الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨
عَلَيْهَا آثَارُهَا الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا شُرِعَتْ، وَاعْتَرَتْهَا عَلَى الْجُمْلَةِ أَحْكَامٌ عِدَّةٌ وَهِيَ:
أ - لُزُومُ الْحَوَالَةِ:
١٠٠ - الْحَوَالَةُ عَقْدٌ لاَزِمٌ دُونَ خِلاَفٍ، وَلَكِنْ قَبُولُهَا لِلْخِيَارَاتِ مَحَل اخْتِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، فَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ يُقِرُّونَ أَنَّهَا لاَ تَقْبَل الْخِيَارَاتِ إِلاَّ أَنَّ مِنْ أَهْل الْمَذْهَبَيْنِ مَنْ أَجَازَ فِيهَا خِيَارَ الْمَجْلِسِ - وَفِي ذَلِكَ يَقُول صَاحِبُ " الْمُهَذَّبِ " مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: (لاَ يَجُوزُ خِيَارُ الشَّرْطِ فِيهِ - أَيْ عَقْدِ الْحَوَالَةِ) - لأَِنَّهُ لَمْ يُبْنَ عَلَى الْمُغَابَنَةِ، فَلاَ يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ. وَفِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَثْبُتُ، لأَِنَّهُ بَيْعٌ، فَيَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ كَالصُّلْحِ.
الثَّانِي: (وَهُوَ الأَْصَحُّ) لاَ يَثْبُتُ، لأَِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الإِْبْرَاءِ، وَلِهَذَا لاَ يَجُوزُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فَهُوَ جَازِمٌ - كَمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلاَمِهِ - بِعَدَمِ قَبُول الْحَوَالَةِ خِيَارَ الشَّرْطِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (١)
وَالْمَالِكِيَّةُ يَشْتَرِطُونَ لِلُزُومِ الْحَوَالَةِ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الْمُحَال عَلَيْهِ عَنْ عِوَضٍ مَالِيٍّ، فَإِذَا اخْتَلَّتِ الشَّرِيطَةُ لَمْ تَكُنِ الْحَوَالَةُ لاَزِمَةً، وَعَنْهُمْ فِي بَعْضِ تَفْسِيرَاتِ الْمَذْهَبِ، أَنَّ يَسَارَ الْمُحَال عَلَيْهِ كَذَلِكَ مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ الْعَقْدِ.
_________
(١) المهذب ١ / ٢٣٨ والمغني لابن قدامة ٥ / ٥٤.
١٠١ - وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْحَوَالَةَ مِنَ الْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ الَّتِي لاَ يُمْكِنُ فَسْخُهَا أَوْ إِبْطَالُهَا مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ مَا لَمْ يُشْرَطْ لَهُ الْخِيَارُ. (١) وَمُدَّةُ خِيَارِ الشَّرْطِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَيَّةُ مُدَّةٍ تُعْلَمُ نِهَايَتُهَا عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ.
وَقَدْ صَرَّحُوا بِجَوَازِ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ لِمَنْ يَجِبُ رِضَاهُ فِي الْحَوَالَةِ، وَهُوَ عَلَى الصَّحِيحِ الْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ فَحَسْبُ، كَمَا يَتَبَادَرُ مِنْ كَلاَمِ بَعْضِهِمْ. (٢)
ثُمَّ قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا شَرَطَ الْخِيَارَ لِلْمُحَال أَوِ الْمُحَال عَلَيْهِ أَوْ كِلَيْهِمَا، فَبَدَا لِهَذَا أَوْ ذَاكَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ أَنْ يَعْدِل عَنِ الْعَقْدِ فَذَلِكَ لَهُ، لأَِنَّ أَحَدَ الشَّخْصَيْنِ أَوْ كِلَيْهِمَا قَدْ يَجْهَل صَاحِبُهُ بَعْضَ جَهَالَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ تَقَصِّي أَحْوَالِهِ يَبْدُو لَهُ أَنَّ هَذِهِ الْحَوَالَةَ لَيْسَتْ فِي مَصْلَحَتِهِ فَيُرَاجِعُ نَفْسَهُ قَبْل فَوَاتِ الأَْوَانِ.
وَقَدْ لاَ يَجْهَل، وَلَكِنْ تَتَغَيَّرُ حَتَّى فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ الْقَصِيرَةِ، ظُرُوفُ الْمُحَال عَلَيْهِ إِلَى أَسْوَأَ، أَوِ الْمُحِيل إِلَى أَفْضَل، أَوْ يَقَعُ التَّغَيُّرَانِ كِلاَهُمَا، فَيُؤْثِرُ الْمُحَال أَنْ يَعُودَ مِنْ حَيْثُ بَدَأَ.
