الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨
يُتَعَلَّقُ بِهِ لِدَفْعِ الْمُطَالَبَةِ قَبْل حُلُول الدَّيْنِ، وَاسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ، أَوْ عَدَمِ تَقَوُّمِهِ، لِدَفْعِ الْمُطَالَبَةِ بِثَمَنِهِ، وَسَبَقَ الْوَفَاءُ أَوِ التَّقَاصُّ، لِدَفْعِ دَعْوَى بَقَاءِ الذِّمَّةِ مَشْغُولَةً، وَهَذِهِ حَيْثُ لاَ مَانِعَ تَنْسَحِبُ عَلَى الدَّيْنِ فِي مَحَلِّهِ الْجَدِيدِ. وَلاَ يَنْتَقِل مُجَرَّدًا عَنْهَا، إِذْ يَكُونُ لِلْمُحَال عَلَيْهِ التَّمَسُّكُ بِهَا، كَمَا كَانَ هَذَا التَّمَسُّكُ لِلْمُحِيل، وَمَا يَزَال، فَيُمْكِنُ الْقَوْل: إِنَّ الدَّيْنَ يَنْتَقِل بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الضَّمَانَاتِ، لأَِنَّهَا تُسْنَدُ إِلَى مَدْيُونِيَّةِ الْمُحِيل الَّتِي هِيَ أَسَاسُ الْحَوَالَةِ، وَإِنْ بَقِيَتْ أَيْضًا فِي مَحَلِّهِ الأَْوَّل، فَهِيَ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ.
إِلاَّ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ لاَ يَتَوَلَّى الدَّفْعَ بِغَيْرِ الأَْجَل مِمَّا ذُكِرَ إِلاَّ نِيَابَةً عَنِ الأَْصِيل، فَمَا لَمْ تَثْبُتْ تِلْكَ النِّيَابَةُ، بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ، لاَ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ. (١) لَكِنْ فِي حَالَةِ غَيْبَةِ الأَْصِيل لَهُ التَّعَلُّقُ بِهَذِهِ الدُّفُوعِ دُونَ نِيَابَةٍ، وَلِذَا جَاءَ فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ: (غَابَ الْمُحِيل، وَزَعَمَ الْمُحَال عَلَيْهِ أَنَّ مَال الْمُحَال عَلَى الْمُحِيل كَانَ ثَمَنَ خَمْرٍ) لاَ تَصِحُّ دَعْوَاهُ، وَإِنْ بَرْهَنَ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا فِي الْكَفَالَةِ. وَلَوْ أَحَال امْرَأَتَهُ بِصَدَاقِهَا عَلَى رَجُلٍ، وَقَبِل الْحَوَالَةَ، ثُمَّ غَابَ الزَّوْجُ، فَأَقَامَ الْمُحَال عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّ نِكَاحَهَا كَانَ فَاسِدًا، وَبَيَّنَ لِذَلِكَ وَجْهًا، لاَ تُقْبَل بَيِّنَتُهُ، وَلَوِ
_________
(١) نصت المجلة في المادة ٦٩٧ على أن الحوالة إذا كانت مبهمة من حيث التعجيل والتأجيل تتبع في ذلك الدين الأصلي.
