الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨
عَاشِرًا: قَبْضُ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ (إِنْ كَانَ رَأْسُ مَال سَلَمٍ أَوْ رِبَوِيًّا يُوَافِقُ الْمُحَال بِهِ فِي عِلَّةِ الرِّبَا) .
٩١ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِاشْتِرَاطِ قَبْضِ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ إِنْ كَانَ رَأْسَ مَال سَلَمٍ أَوْ رِبَوِيًّا يُوَافِقُ الْمُحَال بِهِ فِي عِلَّةِ الرِّبَا، وَنَصُّ عِبَارَةِ السَّرَخْسِيِّ فِي مَبْسُوطِهِ: (وَلأَِنَّهُ - أَيْ دَيْنَ الْحَوَالَةِ - يَثْبُتُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل، حَتَّى لَوْ كَانَ بَدَل صَرْفٍ أَوْ سَلَمٍ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِبْدَال بِهِ مَعَ الْمُحَال عَلَيْهِ) كَمَا لاَ يَجُوزُ مَعَ الْمُحِيل، وَيَبْطُل عَقْدُ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ بِافْتِرَاقِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ قَبْل الْقَبْضِ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَالِكِيَّةُ الْقَبْضَ هُنَا فِي حَوَالَةِ الطَّعَامِ عَلَى الطَّعَامِ، لَكِنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى ضَرُورَتِهِ فِي حَالَةِ الصَّرْفِ خَاصَّةً وَعِبَارَتُهُمْ فِي عَقْدِ حَوَالَتِهِ: (لاَ بُدَّ مِنَ الْقَبْضِ قَبْل افْتِرَاقِ كَلاَمِهِمْ، وَقَبْل طُول مَجْلِسِهِمْ، وَإِلاَّ فَسَدَ) .
وَلَمْ يَتَرَدَّدِ الشَّافِعِيَّةُ فِي رَفْضِ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ وَلَوْ فِي الرِّبَوِيَّاتِ، لأَِنَّ الْمُعَاوَضَةَ فِي الْحَوَالَةِ - بَعْدَ الْقَوْل بِهَا - لَيْسَ عَلَى سُنَنِ سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ. وَنَصُّ عِبَارَةِ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا يَلِي: (هِيَ - أَيِ الْحَوَالَةُ - بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ، وَلِهَذَا لَمْ يُعْتَبَرِ
التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنَانِ رِبَوِيَّيْنِ) (١)
أَمَّا فِي رَأْسِ مَال السَّلَمِ، فَيَقُول الْبُجَيْرِمِيُّ فِيمَا كَتَبَهُ عَلَى شَرْحِ الْمِنْهَاجِ مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ الْمُعْتَمَدَةِ: (لاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِمَا لاَ يُعْتَاضُ عَنْهُ، (٢) وَلاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ، كَدَيْنِ السَّلَمِ)، أَيْ مُسْلَمًا فِيهِ وَرَأْسُ مَال (أَيَّهُمَا كَانَ) .
مَا لاَ يُشْتَرَطُ فِي الْحَوَالَةِ:
٩٢ - لاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الدَّيْنَيْنِ فِي الْحَوَالَةِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ، بِأَنْ يَكُونَ كِلاَهُمَا مِنْ قَرْضٍ، أَوْ بَيْعٍ، أَوْ ضَمَانٍ مَثَلًا، فَلاَ مَانِعَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ دَيْنَيِ الْحَوَالَةِ مِنْ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، وَالآْخَرُ دَيْنَ إِتْلاَفٍ مَثَلًا. أَوْ أَحَدُهُمَا صَدَاقًا، وَالآْخَرُ بَدَل خُلْعٍ، أَوْ بَدَل قَرْضٍ، أَوْ أُجْرَةٍ. (٣)
كَمَا لاَ يُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الْمُحَال بِهِ ثَابِتًا عَلَى الْمُحِيل ثُبُوتًا أَصْلِيًّا. فَالدَّيْنُ الَّذِي يَكُونُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ الأَْصِيل، كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ حَوَالَةٍ أَوْ كَفَالَةٍ، تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ، بِأَنْ يُحِيل
_________
(١) المبسوط ٢٠ / ٤٧ والخرشي على خليل وحواشيه ٤ / ٢٣٥ أما رأس مال السلم فأصولهم تقتضي امتناع الحوالة به وعليه ولكن لم نجد لهم فيه نصا. نهاية المحتاج على المنهاج وحواشيها ٤ / ٤٠٨.
