الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨
بَرَاءَةُ الْمُحِيل مِنْ دَيْنِ الْمُحَال ثُمَّ مِنْ مُطَالَبَتِهِ:
١٠٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ مَتَى صَحَّتِ الْحَوَالَةُ فَقَدْ فَرَغَتْ ذِمَّةُ الْمُحِيل مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ لِدَائِنِهِ الَّذِي قَبِل الاِحْتِيَال بِهِ، وَبِالتَّالِي لاَ يَكُونُ لِهَذَا الدَّائِنِ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ.
لَكِنِ الْحَنَفِيَّةُ قَيَّدُوا بَرَاءَةَ ذِمَّةِ الْمُحِيل وَسُقُوطَ حَقِّ الْمُطَالِبِ بِعَدَمِ التَّوْيِ - عَلَى اخْتِلاَفٍ فِي تَفْسِيرِ الْتَوَى - إِلاَّ فِي حَالاَتٍ اسْتَثْنَوْهَا وَنَصُّوا عَلَيْهَا. (١)
كَوْنُ الْحَوَالَةِ تَنْقُل الدَّيْنَ وَالْمُطَالَبَةَ:
١٠٨ - وَيَتَرَتَّبُ عَلَى كَوْنِ الْحَوَالَةِ تَنْقُل الدَّيْنَ وَالْمُطَالَبَةَ مَعًا النَّتَائِجُ التَّالِيَةُ:
(أ) مَتَى بَرِئَ الْمُحِيل وَكَانَ لَهُ كَفِيلٌ، بَرِئَ كَفِيلُهُ تَبَعًا، إِذْ لاَ مَعْنَى لِمُطَالَبَتِهِ بِدَيْنٍ لاَ وُجُودَ لَهُ.
(ب) لَوْ أَحَال الْكَفِيل الْمَكْفُول لَهُ عَلَى غَيْرِ الْمَدِينِ الْمَكْفُول (الأَْصْل) بَرِئَ الْكَفِيل الْمُحِيل وَالْمَدِينُ الأَْصِيل مَعًا، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ بِإِطْلاَقِهَا تَنْصَرِفُ إِلَى الدَّيْنِ، وَهُوَ عَلَى الأَْصْل، فَيَبْرَأُ الأَْصِيل أَوَّلًا، ثُمَّ الْكَفِيل الْمُحِيل تَبَعًا، هَذَا مَا لَمْ يَنُصَّ فِي الْحَوَالَةِ عَلَى بَرَاءَةِ الْكَفِيل الْمُحِيل وَحْدَهُ
_________
(١) البحر ٦ / ٢٧١، وأبو السعود على ملا مسكين ٣ / ٢١، وابن عابدين ٤ / ٢٥٠، وفتح القدير ٥ / ٤٤٥، والبدائع ٦ / ١٧ - ١٨.
فَحَسْبُ، وَإِلاَّ بَرِئَ هُوَ وَحْدَهُ، قِيَاسًا عَلَى صُلْحِ الْكَفِيل مَعَ الطَّالِبِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، ثُمَّ إِذَا تَوِيَ الْمَال عَادَ الدَّائِنُ الْمُحَال عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ وَفْقًا لِلْحُكْمِ الْعَامِّ فِي الْحَوَالَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَبَرَاءَةُ الْمَكْفُول وَالْكَفِيل مَعًا أَصَالَةً وَتَبَعًا إِذَا أَحَال أَحَدُهُمَا الدَّائِنَ لاَ يُنَازِعُ فِيهَا الشَّافِعِيَّةُ وَلاَ الْحَنَابِلَةُ. (١)
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيُوَافِقُونَ عَلَى بَرَاءَتِهِمَا بِإِحَالَةِ الأَْصِيل، لأَِنَّ الْكَفِيل تَبَعٌ لَهُ، لَكِنَّهُمْ يُنَازِعُونَ فِي الْعَكْسِ: إِذْ لاَ يَبْرَأُ الأَْصِيل عِنْدَهُمْ بِحَالَةِ الْكَفِيل، وَإِنَّمَا يَبْرَأُ الْكَفِيل وَحْدَهُ لأَِنَّ الأَْصْل لاَ يَتْبَعُ الْفَرْعَ. (٢)
وَمِمَّا يَتَّصِل بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا يَقُولُهُ الْحَنَفِيَّةُ:
