الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨ الصفحة 52

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨

عَلَى رِيبَةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهُوَ شَيْءٌ تَتَغَيَّرُ بِهِ الْهَيْئَةُ، وَالْحَيَاءُ هُوَ الاِرْتِدَاعُ بِقُوَّةِ الْحَيَاءِ، وَلِهَذَا يُقَال فُلاَنٌ يَسْتَحْيِ فِي هَذَا الْحَال أَنْ يَفْعَل كَذَا، وَلاَ يُقَال يَخْجَل أَنْ يَفْعَلَهُ فِي هَذِهِ الْحَال، لأَِنَّ هَيْئَتَهُ لاَ تَتَغَيَّرُ مِنْهُ قَبْل أَنْ يَفْعَلَهُ، فَالْخَجَل مِمَّا كَانَ وَالْحَيَاءُ مِمَّا يَكُونُ، وَقَدْ يُسْتَعْمَل الْحَيَاءُ مَوْضِعَ الْخَجَل تَوَسُّعًا.

وَقَال الأَْنْبَارِيُّ: أَصْل الْخَجَل فِي اللُّغَةِ: الْكَسَل وَالْتَوَانِي وَقِلَّةُ الْحَرَكَةِ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَال الْعَرَبِ لَهُ حَتَّى أَخْرَجُوهُ عَلَى مَعْنَى الاِنْقِطَاعِ فِي الْكَلاَمِ، وَفِي الْحَدِيثِ إِذَا جُعْتُنَّ وَقَعْتُنَّ وَإِذَا شَبِعْتُنَّ خَجِلْتُنَّ. (١)

وَقَعْتُنَّ أَيْ ذَلَلْتُنَّ وَخَجِلْتُنَّ كَسِلْتُنَّ، وَقَال أَبُو عُبَيْدَةَ: الْخَجَل هَاهُنَا الأَْشَرُ، وَقِيل: هُوَ سُوءُ احْتِمَال الْعَنَاءِ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ الْعَرَبِ الْخَجَل بِمَعْنَى الدَّهَشِ.

قَال الْكُمَيْتُ:

فَلَمْ يَدْفَعُوا عِنْدَنَا مَا لَهُمْ

لِوَقْعِ الْحُرُوبِ وَلَمْ يَخْجَلُوا

. أَيْ لَمْ يَبْقَوْا دَهِشِينَ مَبْهُوتِينَ (٢) .

_________

(١) حديث: " إذا جعتن وقعتن وإذا شبعتن خجلتن ". أورده أبو هلال العسكري في الفروق ص ٢٠٣ نشر دار الكتب العلمية، كما ذكر ابن الأثير الشطر الثاني منه في النهاية (خجل) ولم نعثر عليه فيما لدينا من مراجع السنن والآثار.

(٢) الفروق ص ٢٣٩.

ب - الْبَذَاءَةُ:

٣ - الْبَذَاءَةُ لُغَةً: السَّفَاهَةُ وَالْفُحْشُ فِي الْمَنْطِقِ وَإِنْ كَانَ الْكَلاَمُ صِدْقًا، وَفِي الْحَدِيثِ: الْحَيَاءُ مِنَ الإِْيمَانِ، وَالإِْيمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْبَذَاءَةُ مِنَ الْجَفَاءِ وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ (١) فَجَعَل الْبَذَاءَةَ مُقَابِلَةً لِلْحَيَاءِ. وَقَرِيبٌ مِنَ الْبَذَاءَةِ الْفُحْشُ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلُهُ ﷺ: مَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ وَمَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ (٢) .

ج - الْوَقَاحَةُ:

٤ - الْوَقَاحَةُ وَالْقِحَةُ أَنْ يَقِل حَيَاءُ الرَّجُل وَيَجْتَرِئَ عَلَى اقْتِرَافِ الْقَبَائِحِ وَلاَ يَعْبَأَ بِهَا.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْحَيَاءِ:

٥ - الْحَيَاءُ مِنْ خَصَائِصِ الإِْنْسَانِ، وَغَرِيزَةٌ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ يَحْتَاجُ إِلَى اكْتِسَابٍ وَعِلْمٍ وَنِيَّةٍ، فَإِنَّهُ يَرْدَعُ عَنِ ارْتِكَابِ كُل مَا يَشْتَهِيهِ فَلاَ يَكُونُ كَالْبَهِيمَةِ.

وَإِذَا وَرَدَ نَصٌّ فِيهِ وَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى بِالْحَيَاءِ: فَهُوَ حَيَاءٌ مَحْمُولٌ عَلَى مَعْنًى يَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ

_________

(١) حديث: " الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاءة الجفاء، والجفاء في النار " أخرجه الترمذي. (٤ / ٣٦٥ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".

