الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨
زَادَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ كَلِمَةَ " وَلاَ حَبَلٍ " حَيْثُ إِنَّ الْحَامِل عِنْدَهُمْ لاَ تَحِيضُ.
(٢) أَلاَ يَكُونُ بِسَبَبِ الْوِلاَدَةِ، فَالْخَارِجُ بِسَبَبِ الْوِلاَدَةِ دَمُ نِفَاسٍ لاَ حَيْضٍ.
(٣) أَنْ يَتَقَدَّمَهُ نِصَابُ الطُّهْرِ وَلَوْ حُكْمًا. وَنِصَابُ الطُّهْرِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَثَلاَثَةَ عَشَرَ يَوْمًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَقَل مُدَّةٍ فَاصِلَةٍ بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ أَيْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ قَبْلَهُ طَاهِرَةً خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَكْثَر عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَثَلاَثَةَ عَشَرَ يَوْمًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ حَتَّى يُعْتَبَرَ الدَّمُ بَعْدَهُ حَيْضًا، وَلَوْ كَانَ هَذَا الطُّهْرُ حُكْمِيًّا، كَمَا إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ مَشْغُولَةً بِدَمِ الاِسْتِحَاضَةِ فَإِنَّهَا طَاهِرَةٌ حُكْمًا.
(٤) أَلاَّ يَنْقُصَ الدَّمُ عَنْ أَقَل الْحَيْضِ، حَيْثُ إِنَّ لِلْحَيْضِ مُدَّةً لاَ يَنْقُصُ عَنْهَا، فَإِذَا نَقَصَ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِدَمِ حَيْضٍ. هَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ حَدَّ لأَِقَلِّهِ بِالزَّمَانِ، وَأَقَلُّهُ دَفْعَةٌ بِالْمِقْدَارِ وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ.
(٥) أَنْ يَكُونَ فِي أَوَانِهِ، وَهُوَ تِسْعُ سِنِينَ قَمَرِيَّةٍ، فَمَتَى رَأَتْ دَمًا قَبْل بُلُوغِ تِلْكَ السِّنِّ لَمْ يَكُنْ حَيْضًا (١)، وَإِذَا رَأَتْ دَمًا بَعْدَ سِنِّ الإِْيَاسِ لَمْ يَكُنْ حَيْضًا أَيْضًا.
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٨٩، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ٧٥ المطبعة الأميرية ١٣١٨ هـ، مجموعة رسائل ابن عابدين ١ / ٧٣، ٧٤ الرسالة الرابعة، حاشية الدسوقي ١ / ١٦٧، ١٦٨، الخرشي على خليل ١ / ٢٠٤، مغني المحتاج ١ / ١٠٨، ١٠٩، كشاف القناع ١ / ١٩٦، ٢٠٢، ٢٠٣.
أَلْوَانُ دَمِ الْحَيْضِ:
٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضٌ، لأَِنَّهُ الأَْصْل فِيمَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ فِي زَمَنِ الإِْمْكَانِ، وَلأَِنَّ عَائِشَةَ ﵂ كَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إِلَيْهَا بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ: فَتَقُول لَهُنَّ: لاَ تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ (١) . تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضِ.
وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ: هُمَا شَيْءٌ كَالصَّدِيدِ. قَال الرَّمْلِيُّ: وَهُمَا لَيْسَ مِنْ أَلْوَانِ الدَّمِ، وَإِنَّمَا هُمَا كَالصَّدِيدِ. وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ بِأَنَّهُمَا مَاءَانِ لاَ دَمَانِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ أَنَّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ لَيْسَتَا بِحَيْضٍ، لأَِنَّهُمَا لَيْسَتَا عَلَى لَوْنٍ، وَلِقَوْل أُمِّ عَطِيَّةَ كُنَّا لاَ نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ شَيْئًا (٢) وَهَذَا قَوْل ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَيْضًا. قَال الدُّسُوقِيُّ: وَجَعَلَهُ الْمَازِرِيُّ وَالْبَاجِيُّ هُوَ الْمَذْهَبُ.
_________
(١) حديث عائشة: " لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. . . " أخرجه مالك في الموطأ (١ / ٥٩ - ط الحلبي) .
(٢) حديث أم عطية كنا لا نعد الصفرة والكدر بعد الطهر شيئا أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٤٢٦ - ط السلفية) دون قولها: " بعد الطهر ". وهو في أبي داود (١ / ٢١٥ - تحقيق عزت عبيد دعاس) .