ج - (إِنَّ الْكَفَالَةَ مَتَى انْعَقَدَتْ بِأَمْرِ الْمَكْفُول عَنْهُ فَإِنَّهَا تُوجِبُ دَيْنَيْنِ: دَيْنًا لِلطَّالِبِ عَلَى الْكَفِيل، وَدَيْنًا لِلْكَفِيل عَلَى الْمَكْفُول عَنْهُ، إِلاَّ أَنَّ هَذَا الأَْخِيرَ مُؤَجَّلٌ إِلَى وَقْتِ الأَْدَاءِ) وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ يَتَسَنَّى لِلْكَفِيل أَنْ يُحِيل الْمَكْفُول لَهُ عَلَى الأَْصِيل
_________
(١) البحر وحواشيه ٦ / ٢٦٩، و٢٧١، والمهذب ١ / ٣٤٢، ونهاية المحتاج ٤ / ٤٤٤، والمغني لابن قدامة ٥ / ٨٣، والفروع ٢ / ٦٢٣، ومطالب أولي النهى ٣ / ٢٩٦ و٢٩٨.
(٢) الخرشي على خليل ٤ / ٢٤٣ وهو كلام حسن الجرس، ولكن أي طائل تحته؟ ماداموا هم أنفسهم معترفين بأن الحوالة كالقبض، كما وقع في كلامهم غير مرة، ومن ذلك قول الخرشي نفسه: (بمجرد الحوالة يتحول حق المحتال على المحال عليه، وتبرأ ذمة المحيل لأن الحوالة كالقبض)
حَوَالَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِدَيْنِهِ هَذَا عَلَيْهِ، فَإِذَا قَبِل الأَْصِيل وَالْمَكْفُول لَهُ بَرِئَ الْكَفِيل، لَكِنْ بَرَاءَةٌ مُؤَقَّتَةٌ بِعَدَمِ التَّوَى - عَلَى قَاعِدَةِ بَرَاءَةِ الْمُحِيل - وَهِيَ مِنْ وَقَائِعِ الْفَتْوَى، بِخِلاَفِ مَا إِذَا أَحَال الْمُحَال عَلَيْهِ الطَّالِبَ عَلَى الْمُحِيل، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ بِهَذِهِ الْحَوَالَةِ بَرَاءَةً مُؤَبَّدَةً لاَ رُجُوعَ بَعْدَهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ تَوِيَ الْمَال الَّذِي عَلَى الأَْصِيل، لأَِنَّهُ هُوَ الْمُحِيل الأَْوَّل فَالْقَرَارُ عَلَيْهِ. (١) (ر: ف ١٧١)
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْكَفِيل الضَّامِنَ، وَلَوْ بِالأَْمْرِ، لاَ يَثْبُتُ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ شَيْءٌ بِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ، فَلاَ مَجَال لِلْقَوْل بِأَنَّهُ تَصِحُّ حَوَالَةُ الْكَفِيل أَوْ غَيْرُ حَوَالَتِهِ، وَلِذَا يَقُول الْخَطِيبُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: (لَوْ أَبْرَأَ الضَّامِنُ الأَْصِيل، أَوْ صَالَحَهُ، عَمَّا سَيَغْرَمُ فِي مَالِهِ، أَوْ رَهَنَهُ الأَْصِيل شَيْئًا بِمَا ضَمِنَهُ، أَوْ قَامَ بِهِ كَفِيلًا لَمْ يَصِحَّ، لاَ يَثْبُتُ لَهُ حَقٌّ بِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ) . (٢)
د - إِنَّ هِبَةَ الدَّيْنِ، أَوِ الإِْبْرَاءَ مِنْهُ، أَوْ أَخْذَ رَهْنٍ بِهِ، كَانَ قَبْل الْحَوَالَةِ حَقًّا لِلدَّائِنِ تُجَاهَ الْمَدِينِ دُونَ غَيْرِهِ، أَمَّا بَعْدَ الْحَوَالَةِ فَبِالْعَكْسِ، إِذْ يُصْبِحُ حَقًّا لِلدَّائِنِ تُجَاهَ الْمُحَال عَلَيْهِ دُونَ الْمُحِيل. (٣)
هـ - لَوْ مَاتَ الْمُحِيل حَوَالَةً مُطْلَقَةً، لاَ يَأْخُذُ الْمُحَال الدَّيْنَ مِنْ تَرِكَتِهِ، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ بَاقِيَةٌ
_________
(١) البحر مع حواشيه ٦ / ٢٦٨ و٢٦٩.
