الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨
الْجِنَايَةُ عَلَى حَيَاةِ الْجَنِينِ:
١٢ - إِذَا ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ حَامِلٍ فَأَلْقَتْ - بِسَبَبِ ذَلِكَ - جَنِينَهَا وَهِيَ حَيَّةٌ، فَإِمَّا أَنْ تُلْقِيَهُ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا:
أ - إِنْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا فَفِيهِ غُرَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُْخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَضَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا. (١)
وَالْغُرَّةُ: الْعَبْدُ أَوِ الأُْمَّةُ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ، سُمِّيَا بِذَلِكَ لأَِنَّهُمَا مِنْ أَنْفَسِ الأَْمْوَال، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْجَنِينُ الْمُلْقَى مَيِّتًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى لإِطْلاَقِ الْخَبَرِ، وَلِئَلاَّ يَكْثُرَ التَّنَازُعُ فِي الذُّكُورَةِ وَالأُْنُوثَةِ لِعَدَمِ الاِنْضِبَاطِ.
وَتَتَعَدَّدُ الْغُرَّةُ بِتَعَدُّدِ الْجَنِينِ الْمُلْقَى. وَتَجِبُ مَعَ الْغُرَّةِ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّ الْجَنِينَ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ آدَمِيٌّ مَعْصُومٌ، وَلأَِنَّ الْكَفَّارَةَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى. خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الْكَفَّارَةَ مَنْدُوبَةٌ لاَ وَاجِبَةٌ.
١٣ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجَنِينِ الْمُلْقَى الَّذِي يَجِبُ فِيهِ مَا سَبَقَ:
_________
(١) حديث أبي هريرة: " اقتتلت امرأتان من هذيل. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ٢٥٢ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٣١٠ - ط الحلبي) .
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ مَا اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ كَظُفْرٍ وَشَعْرٍ فَهُوَ كَمَنْ كَانَ تَامَّ الْخَلْقِ فِيمَا ذُكِرَ مِنَ الأَْحْكَامِ، وَأَضَافَ ابْنُ عَابِدِينَ: أَنَّهُ لاَ يَسْتَبِينُ خَلْقُهُ إِلاَّ بَعْدَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ عَنِ الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ وُجُودِ الرَّأْسِ، وَفِي الشُّمُنِّيِّ: لَوْ أَلْقَتْ مُضْغَةً وَلَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنَ الْقَوَابِل أَنَّهُ مَبْدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ وَلَوْ بَقِيَ لَتَصَوَّرَ فَلاَ غُرَّةَ فِيهِ، وَتَجِبُ فِيهِ عِنْدَنَا حُكُومَةٌ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: فِي الْجَنِينِ مَا سَبَقَ مِنَ الأَْحْكَامِ وَإِنْ كَانَ عَلَقَةً أَيْ دَمًا مُجْتَمِعًا إِذَا صُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ حَارٌّ لاَ يَذُوبُ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا أَلْقَتِ الْمَرْأَةُ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهَا لَحْمًا، قَال الْقَوَابِل: - أَيْ أَرْبَعٌ مِنْهُنَّ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ رَجُلاَنِ - فِيهِ صُورَةٌ خَفِيَّةٌ - أَيْ تَخْفَى عَلَى غَيْرِ الْقَوَابِل - كَنَحْوِ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ لاَ يَعْرِفُهَا غَيْرُهُنَّ فَفِيهِ الْغُرَّةُ وَالْكَفَّارَةُ. وَلَوْ قُلْنَ: لَيْسَ فِيهِ صُورَةٌ ظَاهِرَةٌ وَلاَ خَفِيَّةٌ وَلَكِنَّهُ أَصْل آدَمِيٍّ لَوْ بَقِيَ لَتَصَوَّرَ فَلاَ غُرَّةَ فِيهِ وَلاَ كَفَّارَةَ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ أَلْقَتْ مُضْغَةً فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنَ الْقَوَابِل أَنَّ فِيهِ صُورَةً خَفِيَّةً فَفِيهِ غُرَّةٌ، وَإِنْ شَهِدْنَ أَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ لَوْ بَقِيَ تَصَوَّرَ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لاَ شَيْءَ فِيهِ لأَِنَّهُ لَمْ يَتَصَوَّرْ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ كَالْعَلَقَةِ، وَلأَِنَّ الأَْصْل بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَلاَ تُشْغَل بِالشَّكِّ، وَالثَّانِي: فِيهِ غُرَّةٌ لأَِنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ أَشْبَهَ مَا لَوْ تَصَوَّرَ.