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُمَا لَيْسَا بِحَيْضٍ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ، لِقَوْل أُمِّ عَطِيَّةَ كُنَّا لاَ نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُمَا حَيْضٌ. إِذَا رَأَتْهُمَا الْمُعْتَادَةُ بَعْدَ عَادَتِهَا، فَإِنَّهَا تَجْلِسُ أَيَّامَهُمَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَتَسْتَظْهِرُ بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ أَلْوَانَ دَمِ الْحَيْضَةِ سِتَّةٌ، وَهِيَ السَّوَادُ وَالْحُمْرَةُ، وَالصُّفْرَةُ، وَالْخُضْرَةُ، وَالْكُدْرَةُ، وَالتُّرَبِيَّةُ قَالُوا: وَالْكُدْرَةُ مَا هُوَ كَالْمَاءِ الْكَدِرِ، التُّرَبِيَّةُ نَوْعٌ مِنَ الْكُدْرَةِ عَلَى لَوْنِ التُّرَابِ، وَالصُّفْرَةُ كَصُفْرِهِ الْقَزِّ، وَالتِّبْنِ، وَالسِّدْرِ عَلَى الاِخْتِلاَفِ، ثُمَّ إِنَّ الْمُعْتَبَرَ حَال الرُّؤْيَةِ لاَ حَالَةُ التَّغَيُّرِ، كَمَا لَوْ رَأَتْ بَيَاضًا فَاصْفَرَّ بِالْيُبْسِ، أَوْ رَأَتْ حُمْرَةً أَوْ صُفْرَةً فَابْيَضَّتْ بِالْيُبْسِ، وَأَنْكَرَ أَبُو يُوسُفَ الْكُدْرَةَ فِي أَوَّل الْحَيْضِ دُونَ آخِرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ الْخُضْرَةَ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا حَيْضٌ مِنْ ذَوَاتِ الأَْقْرَاءِ دُونَ الآْيِسَةِ. وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ التُّرَبِيَّةِ - وَهُوَ الْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ دُونَ الصُّفْرَةِ - وَالتُّرَبِيَّةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تُسَاوِي التُّرَبِيَّةَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، حَيْثُ إِنَّهُمْ وَصَفُوا التُّرَبِيَّةَ بِأَنَّهَا دَمٌ فِيهِ غُبْرَةٌ تُشْبِهُ لَوْنَ التُّرَابِ (١) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٩٢، حاشية الدسوقي ١ / ١٩٧، الخرشي على مختصر خليل ١ / ٢٠٣، حواشي الشرواني وابن القاسم العبادي على تحفة المحتاج ١ / ٤٠٠ دار صادر، مغني المحتاج ١ / ١١٣، نهاية المحتاج ١ / ٣٤٠، كشاف القناع ١ / ٢١٣.
مُدَّةُ الْحَيْضِ:
السِّنُّ الَّتِي تَحِيضُ فِيهَا الْمَرْأَةُ:
١٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ أَقَلّ سِنٍّ تَحِيضُ لَهُ الْمَرْأَةُ تِسْعُ سِنِينَ قَمَرِيَّةٍ، لأَِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْوُجُودِ وَالْعَادَةِ لأُِنْثَى حَيْضٌ قَبْلَهَا، وَلأَِنَّ مَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ وَلاَ ضَابِطَ لَهُ شَرْعِيًّا وَلاَ لُغَوِيًّا يُتْبَعُ فِيهِ الْوُجُودُ، قَال الشَّافِعِيُّ: أَعْجَل مَنْ سَمِعْتُ مِنَ النِّسَاءِ تَحِيضُ نِسَاءُ تِهَامَةَ، يَحِضْنَ لِتِسْعِ سِنِينَ - هَكَذَا سَمِعْتُ - وَرَأَيْتُ جَدَّةً لَهَا إِحْدَى وَعِشْرُونَ سَنَةً. وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْبِلاَدِ الْحَارَّةِ وَالْبِلاَدِ الْبَارِدَةِ.