ادَّعَى أَنَّهَا كَانَتْ أَبْرَأَتْ زَوْجَهَا عَنْ صَدَاقِهَا، أَوْ أَنَّ الزَّوْجَ أَعْطَاهَا الْمَهْرَ، أَوْ بَاعَ بِصَدَاقِهَا مِنْهَا شَيْئًا وَقَبَضَتْهُ، قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ، وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ غَيْرَ مَقْبُوضٍ لاَ تُقْبَل بَيِّنَتُهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ مُدَّعِيَ فَسَادِ النِّكَاحِ مُتَنَاقِضٌ، أَوْ لأَِنَّهُ يَدَّعِي أَمْرًا مُسْتَنْكَرًا فَلاَ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، بِخِلاَفِ دَعْوَى الإِْبْرَاءِ أَوِ الْبَيْعِ - أَيْ بَيْعِ الزَّوْجِ لاِمْرَأَتِهِ شَيْئًا بِصَدَاقِهَا - لأَِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ، وَكَذَا فِي الْكَفَالَةِ. فَعَلَى هَذَا لَوِ ادَّعَى الْمُحِيل أَنَّهُ أَوْفَاهُ الدَّيْنَ بَعْدَهَا تُسْمَعُ وَتُقْبَل بَيِّنَتُهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ (١)
وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ النَّوْعِيَّةِ مِنَ الضَّمَانِ فِي الْحُكْمِ هُوَ الاِتِّجَاهُ الْغَالِبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَخَالَفَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ - عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ قَائِلٌ كَأَبِي يُوسُفَ بِانْتِقَال الدَّيْنِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ لاَ الْمُطَالَبَةِ فَقَطْ - لأَِنَّهُ يَرَى أَنَّ النَّوْعَ الأَْوَّل مِنَ الضَّمَانَاتِ يَنْتَقِل أَيْضًا مَعَ الدَّيْنِ، وَيَكُونُ وَثِيقَةً بِهِ فِي مَحَلِّهِ الْجَدِيدِ، لاَ تَنْفَكُّ إِلاَّ بِسُقُوطِهِ وَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْهُ.
٣ - أَثَرُ الْحَوَالَةِ فِي عَلاَقَةِ الْمُحِيل وَالْمُحَال عَلَيْهِ:
أ - حَقُّ الْمُحَال عَلَيْهِ فِي مُلاَزَمَةِ الْمُحِيل:
١١٩ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ مُلاَزَمَةَ الْمُحَال عَلَيْهِ لِلْمُحِيل خَاصَّةً بِالْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ. أَمَّا مُلاَزَمَةُ
_________
(١) البحر ٦ / ٢٧١.
الْمُحَال لِلْمُحَال عَلَيْهِ فَهِيَ حُكْمٌ عَامٌّ يَثْبُتُ فِي كُل حَوَالَةٍ. وَهَذَانِ الْحَقَّانِ فِي اللاَّزِمَةِ أَحَدُهُمَا - وَهُوَ حَقُّ الْمُحَال عَلَيْهِ - تَبَعٌ لِلآْخَرِ - وَهُوَ حَقُّ الْمُحَال - مَا دَامَ الْوَفَاءُ لَمْ يَتِمَّ بَعْدُ. (١) فَإِنَّ الْمُحَال إِذَا لاَزَمَ الْمُحَال عَلَيْهِ، كَانَ لِلْمُحَال عَلَيْهِ أَنْ يُلاَزِمَ الْمُحِيل، لِيُخَلِّصَهُ وَإِذَا حَبَسَهُ الْمُحَال، كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الْمُحِيل، لِهَذَا الْغَرَضِ نَفْسِهِ، لَكِنْ بِشَرِيطَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ:
١ - أَنْ تَكُونَ الْحَوَالَةُ بِإِذْنِ الْمُحِيل، أَعْنِي الْمَدِينَ الأَْصْلِيَّ.
٢ - وَأَنْ تَكُونَ الْحَوَالَةُ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ، لأَِنَّهُ عِنْدَ تَوَافُرِ هَذِهِ الشَّرَائِطِ، يَكُونُ الْمُحِيل هُوَ الَّذِي جَرَّ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ هَذِهِ التَّبَعَةَ، فَعُهْدَةُ تَخْلِيصِهِ عَلَيْهِ جَزَاءً وِفَاقًا.
أَمَّا إِذَا لَمْ يُلاَزِمْهُ الْمُحَال أَوْ يَحْبِسْهُ، فَبِأَيِّ حَقٍّ يُلاَزِمُ هُوَ الْمُحِيل أَوْ يَحْبِسُهُ، وَالْفَرْضُ أَنْ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ فَإِذَا لَمْ تَكُنِ الْحَوَالَةُ بِإِذْنِ الْمُحِيل يَكُونُ الْمُحَال عَلَيْهِ مُتَبَرِّعًا بِالْتِزَامِهَا، فَلاَ يَتَوَجَّهُ لَهُ عَلَى الْمُحِيل حَقٌّ، وَإِذَا كَانَتِ الْحَوَالَةُ مُقَيَّدَةً لَمْ تَكُنْ مُلاَزَمَتُهُ لِلْمُحِيل، أَوْ حَبْسُهُ بِأَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ، فَيَمْتَنِعَانِ إِذْ لَوِ اسْتَعْمَل هُوَ حَقَّهُ فِي ذَلِكَ لَعَامَلَهُ الْمُحِيل بِالْمِثْل، فَلاَ تَكُونُ ثَمَّ جَدْوَى. (٢)
_________
(١) فتح القدير ٥ / ٤٥١، البحر ٦ / ٢٧٣.