(٢) أي لا يجوز الاعتياض عنه شرعا قبل قبضه.
(٣) مغني المحتاج على المناهج ٢ / ١٩٤ وكشف المخدرات ٢٢٥.
الْمُحَال عَلَيْهِ أَوِ الْكَفِيل عَلَى مَدِينٍ لَهُ هُوَ. بَل يَجُوزُ أَيْضًا لِلْمُحَال أَنْ يُحِيل دَائِنَهُ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، وَلِلْمَكْفُول لَهُ أَنْ يُحِيل دَائِنَهُ عَلَى الْكَفِيل. (١)
وَهَذَا فِي الأَْصْل مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ، مَعَ زِيَادَةِ تَعَدُّدِ الْمُحَالِينَ مَعَ بَقَاءِ الْمُحَال عَلَيْهِ وَاحِدًا. وَنَصُّ عِبَارَةِ الرَّافِعِيِّ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ هَكَذَا: (إِذَا أَحَلْتَ زَيْدًا عَلَى عَمْرٍو، ثُمَّ أَحَال عَمْرٌو زَيْدًا عَلَى بَكْرٍ، ثُمَّ أَحَال بَكْرٌ عَلَى آخَرَ، جَازَ. وَقَدْ تَعَدَّدَ الْمُحَال عَلَيْهِمْ وَزَيْدٌ الْمُحَال وَاحِدٌ. وَلَوْ أَحَلْتَ زَيْدًا عَلَى عَمْرٍو، ثُمَّ أَحَال زَيْدٌ بَكْرًا عَلَى عَمْرٍو، ثُمَّ أَحَال بَكْرٌ آخَرَ عَلَى عَمْرٍو جَازَ، وَالتَّعَدُّدُ هَاهُنَا فِي الْمُحْتَالِينَ، وَعَمْرٌو الْمُحَال عَلَيْهِ وَاحِدٌ. وَلَوْ أَحَلْتَ زَيْدًا عَلَى عَمْرٍو، ثُمَّ ثَبَتَ لِعَمْرٍو عَلَيْكَ مِثْل ذَلِكَ الدَّيْنِ فَأَحَال زَيْدًا عَلَيْكَ جَازَ) . (٢)
الْجَزَاءُ عَلَى تَخَلُّفِ إِحْدَى شَرَائِطِ الاِنْعِقَادِ (بُطْلاَنُ الْحَوَالَةِ):
٩٣ - إِذَا عَدِمَتْ شَرَائِطُ انْعِقَادِ الْحَوَالَةِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا فَالنَّتِيجَةُ الْمُقَرَّرَةُ فِقْهًا هِيَ بُطْلاَنُهَا، أَيْ عَدَمُ انْعِقَادِهَا، جَزَاءً لِمُخَالَفَةِ تِلْكَ الشَّرَائِطِ.
_________
(١) نهاية المحتاج على المنهاج ٤ / ٤١٧ والمهذب ١ / ٣٤٢ ومغني المحتاج على المنهاج ٢ / ٢٢٠ والمغني لابن قدامة ٥ / ٦٩.
(٢) فتح العزيز شرح الوجيز بهامش المجموع ١٠ / ٣٥٥.
وَهَذَا مَبْدَأٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الشَّرِيعَةِ وَلاَ مَجَال لِلْخِلاَفِ فِيهِ، وَإِلاَّ لَمْ يَبْقَ أَيَّةُ ثَمَرَةٍ لِشَرَائِطِ الاِنْعِقَادِ (وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي الأَْحْكَامِ الْعَامَّةِ لِلتَّعَاقُدِ مِمَّا يُسَمَّى الْيَوْمَ: نَظَرِيَّةَ الْعَقْدِ) .
وَلَكِنْ قَدْ يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ بَعْضِ الشَّرَائِطِ لاِنْعِقَادِ الْحَوَالَةِ، فَمَنْ يَشْتَرِطُ لاِنْعِقَادِ شَرِيطَةٍ مَا، يَحْكُمُ بِبُطْلاَنِ الْحَوَالَةِ عِنْدَ فَقْدِ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ، وَيُخَالِفُهُ فِي ذَلِكَ مَنْ لاَ يَشْتَرِطُهَا.