ثُمَّ إِنَّ الْفُقَهَاءَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَل الْعِبْرَةُ بِأَوَّل التَّاسِعَةِ، أَوْ وَسَطِهَا، أَوْ آخِرِهَا.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي التِّسْعِ التَّقْرِيبُ لاَ التَّحْدِيدُ، فَيُغْتَفَرُ قَبْل تَمَامِهَا بِمَا لاَ يَسَعُ حَيْضًا وَطُهْرًا دُونَ مَا يَسَعهُمَا. فَيَكُونُ الدَّمُ الْمَرْئِيُّ فِيهِ حَيْضًا. بِخِلاَفِ الْمَرْئِيِّ فِي زَمَنٍ يَسَعُهُمَا. أَيْ إِنْ رَأَتِ الدَّمَ قَبْل تَمَامِ التِّسْعِ بِأَقَل مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا بِلَيَالِيِهَا فَهُوَ حَيْضٌ، وَإِنْ رَأَتْهُ قَبْل تَمَامِ التِّسْعِ بِسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا بِلَيَالِيِهَا أَوْ أَكْثَر فَهُوَ لَيْسَ بِحَيْضٍ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ بِدُخُول التَّاسِعَةِ، وَآخَرُ بِمُضِيِّ نِصْفِهَا.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِتَمَامِ تِسْعٍ
سِنِينَ. فَإِنْ رَأَتْ مِنَ الدَّمِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا وَقَدْ بَلَغَتْ هَذِهِ السِّنَّ حُكِمَ بِكَوْنِهِ حَيْضًا. وَثَبَتَتْ فِي حَقِّهَا أَحْكَامُ الْحَيْضِ كُلُّهَا (١) . قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: إِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ (٢) . وَرُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ (٣) .
وَهُنَاكَ أَقْوَالٌ أُخْرَى فِي أَقَل سِنٍّ تَحِيضُ لَهُ الْمَرْأَةُ فَقِيل سِتٌّ، وَقِيل سَبْعٌ. وَقِيل اثْنَتَا عَشْرَةَ. وَقِيل لاَ يُحْكَمُ لِلدَّمِ بِأَنَّهُ حَيْضٌ إِلاَّ إِذَا كَانَ فِي أَوَانِ الْبُلُوغِ بِمُقَدِّمَاتٍ وَأَمَارَاتٍ مِنْ نُفُورِ الثَّدْيِ وَنَبَاتِ شَعْرِ الْعَانَةِ، وَشَعْرِ الإِْبْطِ وَشَبَهِهِ. وَكُلُّهَا أَقْوَالٌ ضَعِيفَةٌ.
كَمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَكْبَرِ سِنٍّ تَحِيضُ فِيهِ الْمَرْأَةُ - وَيُسَمَّى بِسِنِّ الإِْيَاسِ، وَتُسَمَّى الْمَرْأَةُ آيِسَةً - فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُحَدُّ بِمُدَّةٍ. قَال الْحَنَفِيَّةُ: بَل هُوَ أَنْ تَبْلُغَ مِنَ السِّنِّ مَا
_________
(١) حاشية ابن عابدين١ / ١٨٩ دار إحياء التراث العربي، الفتاوى الهندية ١ / ٣٦ المطبعة الأميرية ١٣١٠هـ، الخرشي على مختصر خليل ١ / ٢٠٤ المطبعة العامرة ١٣١٦هـ، مواهب الجليل ١ / ٣٦٧ دار الفكر ١٩٧٨ م، حاشية الدسوقي ١ / ١٦٨ دار إحياء التراث، نهاية المحتاج ١ / ٣٢٤ مصطفى البابي الحلبي ١٩٦٧م، مغني المحتاج ١ / ١٠٨ دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع ١ / ٢٠٢ عالم الكتب ١٩٨٣ م.
(٢) حديث: إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة. أورده البيهقي (١ / ٢٣٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) ولم يذكر له إسنادا.
(٣) الرواية المرفوعة من حديث ابن عمر أخرجها أبو نعيم الأصبهاني في " ذكر أخبار أصبهان " (٢ / ٣٧٣ - ط ليدن)، وفي إسناده جهالة.
لاَ تَحِيضُ مِثْلُهَا فِيهِ، فَإِذَا بَلَغَتْ هَذِهِ السِّنَّ وَانْقَطَعَ دَمُهَا حُكِمَ بِإِيَاسِهَا. فَإِذَا لَمْ تَبْلُغْهَا وَانْقَطَعَ دَمُهَا، أَوْ بَلَغَتْهَا وَالدَّمُ يَأْتِيهَا عَلَى الْعَادَةِ فَلَيْسَتْ بِآيِسَةٍ، لأَِنَّهُ حِينَئِذٍ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ ذَلِكَ الْمُعْتَادُ، وَعَوْدُ الْعَادَةِ يُبْطِل الإِْيَاسَةَ.
