الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨ الصفحة 58

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨

فَإِنَّ طُول الْمُدَّةِ لاَ يُؤَثِّرُ فِي مُطَالَبَتِهَا بِحَقِّهَا وَتَسْتَحِقُّهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا فَوَّتَتْ صَدَاقَهَا بِمُفَوِّتٍ (١) . وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِّ أَنَّ مَنْ قَامَ بِعَقْدِ شِرَاءٍ مِنَ الْمُقَّوَمِ عَلَيْهِ أَوْ مِنْ أَبِيهِ قَبْلَهُ، وَتَارِيخُ الشِّرَاءِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً، وَقَال لَمْ يَعْلَمْ بِشِرَاءِ أَبِيهِ وَلاَ جَدِّهِ إِلَى الآْنَ فَلْيَحْلِفْ عَلَى ذَلِكَ وَيَأْخُذُ الأَْمْلاَكَ. اهـ. عَلَّقَ عَلَيْهِ الرَّهُونِيُّ وَلاَ يَعْتَرِضُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ رُسُومَ الأَْشْرِيَةِ لاَ يُنْزَعُ بِهَا مِنْ يَدِ حَائِزٍ، لأَِنَّ مَحَل ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَقْدُ الشِّرَاءِ مِنَ الْمُقَوَّمِ عَلَيْهِ، لأَِنَّ عِلَّةَ عَدَمِ الاِنْتِزَاعِ بِعُقُودِ الأَْشْريَةِ أَنَّ الإِْنْسَانَ قَدْ يَبِيعُ مَا لاَ يَمْلِكُ، وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ مُنْتَفِيَةً إِذَا كَانَ الْمُقَوَّمُ عَلَيْهِ هُوَ الْبَائِعَ، كَانَ رَسْمُ الشِّرَاءِ مُؤَيِّدًا لِلْقَائِمِ تَأْيِيدًا يُوجِبُ رَفْعَ يَدِ الْحَائِزِ، وَكَذَلِكَ إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِالْحَقِّ وَلَمْ يَحُزِ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ حَقَّهُ، فَإِنَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ لاَ يَنْتَفِعُ بِطُول الْحِيَازَةِ، وَالْقَائِمُ يَكُونُ عَلَى حَقِّهِ مَتَى قَامَ بِهِ. وَوَرَثَةُ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَتِهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْحِيَازَةَ لاَ يَنْتَفِعُ بِهَا إِلاَّ مَعَ جَهْل أَصْل الدُّخُول فِيهَا، وَالطُّول الْمَذْكُورُ قِيل: عِشْرُونَ سَنَةً عَلَى مَا وَقَعَ فِي سَمَاعِ عِيسَى فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ، وَحَدَّهُ ابْنُ حَبِيبٍ خَمْسِينَ سَنَةً وَحَكَاهُ عَنْ مُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ وَدَقَّقَ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّ مَحَل ذَلِكَ

_________

(١) البيان والتحصيل ١١ / ١٨٩، ومواهب الجليل ٦ / ٢٣٠.

إِذَا ادَّعَى الْحَائِزُ بَعْدَ طُول الْمُدَّةِ أَنَّهُ صَارَ إِلَيْهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِوَجْهٍ عَيَّنَهُ مِمَّا يَصِحُّ بِهِ انْتِقَال الأَْمْلاَكِ، وَأَمَّا طُول بَقَائِهِ وَحْدَهُ بِيَدِهِ فَلاَ يُعْتَبَرُ نَاقِلًا لِلْمِلْكِ (١) .

الْحِيَازَةُ كَسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِيَّةِ:

٢٤ - تَكُونُ الْحِيَازَةُ مُفِيدَةً لِلْمِلْكِيَّةِ إِذَا كَانَ مَوْضُوعُهَا الْمَال الْمُبَاحَ الَّذِي لَيْسَ فِي مِلْكِ أَحَدٍ وَقْتَ وَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ يَمْنَعُ مِنْ تَمَلُّكِهِ وَيَشْمَل أَنْوَاعًا أَرْبَعَةً:

أ - إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ (ر: إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ، وَأَرْضٌ) .

ب - الاِصْطِيَادُ (ر. صَيْدٌ) .

ج - أَخْذُ الْكَلأَِ وَنَحْوِهِ (ر: احْتِشَاشٌ، وَكَلأٌَ) .

د - أَخْذُ مَا يُوجَدُ فِي بَاطِنِ الأَْرْضِ (ر. مَعَادِنُ، رِكَازٌ) .

هَذَا، وَهُنَاكَ مَسَائِل أُخْرَى تَتَعَلَّقُ بِالْحِيَازَةِ، كَضَرُورَتِهَا فِي عَقْدِ الْهِبَةِ، وَعَدَمِ تَمَامِ التَّبَرُّعِ بِدُونِهَا، وَأَثَرُهَا فِي عَقْدِ الرَّهْنِ وَتَعْيِينُ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَثَرُ شَهَادَةِ السَّمَاعِ عَلَى الْحِيَازَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَسَائِل الْفِقْهِيَّةِ، تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِ: (تَبَرُّعٌ، دَعْوَى، رَهْنٌ، شَهَادَةٌ، قَبْضٌ، هِبَةٌ) .

_________

(١) البيان والتحصيل ٩ / ٢٦٠.

حَيْضٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْحَيْضُ لُغَةً مَصْدَرُ حَاضَ، يُقَال حَاضَ السَّيْل إِذَا فَاضَ، وَحَاضَتِ السَّمُرَةُ (١) إِذَا سَال صَمْغُهَا، وَحَاضَتِ الْمَرْأَةُ: سَال دَمُهَا.

وَالْمَرَّةُ حَيْضَةٌ، وَالْجَمْعُ حِيَضٌ، وَالْقِيَاسُ حَيْضَاتٌ.

وَالْحِيَاضُ: دَمُ الْحَيْضَةِ. وَالْحِيضَةُ بِالْكَسْرِ: الاِسْمُ، وَخِرْقَةُ الْحَيْضِ، هِيَ الْخِرْقَةُ الَّتِي تَسْتَثْفِرُ بِهَا الْمَرْأَةُ. وَكَذَلِكَ الْمَحِيضَةُ، وَالْجَمْعُ الْمَحَايِضُ.

وَفِي حَدِيثِ بِئْرِ بُضَاعَةَ: تُلْقَى فِيهَا الْمَحَايِضُ (٢) .

وَالْمَرْأَةُ حَائِضٌ، لأَِنَّهُ وَصْفٌ خَاصٌّ. وَجَاءَ حَائِضَةٌ أَيْضًا بِنَاءً لَهُ عَلَى حَاضَتْ، وَجَمْعُ

_________

(١) السمرة شجرة يسيل منها الصمغ الأحمر.

(٢) حديث بئر بضاعة: " تلقى فيها المحايض " أخرجه أبو داود (١ / ٥٥ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي سعيد الخدري وفي إسناده جهالة إلا أنه صحيح لطرقه، كذا صححه الإمام أحمد وابن معين وغيرهما، كما في التلخيص لابن حجر (١ / ١٣ - ط شركة الطباعة الفنية) .

الْحَائِضِ حُيَّضٌ وَحَوَائِضُ، وَجَمْعُ الْحَائِضَةِ حَائِضَاتٌ.

وَتَحَيَّضَتِ الْمَرْأَةُ قَعَدَتْ عَنِ الصَّلاَةِ أَيَّامَ حَيْضِهَا (١) .

وَلِلْحَيْضِ فِي الاِصْطِلاَحِ تَعْرِيفَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَهِيَ مُتَقَارِبَةٌ فِي الْغَالِبِ. وَفِيمَا يَلِي الْمَشْهُورُ مِنْهَا فِي كُل مَذْهَبٍ. فَقَدْ عَرَّفَهُ صَاحِبُ الْكَنْزِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِقَوْلِهِ: هُوَ دَمٌ يَنْفُضُهُ رَحِمُ امْرَأَةٍ سَلِيمَةٍ عَنْ دَاءٍ وَصِغَرٍ (٢) .

وَقَال ابْنُ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: الْحَيْضُ دَمٌ يُلْقِيهِ رَحِمُ مُعْتَادٍ حَمْلُهَا دُونَ وِلاَدَةٍ (٣) .

وَعَرَّفَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ: دَمُ جِبِلَّةٍ يَخْرُجُ مِنْ أَقْصَى رَحِمِ الْمَرْأَةِ بَعْدَ بُلُوغِهَا عَلَى سَبِيل الصِّحَّةِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ (٤) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: دَمُ طَبِيعَةٍ يَخْرُجُ مَعَ الصِّحَّةِ

_________

(١) لسان العرب والقاموس المحيط والمصباح المنير مادة: " حيض ".

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ١٨٨ - دار إحياء التراث العربي وتبيين الحقائق ١ / ٥٤ دار المعرفة الطبعة الثانية. قال الشربيني الخطيب: قال الجاحظ في كتاب الحيوان: الذي يحيض من الحيوان أربعة: الآدميات، والأرنب، والضبع، والخفاش، وزاد عليه غيره أربعة أخرى، وهي الناقة، والكلبة، والوزغة، والحجرة: أي الأنثى من الخيل.

(٣) حاشية الدسوقي ١ / ١٦٨ دار الفكر، مواهب الجليل ١ / ٣٦٤، ٣٦٧ - دار الفكر ١٩٧٨م.

(٤) مغني المحتاج ١ / ١٠٨ - دار إحياء التراث العربي، نهاية المحتاج ١ / ٣٢٣ - مصطفى البابي الحلبي ١٩٦٧م.

مِنْ غَيْرِ سَبَبِ وِلاَدَةٍ مِنْ قَعْرِ الرَّحِمِ يَعْتَادُ أُنْثَى إِذَا بَلَغَتْ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ (١) .

وَلِلْحَيْضِ أَسْمَاءٌ مِنْهَا: الطَّمْثُ، وَالْعِرَاكُ، وَالنِّفَاسُ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الطُّهْرُ:

٢ - الطُّهْرُ لُغَةً: النَّقَاءُ مِنَ الدَّنَسِ وَالنَّجَسِ فَهُوَ نَقِيضُ النَّجَاسَةِ وَنَقِيضُ الْحَيْضِ وَالْجَمْعُ أَطْهَارٌ.

وَطَهُرَتِ الْمَرْأَةُ، وَهِيَ طَاهِرٌ: انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ وَرَأَتِ الطُّهْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَتْ قِيل: تَطَهَّرَتْ وَاطَّهَرَتْ. وَالْمَرْأَةُ طَاهِرٌ مِنَ الْحَيْضِ، وَطَاهِرَةٌ مِنَ النَّجَاسَةِ وَمِنَ الْعُيُوبِ (٣)

وَالطُّهْرُ شَرْعًا خِلاَفُ الْحَيْضِ (٤) . قَال الْبِرْكَوِيُّ: الطُّهْرُ الْمُطْلَقُ مَا لاَ يَكُونُ حَيْضًا وَلاَ نِفَاسًا (٥) .

فَالطُّهْرُ فِي بَابِ الْحَيْضِ أَخَصُّ مِنَ الطُّهْرِ فِي اللُّغَةِ.

ب - الْقَرْءُ:

٣ - الْقُرْءُ وَالْقُرْءُ: الْحَيْضُ، وَالطُّهْرُ، فَهُوَ مِنَ

_________

(١) كشاف القناع ١ / ١٩٦ - عالم الكتب ١٩٨٣م.

(٢) مغني المحتاج ١ / ١٠٨ دار إحياء التراث العربي، نهاية المحتاج ١ / ٣٢٣ مصطفى البابي الحلبي ١٩٦٧ م.

(٣) لسان العرب والمصباح المنير مادة: " طهر ".

(٤) الكليات ٣ / ١٥٤ منشورات وزارة الثقافة - دمشق ١٩٧٦ م، المغرب ٢٩٥ دار الكتاب العربي.

(٥) مجموعة رسائل ابن عابدين ١ / ٧٥ دار سعادت ١٣٢٥هـ.

الأَْضْدَادِ. وَالْجَمْعُ أَقْرَاءٌ وَقُرُوءٌ وَأَقْرُؤٌ وَهُوَ فِي الأَْصْل اسْمٌ لِلْوَقْتِ. قَال الشَّافِعِيُّ: الْقُرْءُ اسْمٌ لِلْوَقْتِ. فَلَمَّا كَانَ الْحَيْضُ يَجِيءُ لِوَقْتٍ، وَالطُّهْرُ يَجِيءُ لِوَقْتٍ، جَازَ أَنْ يَكُونَ الأَْقْرَاءُ حَيْضًا وَأَطْهَارًا. وَالْقُرْءُ عِنْدَ أَهْل الْحِجَازِ الطُّهْرُ. وَعِنْدَ أَهْل الْعِرَاقِ الْحَيْضُ (١) .

ج - الاِسْتِحَاضَةُ:

٤ - الاِسْتِحَاضَةُ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْحَيْضِ، وَهِيَ لُغَةً: أَنْ يَسْتَمِرَّ بِالْمَرْأَةِ خُرُوجُ الدَّمِ بَعْدَ أَيَّامِ حَيْضِهَا الْمُعْتَادِ، يُقَال: اسْتُحِيضَتِ الْمَرْأَةُ أَيِ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِهَا، فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ (٢) .

وَشَرْعًا: سَيَلاَنُ الدَّمِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِهِ الْمُعْتَادَةِ مِنْ مَرَضٍ، وَفَسَادٍ مِنْ عِرْقٍ يُسَمَّى (الْعَاذِل) .

قَال الْبِرْكَوِيُّ فِي رِسَالَةِ الْحَيْضِ: الاِسْتِحَاضَةُ: دَمٌ وَلَوْ حُكْمًا - لِيَدْخُل الأَْلْوَانُ - خَارِجٌ مِنْ فَرْجٍ دَاخِلٍ لاَ عَنْ رَحِمٍ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَعَلاَمَتُهُ أَنْ لاَ رَائِحَةَ لَهُ، وَدَمُ الْحَيْضِ مُنْتِنُ الرَّائِحَةِ. وَيُسَمُّونَ دَمَ الاِسْتِحَاضَةِ دَمًا فَاسِدًا، وَدَمَ الْحَيْضِ دَمًا صَحِيحًا (٣) .

_________

(١) لسان العرب والمصباح المنير مادة: " قرء "، الكليات ٤ / ٥٢، المغرب ٣٧٥.

(٢) لسان العرب والمصباح المنير مادة: " حيض ".

(٣) مجموعة رسائل ابن عابدين ١ / ٧٤ دار سعادت ١٣٢٥هـ، والقوانين الفقهية ٥٦ دار العلم للملايين ١٩٧٩ م، مغني المحتاج ١ / ١٠٨ دار إحياء التراث، كشاف القناع ١ / ١٩٦ عالم الكتب ١٩٨٣ م.

د - النِّفَاسُ:

٥ - النِّفَاسُ لُغَةً: وِلاَدَةُ الْمَرْأَةِ إِذَا وَضَعَتْ، فَهِيَ نُفَسَاءُ، وَنُفِسَتِ الْمَرْأَةُ، وَنَفِسَتْ بِالْكَسْرِ، نِفَاسًا وَنَفَاسَةً وَنَفَاسًا وَلَدَتْ فَهِيَ نُفَسَاءُ وَنَفُسَاءُ وَنَفَسَاءُ.

قَال ثَعْلَبٌ: النُّفَسَاءُ الْوَالِدَةُ وَالْحَامِل وَالْحَائِضُ.

يُقَال: نَفِسَتِ الْمَرْأَةُ تَنْفَسُ، بِالْفَتْحِ: إِذَا حَاضَتْ. وَمِنْهُ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيصَةٍ إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حَيْضَتِي، قَال: أَنُفِسْتِ؟ (١) أَرَادَ: أَحِضْتِ؟ وَنُقِل عَنِ الأَْصْمَعِيِّ نُفِسَتْ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُول أَيْضًا. قَال صَاحِبُ الْمِصْبَاحِ: وَلَيْسَ بِمَشْهُورٍ فِي الْكُتُبِ فِي الْحَيْضِ، وَلاَ يُقَال فِي الْحَيْضِ، نُفِسَتْ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُول (٢) .

وَالنِّفَاسُ شَرْعًا: هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ عَقِبَ الْوَلَدِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ بِسَبَبِ الْوِلاَدَةِ.

قَال النَّوَوِيُّ: النِّفَاسُ، عِنْدَ الْفُقَهَاءِ الدَّمُ

_________

(١) حديث أم سلمة: أنفست. أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٤٠٢ - ط السلفية)، ومسلم (١ / ٣٤٣ - ط الحلبي) .

(٢) لسان العرب والمصباح المنير مادة: " نفس ".

الْخَارِجُ بَعْدَ الْوَلَدِ. وَأَمَّا أَهْل اللُّغَةِ فَقَالُوا: النِّفَاسُ الْوِلاَدَةُ (١) .

فَالْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ مُغَايِرٌ لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. كَمَا أَنَّ النِّفَاسَ بِمَعْنَى الْحَيْضِ هُوَ تَعْرِيفٌ لُغَوِيٌّ لاَ شَرْعِيٌّ.

فَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ مُخْتَلِفَانِ فِي الْمَفْهُومِ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِتَعَلُّمِ أَحْكَامِ الْحَيْضِ:

(٥ م) - يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ تَعَلُّمُ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أَحْكَامِ الْحَيْضِ. وَعَلَى زَوْجِهَا أَوْ وَلِيِّهَا أَنْ يُعَلِّمَهَا مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْهَا إِنْ عَلِمَ، وَإِلاَّ أَذِنَ لَهَا بِالْخُرُوجِ لِسُؤَال الْعُلَمَاءِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَنْعُهَا إِلاَّ أَنْ يَسْأَل هُوَ وَيُخْبِرَهَا فَتَسْتَغْنِيَ بِذَلِكَ. وَلَهَا أَنْ تَخْرُجَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ إِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا.

وَهُوَ مِنْ عِلْمِ الْحَال الْمُتَّفَقِ عَلَى فَرْضِيَّةِ تَعَلُّمِهِ.

قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: وَمَعْرِفَةُ مَسَائِلِهِ مِنْ أَعْظَمِ الْمُهِمَّاتِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِمَّا لاَ يُحْصَى مِنَ الأَْحْكَامِ، كَالطَّهَارَةِ، وَالصَّلاَةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالصَّوْمِ وَالاِعْتِكَافِ، وَالْحَجِّ، وَالْبُلُوغِ،

_________

(١) التعريفات ص ٣١١ دار الكتاب العربي ١٩٨٥ م، حاشية ابن عابدين ١ / ١٩٩ دار إحياء التراث العربي، والقوانين الفقهية ٥٥ دار العلم للملايين، مغني المحتاج ١ / ١٠٨ دار إحياء التراث العربي، المجموع ٢ / ٥١٩ المكتبة السلفية - المدينة المنورة، كشاف القناع ١ / ١٩٦ عالم الكتب ١٩٨٣ م.

وَالْوَطْءِ، وَالطَّلاَقِ وَالْعِدَّةِ وَالاِسْتِبْرَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَْحْكَامِ. وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْوَاجِبَاتِ، لأَِنَّ عِظَمَ مَنْزِلَةِ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ بِحَسَبِ مَنْزِلَةِ ضَرَرِ الْجَهْل بِهِ، وَضَرَرُ الْجَهْل بِمَسَائِل الْحَيْضِ أَشَدُّ مِنْ ضَرَرِ الْجَهْل بِغَيْرِهَا فَيَجِبُ الاِعْتِنَاءُ بِمَعْرِفَتِهَا (١) .

أَثَرُ الْحَيْضِ عَلَى الأَْهْلِيَّةِ:

٦ - صَرَّحَ الأُْصُولِيُّونَ بِأَنَّ الْحَيْضَ لاَ يُعْدِمُ أَهْلِيَّةَ الْوُجُوبِ، وَلاَ أَهْلِيَّةَ الأَْدَاءِ، لِعَدَمِ إِخْلاَلِهِ بِالذِّمَّةِ، وَلاَ بِالْعَقْل، وَالتَّمْيِيزِ، وَقُدْرَةِ الْبَدَنِ. فَالْمَرْأَةُ الْحَائِضُ كَامِلَةُ الأَْهْلِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ الشَّارِعُ قَدْ رَتَّبَ عَلَى الْحَيْضِ بَعْضَ الأَْحْكَامِ الْخَاصَّةِ الَّتِي تَتَنَاسَبُ وَحَالَةَ الْمَرْأَةِ (٢)

رُكْنُ الْحَيْضِ:

٧ - صَرَّحَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ لِلْحَيْضِ رُكْنًا، وَهُوَ بُرُوزُ الدَّمِ مِنَ الرَّحِمِ، أَيْ ظُهُورُ الدَّمِ بِأَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْفَرْجِ الدَّاخِل إِلَى الْفَرْجِ الْخَارِجِ، فَلَوْ نَزَل إِلَى الْفَرْجِ الدَّاخِل فَلَيْسَ بِحَيْضٍ وَبِهِ يُفْتَى.

وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَكْفِي الإِْحْسَاسُ بِهِ. فَلَوْ أَحَسَّتْ

_________

(١) البحر الرائق ١ / ١٩٩ المطبعة العلمية بالقاهرة، مجموعة رسائل ابن عابدين ١ / ٧٠ دار سعادت ١٣٢٥ هـ، مغني المحتاج ١ / ١٢٠ دار إحياء التراث العربي.

(٢) تيسير التحرير ١ / ٢٨٠ مصطفى البابي الحلبي ١٣٥٠ هـ، كشف الأسرار ٤ / ٣١٢ دار الكتاب العربي ١٩٧٤ م.

بِهِ فِي رَمَضَانَ قُبِيل الْغُرُوبِ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَهُ تَقْضِي صَوْمَ الْيَوْمِ عِنْدَهُ، لاَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَكَذَا إِذَا حَاذَى الدَّمُ حَرْفَ الْفَرْجِ الدَّاخِل وَلَمْ يَنْفَصِل عَنْهُ ثَبَتَ بِهِ الْحَيْضُ. أَمَّا إِذَا أَحَسَّتْ بِنُزُولِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ إِلَى حَرْفِ الْمَخْرَجِ فَلَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْحَيْضِ حَتَّى لَوْ مَنَعَتْ ظُهُورَهُ بِالشَّدِّ وَالاِحْتِشَاءِ.

وَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ لاَ يَأْبَاهُ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى حَيْثُ إِنَّهُمْ يُعَرِّفُونَ الْحَيْضَ بِأَنَّهُ (دَمٌ يَخْرُجُ. .) لَكِنْ نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ بِانْتِقَال الْحَيْضِ مَا يَثْبُتُ بِخُرُوجِهِ (١) .

شُرُوطُ الْحَيْضِ:

٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ كُل دَمٍ يَخْرُجُ مِنَ الْمَرْأَةِ يَكُونُ حَيْضًا، بَل لاَ بُدَّ مِنْ شُرُوطٍ تَتَحَقَّقُ فِيهِ حَتَّى يَكُونَ الدَّمُ الْخَارِجُ حَيْضًا، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْحَائِضِ، وَهَذِهِ الشُّرُوطُ هِيَ:

(١) أَنْ يَكُونَ مِنْ رَحِمِ امْرَأَةٍ لاَ دَاءَ بِهَا. فَالْخَارِجُ مِنَ الدُّبُرِ لَيْسَ بِحَيْضٍ، وَكَذَا الْخَارِجُ مِنْ رَحِمِ الْبَالِغَةِ بِسَبَبِ دَاءٍ يَقْتَضِي خُرُوجَ دَمٍ بِسَبَبِهِ. وَقَدْ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٨٩ دار إحياء التراث العربي، مجموعة رسائل ابن عابدين ١ / ٧٣، ٨٠، ٨١، الرسالة الرابعة دار سعادت ١٣٢٠هـ، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٧٥ المطبعة الأميرية ١٣١٨ هـ، كشاف القناع ١ / ١٤١ عالم الكتب ١٩٨٣ م.