(٢) البدائع ٦ / ١٩، والبحر ٦ / ٢٦٩.
١٢٠ - وَوَاضِحٌ أَنَّ الشَّرَائِطَ الَّتِي شَرَطَهَا الْحَنَفِيَّةُ لِمُلاَزَمَةِ الْمُحَال عَلَيْهِ الْمُحِيل، يَسْتَغْنِي غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ مِنْهَا عَنْ شَرِيطَةِ رِضَا الْمُحِيل، إِذِ الْحَوَالَةُ عِنْدَهُمْ لاَ تَكُونُ إِلاَّ بِرِضَاهُ (ر: ف ٣٣) كَمَا يَسْتَغْنُونَ - بِاسْتِثْنَاءِ مُثْبِتِي الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ مِنْهُمْ - عَنْ شَرِيطَةِ الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ عِنْدَهُمْ لاَ تَكُونُ إِلاَّ مُقَيَّدَةً (ر: ف ٢٥) .
ب - حَقُّ الْمُحَال عَلَيْهِ فِي الرُّجُوعِ:
أَوَّلًا - حَالَةُ الأَْدَاءِ الْفِعْلِيِّ:
١٢١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ اسْتِحْقَاقَ رُجُوعِ الْمُحَال عَلَيْهِ بَعْدَ أَدَائِهِ دَيْنَ الْحَوَالَةِ، لاَ يُتَصَوَّرُ فِي حَوَالَةٍ صَحِيحَةٍ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ نُفَاةِ الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ، لأَِنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ هُوَ مَدِينٌ لِلْمُحِيل، فَمَا يُؤَدِّيهِ بِحُكْمِ الْحَوَالَةِ إِنَّمَا يُوَفِّي بِهِ ذِمَّتَهُ الْمُحَال عَلَيْهَا، فَلاَ رُجُوعَ لَهُ (ر: ف ٢٥ و٦٦)
١٢٢ - وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ مَتَى أَدَّى الْمُحَال عَلَيْهِ إِلَى الْمُحَال اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ عَلَى الْمُحِيل إِذَا تَوَافَرَتْ شَرَائِطُ الرُّجُوعِ التَّالِيَةُ:
(١) - أَنْ تَكُونَ الْحَوَالَةُ بِرِضَا الْمُحِيل:
لأَِنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ حِينَئِذٍ إِذَا أَدَّى لاَ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا، بَل يَكُونُ فِي حَقِيقَةِ الأَْمْرِ قَدِ اشْتَرَى مِنَ الْمُحَال الدَّيْنَ الَّذِي لَهُ فِي ذِمَّتِهِ بِمَا أَدَّاهُ هُوَ إِلَيْهِ، وَحَيْثُ مَلَكَ الدَّيْنَ اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بِهِ عَلَى
الْمَدِينِ، كَمَا لَوْ وَرِثَهُ أَوْ وَهَبَ مِنْهُ، أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْحَوَالَةُ بِغَيْرِ رِضَا الْمَدِينِ، كَمَا لَوْ قَال قَائِلٌ لِلطَّالِبِ: لَكَ عَلَى فُلاَنٍ أَلْفٌ فَاحْتَل بِهَا عَلَيَّ فَقَبِل الطَّالِبُ، فَإِنَّ الْحَوَالَةَ حِينَئِذٍ صَحِيحَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَلَكِنْ لاَ تَثْبُتُ لِلْمُحَال عَلَيْهِ وِلاَيَةُ الرُّجُوعِ عَلَى الْمَدِينِ إِذَا أَدَّى، لأَِنَّهُ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا بِالأَْدَاءِ، لاَ مَالِكًا لِلدَّيْنِ بِطَرِيقِ الشِّرَاءِ حَذَرًا مِنْ تَمْلِيكِ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ. وَإِنَّ الرُّجُوعَ فِي الْحَوَالَةِ يَكُونُ بِحُكْمِ الْمِلْكِ. (١)
(٢) أَنْ يُؤَدِّيَ الْمُحَال عَلَيْهِ مَال الْحَوَالَةِ إِلَى الْمُحَال:
لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يُؤَدِّ لَمْ يَمْلِكَ الدَّيْنَ، وَهُوَ إِنَّمَا يَرْجِعُ بِحُكْمِ مِلْكِهِ.