وَقَدْ فَسَّرَ بَعْضُهُمْ هَذَا بِأَنَّهُ تَرَاهُ سَائِلًا كَثِيرًا احْتِرَازًا عَمَّا إِذَا رَأَتْ بِلَّةً يَسِيرَةً وَنَحْوَهَا. وَقَيَّدُوهُ بِأَنْ يَكُونَ أَحْمَر، أَوْ أَسْوَد، فَلَوْ كَانَ أَصْفَرَ أَوْ أَخْضَر أَوْ تُرَبِيَّةً لاَ يَكُونُ حَيْضًا. وَبَعْضُهُمْ قَال: إِنَّهَا إِذَا كَانَتْ عَادَتُهَا قَبْل الإِْيَاسِ أَنْ يَكُونَ دَمُهَا أَصْفَرَ فَرَأَتْهُ كَذَلِكَ، أَوْ عَلَقًا فَرَأَتْهُ كَذَلِكَ كَانَ حَيْضًا. وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَابِدِينَ هَذَا الْقَوْل. وَحَدَّ التُّمُرْتَاشِيُّ سِنَّ الإِْيَاسِ بِخَمْسِينَ سَنَةً، وَقَال: وَعَلَيْهِ الْمُعَوَّل.
وَقَال الْحَصْكَفِيُّ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى فِي زَمَانِنَا. وَحَدَّهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِخَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً.
وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ الْخَالِصَ بَعْدَ تِلْكَ الْمُدَّةِ فَإِنَّهُ حَيْضٌ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ خَالِصًا وَكَانَتْ عَادَتُهَا كَذَلِكَ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ حَدَّ لآِخِرِ سِنِّ الْحَيْضِ بَل هُوَ مُمْكِنٌ مَا دَامَتِ الْمَرْأَةُ حَيَّةً.
وَقَال الْمَحَامِلِيُّ: آخِرُهُ سِتُّونَ سَنَةً.
قَال الرَّمْلِيُّ: وَلاَ مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْل بِأَنَّهُ لاَ حَدَّ لآِخِرِهِ، وَالْقَوْل بِتَحْدِيدِهِ بِاثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً لأَِنَّهُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ حَتَّى لاَ يُعْتَبَرُ النَّقْصُ عَنْهُ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَقْوَالٌ لَخَصَّهَا الْعَدَوِيُّ بِقَوْلِهِ: بِنْتُ سَبْعِينَ سَنَةً لَيْسَ دَمُهَا بِحَيْضٍ، وَبِنْتُ خَمْسِينَ يُسْأَل النِّسَاءُ، فَإِنْ جَزَمْنَ بِأَنَّهُ حَيْضٌ أَوْ شَكَكْنَ فَهُوَ حَيْضٌ وَإِلاَّ فَلاَ، وَالْمُرَاهِقَةُ وَمَا بَعْدَهَا لِلْخَمْسِينَ يُجْزَمُ بِأَنَّهُ حَيْضٌ وَلاَ سُؤَال، وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ أَكْثَر سِنٍّ تَحِيضُ فِيهِ الْمَرْأَةُ خَمْسُونَ سَنَةً، لِقَوْل عَائِشَةَ ﵂: " إِذَا بَلَغَتِ الْمَرْأَةُ خَمْسِينَ سَنَةً خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الْحَيْضِ " وَقَالَتْ أَيْضًا: " لَنْ تَرَى فِي بَطْنِهَا وَلَدًا بَعْدَ الْخَمْسِينَ (١) .
وَجَاءَ فِي الإِْنْصَافِ نَقْلًا عَنِ الْمُغْنِي فِي الْعِدَدِ: وَإِنْ رَأَتِ الدَّمَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ عَلَى الْعَادَةِ الَّتِي كَانَتْ تَرَاهُ فِيهَا فَهُوَ حَيْضٌ فِي الصَّحِيحِ. وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (إِيَاسٌ) .