ب - إِنْ أَلْقَتِ الْمَرْأَةُ الْحَامِل - بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا - جَنِينَهَا حَيًّا ثُمَّ مَاتَ بِسَبَبِ ذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ انْفِصَالِهِ حَيًّا فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً لِتَيَقُّنِ حَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ بِالْجِنَايَةِ، وَفِيهِ مَعَ الدِّيَةِ الْكَفَّارَةُ.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجَنِينَ إِنِ اسْتَهَل صَارِخًا بَعْدَ انْفِصَالِهِ ثَبَتَتْ حَيَاتُهُ وَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا الأَْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الْمَنُوطَةُ بِهَا، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ الْحَيَاةُ مِنَ الأُْمُورِ الأُْخْرَى كَالْعُطَاسِ وَالاِرْتِضَاعِ وَالتَّنَفُّسِ وَالْحَرَكَةِ. (١) وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي (اسْتِهْلاَلٌ) .
وَإِنْ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ حَامِلٍ فَلَمْ تُلْقِ جَنِينَهَا وَمَاتَتْ وَهُوَ فِي بَطْنِهَا فَلاَ شَيْءَ فِيهِ بِخُصُوصِهِ. (٢)
وَفِي جِنَايَةِ الْمَرْأَةِ الْحَامِل عَلَى حَيَاةِ جَنِينِهَا تَفْصِيلٌ فِي (إِجْهَاضٌ) .
خَامِسًا: الْحَيَاةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الإِْرْثِ:
١٤ - مِنْ شُرُوطِ الإِْرْثِ تَحَقُّقُ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ أَوْ إِلْحَاقُهُ بِالْمَوْتَى حُكْمًا، وَتَحَقُّقُ حَيَاةِ الْوَارِثِ بَعْدَهُ أَوْ إِلْحَاقُهُ بِالأَْحْيَاءِ.
_________
(١) اللجنة تري أن الحكم ببقاء الحياة أو انتهائها يرجع فيه إلى أهل الخبره.
(٢) تفسير القرطبي ٥ / ٣٢١، رد المحتار ٥ / ٣٧٧ - ٣٧٨، جواهر الإكليل٢ / ٢٦٦ - ٢٧٢، مواهب الجليل ٢ / ٢٥٠، نهاية المحتاج ٧ / ٣٦٠ - ٣٦٦، حاشية الجمل ٥ / ٩٩ - ١٠٠، المغني ٧ / ٧٩٩ - ٨١٥.
وَالْحُكْمُ بِاسْتِحْقَاقِ الإِْرْثِ وَاضِحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَالَةِ التَّحَقُّقِ مِنْ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ وَمِنْ حَيَاةِ الْوَارِثِ بَعْدَهُ، بِأَنْ كَانَا حَيَّيْنِ ثُمَّ مَاتَ الْمُوَرِّثُ مَوْتًا حَقِيقِيًّا وَتَحَقَّقَتْ حَيَاةُ الْوَارِثِ بَعْدَهُ، لَكِنْ هُنَاكَ صُوَرًا أُخْرَى لاَ يَكُونُ فِيهَا الْحُكْمُ وَاضِحًا أَوْ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، مِنْهَا: الْحَمْل الَّذِي لَهُ حَقٌّ فِي الإِْرْثِ، وَالَّذِينَ يَمُوتُونَ مَعًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَلاَ يُعْلَمُ السَّابِقُ مِنْهُمْ.
أَمَّا الْحَمْل فَإِنَّ حَيَاتَهُ تَلْحَقُ - تَقْدِيرًا - بِالْحَيِّ عِنْدَ وَفَاةِ مُوَرِّثِهِ، وَقَدِ اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ لِلْحُكْمِ بِتَوْرِيثِ الْحَمْل شَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حَال مَوْتِ الْمُوَرِّثِ.
الثَّانِي: أَنْ يَنْفَصِل كُلُّهُ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً. عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي (إِرْثٌ): ف (١٠٩)، ١١٥.