وَمِنَ الْمُقَرَّرِ فِي الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ يَسْتَوِي فِي النَّتِيجَةِ تَخَلُّفُ جَمِيعِ الْمُقَوِّمَاتِ وَشَرَائِطِ الاِنْعِقَادِ وَتَخَلُّفُ بَعْضِهَا فَقَطْ، فَإِنَّ تَخَلُّفَ بَعْضِ الْعَنَاصِرِ الأَْسَاسِيَّةِ، كَتَخَلُّفِ الْكُل مِنْ حَيْثُ النَّتِيجَةُ وَهِيَ الْبُطْلاَنُ.
وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّهُ حَيْثُمَا يَتَقَرَّرُ بُطْلاَنُ الْحَوَالَةِ فَإِنَّ هَذَا الْبُطْلاَنَ يَسْتَتْبِعُ آثَارًا، إِذْ يَجِبُ فِيهِ عِنْدَئِذٍ نَقْضُ مَا قَدْ تَمَّ تَنْفِيذُهُ مِنَ الْعَقْدِ قَبْل تَقْرِيرِ بُطْلاَنِهِ، ثُمَّ رَدُّ مَا يَسْتَلْزِمُ هَذَا النَّقْضُ رَدَّهُ مِمَّا قُبِضَ دُونَ حَقٍّ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الأَْحْكَامِ الْعَامَّةِ فِي التَّعَاقُدِ.
وَسَيَأْتِي فِي آثَارِ الْحَوَالَةِ وَالأَْحْكَامِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهَا أَنَّ الْحَوَالَةَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي نَفَذَتْ بِدَفْعِ الْمُحَال عَلَيْهِ إِلَى الْمُحَال دَيْنَ الْحَوَالَةِ يَتَرَتَّبُ فِيهَا لِلْمُحَال عَلَيْهِ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل.
غَيْرَ أَنَّهُمْ فِي الْحَوَالَةِ الْبَاطِلَةِ أَوِ الْفَاسِدَةِ قَدْ أَعْطَوُا الْمُحَال عَلَيْهِ الْخِيَارَ فِي الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل
أَوْ عَلَى الْمُحَال الْقَابِضِ، لأَِنَّهُ قَبَضَ مَا لَيْسَ لَهُ بِحَقٍّ نَظَرًا لِبُطْلاَنِ الْحَوَالَةِ.
شَرَائِطُ النَّفَاذِ:
أَوَّلًا: بُلُوغُ الْمُحِيل وَالْمُحَال، وَالْمُحَال عَلَيْهِ بِحَسَبِ الأَْحْوَال:
٩٤ - أ - يَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ لِنَفَاذِ الْحَوَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُحِيل بَالِغًا، لأَِنَّ فِي الْحَوَالَةِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، وَمُعَاوَضَاتُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ لاَ تَنْفُذُ إِلاَّ بِإِجَازَةِ وَلِيِّهِ. فَحَوَالَتُهُ مُنْعَقِدَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الإِْجَازَةِ. (١)
وَالْبُلُوغُ شَرْطُ صِحَّةٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
فَإِذَا كَانَ الْمُحِيل مُمَيِّزًا غَيْرَ بَالِغٍ فَفِيهِ الْخِلاَفُ الْمَشْهُورُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي تَصَرُّفَاتِ الصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ إِذَا بَاشَرَهَا بِنَفْسِهِ: أَتَكُونُ بَاطِلَةً، أَمْ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ وَلِيِّهِ، إِنْ رَآهَا وَفْقَ مَصْلَحَتِهِ؟ وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (أَهْلِيَّةٌ) وَ(صِغَرٌ) .
ب - وَيَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ لِنَفَاذِ الْحَوَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُحَال بَالِغًا، لِمَا قُلْنَاهُ فِي الْمُحِيل، وَلِذَا يَنْعَقِدُ احْتِيَال الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ، وَلَكِنَّهُ لاَ يَنْفُذُ إِلاَّ بِإِجَازَةِ وَلِيِّهِ، وَهَذِهِ الإِْجَازَةُ مَشْرُوطَةٌ بِأَنْ يَكُونَ الْمُحَال عَلَيْهِ أَمْلأَ مِنَ الْمُحِيل.