(٢) شرح المنهاج ٢ / ٢٠٩، مغني المحتاج ٢ / ١٩٥، والفروع ٢ / ٦٢٣، ومطالب أولي النهى ٣ / ٢٩٦ و٢٩٨.
(٣) البحر ٦ / ٢٦٧.
وَمُقْتَضَاهَا بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ كَفِيلًا مِنْ وَرَثَتِهِ أَوِ الْغُرَمَاءِ، لِئَلاَّ يَتْوَى حَقُّهُ.
الْمُحِيل ضَامِنٌ لِدَيْنِ الْحَوَالَةِ:
١٠٩ - هَذَا الْحُكْمُ انْفَرَدَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ لِمَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنَّهُ إِذَا عَجَزَ الْمُحَال عَنِ الْوُصُول إِلَى حَقِّهِ مِنْ طَرِيقِ الْمُحَال عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيل بِدَيْنِهِ، كَمَا كَانَ أَوَّلًا. وَلَوْلاَ هَذَا الضَّمَانُ لَمَا اسْتَقَامَ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ ضَمَانٌ بِاعْتِبَارِ الْمَال لاَ بِاعْتِبَارِ الْحَال، وَلَوْ شَرَطَ ضَمَانَهُ فِي الْحَال لَصَارَتْ كَفَالَةً. (١)
٢ - أَثَرُ الْحَوَالَةِ فِي عَلاَقَةِ الْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ:
١١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ تَشْغَل ذِمَّةَ الْمُحَال عَلَيْهِ بِحَقٍّ أَنْشَأَتْهُ الْحَوَالَةُ لِلْمُحَال، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي حَقِيقَةِ هَذَا الاِشْتِغَال: هَل هُوَ انْتِفَاءُ الدَّيْنِ، أَوِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ، أَوْ مُجَرَّدُ اشْتِغَال ذِمَّةٍ جَدِيدَةٍ دُونَ انْتِقَالٍ (كَمَا فِي الْكَفَالَةِ) .
فَالْمُهِمُّ أَنَّ الْحَوَالَةَ كَمَا أَحْدَثَتْ بَرَاءَةً فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل عَلَى اخْتِلاَفٍ فِي نَوْعِ هَذِهِ الْبَرَاءَةِ وَدَرَجَتِهَا، قَدْ أَحْدَثَتْ شُغْلًا فِي ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ.
وَيَتَفَرَّعُ عَنْ هَذَا الشُّغْل مَا يَلِي:
أ - ثُبُوتُ وِلاَيَةٍ لِلْمُحَال فِي مُطَالَبَةِ الْمُحَال عَلَيْهِ:
١١١ - وَهِيَ مُطَالَبَةٌ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ فِي ذِمَّةِ الْمُحَال
_________
(١) الخانية بهامش الفتاوى الهندية ٣ / ٧٨.
عَلَيْهِ (عَلَى الْمُصَحَّحِ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْحَوَالَةَ تَنْقُل الدَّيْنَ أَيْضًا، لاَ الْمُطَالَبَةَ وَحْدَهَا) أَوْ هِيَ مُطَالَبَةٌ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ وَلاَ تَنْقُل الدَّيْنَ، سَوَاءٌ أَنَقَلَتِ الْمُطَالَبَةَ أَمْ لاَ. وَعَلَى كُل حَالٍ فَهَذِهِ الْوِلاَيَةُ لَيْسَتْ أَثَرًا مُبَاشِرًا لِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ بَل بِوَاسِطَةِ الأَْثَرِ السَّابِقِ: أَعْنِي اشْتِغَال ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ بِحَقِّ الْمُحَال. (وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ حِينَ يَكُونُ لَهُ حَقُّ مُطَالَبَةِ الْمُحِيل أَيْضًا، بِسَبَبِ اشْتِرَاطِ عَدَمِ بَرَاءَتِهِ، تَكُونُ الْحَوَالَةُ قَدْ تَجَاوَزَتْ نِطَاقَهَا وَصَارَتْ كَفَالَةً) .