أَمَّا الْمُحِيل فَشَرْطُ الْخِيَارِ لَهُ أَصَالَةً بَيِّنٌ جِدًّا، عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ طَرَفٌ فِي الْعَقْدِ، فَقَدْ يَأْنَفُ
_________
(١) ويقول ابن نجيم في الأشباه ٢ / ١٩٢: " الحوالة لازمة إلا في مسألتين " ولم يبينهما.
(٢) البحر ٦ / ٢٧٢ وابن عابدين على الدر المختار ٤ / ٤٨.
بَعْدَ شَيْءٍ مِنَ الرَّوِيَّةِ - أَنْ يَتَحَمَّل عَنْهُ فُلاَنٌ دَيْنَهُ، وَقَدْ يَكُونُ ذَا صِلَةٍ خَاصَّةٍ بِالْمُحَال عَلَيْهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ فِيهِ ضَعْفًا، وَأَنَّ مَكَانَ الْمُحَال سَيَثْقُل عَلَيْهِ فَتَأْخُذُهُ بِهِ رَأْفَةٌ، وَيُعِيدُ الدَّيْنَ إِلَى نَفْسِهِ كَرَّةً أُخْرَى، ثِقَةً بِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى مُعَالَجَةِ صَاحِبِهِ. (١)
وَانْفِسَاخُ الْحَوَالَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لأَِمْرٍ عَارِضٍ كَالتَّوَى وَمَوْتِ الْمُحِيل فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ أَوْ مُطْلَقًا - عَلَى الْخِلاَفِ عِنْدَهُمْ - لَمْ يَمْنَعْ مِنَ الْحُكْمِ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا عَقْدٌ لاَزِمٌ (ر: ف ١٣٨، ١٤١) .
١٠٢ - وَقَدْ أَفَادَ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي الْبَحْرِ نَقْلًا عَنِ الْخُلاَصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ أَنَّ الْحَوَالَةَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ: لاَزِمَةٍ وَجَائِزَةٍ وَفَاسِدَةٍ.
فَاللاَّزِمَةُ: أَنْ يُحِيل الْمَدِينُ دَائِنَهُ عَلَى آخَرَ وَيَقْبَل الْحَوَالَةَ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُقَيَّدَةً أَمْ مُطْلَقَةً.
وَالْجَائِزَةُ: أَنْ يُقَيِّدَهَا بِأَنْ يُعْطِيَ الْمُحَال عَلَيْهِ الْحَوَالَةَ (٢) مِنْ ثَمَنِ دَارِ نَفْسِهِ، فَلاَ يُجْبَرُ الْمُحَال عَلَيْهِ عَلَى الْبَيْعِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَبِل الْحَوَالَةَ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ عِنْدَ الْحَصَادِ، فَإِنَّهُ لاَ يُجْبَرُ عَلَى أَدَاءِ الْمَال قَبْل الأَْجَل. (٣)
_________
(١) ابن عابدين ٤ / ٥٨ والبحر ٦ / ٢٧٢.
(٢) يلحظ أن الحوالة هنا مستعملة بمعنى المال المحال به.
(٣) ظاهره أنه ينتظر حتى بيع الدار حينما يشاء، وعندئذ يطالب بالتأدية من الثمن، والمسألة في البزازية بهامش الفتاوى الهندية ٦ / ٢٧، وقد تقدم الخلاف في الإجبار على البيع في هذه المسألة والتوفيق بين الرأيين في شرائط المحال عليه، فليرجع إليه (ف / ٦٢) .
وَالْفَاسِدَةُ: أَنْ يُقَيِّدَ فِيهَا الْمُحَال عَلَيْهِ بِالأَْدَاءِ مِنْ ثَمَنِ دَارِ الْمُحِيل، لأَِنَّهَا حَوَالَةٌ بِمَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ، وَهُوَ بَيْعُ دَارِ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْحَوَالَةَ بِهَذَا الشَّرْطِ لاَ تَكُونُ تَوْكِيلًا بِبَيْعِ دَارِ الْمُحِيل. (١) (أَيْ لِكَيْ يَكُونَ بِحُكْمِ الْوَكَالَةِ قَادِرًا عَلَى الْوَفَاءِ) .