(٣) أَنْ لاَ يَكُونَ الْمُحَال عَلَيْهِ مَدِينًا لِلْمُحِيل بِمِثْل دَيْنِهِ:
لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ مَدِينًا لاَلْتَقَى الدَّيْنَانِ وَوَقَعَ التَّقَاصُّ، وَمِنْ ثَمَّ يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ، لأَِنَّهُ لَوْ رَجَعَ عَلَى الْمُحِيل، لَرَجَعَ الْمُحِيل عَلَيْهِ، فَيَكُونُ عَبَثًا. (٢)
١٢٣ - وَيَرْجِعُ الْمُحَال عَلَيْهِ بِالْمُحَال بِهِ، إِلاَّ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، هِيَ مَا إِذَا صَالَحَ الْمُحَال عَلَيْهِ الْمُحَال عَنْ حَقِّهِ بِأَقَل مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا أَدَّى.
_________
(١) البدائع ٦ / ١٩، والبحر ٦ / ٢٦٣.
(٢) فتح القدير على الهداية ٥ / ٤٠٨، البدائع ٦ / ١٩.
فَمَثَلًا لَوْ كَانَ حَقُّهُ مِائَةَ دِينَارٍ فَصَالَحَهُ عَنْهَا بِثَمَانِينَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ إِلاَّ بِالثَّمَانِينَ الَّتِي أَدَّاهَا.
وَالْمُحَال عَلَيْهِ بِعَيْنٍ لِلْمُحِيل عِنْدَهُ، كَوَدِيعَةٍ إِذَا لَمْ يُعْطِ الْمُحَال تِلْكَ الْعَيْنَ نَفْسَهَا، وَإِنَّمَا قَضَى الدَّيْنَ مِنْ مَالِهِ هُوَ، يُعَدُّ مُتَبَرِّعًا لاَ رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمُحِيل قِيَاسًا، لَكِنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا، وَمَنَحُوهُ حَقَّ الرُّجُوعِ بِمَا أَدَّى، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ غُرَمَاءُ فَإِنَّهُ يُحَاصُّهُمْ. (١)
ثَانِيًا: حَالَةُ الأَْدَاءِ الْحُكْمِيِّ:
١٢٤ - يَقُومُ مَقَامَ الأَْدَاءِ الْفِعْلِيِّ الأَْدَاءُ الْحُكْمِيُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. (٢)
وَفِي حَالَةِ الأَْدَاءِ الْحُكْمِيِّ بِطَرِيقِ الْحَوَالَةِ، أَيْ إِذَا أَحَال الْمُحَال عَلَيْهِ الطَّالِبَ عَلَى غَيْرِ الْمُحِيل، لاَ يَمْلِكُ الْمُحَال عَلَيْهِ الأَْوَّل حَقَّ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل، إِلاَّ بَعْدَ قَبْضِ الطَّالِبِ فِعْلًا مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ الثَّانِي، وَعَلَّلَهُ السَّرَخْسِيُّ بِقَوْلِهِ: (لأَِنَّهُ بِعُرْضَةِ الْعَوْدِ عَلَى الأَْصِيل، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا) . (٣)
_________
(١) البحر ٦ / ١٧٣، ٢٧٤.
(٢) الذي يستفاد من كلام البدائع (٦ / ١٩) وغيره أن الأداء الحكمي (الذي هو في معنى الأداء الفعلي) يتحقق فيما إذا ملك المحال عليه الدين المحال بسبب من أسباب الملكية، كالإرث أو الهبة أو الصدقة.