ثُمَّ قَدْ تَسْقُطُ هَذِهِ الْوِلاَيَةُ قَبْل الإِْيفَاءِ - إِمَّا بِاخْتِيَارِ الْمُحَال، وَإِمَّا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ.
فَمِنَ الْحَالَةِ الأُْولَى - أَنْ يُبَرِّئَ الْمُحَال الْمُحَال عَلَيْهِ إِبْرَاءَ إِسْقَاطٍ، أَوْ إِبْرَاءَ اسْتِيفَاءٍ، وَتُعْتَبَرُ هَذِهِ الأَْخِيرَةُ إِقْرَارًا بِالْوَفَاءِ.
وَمِنَ الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ - أَنْ يُقَدِّمَ الْمُحِيل وَفَاءَ دَيْنِهِ، إِذْ الْمُحَال يُجْبَرُ حِينَئِذٍ عَلَى قَبُول هَذَا الْوَفَاءِ.
وَأَمَّا إِجْبَارُ الْمُحَال عَلَى قَبُول إِيفَاءِ دَيْنِهِ مِنَ الْمُحِيل، فَلَمْ نَجِدْ أَحَدًا عَدَا الْمَالِكِيَّةِ، يُوَافِقُ عَلَيْهِ بِصَرِيحِ الْعِبَارَةِ أَوْ مَا يُشْبِهُ صَرِيحَهَا، إِلاَّ إِذَا كَانَ بِسُؤَالٍ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ حِينَئِذٍ نَائِبٌ عَنْهُ فِي إِقْبَاضِ الطَّالِبِ، أَمَّا الْمُبَادَرَةُ التِّلْقَائِيَّةُ، فَإِنَّ الْمُحِيل يَكُونُ بِهَا مُتَبَرِّعًا، حَتَّى إِنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ عَلَى أَحَدٍ - خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ -
فَهِيَ مِنْهُ مِنَّةٌ، وَلاَ يُوجِبُ أَحَدٌ قَبُول الْمِنَنِ إِذَا اسْتَثْنَيْنَا الْمَالِكِيَّةَ عِنْدَ اللُّجُوءِ إِلَى الْقَضَاءِ: فَهُمْ عِنْدَئِذٍ فَقَطْ يُوَافِقُونَ الْحَنَفِيَّةَ عَلَى هَذَا الإِْجْبَارِ. (١)
ب - ثُبُوتُ حَقٍّ لِلْمُحَال فِي مُلاَزَمَةِ الْمُحَال عَلَيْهِ:
١١٢ - لاَ خِلاَفَ فِي هَذَا الْحَقِّ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَعْرِضُ الْخِلاَفُ فِي بَعْضِ النَّتَائِجِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ. فَمِنَ الْمُقَرَّرِ - مَثَلًا - أَنَّهُ إِذَا كَانَ بِالدَّيْنِ أَكْثَرُ مِنْ ضَامِنٍ، وَأُحِيل عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَإِنَّ لِلْمُحَال - كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - أَنْ يُطَالِبَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ: إِنْ شَاءَ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، وَإِنْ شَاءَ بِبَعْضٍ مِنْهُ. (٢)
وَإِذَنْ يَتَوَجَّهُ السُّؤَال التَّالِي: إِذَا أَحَال الدَّائِنُ بِدَيْنِهِ عَلَى اثْنَيْنِ كَفَلاَهُ لَهُ مَعًا، كَمَا لَوْ قَال أَحَدُهُمَا: ضَمِنْتُ لَكَ أَنَا، وَهَذَا، مَا لَكَ عَلَى فُلاَنٍ، وَقَال الآْخَرُ: نَعَمْ.
فَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُطَالِبُ كُلًّا مِنْهُمَا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ - وَلِنَفْرِضَ أَنَّهُ أَلْفٌ - قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ رَهَنَا بِهِ بَيْتَهُمَا الْمُشْتَرَكَ، فَإِنَّ حِصَّةَ كُلٍّ مِنْهُمَا تَكُونُ رَهْنًا بِجَمِيعِ الأَْلْفِ.
_________
(١) البحر ٦ / ٢٤٩، والزيلعي وحواشيه ٤ / ١٥٧، الخرشي على خليل ٤ / ٢٤١، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٧٨، ومطالب أولي النهى ٣ / ٢٢٥، ٢٣٠.
(٢) البجيرمي على المنهج ٣ / ٢٣، ومطالب أولي النهى ٣ / ٢٩٧ و٣٢٢.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُطَالِبُ كُلًّا مِنْهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ لاَ غَيْرُ، قِيَاسًا عَلَى مَا لَوِ اشْتَرَيَا بَيْتًا بِأَلْفٍ، فَإِنَّ الثَّمَنَ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مُنَاصَفَةً. (١)
ج - عَدَمُ جَوَازِ امْتِنَاعِ الْمُحَال عَلَيْهِ عَنِ الدَّفْعِ:
١١٣ - يَلُومُ الْمُحَال عَلَيْهِ بِالأَْدَاءِ إِلَى الْمُحَال بِمُقْتَضَى عَقْدِ الْحَوَالَةِ، وَلَيْسَ لَهُ الاِمْتِنَاعُ سَوَاءٌ أَوَقَعَ الْتِزَامُ الدَّفْعِ فِي الْحَوَالَةِ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ أَمْ بِمَا فِي مَعْنَاهَا.
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا تَعَلَّل الْمُحَال عَلَيْهِ بِعِلَّةٍ تُوجِبُ بَرَاءَةَ الْمُحِيل، لِيَبْرَأَ هُوَ بِذَلِكَ عَنِ الدَّفْعِ، فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ حَالَتَيْنِ:
(الْحَالَةُ الأُْولَى): حَالَةُ ادِّعَائِهِ أَمْرًا مُسْتَنْكَرًا، أَوْ وُقُوفِهِ مَوْقِفَ الْمُتَنَاقِضِ.
وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، مِثَال ذَلِكَ: أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ دَيْنَ الْحَوَالَةِ لاَ وُجُودَ لَهُ أَصْلًا عَلَى التَّحْقِيقِ، لأَِنَّهُ ثَمَنُ خَمْرٍ بَاعَهَا مُسْلِمٌ، أَوْ لأَِنَّهُ صَدَاقُ امْرَأَةٍ نِكَاحُهَا فَاسِدٌ لِكَذَا وَكَذَا، فَلاَ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ بَيِّنَةٌ لاَ تُقْبَل، لأَِنَّهُ أَوَّلًا يَدَّعِي أَمْرًا نُكْرًا لَيْسَ بِالظَّاهِرِ مِنْ شَأْنِ الْمُسْلِمِينَ، وَلأَِنَّهُ ثَانِيًا مُتَنَاقِضٌ مَعَ نَفْسِهِ: إِذْ قَبُولُهُ الْحَوَالَةَ يُكَذِّبُ دَعْوَاهُ.
_________
(١) الخرشي على خليل ٤ / ٢٤٧، ومطالب أولي النهى ٣ / ٣٢٢، وفتاوى السبكي ١ / ٣٧٢، ٣٧٥، ومغني المحتاج على المنهاج ٢ / ٢٠٨، ونهاية المحتاج على المنهاج ٤ / ٤٤٤.
(وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ): حَالَةُ عَدَمِ النَّكَارَةِ وَالتَّنَاقُضِ كِلَيْهِمَا.
وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَتُقْبَل بَيِّنَتُهُ، لأَِنَّهُ يَدَّعِي مُشَبَّهًا، وَيُبَرْهِنُ عَلَيْهِ، مِثَال ذَلِكَ، أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ دَيْنَ الْحَوَالَةِ صَدَاقُ امْرَأَةٍ كَانَتْ أَبْرَأَتْ مِنْهُ زَوْجَهَا الْمُحِيل، أَوْ أَنَّ الزَّوْجَ قَدْ نَقَدَهَا إِيَّاهُ بَعْدُ، أَوْ بَاعَهَا بِهِ شَيْئًا وَأَقْبَضَهَا.
وَهَكَذَا إِذَا كَانَ الْمُحِيل نَفْسُهُ حَاضِرًا، وَادَّعَى مُبَرِّئًا، لِيَبْرَأَ هُوَ أَوَّلًا، ثُمَّ يَبْرَأَ الْمُحَال عَلَيْهِ تَبَعًا، أَعْنِي أَنَّهُ يَكُونُ عَلَى النَّحْوَيْنِ الآْنِفَيْنِ: إِمَّا مَرْفُوضُ الدَّعْوَى، أَوْ مَقْبُول الْبَيِّنَةِ. (١)
د - الضَّمَانَاتُ وَالدُّفُوعُ:
١١٤ - الْحَقُّ الَّذِي اشْتَغَلَتْ بِهِ ذِمَّةُ الْمُحَال عَلَيْهِ هُوَ الدَّيْنُ الَّذِي كَانَ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ حُقُوقٍ، لَكِنِ الْفُقَهَاءُ اخْتَلَفُوا:
١ - هَل يَنْتَقِل الدَّيْنُ بِضَمَانَاتِهِ الَّتِي كَانَتْ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل، أَمْ لاَ؟
١١٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى بَقَاءِ الضَّمَانَاتِ الَّتِي هِيَ لِمَصْلَحَةِ الْمَدِينِ - كَالأَْجَل، وَأَسْبَابِ سُقُوطِ الدَّيْنِ الْمُحَال بِهِ أَصَالَةً أَوْ إِيفَاءً - وَإِلَى سُقُوطِ الضَّمَانَاتِ الَّتِي هِيَ لِمَصْلَحَةِ الدَّائِنِ كَالرَّهْنِ، وَالْكَفَالَةِ، بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ بِالدَّيْنِ الْمُوَثَّقِ عَلَيْهِ، لأَِنَّهَا كَالْقَبْضِ، وَيُسْتَدَلُّونَ عَلَى أَنَّهَا
_________
(١) البحر ٦ / ٢٤٣، ٢٤٤ - ٢٧١، والمبسوط للسرخسي ٢٠ / ٥٦، ٥٨، وابن عابدين على الدر ٤ / ٢٧١.
كَالْقَبْضِ، بِسُقُوطِ حَبْسِ الْبَائِعِ الْمَبِيعِ إِذَا أَحَالَهُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، وَسُقُوطِ حَبْسِ الزَّوْجَةِ نَفْسَهَا إِذَا أَحَالَهَا الزَّوْجُ بِالصَّدَاقِ.
بَل نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا شَرَطَ فِي عَقْدِ الْحَوَالَةِ بَقَاءَ الرَّهْنِ بَطَلَتْ، إِنْ كَانَ هَذَا الشَّرْطُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، لأَِنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ، وَوَثِيقَةٌ بِغَيْرِ دَيْنٍ. (١)
١١٦ - وَفِي كَلاَمِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ مَا قَدْ يُشْعِرُ بِأَنَّ الدَّيْنَ يَنْتَقِل بِضَمَانَاتِهِ، لأَِنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ فِي التَّعْبِيرِ عَنِ انْتِقَالِهِ صِيَغَ عُمُومٍ تَشْمَل تِلْكَ الضَّمَانَاتِ: فَهُمْ مَثَلًا حِينَ يُعَلِّلُونَ لِمَاذَا تَكُونُ الْحَوَالَةُ بِدَيْنٍ حَالٍّ عَلَى الْمُحَال حَالَّةً، كَذَلِكَ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، وَبِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ مُؤَجَّلَةً؟ يَقُولُونَ: لأَِنَّ الْحَوَالَةَ لِتَحْوِيل الدَّيْنِ مِنَ الأَْصِيل، وَإِنَّمَا يَتَحَوَّل بِالصِّفَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى الأَْصِيل.