(٢) حديث: " ما كان الفحش في شيء إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه " أخرجه الترمذي (٤ / ٣٤٩ - ط الحلبي) من حديث أنس، وقال الترمذي: " هذا حديث حسن غريب ".

وَتَعَالَى. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (١) وَمَا رَوَاهُ سَلْمَانُ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُل إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ (٢) .

وَالْحَيَاءُ بِمَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ مَطْلُوبٌ، وَقَدْ حَثَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَرَغَّبَ فِيهِ، لأَِنَّهُ بَاعِثٌ عَلَى أَفْعَال الْخَيْرِ وَمَانِعٌ مِنَ الْمَعَاصِي، وَيَحُول بَيْنَ الْمَرْءِ وَالْقَبَائِحِ، وَيَمْنَعُهُ مِمَّا يُعَابُ بِهِ وَيُذَمُّ، فَإِذَا كَانَ هَذَا أَثَرَهُ فَلاَ شَكَّ أَنَّهُ خُلُقٌ مَحْمُودٌ، لاَ يُنْتِجُ إِلاَّ خَيْرًا، فَالَّذِي يَهُمُّ بِفِعْل فَاحِشَةٍ فَيَمْنَعُهُ حَيَاؤُهُ مِنِ اجْتِرَاحِهَا، أَوْ يَعْتَدِي عَلَيْهِ سَفِيهٌ فَيَمْنَعُهُ حَيَاؤُهُ مِنْ مُقَابَلَةِ السَّيِّئَةِ بِالسَّيِّئَةِ، أَوْ يَسْأَلُهُ سَائِلٌ فَيَمْنَعُهُ حَيَاؤُهُ مِنْ حِرْمَانِهِ، أَوْ يَضُمُّهُ مَجْلِسٌ فَيُمْسِكُ الْحَيَاءُ بِلِسَانِهِ عَنِ الْكَلاَمِ، وَالْخَوْضِ فِيمَا لاَ يَعْنِيهِ، فَالَّذِي يَكُونُ لِلْحَيَاءِ فِي نَفْسِهِ هَذِهِ الآْثَارُ الْحَسَنَةُ، فَهُوَ ذُو خُلُقٍ مَحْمُودٍ، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَال لَهُ ﷺ: دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِْيمَانِ. (٣)

_________

(١) سورة البقرة / ٢٦.

(٢) تفسير الرازي ١ / ١٣١ وما بعدها. وحديث: " إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل يديه ". أخرجه الترمذي (٥ / ٥٥٧ - ط الحلبي) وقال: " هذا حديث حسن غريب ".

(٣) حديث: " دعه، فإن الحياء من الإيمان ". أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٧٤ - ط السلفية)، ومسلم (١ / ٦٣ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر.

وَقَال ﵊: الْحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بِخَيْرٍ (١) وَقَال ﷺ: الإِْيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَفْضَلُهَا قَوْل: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَْذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِْيمَانِ (٢) وَقَال ﵊: الْحَيَاءُ وَالإِْيمَانُ قُرِنَا جَمِيعًا، فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الآْخَرُ (٣) وَقَال ﵊: إِنَّ لِكُل دِينٍ خُلُقًا وَخُلُقُ الإِْسْلاَمِ الْحَيَاءُ (٤) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ (٥)، وَعَنْهُ ﷺ: إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ

_________

(١) حديث: " الحياء لا يأتي إلا بخير ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٥٢١ - ط السلفية)، ومسلم (١ / ٦٤ - ط الحلبي) من حديث عمران بن حصين.

(٢) حديث: " الإيمان بضع وسبعون شعبة ". أخرجه مسلم (١ / ٦٣ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.

(٣) حديث: " الحياء والإيمان قرنا جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر ". أخرجه الحاكم (١ / ٢٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبد الله بن عمر، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

(٤) حديث: " إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء " أخرجه ابن ماجه (٢ / ١٣٩٩ - الحلبي) من حديث أنس، وضعفه البوصيري كما في مصباح الزجاجة (٤ / ٢٣٠ - ط دار العربية) .

(٥) حديث: كان النبي ﷺ: " أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٥١٣ - ط السلفية)، ومسلم (٤ / ١٨٠٩ - ط الحلبي) من حديث أبي سعيد الخدري.

مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الأُْولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ. (١)

قَال الْعُلَمَاءُ: الْحَيَاءُ مِنَ الْحَيَاةِ، وَعَلَى حَسَبِ حَيَاةِ الْقَلْبِ يَكُونُ فِيهِ قُوَّةُ خُلُقِ الْحَيَاءِ، وَقِلَّةُ الْحَيَاءِ مِنْ مَوْتِ الْقَلْبِ (٢) وَالرُّوحِ، وَأَوْلَى الْحَيَاءِ: الْحَيَاءُ مِنَ اللَّهِ، وَالْحَيَاءُ مِنْهُ أَلاَّ يَرَاكَ حَيْثُ نَهَاكَ، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَنْ مَعْرِفَةٍ وَمُرَاقَبَةٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: الإِْحْسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. (٣)

وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵄ مَرْفُوعًا: اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ. قَال: قُلْنَا: إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَال: لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنْ الاِسْتِحْيَاءُ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَتَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآْخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَل ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ (٤) قَال الْجُنَيْدُ ﵀

_________

(١) حديث: " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٥٢٣ - ط السلفية) من حديث عبد الله بن مسعود

(٢) مدارج السالكين ٢ / ٢٥٩.