(٣) المبسوط ٢٠ / ٧١، وهو قد فرض كلامه في الإحالة بمؤجل إلى أجل مثله أو أكثر أو أقل ولكن الأجل لا تأثير له في هذا الحكم، فأمكن تعميمه ومراده بالأصيل: المحيل الثاني الذي هو المحال عليه الأول.
ج - حَقُّ الْمُحِيل فِي مُطَالَبَةِ الْمُحَال عَلَيْهِ:
١٢٥ - يُقَرِّرُ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ فِي الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَدِينًا لِلْمُحِيل أَوْ عِنْدَهُ لَهُ عَيْنٌ، وَإِمَّا أَنْ لاَ يَكُونَ:
(أ) فَإِنْ كَانَ: طُولِبَ بَعْدَ الْحَوَالَةِ بِدَيْنَيْنِ، أَوْ دَيْنٍ وَعَيْنٍ.
١ - دَيْنُ الْحَوَالَةِ الَّذِي الْتَزَمَهُ بِمُقْتَضَاهَا وَنَشَأَ مَعَهُ لِلْمُحَال حَقُّ مُطَالَبَةٍ لَمْ تَكُنْ.
٢ - وَدَيْنُ الْمُحِيل الْقَائِمُ بِذِمَّتِهِ مِنْ قَبْل، أَوْ مَالُهُ الَّذِي عِنْدَهُ، مُقْتَرِنًا بِحَقِّ مُطَالَبَةٍ قَدِيمَةٍ، فَإِنَّ هَذَا الْحَقَّ الْقَدِيمَ لاَ يَنْقَطِعُ بِسَبَبِ الْحَوَالَةِ، لأَِنَّهَا لَمْ تُقَيَّدْ بِالدَّيْنِ السَّابِقِ وَلاَ بِالْعَيْنِ فَبَقِيَا كَمَا كَانَا بِحُقُوقِهِمَا كَامِلَةً، وَمِنْهَا حَقُّ الْمُحِيل فِي مُطَالَبَتِهِ وَالْقَبْضِ مِنْهُ.
وَيَظَل الْمُحَال عَلَيْهِ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى الْمُحَال، فَإِذَا أَدَّى سَقَطَ مَا عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْمُقَاصَّةِ لَكِنَّهَا مُقَاصَّةُ دَيْنٍ لِلْمُحَال عَلَيْهِ بِعَيْنٍ لِلْمُحِيل فَتَتَوَقَّفُ عَلَى التَّرَاضِي.
(ب) وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُحِيل عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَإِنَّمَا يُطَالَبُ بِدَيْنٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ دَيْنُ الْحَوَالَةِ لاَ غَيْرَهُ، ثُمَّ إِذَا أَدَّاهُ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل إِنْ كَانَتِ الْحَوَالَةُ بِرِضَاهُ، وَإِلاَّ فَلاَ رُجُوعَ عَلَيْهِ. (١)
_________
(١) ابن عابدين على الدر ٤ / ٢٩٤، وحواشي البحر ٦ / ٢٧٤، والأشباه والنظائر بحاشية الحموي ١ / ٤٩.
وَالطَّالِبُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ هُوَ الْمُحَال وَحْدَهُ، إِلاَّ أَنَّهُ فِي الْحَوَالَةِ الْمُؤَجَّلَةِ لاَ تُسْتَحَقُّ مُطَالَبَتُهُ أَثْنَاءَ الأَْجَل، فَهِيَ إِذَنْ لاَ تَحِل عَلَيْهِ إِلاَّ بِمَوْتِهِ هُوَ، لاَ بِمَوْتِ الْمُحِيل - وَإِنْ كَانَ تَأْجِيلُهُ تَابِعًا لِتَأْجِيل الْمُحِيل - لأَِنَّ حُلُول الأَْجَل فِي حَقِّ الأَْصِيل، إِنَّمَا هُوَ لاِسْتِغْنَائِهِ عَنِ الأَْجَل بِمَوْتِهِ، فَإِذَا مَاتَ هُوَ فَإِنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ مَا زَال عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ، وَفِي حَاجَةٍ إِلَى الأَْجَل، فَلاَ وَجْهَ لِحُلُولِهِ عَلَيْهِ بِحُلُولِهِ عَلَى الأَْصِيل، لأَِنَّ الأَْصِيل بَرِئَ عَنِ الدَّيْنِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَالْتَحَقَ بِالأَْجَانِبِ.
وَبَقَاءُ الْمُحِيل عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ لاَ يُؤَثِّرُ فِي حُلُول الأَْجَل عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ بِمَوْتِهِ هُوَ، لأَِنَّهُ اسْتَغْنَى عَنِ الأَْجَل بِمَوْتِهِ، ثُمَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي تَرِكَتِهِ وَفَاءٌ بِدَيْنِ الْحَوَالَةِ، اسْتَحَقَّ الطَّالِبُ الرُّجُوعَ عَلَى الْمُحِيل إِلَى أَجَلِهِ الأَْصْلِيِّ، لأَِنَّ هَذَا الأَْجَل لَمْ يَكُنْ سَقَطَ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا سَقَطَ فِي ضِمْنِ الْحَوَالَةِ حُكْمًا، وَقَدِ انْتُقِضَتِ الْحَوَالَةُ بِمَوْتِ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا فَيُنْتَقَضُ مَا تَضَمَّنَتْهُ، أَعْنِي سُقُوطَ الأَْجَل. نَظِيرُهُ: مَا لَوْ أَنَّ الْمَدِينَ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ بَاعَ بِهِ سِلْعَةً مِنْ دَائِنِهِ ثُمَّ اسْتُحِقَّتِ السِّلْعَةُ، فَإِنَّ الأَْجَل يَعُودُ، لأَِنَّ سُقُوطَهُ إِنَّمَا كَانَ بِحُكْمِ الْبَيْعِ، وَقَدِ انْتُقِضَ الْبَيْعُ.
نَعَمْ إِنْ كَانَ الأَْجَل بَاقِيًا لَكِنْ الْمُحَال عَلَيْهِ نَزَل عَنْهُ فَذَاكَ، إِذْ الأَْجَل حَقُّهُ فَيَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِ. (نَظِيرُهُ مَا لَوْ أَسْقَطَ الأَْصِيل الأَْجَل قَبْل الْحَوَالَةِ) ثُمَّ إِنْ أَدَّى قَبْل الْمَوْعِدِ الأَْصْلِيِّ لِحُلُول الأَْجَل
فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيل حَتَّى يَحِل ذَاكَ الْمَوْعِدُ، إِذْ إِسْقَاطُ الأَْجَل صَحِيحٌ فِي حَقِّهِ، لاَ فِي حَقِّ الْمُحِيل. (١)
١٢٦ - وَيُقَرِّرُ الْحَنَفِيَّةُ كَذَلِكَ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ أَنَّ الْمُحِيل لاَ يَمْلِكُ مُطَالَبَةَ الْمُحَال عَلَيْهِ بِالْمَال الَّذِي قُيِّدَ وَفَاؤُهَا بِهِ، لأَِنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُحَال، فَإِنَّهُ إِنَّمَا رَضِيَ بِنَقْل حَقِّهِ إِلَى الْمُحَال عَلَيْهِ عَلَى أَنْ يُوَفِّيَهُ حَقَّهُ مِمَّا لِلْمُحِيل عِنْدَهُ، فَتَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ اسْتِيفَائِهِ، فَلَوْ أَخَذَهُ الْمُحِيل لَبَطَل هَذَا الْحَقُّ، فَلاَ يُسَلَّطُ عَلَى أَخْذِهِ، وَإِلاَّ فَاتَ الرِّضَا، وَبَطُلَتِ الْحَوَالَةُ.
