِي الصَّلاَةَ وَالصَّوْمَ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهَا تُصَلِّي كُلَّمَا انْقَطَعَ الدَّمُ، لَكِنْ تَنْتَظِرُ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ وُجُوبًا فَإِنْ لَمْ يَعُدْ فِي الْوَقْتِ تَتَوَضَّأُ فَتُصَلِّي وَكَذَا تَصُومُ إِنِ انْقَطَعَ لَيْلًا، فَإِنْ عَادَ فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ فِي الْعَشَرَةِ الأَْيَّامِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِطَهَارَتِهَا فَتَقْعُدُ عَنِ الصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ. وَالْفَرْقُ عِنْدَهُمْ بَيْنَ انْقِطَاعِ الدَّمِ قَبْل الْعَادَةِ وَبَعْدَ الثَّلاَثِ - وَهُوَ أَقَل الْحَيْضِ عِنْدَهُمْ - وَانْقِطَاعُهُ قَبْل الثَّلاَثِ أَنَّهَا تُصَلِّي، بِالْغُسْل كُلَّمَا انْقَطَعَ قَبْل الْعَادَةِ وَبَعْدَ الثَّلاَثِ لاَ بِالْوُضُوءِ. لأَِنَّهُ تَحَقَّقَ كَوْنُهَا حَائِضًا بِرُؤْيَةِ الدَّمِ ثَلاَثَةً فَأَكْثَر، بِخِلاَفِ انْقِطَاعِهِ قَبْل الثَّلاَثِ، فَإِنَّهَا تُصَلِّي بِالْوُضُوءِ لأَِنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الدَّمَ دَمُ فَسَادٍ لاَ دَمُ حَيْضٍ.
وَإِنْ عَادَ الدَّمُ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ، فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يُبْطِل الْحُكْمَ بِطَهَارَتِهَا بِشَرْطِ أَنْ يَعُودَ فِي مُدَّةِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ - عَشَرَةِ أَيَّامٍ - وَلَمْ يَتَجَاوَزْهَا. وَأَنْ تَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ طَاهِرًا أَقَلاّ الطُّهْرِ - خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا - فَلَوْ تَجَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ أَوْ نَقَصَ الطُّهْرُ عَنْ ذَلِكَ فَحَيْضُهَا أَيَّامُ عَادَتِهَا فَقَطْ. وَلَوِ اعْتَادَتْ فِي الْحَيْضِ يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا طُهْرًا هَكَذَا إِلَى