(٣) حديث: " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ١١٤ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٣٩ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.

(٤) حديث: " استحوا من الله حق الحياء ". أخرجه الترمذي (٤ / ٦٣٧ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن مسعود وهو حديث حسن طرقه.

: " الْحَيَاءُ رُؤْيَةُ الآْلاَءِ، وَرُؤْيَةُ التَّقْصِيرِ فَيَتَوَلَّدُ بَيْنَهُمَا حَالَةٌ تُسَمَّى: الْحَيَاءَ ".

وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَمِنْ كَلاَمِ الْحُكَمَاءِ أَحْيُوا الْحَيَاءَ بِمُجَالَسَةِ مَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ، وَعِمَارَةُ الْقَلْبِ بِالْهَيْبَةِ وَالْحَيَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَا مِنَ الْقَلْبِ لَمْ يَبْقَ فِيهِ خَيْرٌ. (١)

٦ - وَيَجْرِي فِي الْحَيَاءِ الأَْحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ: فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحْيَى مِنْهُ مُحَرَّمًا، فَالْحَيَاءُ مِنْهُ وَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَ الْحَيَاءُ مِنْهُ مَكْرُوهًا فَهُوَ مَنْدُوبٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحْيَى مِنْهُ وَاجِبًا فَالْحَيَاءُ مِنْهُ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مُبَاحٍ فَهُوَ عُرْفِيٌّ أَوْ جَائِزٌ. (٢)

فَالْحَيَاءُ مِنْ تَعَلُّمِ أُمُورِ الدِّينِ وَمَا يَجِبُ عَلَى الإِْنْسَانِ الْعِلْمُ بِهِ لَيْسَ بِحَيَاءٍ شَرْعِيٍّ. فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَْنْصَارِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ (٣) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، هَل عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟

_________

(١) مدارج السالكين ٢ / ٢٥٩ - ٢٦٠.

(٢) عمدة القاري ١ / ١٥٢ فتح الباري ١ / ٧٤.

(٣) حديث عائشة: " نعم النساء نساء الأنصار. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٢٦١ - ط الحلبي) .

فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ. (١)

وَالْحَيَاءُ مِنْ مُوَاجِهَةِ الظَّلَمَةِ، وَالْفُسَّاقِ وَزَجْرِهِمْ، وَتَرْكِ الْجَهْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ حَيَاءٌ لَيْسَ بِحَيَاءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَجْزٌ وَمَهَانَةٌ، وَتَسْمِيَتُهُ حَيَاءً: مِنْ إِطْلاَقِ بَعْضِ أَهْل الْعُرْفِ: أَطْلَقُوهُ مَجَازًا لِمُشَابِهَتِهِ الصُّورِيَّةِ لِلْحَيَاءِ الشَّرْعِيِّ. (٢)

أَخْذُ مَال الْغَيْرِ بِسَبَبِ الْحَيَاءِ:

٧ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ: إِذَا أَخَذَ مَال غَيْرِهِ بِالْحَيَاءِ كَأَنْ يَسْأَل غَيْرَهُ مَالًا فِي مَلأٍَ فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ بِبَاعِثِ الْحَيَاءِ فَقَطْ، أَوْ أُهْدِيَ إِلَيْهِ حَيَاءً هَدِيَّةً يَعْلَمُ الْمُهْدَى لَهُ أَنَّ الْمُهْدِي أَهْدَى إِلَيْهِ حَيَاءً لَمْ يَمْلِكْهُ، وَلاَ يَحِل لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُل طَلَبٌ مِنَ الآْخِذِ، فَالْمَدَارُ مُجَرَّدُ الْعِلْمِ بِأَنَّ صَاحِبَ الْمَال دَفَعَهُ إِلَيْهِ حَيَاءً، وَلاَ مُرُوءَةً، وَلاَ لِرَغْبَةٍ فِي خَيْرٍ، وَمِنْ هَذَا: لَوْ جَلَسَ عِنْدَ قَوْمٍ يَأْكُلُونَ طَعَامًا، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَأْكُل مَعَهُمْ، وَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ حَيَائِهِمْ، لاَ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ مِنْ طَعَامِهِمْ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الضَّيْفِ أَنْ يُقِيمَ فِي بَيْتِ مُضِيفِهِ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى مُدَّةِ الضِّيَافَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ فَيُطْعِمُهُ حَيَاءً.