فَتْرَةُ الْحَيْضِ:
١١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَقَل فَتْرَةِ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِهَا.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَقَل الْحَيْضِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ
_________
(١) حاشية ابن عابدين١ / ٢٠٢ دار إحياء التراث العربي، الفتاوى الهندية ١ / ٣٦ المطبعة الأميرية ١٣١٠ هـ، الخرشي على مختصر خليل ١ / ٢٠٤، حواشي الشرواني وابن قاسم العبادي على تحفة المحتاج ١ / ٣٨٤ دار صادر، ونهاية المحتاج ١ / ٣٢٥ مصطفى البابي الحلبي ١٩٦٧ م، شرح روض الطالب ١ / ٩٩ المكتبة الإسلامية، كشاف القناع ١ / ٢٠٢ عالم الكتب ١٩٨٣ م، الإنصاف ١ / ٣٥٦، ٣٥٧.
بِلَيَالِيِهَا - وَقَدَّرُوهَا بِاثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَاعَةً، وَأَكْثَرُهُ عَشْرَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سِتَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ فِيهَا مَقَالٌ يَرْتَفِعُ بِهَا الضَّعِيفُ إِلَى الْحَسَنِ. وَقَال الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ: وَالْمُقَدَّرَاتُ الشَّرْعِيَّةُ مِمَّا لاَ تُدْرَكُ بِالرَّأْيِ، فَالْمَوْقُوفُ فِيهَا حُكْمُهُ الرَّفْعُ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ حَدَّ لأَِقَلِّهِ بِالزَّمَانِ، وَلِذَلِكَ بَيَّنُوا أَقَلَّهُ فِي الْمِقْدَارِ وَهُوَ دَفْعَةٌ، قَالُوا: وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعِبَادَةِ، وَأَمَّا فِي الْعِدَّةِ وَالاِسْتِبْرَاءِ فَلاَ بُدَّ مِنْ يَوْمٍ أَوْ بَعْضِهِ. وَأَمَّا أَكْثَرُهُ فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ عِنْدَهُمْ بِوُجُودِ الْحَمْل وَعَدَمِهِ. فَأَكْثَرُ الْحَيْضِ لِغَيْرِ الْحَامِل خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا سَوَاءٌ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً أَوْ مُعْتَادَةً، غَيْرَ أَنَّ الْمُعْتَادَةَ - وَهِيَ الَّتِي سَبَقَ لَهَا حَيْضٌ وَلَوْ مَرَّةً - تَسْتَظْهِرُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ عَلَى أَكْثَرِ عَادَتِهَا إِنْ تَمَادَى بِهَا. فَإِذَا اعْتَادَتْ خَمْسَةً ثُمَّ تَمَادَى مَكَثَتْ ثَمَانِيَةً، فَإِنْ تَمَادَى فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ مَكَثَتْ أَحَدَ عَشَرَ. فَإِنْ تَمَادَى فِي الرَّابِعَةِ مَكَثَتْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَإِنْ تَمَادَى فِي مَرَّةٍ أُخْرَى مَكَثَتْ يَوْمًا وَلاَ تَزِيدُ عَلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ.
وَأَمَّا الْحَامِل - وَهِيَ عِنْدَهُمْ تَحِيضُ - فَأَكْثَرُ حَيْضِهَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْشْهُرِ سَوَاءٌ كَانَتْ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٨٩ دار إحياء التراث العربي، فتح القدير ١ / ١٤٢، ١٤٣ دار إحياء التراث العربي، الفتاوى الهندية ١ / ٣٦ المطبعة الأميرية ١٣١٠هـ.
مُبْتَدَأَةً أَوْ مُعْتَادَةً. قَال مَالِكٌ: لَيْسَ أَوَّل الْحَمْل كَآخِرِهِ، وَلِذَلِكَ كَثُرَتِ الدِّمَاءُ بِكَثْرَةِ أَشْهُرِ الْحَمْل.