وَأَمَّا الَّذِينَ يَمُوتُونَ مَعًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَلاَ يُعْلَمُ سَابِقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ فِي الأَْصْل يَتَوَارَثُونَ. فَقَدِ اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ يَتَوَارَثُونَ، وَتَرِكَةُ كُلٍّ مِنْهُمْ لِبَاقِي الْوَرَثَةِ الأَْحْيَاءِ، لِمَا رَوَى الْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ ﵄ تُوُفِّيَتْ هِيَ وَابْنُهَا زَيْدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَلَمْ يُدْرَ أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْل فَلَمْ تَرِثْهُ وَلَمْ يَرِثْهَا، وَلأَِنَّ مِنْ شُرُوطِ الإِْرْثِ تَحَقُّقَ حَيَاةِ الْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ وَهُوَ هُنَا
مُنْتَفٍ، وَلاَ تَوَارُثَ بِالشَّكِّ، وَلأَِنَّا إِنْ وَرَّثْنَا أَحَدَهُمْ فَقَطْ فَهُوَ تَحَكُّمٌ، وَإِنْ وَرَّثْنَا كُلًّا مِنَ الآْخَرِ تَيَقَّنَّا الْخَطَأَ. وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ أَحْمَدَ: يَرِثُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ مِنْ تِلاَدِ مَا لَهُ، أَيْ قَدِيمِهِ دُونَ طَارِفِهِ وَهُوَ مَا وَرِثَهُ مِمَّنْ مَاتَ مَعَهُ.
وَإِنْ عُلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمْ مَاتَ قَبْل صَاحِبِهِ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَشْكَل، أُعْطِيَ كُل وَارِثٍ الْيَقِينَ، وَوَقَفَ الْبَاقِي الْمَشْكُوكُ فِيهِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ الأَْمْرُ، أَوْ يَصْطَلِحُوا، لأَِنَّ الْحَقَّ لاَ يَعْدُوهُمْ، وَالْمَرْءُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي خَالِصِ حَقِّهِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُوقَفُ الْمِيرَاثُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الأَْمْرُ أَوْ يَصْطَلِحُوا، لأَِنَّ التَّذَكُّرَ غَيْرُ مَيْئُوسٍ مِنْهُ. (١)
سَادِسًا: الْحَيَاةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ:
١٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الذَّكَاةَ الشَّرْعِيَّةَ بِأَنْوَاعِهَا (مِنْ ذَبْحٍ أَوْ نَحْرٍ أَوْ عَقْرٍ أَوْ صَيْدٍ) لاَ بُدَّ مِنْهَا لإِبَاحَةِ مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ مِنَ الْحَيَوَانِ أَوِ الطَّيْرِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الذَّكَاةِ الشَّرْعِيَّةِ أَنْ تَكُونَ بِالْحَيَوَانِ أَوِ الطَّيْرِ عِنْدَ الذَّبْحِ أَوِ الصَّيْدِ حَيَاةٌ، وَإِلاَّ كَانَ مَيْتَةً وَلَمْ تَعْمَل الذَّكَاةُ عَمَلَهَا مِنْ حَيْثُ الإِْبَاحَةُ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْحَيَاةِ الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا عِنْدَ الذَّبْحِ أَوِ الصَّيْدِ. وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ
_________
(١) رد المحتار ٥ / ٥٠٩، الزرقاني ٨ / ٢٢٩، أسنى المطالب ٣ / ١٧ - ١٩، قليوبي ٣ / ١٤٩، والمغني ٦ / ٣٠٨ - ٣١٢ - ٣١٦، العذب الفائض ١ / ١٨، ٢ / ٩١ - ٩٢.
إِذَا كَانَتْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَيَحِل بِالذَّكَاةِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَبْقَ فِيهِ إِلاَّ مِثْل عَيْشِ الْمَذْبُوحِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الذَّكَاةَ تُحِلُّهُ أَوْ لاَ، عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي (ذَبَائِحُ) .
كَمَا اخْتُلِفَ فِيمَا إِذَا ذُبِحَتْ شَاةٌ مَثَلًا وَكَانَ فِي بَطْنِهَا جَنِينٌ، هَل تُعْتَبَرُ ذَكَاتُهَا ذَكَاةً لَهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّ حَيَاتَهُ تَابِعَةٌ لِحَيَاتِهَا أَوْ مُسْتَقِلَّةٌ عَنْهَا، وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي: (ذَبَائِحُ) .
سَابِعًا: الْحَيَاةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي غُسْل السِّقْطِ وَتَكْفِينِهِ وَالصَّلاَةِ عَلَيْهِ.
١٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ السِّقْطَ إِذَا اسْتَهَل ثَبَتَتْ لَهُ أَحْكَامُ الْحَيِّ وَحُقُوقُهُ، وَمِنْهَا وُجُوبُ غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَالصَّلاَةِ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا اسْتَهَل الصَّبِيُّ وَرِثَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ. (١) وَلأَِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الدُّنْيَا فِي الإِْسْلاَمِ وَالْمِيرَاثِ وَالدِّيَةِ فَغُسِّل وَصُلِّيَ عَلَيْهِ كَغَيْرِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي السِّقْطِ إِنْ لَمْ يَسْتَهِل:
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: السِّقْطُ إِنْ لَمْ يَسْتَهِل غُسِّل وَسُمِّيَ - فِي الأَْصَحِّ الْمُفْتَى بِهِ عَلَى خِلاَفِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ - إِكْرَامًا لِبَنِي آدَمَ، وَأُدْرِجَ فِي خِرْقَةٍ وَدُفِنَ
_________
(١) حديث: " اذا استهل الصبي ورث وصلي عليه. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٣٤١ - ط الحلبي) والحاكم (٤ / ٣١٩ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وَلَمْ يُصَل عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَكَانَ تَامَّ الْخَلْقِ أَمْ لاَ. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُكْرَهُ غُسْل سِقْطٍ لَمْ يَسْتَهِل صَارِخًا، وَلَوْ تَحَرَّكَ أَوْ عَطَسَ أَوْ بَال أَوْ رَضَعَ، إِلاَّ أَنْ تَتَحَقَّقَ الْحَيَاةُ بِعَلاَمَةٍ مِنْ عَلاَمَاتِهَا فَيَجِبُ غُسْلُهُ، وَيُغَسَّل دَمُ السِّقْطِ الَّذِي لَمْ يَسْتَهِل وَيُلَفُّ بِخِرْقَةٍ وَيُوَارَى. (٢)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ لَمْ يَسْتَهِل السِّقْطُ وَلَمْ يَتَحَرَّكْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ كُفِّنَ بِخِرْقَةٍ وَدُفِنَ، وَإِنْ تَمَّ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَفِيهِ قَوْلاَنِ: قَال فِي الْقَدِيمِ: يُصَلَّى عَلَيْهِ لأَِنَّهُ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَصَارَ كَمَنِ اسْتَهَل، وَقَال فِي الأُْمِّ: لاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ لأَِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الدُّنْيَا فِي الإِْرْثِ وَغَيْرِهِ فَلَمْ يُصَل عَلَيْهِ، فَإِنْ قُلْنَا يُصَلَّى عَلَيْهِ غُسِّل كَغَيْرِ السِّقْطِ، وَإِنْ قُلْنَا لاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ فَفِي غُسْلِهِ قَوْلاَنِ: قَال الْبُوَيْطِيُّ: فِي مُخْتَصَرِهِ لاَ يُغَسَّل، لأَِنَّهُ لاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ فَلاَ يُغَسَّل كَالشَّهِيدِ، وَقَال فِي الأُْمِّ: يُغَسَّل لأَِنَّ الْغُسْل قَدْ يَنْفَرِدُ عَنِ الصَّلاَةِ كَمَا نَقُول فِي الْكَافِرِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: السِّقْطُ إِنْ خَرَجَ مَيِّتًا فَقَال أَحْمَدُ: إِذَا أَتَى لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ غُسِّل وَصُلِّيَ عَلَيْهِ لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ (٣) وَلأَِنَّهُ نَسَمَةٌ نُفِخَ فِيهَا الرُّوحُ
_________
(١) رد المحتار ١ / ٥٩٥.
(٢) الدسوقي ١ / ٤٢٧.