ب - الشُّرُوطُ اللاَّحِقَةُ:
١٠٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الشُّرُوطِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ - أَيًّا كَانَ هَذَا الْعَقْدُ - هَل تَلْحَقُهُ أَمْ لاَ؟
فَشَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِلَحَاقِ الشُّرُوطِ الَّتِي لَمْ تُشْرَطْ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ وُقُوعِهَا قَبْل لُزُومِ الْعَقْدِ. (٢)
وَلِلْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ قَوْلاَنِ: قَوْلٌ بِاللَّحَاقِ، وَيُعْزَى إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَوْلٌ بِعَدَمِهِ وَيُعْزَى إِلَى الصَّاحِبَيْنِ، وَعَلَى الْقَوْل بِاللِّحَاقِ:
١ - لاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقَعَ الشَّرْطُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَأَنْ يَقَعَ خَارِجَهُ، خِلاَفًا لِمَنْ شَرَطَ اتِّحَادَ الْمَجْلِسِ. (٣)
٢ - إِذَا كَانَ الشَّرْطُ فَاسِدًا يُفْسِدُ الْعَقْدَ لَحَاقُهُ إِلاَّ
_________
(١) البحر ٦ / ٢٦٩، وجامع الفصولين ١ / ١٧١ وابن عابدين ٤ / ١٢٠.
(٢) البجيرمي على المنهج ٢ / ٢٠٩، ومطالب أولي النهى ٣ / ٦٦.
(٣) البحر ٦ / ٢٦٩، وجامع الفصولين ١ / ١٧١، وابن عابدين على الدر ٤ / ١٢٠.
أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْوَعْدِ (وَلِنُسَمِّهِ شَرْطًا وَعْدِيًّا) لاَ يُفْسِدُهُ، بَل لاَ بَأْسَ حِينَئِذٍ بِأَنْ يَكُونَ فِي صُلْبِ
الْعَقْدِ.
ثُمَّ هَل يَكُونُ هَذَا الشَّرْطُ الْوَعْدِيُّ مُلْزِمًا أَوْ غَيْرَ مُلْزِمٍ؟ فِي ذَلِكَ قَوْلاَنِ مُصَحَّحَانِ فِي الْمَذْهَبِ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ الْوَعْدِيُّ فِي ذَاتِهِ لَيْسَ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ الشَّرْعِيَّةِ.
فَالْقَائِل بِعَدَمِ اللُّزُومِ جَارٍ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ الْوَعْدَ لاَ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ قَضَاءً.
وَالْقَائِل بِاللُّزُومِ مَلْحَظُهُ أَنَّ الْمَوَاعِيدَ قَدْ تَلْزَمُ، فَتُجْعَل هُنَا لاَزِمَةً لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَى لُزُومِهَا. (١)
هَذَا تَقْرِيرُ الْقَاعِدَةِ فِي ذَاتِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى صَعِيدِ الْعَقْدِ بِوَجْهٍ عَامٍّ أَيًّا كَانَ نَوْعُهُ.
فَإِذَا أُرِيدَ تَطْبِيقُهَا هُنَا عَلَى عَقْدِ الْحَوَالَةِ - بِوَجْهٍ خَاصٍّ يَجِبُ أَنْ يُفَرَّقَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - كَمَا هُوَ وَاضِحٌ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الشُّرُوطِ، وَنَوْعَيْنِ مِنَ الْعِبَارَاتِ الَّتِي تُصَاغُ بِهَا.
النَّوْعُ الأَْوَّل مِنَ الشُّرُوطِ الْمُلْحَقَةِ: شُرُوطٌ فَاسِدَةٌ:
١٠٤ - (١) كَمَا لَوِ اشْتَرَطَ أَحَدُ الأَْطْرَافِ شَرْطًا مُلْحَقًا بَعْدَ الْعَقْدِ أَنْ تَكُونَ الْحَوَالَةُ عَقْدًا غَيْرَ لاَزِمٍ: بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ لِمَنْ شَاءَ مِنْ أَطْرَافِهَا، أَوْ
_________
(١) المراجع السابقة.
لِطَرَفٍ مُعَيَّنٍ أَنْ يَنْقُضَهَا مَتَى شَاءَ، دُونَ تَقَيُّدٍ بِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ. (١)
(٢) أَوْ يَشْتَرِطُ الْمُحِيل أَنَّ الْحَوَالَةَ مَاضِيَةً قَطْعِيَّةً قَطَعَتْ كُل عَلاَقَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُحَال عَلَيْهِ لاَ تَتَأَثَّرُ بِمَوْتِ مُحِيلٍ، وَلاَ بِمَوْتِ مُحَالٍ عَلَيْهِ أَوْ إِفْلاَسِهِ، وَلاَ رُجُوعَ عَلَيْهِ لِلْمُحَال سَوَاءٌ وُفِّيَتِ الْحَوَالَةُ أَمْ لاَ.
(٣) أَوْ يُشْتَرَطُ مَا يُشْبِهُ الْمُقَامَرَةَ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ أَنْ لاَ رُجُوعَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَلَوْ تَلِفَ الْمَال الَّذِي قُيِّدَتْ بِهِ أَوِ اسْتُحِقَّ. وَوَاضِحٌ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الشُّرُوطِ مُنَافٍ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ فِي قَوَاعِدِ الْحَنَفِيَّةِ فَهِيَ شُرُوطٌ فَاسِدَةٌ فِي نَفْسِهَا. ثُمَّ إِنْ قُلْنَا بِلَحَاقِهَا بِعَقْدِ الْحَوَالَةِ إِذَا شُرِطَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ فَإِنَّهَا تُفْسِدُهُ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ نَقُل يَلْحَقَاهَا اقْتَصَرَ فَسَادُهَا عَلَيْهَا بِذَوَاتِهَا، وَلَمْ يَتَعَدَّ إِلَى الْعَقْدِ نَفْسِهِ. عَلَى أَنَّهُ حِينَ يُصَاغُ الشَّرْطُ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ وَأَمْثَالِهَا بِصِيغَةِ الْوَعْدِ (كَأَنْ يَقُول الْمُحَال بَعْدَ الْعَقْدِ: إِنِّي مُلْتَزِمٌ بِهَذِهِ الْحَوَالَةِ أَبَدًا وَلَنْ أَرْجِعَ عَلَيْكَ بِحَالٍ مِنَ الأَْحْوَال، أَوْ يَقُول الْمُحِيل: إِنَّنَا مُلْتَزِمَانِ بِهَذِهِ الْحَوَالَةِ، وَلَكِنَّنِي سَأُذْعِنُ لإِرَادَتِكَ إِنْ بَدَا لَكَ أَنْ تَفْسَخَهَا أَنْتَ
_________
(١) أما نصهم على أن للمحال أن يشترط لنفسه حق الرجوع على المحيل متى شاء، ويكون له شرطه (الفتاوى الهندية ٣ / ٣٠٥) فمحمله - فيما أرى - أن الحوالة حينئذ كفالة، نظير ما لو تمت الحوالة على أن المحيل ضامن (الفتاوى الخانية بهامش الهندية ٣ / ٧٨ وإن قرره المتأخرون على خلاف ذلك (مرشد الحيران م ٨٩٧) .
فَالَّذِي يَبْدُو أَنَّ هَذَا لاَ يُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ. أَمَّا جَعْلُهُ أَمْرًا جَائِزًا بِطَرِيقِ الْعِدَةِ، فَهَذَا وَمَا إِلَيْهِ مِمَّا يَجِيءُ فِيهِ الْخِلاَفُ فِي لُزُومِ الْوَعْدِ وَعَدَمِ لُزُومِهِ.
النَّوْعُ الثَّانِي مِنَ الشُّرُوطِ الْمُلْحَقَةِ: شُرُوطٌ صَحِيحَةٌ:
١٠٥ - (١) وَذَلِكَ كَاشْتِرَاطِ الْمُحَال أَنْ يُعْطِيَهُ الْمُحَال عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ رَهْنًا أَوْ أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا.
(٢) أَوِ اشْتِرَاطُ الْمُحَال عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الْمُحَال عَلَى الأَْصِيل مُؤَجَّلًا عَلَيْهِ هُوَ.
(٣) أَوْ أَنْ يُشْتَرَطَ لأَِحَدِ الأَْطْرَافِ الْخِيَارُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ مُدَّةً مَا مَعْلُومَةً عَلَى مَا سَلَفَ (ر: ف ١٠١)
فَإِنَّ هَذِهِ مَصَالِحُ لاَ رَيْبَ فِيهَا، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حَظْرٌ شَرْعِيٌّ - إِذَا كَانَتِ الْمُعَامَلَةُ فِي الْمِثَالَيْنِ الأَْخِيرَيْنِ لَيْسَتْ مِنْ قَبِيل الصَّرْفِ - فَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الشُّرُوطِ لَوْ أَنَّ الْعَاقِدَ شَرَطَهَا فِي أَثْنَاءِ الْعَقْدِ لَصَحَّتْ وَتَمَّ الْعَقْدُ عَلَى وَفْقِ أَغْرَاضِهِ الصَّحِيحَةِ تِلْكَ، إِذْ هِيَ بَيْنَ شَرْطٍ مُلاَئِمٍ لِعَقْدِ الْحَوَالَةِ، أَوْ مَأْذُونٍ فِيهِ بِتَرْخِيصِ الشَّارِعِ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ نَفْسِهِ - فَلَوْ نَسِيَ اشْتِرَاطَ شَيْءٍ مِنْهَا فِي أَثْنَاءِ الْعَقْدِ فَاتَّفَقَا عَلَى إِلْحَاقِهِ جَازَ إِلْحَاقًا، كَمَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُعْتَبَرُ اشْتِرَاطُ يَسَارِ الْمُحَال عَلَيْهِ مِنْ
مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ، بِدَلِيل الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل إِذَا تَوِيَ الدَّيْنُ. حَتَّى إِنَّهُ لَوْ فَاتَهُ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَأْسٍ فِي أَنْ يَتَدَارَكَ، وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ، وَهْم قَدْ صَرَّحُوا بِمِثْل ذَلِكَ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ الْمُتَعَلِّقِ بِعَقْدِ الْبَيْعِ، وَنَصُّ عِبَارَتِهِمْ: (لَوْ قَال أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْبَيْعِ، وَلَوْ بِأَيَّامٍ: جَعَلْتُكَ بِالْخِيَارِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ صَحَّ إِجْمَاعًا)، (١) وَمَجَال التَّيْسِيرِ فِي الْحَوَالَةِ أَوْسَعُ مِنْهُ فِي الْبَيْعِ.
وَلاَ خَفَاءَ فِي هَذَا بِنَاءً عَلَى قَوْل اللَّحَاقِ بِالْعَقْدِ فِي الشُّرُوطِ الْمُتَرَاخِيَةِ عَنْهُ، أَمَّا عَلَى الْقَوْل الْمُقَابِل، فَلاَ يَسْتَقِيمُ.
١٠٥ م - أَمَّا الشَّرْطُ الْفَاسِدُ أَوِ الصَّحِيحُ فِي نَفْسِهِ، مِنْ تِلْكَ الشُّرُوطِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَفِيهَا التَّفْصِيل التَّالِي:
(أ) إِنَّ اشْتِرَاطَ عَدَمِ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل، إِذَا تَوِيَ الْمَال عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، لَيْسَ مُخَالِفًا لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ، حَتَّى يَكُونَ فَاسِدًا، بَل هُوَ اشْتِرَاطُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَأَحَدُ لَوَازِمِهِ غَيْرِ الْمُنْفَكَّةِ عِنْدَ كَثِيرِينَ، بِحَيْثُ لَوْ شُرِطَ خِلاَفُهُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ لَخَرَجَ الْعَقْدُ عَنْ أَنْ يَكُونَ حَوَالَةً حَقِيقِيَّةً أَوْ لَبَطُل، وَالْبُطْلاَنُ حِينَئِذٍ هُوَ مُخْتَارُ الشَّافِعِيَّةِ. (ر: ف ٣١ و١٥٦) وَإِنْ كَانَ الَّذِي حَكَاهُ الْبَاجِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ عَنْ سَحْنُونٍ صِحَّةَ الشَّرْطِ، وَلَعَلَّهُ أَحَدُ الأَْوْجُهِ الَّتِي
_________
(١) ابن عابدين على الدر ٤ / ٤٧، ١٢١، والبحر ٦ / ٢٦٧.
أَشَارَ إِلَيْهَا الْخَطِيبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (١)
(ب) إِذَا شُرِطَ فِي الْحَوَالَةِ تَقْدِيمُ رَهْنٍ بِالدَّيْنِ أَوْ كَفِيلٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ الشَّافِعِيَّةُ فِي صِحَّةِ هَذَا الشَّرْطِ، وَقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ (ر: ف ٥٤ - ٥٥)
(ج) اشْتِرَاطُ يَسَارِ الْمُحَال عَلَيْهِ لاَ يُنَازِعُ أَحَدٌ أَنَّ هَذَا مِنْ مَصَالِحِ الْعَقْدِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُنَاكَ مَنْ يَرَى مَانِعًا مِنْ لُزُومِهِ لَوْ شُرِطَ، كَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ، ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ إِعْسَارَ الْمُحَال عَلَيْهِ نَقْصٌ كَالْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ (عَلَى أَسَاسِ أَنَّ الْحَوَالَةَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ قَبِيل بَيْعِ الدَّيْنِ) فَلَوْ لَزِمَ شَرْطُ انْتِفَاءِ الإِْعْسَارِ بِحَيْثُ إِذَا اخْتَل كَانَ الْخِيَارُ الْمُحَال - فِي فَسْخِ الْحَوَالَةِ وَالإِْبْقَاءِ عَلَيْهَا - لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ بِمُجَرَّدِ وُجُودِ الإِْعْسَارِ عِنْدَ الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، عَلَى قَاعِدَةِ خِيَارِ الْعَيْبِ، وَلَيْسَ الأَْمْرُ كَذَلِكَ.