وَلَكِنْ يَبْدُو أَنَّ هَذَا التَّعْمِيمَ غَيْرُ مَقْصُودٍ إِلاَّ فِيمَا يُشْبِهُ الأَْجَل مِنْ وُجُوهِ الدَّفْعِ وَالتَّبَرِّي الَّتِي كَانَتْ لِلْمَدِينِ. وَلِذَا حِينَ يُعَالِجُونَ مَسَائِل التَّأْمِينَاتِ وَالضَّمَانَاتِ، نَجِدُهُمْ قَاطِعِينَ بِنَفْيِ انْتِقَالِهَا، بَل بِانْقِضَائِهَا بِمُجَرَّدِ إِبْرَامِ عَقْدِ الْحَوَالَةِ. (٢)
_________
(١) نهاية المحتاج ٤ / ٤١٣، ومغني المحتاج ٢ / ١٩٥، والخرشي على خليل ٤ / ٢٤٣، وكشاف القناع ٣ / ٣٨١، الفروع ٢ / ٦٢٣.
(٢) فتح القدير ٥ / ٤٥١، وحواشي البحر ٦ / ٢٧٠، البحر الرائق ٦ / ٢٧١.
وَالاِتِّجَاهُ الْغَالِبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الضَّمَانَاتِ.
(النَّوْعُ الأَْوَّل) - ضَمَانَاتٌ لِمَصْلَحَةِ الدَّائِنِ:
١١٧ - كَالْكَفَالَةِ وَالرَّهْنِ، وَحَقِّ الْبَائِعِ فِي حَبْسِ الْمَبِيعِ بِالثَّمَنِ، وَحَقِّ الْمَرْأَةِ فِي حَبْسِ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ مُعَجَّل مَهْرِهَا وَثِيقَةً بِهِ. وَهَذِهِ لاَ تَنْتَقِل مَعَ الدَّيْنِ بِمَعْنَى أَنَّهَا لاَ تَسْتَمِرُّ ضَمَانًا بِهِ مَحَلُّهُ الْجَدِيدُ، بَل تَنْقَضِي بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ، لأَِنَّ انْتِقَال الدَّيْنِ عَنْ ذِمَّةِ الْمَدِينِ الْمُحِيل هُوَ بَرَاءَةٌ لِذِمَّتِهِ، فَلاَ مَسَاغَ لِلتَّوَثُّقِ عَلَيْهَا بَعْدَ بَرَاءَتِهَا، وَإِذَنْ فَالدَّيْنُ بِانْتِقَالِهِ يَتَجَرَّدُ مِنْ ضَمَانَاتِهِ تِلْكَ، وَيَكُونُ فِي مَحَلِّهِ الْجَدِيدِ غَيْرَ مَضْمُونٍ بِهَا.
وَلِلدَّائِنِ أَنْ يُطَالِبَ الْمُحَال عَلَيْهِ بِوَثِيقَةٍ جَدِيدَةٍ يُنْشِئَانِهَا مَعًا - فَإِنْ وَافَقَ فَذَاكَ، وَإِنْ أَبَى فَلاَ سَبِيل عَلَيْهِ، وَلِذَا جَاءَ فِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ: (جَازَ لِلْمُحَال أَنْ يَسْتَرْهِنَ مِنْهُ، أَيِ الْمُحَال عَلَيْهِ) . (١)
(النَّوْعُ الثَّانِي) - ضَمَانَاتٌ لِمَصْلَحَةِ الْمَدِينِ:
١١٨ - وَهِيَ الأَْسْبَابُ وَالْحُجَجُ الَّتِي تَكُونُ لِلْمَدِينِ التَّعَلُّقُ بِهَا، لِدَفْعِ دَعَاوَى دَائِنِيهِ، وَلِذَا تُسَمَّى فِي الْعُرْفِ الْحَاضِرِ بِالدُّفُوعِ، كَالأَْجَل
_________
(١) فتح القدير ٥ / ٤٤٦، ومجمع الأنهر ٢ / ١٤١، والبحر ٦ / ٢٦٧.