وَبِعِبَارَةٍ أَوْجَزَ: لَمَّا قُيِّدَتِ الْحَوَالَةُ بِشَيْءٍ تَعَلَّقَ حَقُّ الاِسْتِيفَاءِ بِهِ كَالرَّهْنِ، فَلاَ يُزَاحِمُ فِيهِ الْمُسْتَحِقَّ، وَلاَ يَدْفَعُ إِلَى غَيْرِهِ. فَإِذَا اتَّفَقَ أَنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ دَفَعَهُ إِلَى الْمُحِيل وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ لِلْمُحَال، لأَِنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُ، كَمَا لَوِ اسْتَهْلَكَ الرَّهْنَ أَحَدٌ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ لِصَاحِبِ حَقِّ الاِسْتِيفَاءِ مِنْهُ وَهُوَ الْمُرْتَهِنُ. (٢)
١٢٧ - وَهَذَانِ الأَْثَرَانِ لَيْسَا عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ مِنْ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ مُجَرَّدَ سُقُوطِ مُطَالَبَةِ الْمُحِيل وَمَنْعِ الدَّفْعِ إِلَيْهِ، لأَِنَّ حَقَّهُ صَارَ كَالْمَرْهُونِ، بَل عِنْدَ
_________
(١) فتح القدير ٥ / ٤٥١ - ٤٥٢، المبسوط للسرخسي ٢٠ / ٧١.
(٢) فتح القدير مع العناية ٥ / ٤٥١، والزيلعي على الكنز ٤ / ١٧٤، وابن عابدين على الدر ٤ / ٢٩٤.
الْجَمَاهِيرِ يَبْرَأُ الْمُحَال عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِ الْمُحِيل، وَمِنْ ثَمَّ يَمْتَنِعُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، لأَِنَّ حَقَّهُ صَارَ مِلْكًا لِلْمُحَال، وَلِذَا إِذَا تَوِيَ فَإِنَّمَا يَتْوَى عَلَى الْمُحَال نَفْسِهِ. (١)
انْتِهَاءُ الْحَوَالَةِ:
١٢٨ - انْتِهَاءُ الْحَوَالَةِ قَدْ يَكُونُ بِأَدَاءِ مَالِهَا إِلَى الْمُحَال، وَقَدْ يَكُونُ بِمَا يُسَاوِي هَذَا الأَْدَاءَ، وَقَدْ يَكُونُ بِدُونِ هَذَا وَذَاكَ، وَيُمْكِنُ تَرْتِيبُ ذَلِكَ. فِي فَرْعَيْنَ٥٠ أَوَّلًا - انْتِهَاءُ الْحَوَالَةِ بِالتَّنْفِيذِ:
١٢٩ - إِذَا أَدَّى الْمُحَال عَلَيْهِ مَال الْحَوَالَةِ - بِعَيْنِهِ إِنْ كَانَ عَيْنًا، وَبِمِثْلِهِ إِنْ كَانَ دَيْنًا - إِلَى الْمُحَال أَوْ مَنْ يَنُوبُ مَنَابَهُ فَهَذِهِ هِيَ غَايَتُهَا الْمَنْشُودَةُ.
وَمَتَى انْتَهَتْ إِلَى غَايَتِهَا فَلاَ بَقَاءَ لَهَا. بَل لَوْ تَحَقَّقَتْ هَذِهِ الْغَايَةُ لاَ عَنْ طَرِيقِ الْمُحَال عَلَيْهِ مُبَاشَرَةً، بَل عَنْ طَرِيقِ مُتَبَرِّعٍ بِالْوَفَاءِ - وَهُوَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مُتَبَرِّعًا عَنِ الْمُحَال عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِخِلاَفِهِ - فَإِنَّ هَذَا الْوَفَاءَ وَالَّذِي قَبْلَهُ سَوَاءٌ، مِنْ حَيْثُ إِنْهَاءُ الْحَوَالَةِ. (٢)
وَقَدْ لاَ يُؤَدِّي الْمُحَال عَلَيْهِ الْعَيْنَ نَفْسَهَا الَّتِي قُيِّدَتْ بِهَا الْحَوَالَةُ، وَلاَ مِثْل دَيْنِهَا - مُطْلَقَةً كَانَتْ أَوْ مُقَيَّدَةً - وَمَعَ ذَلِكَ تَنْتَهِي الْحَوَالَةُ، لأَِنَّهُ قَدْ وَقَعَ مَا يُسَاوِي هَذَا الأَْدَاءَ، كَمَا فِي الْحَالَتَيْنِ التَّالِيَتَيْنِ:
_________
(١) نهاية المحتاج ٤ / ٤١٣ - ٤١٤.
(٢) البدائع ٦ / ١٩.