_________

(١) حديث أم سلمة: " جاءت أم سليم. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٣٨٨ - ط السلفية)، ومسلم ١ / ٢٥١ - ط الحلبي) .

(٢) عمدة القاري ١ / ١٥٢.

فَلِلْمَأْخُوذِ بِالْحَيَاءِ حُكْمُ الْمَغْصُوبِ، وَعَلَى الآْخِذِ رَدُّهُ، أَوِ التَّعْوِيضُ عَنْهُ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ التَّعْوِيضُ بِقِيمَةِ مَا أَخَذَ أَوْ أَكَل مِنْ زَادِهِمْ، وَقَال ابْنُ الْجَوْزِيِّ: هَذَا كَلاَمٌ حَسَنٌ لأَِنَّ الْمَقَاصِدَ فِي الْعُقُودِ مُعْتَبَرَةٌ (١) .

وَلَمْ نَطَّلِعْ عَلَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ.

_________

(١) نهاية المحتاج ٥ / ١٤٦، حاشية الجمل ٣ / ٤٦٩، مطالب أولي النهى ٤ / ٣٨٠ - ٣٨١.

حَيَاةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْحَيَاةُ فِي اللُّغَةِ نَقِيضُ الْمَوْتِ، وَالْحَيُّ مِنْ كُل شَيْءٍ نَقِيصُ الْمَيِّتِ. وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ قُوَّةٍ مِزَاجِيَّةٍ تَقْتَضِي الْحِسَّ وَالْحَرَكَةَ، وَفِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى هِيَ صِفَةٌ تَلِيقُ بِهِ جَل شَأْنُهُ. (١) وَعَرَّفَ الْجُرْجَانِيُّ الْحَيَاةَ: بِأَنَّهَا صِفَةٌ تُوجِبُ لِلْمَوْصُوفِ بِهَا أَنْ يَعْلَمَ وَيَقْدِرَ. (٢) وَعَلَى هَذَا لاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِلْحَيَاةِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الرُّوحُ:

٢ - قَال الْفَرَّاءُ: الرُّوحُ، هُوَ الَّذِي يَعِيشُ بِهِ الإِْنْسَانُ، لَمْ يُخْبِرِ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ. قَال تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُل الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (٣) .

_________

(١) القاموس المحيط ٤ / ٣٢٣ ولسان العرب ١ / ٧٧٣.

(٢) التعريفات ص ١٢٦.

(٣) سورة الإسراء / ٨٥.

ب - النَّفْسُ:

٣ - قَال أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَْنْبَارِيِّ: مِنَ اللُّغَوِيِّينَ مَنْ سَوَّى بَيْنَ النَّفْسِ وَالرُّوحِ، وَقَال: هُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَقَال غَيْرُهُمْ: الرُّوحُ هُوَ الَّذِي بِهِ الْحَيَاةُ وَالنَّفْسُ هِيَ الَّتِي بِهَا الْعَقْل (١) .

ج - الاِسْتِهْلاَل:

٤ - الاِسْتِهْلاَل مَصْدَرُ اسْتَهَل، يُقَال: اسْتَهَل الصَّبِيُّ بِالْبُكَاءِ أَيْ رَفَعَ صَوْتَهُ وَصَاحَ عِنْدَ الْوِلاَدَةِ، وَكُل شَيْءٍ ارْتَفَعَ صَوْتُهُ فَقَدِ اسْتَهَل. (٢) وَفِي الْحَدِيثِ: إِذَا اسْتَهَل الْمَوْلُودُ وَرِثَ. (٣) وَالاِسْتِهْلاَل أَمَارَةٌ مِنْ أَمَارَاتِ الْحَيَاةِ.

د - الْمَوْتُ:

٥ - الْمَوْتُ: صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ خُلِقَتْ ضِدًّا لِلْحَيَاةِ. وَقِيل: صِفَةٌ عَدَمِيَّةٌ. (٤)

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ التَّضَادُّ.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْحَيَاةِ:

أَوَّلًا: بَدْءُ الْحَيَاةِ:

٦ - بَدْءُ الْحَيَاةِ الآْدَمِيَّةِ الأُْولَى كَانَ نَفْخَةً مِنْ

_________

(١) لسان العرب في المادة.

(٢) لسان العرب في مادة: " هلل ".

(٣) حديث: " إذا استهل المولود ورث " أخرجه أبو داود (٣ / ٣٣٥ - تحقيق عزت دعاس) من حديث أبي هريرة، والحاكم (٤ / ٣٤٩ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث جابر بن عبد الله وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

(٤) لسان العرب في المادة، والتعريفات ص ٣٠٤، والخرشي ٢ / ١١٣.