فَإِذَا حَاضَتِ الْحَامِل فِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ مِنْ حَمْلِهَا، أَوِ الرَّابِعِ، أَوِ الْخَامِسِ وَاسْتَمَرَّ الدَّمُ نَازِلًا عَلَيْهَا كَانَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ فِي حَقِّهَا عِشْرِينَ يَوْمًا، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ دَمُ عِلَّةٍ وَفَسَادٍ. وَإِذَا حَاضَتْ فِي الشَّهْرِ السَّابِعِ مِنْ حَمْلِهَا، أَوِ الثَّامِنِ، أَوِ التَّاسِعِ مِنْهُ وَاسْتَمَرَّ الدَّمُ نَازِلًا عَلَيْهَا كَانَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ فِي حَقِّهَا ثَلاَثِينَ يَوْمًا. وَأَمَّا إِذَا حَاضَتْ فِي الشَّهْرِ السَّادِسِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا بَعْدَهُ مِنَ الأَْشْهُرِ لاَ مَا قَبْلَهُ وَعَلَى هَذَا جَمِيعُ شُيُوخِ أَفْرِيقِيَّةَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَا قَبْلَهُ وَهُوَ خِلاَفُ الْمُعْتَمَدِ.
وَإِذَا حَاضَتْ فِي الشَّهْرِ الأَْوَّل أَوِ الثَّانِي فَهِيَ كَالْمُعْتَادَةِ غَيْرِ الْحَامِل تَمْكُثُ عَادَتَهَا، وَالاِسْتِظْهَارُ وَهُوَ قَوْل مَالِكٍ الْمَرْجُوعُ إِلَيْهِ وَهُوَ الرَّاجِحُ. قَال ابْنُ يُونُسَ: الَّذِي يَنْبَغِي عَلَى قَوْل مَالِكٍ الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ أَنْ تَجْلِسَ فِي الشَّهْرِ وَالشَّهْرَيْنِ قَدْرَ أَيَّامِهَا وَالاِسْتِظْهَارِ، لأَِنَّ الْحَمْل لاَ يَظْهَرُ فِي شَهْرٍ وَلاَ فِي شَهْرَيْنِ فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهَا حَائِلٌ حَتَّى يَظْهَرَ الْحَمْل وَلاَ يَظْهَرُ إِلاَّ فِي ثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ. وَالْقَوْل الثَّانِي هُوَ أَنَّ حُكْمَ الْحَيْضِ فِي الشَّهْرِ الأَْوَّل وَالثَّانِي حُكْمُ مَا بَعْدَهُ أَيِ الشَّهْرِ الثَّالِثِ وَهُوَ قَوْل
مَالِكٍ الْمَرْجُوعُ عَنْهُ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ أَقَلّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لِقَوْل عَلِيٍّ ﵁: وَأَقَل الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَلأَِنَّ الشَّرْعَ عَلَّقَ عَلَى الْحَيْضِ أَحْكَامًا، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ فَعُلِمَ أَنَّهُ رَدَّهُ إِلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ وَالْحَرْزِ، وَقَدْ وُجِدَ حَيْضٌ مُعْتَادٌ يَوْمًا، وَلَمْ يُوجَدْ أَقَل مِنْهُ قَال عَطَاءٌ: (رَأَيْتُ مَنْ تَحِيضُ يَوْمًا) . وَقَال الشَّافِعِيُّ: رَأَيْتُ امْرَأَةً قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَزَل تَحِيضُ يَوْمًا لاَ تَزِيدُ. وَقَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ: كَانَ فِي نِسَائِنَا مَنْ تَحِيضُ يَوْمًا أَيْ بِلَيْلَتِهِ، لأَِنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ إِطْلاَقِ الْيَوْمِ، وَهُمَا أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ سَاعَةً.
وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بِلَيَالِيِهِنَّ، لِقَوْل عَلِيٍّ ﵁: مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ اسْتِحَاضَةٌ، وَأَقَل الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ. وَقَال عَطَاءٌ: (رَأَيْتُ مَنْ تَحِيضُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: النِّسَاءُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ. قِيل مَا نُقْصَانُ دِينِهِنَّ؟ قَال: تَمْكُثُ إِحْدَاهُنَّ شَطْرَ عُمْرِهَا لاَ تُصَلِّي (٢) . وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ
_________
(١) حاشية الدسوقي ١ / ١٦٨ وما بعدها دار الفكر، الخرشي على مختصر خليل ١ / ٢٠٤ وما بعدها المطبعة العامرة ١٣١٦هـ.
(٢) نقل الزركشي في المعتبر (ص١٩٤ ط دار الأرقم) عن جماعة من الحفاظ منهم البيهقي أنه بهذا اللفظ لا أصل له، وإنما الذي رواه مسلم: " وتمكث ليالي لا تصلي وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين ". وحديث مسلم هو في صحيحه (١ / ٨٧ الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر.