الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨ الصفحة 53

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨

رُوحِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الصُّورَةِ الَّتِي سَوَّاهَا اللَّهُ ﷿ مِنْ طِينٍ لآِدَمَ ﵇، كَمَا قَال سُبْحَانَهُ: ﴿إِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (١)

وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ بَدْءَ الْحَيَاةِ الْحَقِيقِيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﵇ يَكُونُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِي الْجَنِينِ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: " حَدَّثَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَال: إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْل ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْل ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَل الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. (٢)

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَوْعِدِ نَفْخِ الرُّوحِ: هَل هُوَ بَعْدَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، أَوْ بَعْدَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، أَوْ بَعْدَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي " جَنِينٍ " " وَرُوحٍ ".

وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَنِينِ قَبْل نَفْخِ الرُّوحِ: هَل

_________

(١) سورة ص / ٧١ - ٧٤.

(٢) حديث: " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٣٠٣ - ط السلفية) ومسلم (٤ / ٢٠٣٦ - ط الحلبي) واللفظ لمسلم.

يُعْتَبَرُ حَيًّا، أَوْ أَصْلًا لِلْحَيِّ، أَوْ لاَ يُعْتَبَرُ كَذَلِكَ:

فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ حَيَاةَ الْجَنِينِ تَبْدَأُ وَيُعْتَدُّ بِهَا مُنْذُ نَفْخِ الرُّوحِ، أَمَّا قَبْلَهَا فَلاَ تَكُونُ حَيَاتُهُ حَقِيقِيَّةً بَل حَيَاةٌ اِعْتِبَارِيَّةٌ يَظْهَرُ أَثَرُهَا فِي بَعْضِ الأَْحْكَامِ وَالتَّصَرُّفَاتِ، كَتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِالإِْرْثِ، وَصِحَّةِ الإِْيصَاءِ لَهُ بِشَرْطِهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِْنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (١) لأَِنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أَيْ بِنَفْخِ الرُّوحِ حَيْثُ يَبْدَأُ فِي الْجَنِينِ الإِْحْسَاسُ وَالتَّأَثُّرُ، قَال الْقُرْطُبِيُّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخَلْقِ الآْخَرِ، فَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيُّ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالضَّحَّاكُ وَابْنُ زَيْدٍ: هُوَ نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ جَمَادًا. (٢)

وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ السَّابِقِ الَّذِي يَدُل عَلَى أَنَّ تَعَلُّقَ الرُّوحِ بِالْجَنِينِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الأَْرْبَعِينَ الثَّالِثَةِ، وَأَنَّ الْجَنِينَ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْل ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْل ذَلِكَ، ثُمَّ تُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ وَبِهَا يَكُونُ حَيًّا، وَأَفَاضَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي

_________

(١) سورة المؤمنون / ١٢.

(٢) تفسير القرطبي ١٢ / ١٠٩.

الاِسْتِدْلاَل بِهَذَا الْحَدِيثِ ثُمَّ قَال: إِنَّ الْجَنِينَ قَبْل نَفْخِ الرُّوحِ كَانَ فِيهِ حَرَكَةُ نُمُوٍّ وَاغْتِذَاءٍ كَالنَّبَاتِ، وَلَمْ تَكُنْ حَرَكَةُ نُمُوِّهِ وَاغْتِذَائِهِ بِالإِْرَادَةِ، فَلَمَّا نُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ انْضَمَّتْ حَرَكَةُ حِسِّيَّتِهِ وَإِرَادَتِهِ إِلَى حَرَكَةِ نُمُوِّهِ وَاغْتِذَائِهِ. (١)

وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ حَيَاةَ الْجَنِينِ تَبْدَأُ مِنْ حِينِ تَلْقِيحِ مَاءِ الْمَرْأَةِ بِمَاءِ الرَّجُل وَاسْتِقْرَارِ مَا حَصَل مِنْ ذَلِكَ فِي الرَّحِمِ، وَلَكِنَّهُمْ لاَ يَعْتَبِرُونَ حَيَاةَ الْجَنِينِ فِي تِلْكَ الْمَرْحَلَةِ حَيَاةً كَامِلَةً لإِنْسَانٍ حَيٍّ بِالْفِعْل، وَإِنَّمَا الإِْنْسَانُ كَائِنٌ بِالْقُوَّةِ، حَيَاتُهُ حَيَاةٌ اعْتِبَارِيَّةٌ، قَال الْغَزَالِيُّ: أَوَّل مَرَاتِبِ الْوُجُودِ أَنْ تَقَعَ النُّطْفَةُ فِي الرَّحِمِ وَيَخْتَلِطَ بِمَاءِ الْمَرْأَةِ وَتَسْتَعِدَّ لِقَبُول الْحَيَاةِ، وَإِفْسَادُ ذَلِكَ جِنَايَةٌ، فَإِنْ صَارَتْ مُضْغَةً وَعَلَقَةً كَانَتِ الْجِنَايَةُ أَفْحَشَ، وَإِنْ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ وَاسْتَوَتِ الْخِلْقَةُ ازْدَادَتِ الْجِنَايَةُ تَفَاحُشًا، وَمُنْتَهَى التَّفَاحُشِ فِي الْجِنَايَةِ بَعْدَ الاِنْفِصَال حَيًّا، وَإِنَّمَا قُلْنَا: مَبْدَأُ سَبَبِ الْوُجُودِ مِنْ حَيْثُ وُقُوعُ الْمَنِيِّ فِي الرَّحِمِ لاَ مِنْ حَيْثُ الْخُرُوجُ مِنَ الإِْحْلِيل لأَِنَّ الْوَلَدَ لاَ يُخْلَقُ مِنْ مَنِيِّ الرَّجُل وَحْدَهُ بَل مِنَ الزَّوْجَيْنِ جَمِيعًا. (٢)

وَيَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَيَاةَ الإِْنْسَانِيَّةَ الْكَامِلَةَ الْمُعْتَبَرَةَ اعْتِبَارًا كَامِلًا فِي الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ تَبْدَأُ بِوِلاَدَةِ الشَّخْصِ حَيًّا.

_________

(١) التبيان في أقسام القرآن ص ٢٥٠ - ٢٥٥.

(٢) إحياء علوم الدين ٢ / ٥١.

ثَانِيًا: انْتِهَاءُ الْحَيَاةِ:

٧ - تَنْتَهِي حَيَاةُ الإِْنْسَانِ بِنَزْعِ الرُّوحِ، أَيْ بِالْمَوْتِ.

وَأَمَارَاتُ الْمَوْتِ مَعْرُوفَةٌ، وَرَدَ بَعْضُهَا فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: دَخَل رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شُقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَال: إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ. (١)

قَال الزَّرْكَشِيُّ: وَشُخُوصُ الْبَصَرِ هُوَ الْحَالَةُ الَّتِي يُشَاهِدُ فِيهَا الْمَيِّتُ مَلَكَ الْمَوْتِ، وَهَذِهِ الْحَالَةُ هِيَ الَّتِي لاَ تُقْبَل مِنْهَا التَّوْبَةُ، (٢) قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدُهُمُ الْمَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الآْنَ﴾ (٣)

وَذَكَرَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَمَارَاتِ انْتِهَاءِ الْحَيَاةِ: شُخُوصَ الْبَصَرِ، وَانْقِطَاعَ النَّفَسِ، وَانْفِرَاجَ الشَّفَتَيْنِ، وَسُقُوطَ الْقَدَمَيْنِ، وَانْفِصَال الزَّنْدَيْنِ، وَمَيْل الأَْنْفِ، وَامْتِدَادَ جِلْدَةِ الْوَجْهِ، وَانْخِسَافَ الصُّدْغَيْنِ، وَتَقَلُّصَ الْخُصْيَتَيْنِ مَعَ تَدَلِّي جِلْدَتِهِمَا. (٤)

_________

(١) حديث: " إن الروح إذا قبض تبعه البصر " أخرجه مسلم (٢ / ٦٣٤ - ط الحلبي) .

(٢) المنثور ٢ / ١٠٧.

(٣) سورة النساء / ١٨.

(٤) رد المحتار ٢ / ٥٧٠، الخرشي ٢ / ١٢٢. المجموع ٥ / ١٢٥ - ١٢٦، المنثور ٢ / ١٠٧، والمغني ٢ / ٤٥٢.

ثَالِثًا: الْحِفَاظُ عَلَى الْحَيَاةِ:

٨ - يَكُونُ الْحِفَاظُ عَلَى الْحَيَاةِ بِفِعْل مَا يُمْسِكُهَا وَالْكَفِّ عَمَّا يُهْلِكُهَا أَوْ يَضُرُّهَا، وَالْمُكَلَّفُ مَأْمُورٌ بِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ وَعَدَمِ إِلْقَائِهَا إِلَى التَّهْلُكَةِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، (١) وَقَرَّرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ حِفْظَ النُّفُوسِ آكَدُ الضَّرُورِيَّاتِ الَّتِي تَجِبُ مُرَاعَاتُهَا بَعْدَ حِفْظِ الدِّينِ. (٢) وَقَال الشَّاطِبِيُّ: تَكَالِيفُ الشَّرِيعَةِ تَرْجِعُ إِلَى حِفْظِ مَقَاصِدِهَا فِي الْخَلْقِ، وَهَذِهِ الْمَقَاصِدُ ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ: ضَرُورِيَّةٌ، وَحَاجِيَّةٌ وَتَحْسِينِيَّةٌ، وَالضَّرُورِيَّةُ: هِيَ الَّتِي لاَ بُدَّ مِنْهَا فِي قِيَامِ مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا. وَالْحِفْظُ لَهَا يَكُونُ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا يُقِيمُ أَرْكَانَهَا وَيُثَبِّتُ قَوَاعِدَهَا وَذَلِكَ مُرَاعَاتُهَا مِنْ جَانِبِ الْوُجُودِ، وَالثَّانِي مَا يَدْرَأُ عَنْهَا الاِخْتِلاَل الْوَاقِعَ أَوِ الْمُتَوَقَّعَ فِيهَا وَذَلِكَ مُرَاعَاتُهَا مِنْ جَانِبِ الْعَدَمِ، وَحِفْظُ النَّفْسِ وَالْعَقْل مِنْ جَانِبِ الْوُجُودِ كَتَنَاوُل الْمَأْكُولاَتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ وَالْمَلْبُوسَاتِ وَالْمَسْكُونَاتِ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ بَقَاءُ الْحَيَاةِ، وَمَجْمُوعُ الضَّرُورِيَّاتِ خَمْسَةٌ: حِفْظُ الدِّينِ، وَالنَّفْسِ وَالْعَقْل، وَالنَّسْل، وَالْمَال. (٣)

وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ فِعْل مَا يُمْسِكُ حَيَاتَهُ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَلِبَاسٍ وَسَكَنٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمِمَّا وَرَدَ

_________

(١) سورة البقرة / ١٩٥.

(٢) الخرشي ٨ / ٢.

(٣) الموفقات ٢ / ٨ - ١٠.

فِي ذَلِكَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا﴾ (١)

قَال الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآْيَةِ: قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: أَحَل اللَّهُ فِي هَذِهِ الآْيَةِ الأَْكْل وَالشُّرْبَ مَا لَمْ يَكُنْ سَرَفًا أَوْ مَخْيَلَةً، فَأَمَّا مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ هُوَ مَا سَدَّ الْجَوْعَةَ وَسَكَّنَ الظَّمَأَ فَمَنْدُوبٌ إِلَيْهِ عَقْلًا وَشَرْعًا، لِمَا فِيهِ مِنْ حِفْظِ النَّفْسِ وَحِرَاسَةِ الْحَوَاسِّ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالنَّهْيِ عَنِ الْوِصَال، لأَِنَّهُ يُضْعِفُ الْجَسَدَ وَيُمِيتُ النَّفْسَ وَيُضْعِفُ عَنِ الْعِبَادَةِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْهُ الشَّرْعُ وَيَدْفَعُهُ الْعَقْل. (٢)

وَالْمُضْطَرُّ فِي الْمَخْمَصَةِ الَّذِي لاَ يَجِدُ إِلاَّ مُحَرَّمًا كَالْمَيْتَةِ، أَوْ مَال الْغَيْرِ، وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ الْهَلاَكُ إِنْ لَمْ يَأْكُل مِنْ هَذَا الْمُحَرَّمِ، يَلْزَمُهُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ الْهَلاَكَ لِقَوْل اللَّهِ ﷿: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٣) وَقَوْلُهُ ﷾: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٤) عَلَى تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي (مَخْمَصَةٌ) (وَمُضْطَرٌّ) (وَمَيْتَةٌ) .

وَالْمُكَلَّفُ مَأْمُورٌ شَرْعًا بِالْكَفِّ عَمَّا يُتْلِفُ الْحَيَاةَ أَوْ يَضُرُّهَا، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا

_________

(١) سورة الأعراف / ٣١.

(٢) تفسير القرطبي ٧ / ١٩١.

(٣) سورة البقرة / ١٧٣.

(٤) سورة البقرة / ١٩٥.

أَنْفُسَكُمْ﴾ (١) وَقَدِ احْتَجَّ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ﵁ بِهَذِهِ الآْيَةِ، حِين امْتَنَعَ عَنْ الاِغْتِسَال بِالْمَاءِ الْبَارِدِ، حِينَ أَجْنَبَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلاَسِل خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْهَلاَكِ، فَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ. (٢)

رَابِعًا: الْجِنَايَةُ عَلَى الْحَيَاةِ:

وَهِيَ قِسْمَانِ: جِنَايَةُ الشَّخْصِ عَلَى حَيَاتِهِ، وَجِنَايَةٌ عَلَى حَيَاةِ غَيْرِهِ.

أ - جِنَايَةُ الشَّخْصِ عَلَى حَيَاتِهِ:

٩ - حَرَّمَ الشَّرْعُ تَحْرِيمًا قَاطِعًا أَنْ يَجْنِيَ الشَّخْصُ عَلَى حَيَاتِهِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣)

وَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: كَانَ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا فَجَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ عَنْهُ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ. (٤)

وَقَال ﷺ: مَنْ قَتَل نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي

_________

(١) سورة النساء / ٢٩.

(٢) حديث احتجاج عمرو بن العاص بآية (ولا تقتلوا أنفسكم) أخرجه أبو داود (١ / ٢٣٨ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وقواه ابن حجر في الفتح (١ / ٤٥٤ - السلفية) وانظر تفسير القرطبي ٥ / ١٥٧.

(٣) سورة النساء / ٢٩.

(٤) حديث: " كان فيمن قبلكم رجل به جرح. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٤٩٦ - ط السلفية) من حديث جندب.

يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سُمًّا فَقَتَل نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَل نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا. (١)

وَحَرَّمَ الشَّرْعُ أَنْ يَقْتُل الإِْنْسَانُ نَفْسَهُ وَيَجْنِيَ عَلَى حَيَاتِهِ، لأَِنَّ نَفْسَهُ الَّتِي يُزْهِقُهَا لَيْسَتْ مِلْكًا لَهُ، فَالأَْنْفُسُ مِلْكٌ لِلَّهِ تَعَالَى. (٢)

ب - جِنَايَةُ الشَّخْصِ عَلَى حَيَاةِ غَيْرِهِ:

١٠ - الْحَيَاةُ الَّتِي يُجْنَى عَلَيْهَا، إِمَّا أَنْ تَكُونَ حَيَاةً حَقِيقِيَّةً مُسْتَقِرَّةً، أَوْ مُسْتَمِرَّةً لِشَخْصٍ حَيٍّ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ حَيَاةً اعْتِبَارِيَّةً وَهِيَ حَيَاةُ الْجَنِينِ.

الْجِنَايَةُ عَلَى حَيَاةِ شَخْصٍ حَيٍّ:

١١ - الْجِنَايَةُ عَلَى حَيَاةِ شَخْصٍ حَيٍّ تَكُونُ بِالْقَتْل أَيْ بِفِعْل مَا يَكُونُ سَبَبًا لِزَهُوقِ النَّفْسِ وَهُوَ مُفَارَقَةُ الرُّوحِ لِلْجَسَدِ، قَال أَبُو الْبَقَاءِ: إِذَا اعْتُبِرَ بِفِعْل الْمُتَوَلِّي لِذَلِكَ يُقَال: قَتْلٌ، وَإِذَا اعْتُبِرَ بِفَوْتِ الْحَيَاةِ يُقَال: مَوْتٌ. (٣)

وَالْقَتْل عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ: عَمْدٌ، وَشِبْهُ عَمْدٍ، وَخَطَأٌ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ، وَعِنْدَ آخَرِينَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ، بِإِضَافَةِ

_________

(١) حديث: " من قتل نفسه بحديدة. . . " أخرجه مسلم (١ / ١٠٣ - ١٠٤ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.