(٣) المهذب ١ / ١٣٤. وحديث: " والسقط يصلى عليه. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ٥٢٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، والحاكم (١ / ٣٦٣ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
فَيُصَلَّى عَلَيْهِ كَالْمُسْتَهِل. فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَبْلُغْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَلاَ يُغَسَّل وَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُلَفُّ فِي خِرْقَةٍ وَيُدْفَنُ لِعَدَمِ وُجُودِ الْحَيَاةِ. (١)
ثَامِنًا: الْحَيَاةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي قَبُول التَّوْبَةِ:
١٧ - يَقْبَل اللَّهُ تَعَالَى تَوْبَةَ الْعَبْدِ الْمُذْنِبِ الْمُكَلَّفِ - كَرَمًا مِنْهُ تَعَالَى وَفَضْلًا - مَا لَمْ يُغَرْغِرْ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَقْبَل تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ (٢) أَيْ مَا لَمْ تَصِل رُوحُهُ حُلْقُومَهُ، مِنَ الْغَرْغَرَةِ وَهِيَ جَعْل الشَّرَابِ فِي الْفَمِ وَإِدَارَتُهُ إِلَى أَصْل الْحُلْقُومِ فَلاَ يُبْلَعُ، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الآْنَ﴾ (٣) الآْيَةَ، وَفَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ حُضُورَهُ بِمُعَايَنَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ، وَقَال غَيْرُهُ: الْمُرَادُ تَيَقُّنُ الْمَوْتِ لاَ خُصُوصُ رُؤْيَةِ مَلَكِهِ لأَِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لاَ يَرَاهُ.
وَقِيل: السِّرُّ فِي عَدَمِ قَبُول التَّوْبَةِ حِينَ الْيَأْسِ مِنَ الْحَيَاةِ أَنَّ مِنْ شُرُوطِهَا عَزْمُ التَّائِبِ عَلَى أَنْ
_________
(١) المغني والشرح الكبير٢ / ٣٣٧.
(٢) حديث: " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر. . " أخرجه الترمذي (٥ / ٥٤٧ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر، وحسنه.
(٣) سورة النساء / ١٨.
لاَ يَعُودَ إِلَى الذَّنْبِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ مَعَ تَمَكُّنِ التَّائِبِ مِنَ الذَّنْبِ وَبَقَاءِ الاِخْتِيَارِ.
قَال ابْنُ عَلاَّنَ: وَالْحَاصِل أَنَّهُ مَتَى فُرِضَ الْوُصُول لِحَالَةٍ لاَ تُمْكِنُ الْحَيَاةُ بَعْدَهَا عَادَةً لاَ تَصِحُّ مِنْهُ حِينَئِذٍ تَوْبَةٌ وَلاَ غَيْرُهَا، وَهَذَا مُرَادُ الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: يُغَرْغِرْ. وَمَتَى لَمْ يَصِل لِذَلِكَ صَحَّتْ مِنْهُ التَّوْبَةُ وَغَيْرُهَا. (١)
_________
(١) دليل الفالحين ١ / ٧٨ - ٧٩، رد المحتار ١ / ٥٧١.
حِيَازَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَوْزُ لُغَةً الْجَمْعُ وَضَمُّ الشَّيْءِ، وَكُل مَنْ ضَمَّ شَيْئًا إِلَى نَفْسِهِ مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَدْ حَازَهُ حَوْزًا وَحِيَازَةً وَاحْتَازَهُ احْتِيَازًا. (١)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ قَال الدَّرْدِيرُ: الْحِيَازَةُ: هِيَ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ وَالاِسْتِيلاَءُ عَلَيْهِ. وَالْحِيَازَةُ بِهَذَا التَّعْرِيفِ بِمَعْنَى الْقَبْضِ، يُؤَيِّدُهُ قَوْل ابْنِ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيِّ: وَلاَ تَتِمُّ هِبَةٌ وَلاَ صَدَقَةٌ وَلاَ حَبْسٌ إِلاَّ بِالْحِيَازَةِ. فَإِنْ مَاتَ قَبْل أَنْ تُحَازَ عَنْهُ فَهِيَ مِيرَاثٌ.
وَفِي الْقَوَانِينِ الْفِقْهِيَّةِ: الْقَبْضُ: هُوَ الْحَوْزُ.
وَفِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ اسْتِعْمَال كَلِمَةِ (حَوْزٍ) بَدَل (حِيَازَةٍ) .
قَال صَاحِبُ الْبَهْجَةِ: الْحَوْزُ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ الْمَحُوزِ (٢) .
_________
(١) تاج العروس ولسان العرب، والمصباح المنير مادة: (حوز)
(٢) الدسوقي مع شرح الدردير ٤ / ٢٣٣، والقوانين الفقهية ص ٣٢٨، والشرح الصغير ٤ / ٣١٩، والبهجة في شرح التحفة ١ / ١٦٨، والرسالة مع غرر المقالة ص ٢٢٨، والخرشي ٧ / ٢٤٢.