وَهُنَاكَ مَنْ يَرَى أَنَّهُ شَرْطٌ لاَزِمٌ، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ عِنْدَ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ، وَعَلَى هَذَا الْحَنَابِلَةُ وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَمُوَافِقُوهُ، أَمَّا الإِْعْسَارُ فَعَيْبٌ، وَاشْتِرَاطُ انْتِفَائِهِ غَيْرُ مُجْدٍ عَلَى مَا تَبَيَّنَ.
وَلِذَا يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: (قَدْ يَثْبُتُ بِالشَّرْطِ مَا لاَ يَثْبُتُ بِإِطْلاَقِ الْعَقْدِ بِدَلِيل اشْتِرَاطٍ فِي الْمَبِيعِ) . وَمِنْ ثَمَّ لَجَأَ السُّيُوطِيُّ، أَوْ مَنْ نَقَل عَنْهُمْ فِي الأَْشْبَاهِ، إِلَى بِنَاءِ الْقَوْل بِعَدَمِ لُزُومِ شَرْطِ
_________
(١) المنتقى على الموطأ ٥ / ٦٧، ومغني المحتاج ٢ / ٩٦.
الْيَسَارِ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ اسْتِيفَاءٌ وَالْقَوْل بِلُزُومِهِ عَلَى أَنَّهَا بَيْعٌ. (١)
(د) وَأَمَّا شَرْطُ الْمُحَال عَلَيْهِ تَأْجِيل الدَّيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ بَعْدَ مَا كَانَ حَالًّا عَلَى الْمُحِيل، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ يَمْنَعُونَ تَأْجِيل الْحَال، وَيَقُولُونَ: (الْحَال لاَ يَتَأَجَّل) أَيْ لاَ يُعْتَبَرُ تَأْجِيلُهُ مُلْزِمًا.
وَلَكِنِ الْمَالِكِيَّةُ يَتَوَسَّعُونَ فِي قَابِلِيَّةِ الدَّيْنِ لِلتَّأْجِيل مَا لاَ يَتَوَسَّعُ غَيْرُهُمْ حَتَّى إِنَّهُمْ لَيُجِيزُونَ تَأْجِيل دَيْنِ الْقَرْضِ، وَيُنَفِّذُونَ شَرْطَهُ. (٢)
(ر: ف ٢٤) .
أَحْكَامُ الْحَوَالَةِ:
١٠٦ - لِعَقْدِ الْحَوَالَةِ أَثَرَانِ رَئِيسِيَّانِ هُمَا بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمُحِيل مِنَ الدَّيْنِ الَّذِي أَحَال بِهِ، وَاشْتِغَال ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ، وَفِيمَا يَلِي بَيَانٌ لِهَذَيْنِ الأَْثَرَيْنِ وَمَا يَتْبَعُهُمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى:
١ - أَثَرُ الْحَوَالَةِ فِي عَلاَقَةِ الْمُحِيل وَالْمُحَال.
٢ - أَثَرُ الْحَوَالَةِ فِي عَلاَقَةِ الْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ.
٣ - أَثَرُ الْحَوَالَةِ فِي عَلاَقَةِ الْمُحِيل وَالْمُحَال عَلَيْهِ.
١ - أَثَرُ الْحَوَالَةِ فِي عَلاَقَةِ الْمُحِيل وَالْمُحَال:
وَيَظْهَرُ ذَلِكَ الأَْثَرُ فِيمَا يَلِي:
_________
(١) الشبراملسي مع نهاية المحتاج على المنهاج ٤ / ٤١٣، الأشباه للسيوطي ١٥١، ١٥٢، المهذب ١ / ٣٣٨، والمغني لابن قدامة ٥ / ٥٩ - ٦٠.
(٢) فتح العلي المالك ١ / ٢١٢.