(٢) شرح السنة ١٠ / ١٥٣ - ١٥٥.

(٣) الكليات ٤ / ٥٠.

مَا جَرَى مَجْرَى الْخَطَأِ، وَالْقَتْل بِسَبَبٍ، (١) وَفِي بَيَانِ كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الأَْقْسَامِ وَمُوجَبِهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي " دِيَةٌ " " وَقَتْلٌ " " وَقَوَدٌ " " وَجِنَايَةٌ ".

وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الْقَتْل بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالأَْصْل فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ، أَمَّا الْكِتَابُ فَمِنْهُ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ (٢) وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً﴾ (٣) وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ . (٤)

وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمِنْهَا قَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ يَحِل دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي

_________

(١) رد المحتار ٥ / ٣٣٩ - ٣٤٢، الخرشي ٨ / ٧ - ٨، والمحلي على المناهج ٤ / ٩٦، والمغني ٧ / ٦٣٦، كشاف القناع ٥ / ٥٠٥.

(٢) سورة الإسراء / ٣٣.

(٣) سورة النساء / ٩٢، قال القرطبي: قوله تعإلى: (وما كان. . .) ليس على النفي وإنما على التحريم والنهي كقوله تعالى: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله. . .) ولو كانت على النفي لما وجد مؤمن يقتل مؤمن قط لأن ما نفاه الله لا يجوز وجوده أبدا، كقوله سبحانه:

(٤) سورة النساء / ٩٣.

رَسُول اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: الثَّيِّبِ الزَّانِي، وَالنَّفْسِ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ (١) وَقَوْلُهُ ﷺ: قَتْل الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ زَوَال الدُّنْيَا. (٢)

وَالْحَيَاةُ عِنْدَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُسْتَمِرَّةً، أَوْ مُسْتَقِرَّةً، أَوْ حَيَاةَ عَيْشِ الْمَذْبُوحِ. وَالْحَيَاةُ الْمُسْتَمِرَّةُ: هِيَ الَّتِي تَبْقَى إِلَى انْقِضَاءِ الأَْجَل بِمَوْتٍ أَوْ قَتْلٍ.

وَالْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ: تَكُونُ بِوُجُودِ الرُّوحِ فِي الْجَسَدِ وَمَعَهَا الْحَرَكَةُ الاِخْتِيَارِيَّةُ وَالإِْدْرَاكُ دُونَ الْحَرَكَةِ الاِضْطِرَارِيَّةِ. كَمَ لَوْ طُعِنَ إِنْسَانٌ وَقُطِعَ بِمَوْتِهِ بَعْدَ سَاعَةٍ أَوْ يَوْمٍ أَوْ أَيَّامٍ وَحَرَكَتُهُ الاِخْتِيَارِيَّةُ مَوْجُودَةٌ.

وَحَيَاةُ عَيْشِ الْمَذْبُوحِ: هِيَ الَّتِي لاَ يَبْقَى مَعَهَا إِبْصَارٌ وَلاَ نُطْقٌ وَلاَ حَرَكَةُ اخْتِيَارٍ. (٣) وَيَخْتَلِفُ حُكْمُ الْجِنَايَةِ عَلَى الْحَيَاةِ بِاخْتِلاَفِ هَذِهِ الأَْحْوَال.

وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (قَوَدٌ) (وَجِنَايَةٌ) (وَقِصَاصٌ) .

_________

(١) حديث: " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله " أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ٢٠١ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٣٠٢ - ١٣٠٤ ط الحلبي) من حديث عبد الله بن مسعود.

(٢) حديث: " قتل المؤمن عند الله أعظم من زوال الدنيا. . . " أخرجه النسائي (٧ / ٨٢ - ط المكتبة التجارية) من حديث عبد الله بن عمرو.

(٣) المنثور ٢ / ١٠٥، حاشية الجمل ٥ / ٢٣٨، مغني المحتاج ٤ / ١٢ - ١٣.