وَهَذِهِ الشَّرِيطَةُ يُوَافِقُ عَلَيْهَا الْمَالِكِيَّةُ
_________
(١) قررت هذه الشريطة المجلة (م / ٦٨٥) ومرشد الحيران (م / ٨٨١) .
وَالشَّافِعِيَّةُ، وَيُخَالِفُ فِيهَا الْحَنَابِلَةُ، لأَِنَّهُمْ لاَ يَشْتَرِطُونَ رِضَا الْمُحَال، إِلاَّ عَلَى احْتِمَالٍ ضَعِيفٍ لِلْحَنَابِلَةِ. (١)
ج - أَمَّا شَرِيطَةُ بُلُوغِ الْمُحَال عَلَيْهِ، فَسَبَقَ بَحْثُهَا كَشَرِيطَةِ انْعِقَادٍ أَثْنَاءَ بَحْثِ الْمُحَال عَلَيْهِ وَشَرَائِطِهِ (ر: ف ٦٢) .
ثَانِيًا: وِلاَيَةُ الْمُحَال عَلَى الْمَال الْمُحَال بِهِ:
٩٥ - يُشْتَرَطُ لِنَفَاذِ الْحَوَالَةِ أَنْ تَكُونَ لِلْمُحَال عَلَى الْمَال الْمُحَال بِهِ وِلاَيَةٌ. فَالْفُضُولِيُّ لاَ يَكُونُ مُحَالًا إِلاَّ بِإِجَازَةِ مَنْ لَهُ الْوِلاَيَةُ، أَمَّا الْوَكِيل فَإِنْ كَانَ وَكِيلًا بِالْقَبْضِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْتَال أَصْلًا، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ وَكَالَتِهِ الاِسْتِيفَاءُ لاَ الإِْبْرَاءُ، وَإِنْ كَانَ وَكِيلًا فِي الْعَقْدِ فَفِي قَبُولِهِ حَوَالَةُ الثَّمَنِ خِلاَفٌ مَشْهُورٌ: جَوَّزَهَا مِنْهُ الطَّرَفَانِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ، عَلَى الأَْمْلأَِ وَالأَْفْلَسِ مُطْلَقًا - وَيَضْمَنُ لِلْمُوَكِّل لأَِنَّ الْحَوَالَةَ إِبْرَاءٌ مُؤَقَّتٌ فَتُعْتَبَرُ بِالْمُطْلَقِ - وَمَنَعَهَا أَبُو يُوسُفَ. وَقَدْ أَجْرَى الْخِلاَفَ فِي الْبَدَائِعِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ مُجَوِّزًا، وَالصَّاحِبَيْنِ مَانِعَيْنِ.
وَاسْتَدَل لَهُمَا: بِأَنَّ هَذِهِ الْحَوَالَةَ هِيَ تَصَرُّفٌ فِي
_________
(١) مغني المحتاج على المنهاج ٢ / ١٧٢ والخرشي على خليل ٤ / ٢٣٢ و٢٣٣ والمهذب ١ / ٣٣٧ - ٣٣٨ والفروع ٢ / ٦٢٦. وأخذت بها المجلة في المادة ٦٨٥ ومرشد الحيران في المادة ٨٨١.
مِلْكِ الْمُوَكِّل مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ، فَلاَ يَنْفُذُ عَلَيْهِ كَتَصَرُّفِ الأَْجْنَبِيِّ.
وَاسْتَدَل لأَِبِي حَنِيفَةَ: بِأَنَّ الْوَكِيل بِقَبُولِهِ الْحَوَالَةَ إِنَّمَا تَصَرَّفَ بِالإِْبْرَاءِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ (وَهُوَ قَبْضُ الثَّمَنِ) بِمُقْتَضَى عَقْدِ الْوَكَالَةِ لأَِنَّ قَبْضَ الثَّمَنِ مِنْ حُقُوقِ الْعَبْدِ الَّتِي تَعُودُ لِلْوَكِيل بِالْبَيْعِ، فَإِبْرَاؤُهُ الْمُشْتَرِيَ عَنِ الثَّمَنِ أَوْ قَبُولُهُ الْحَوَالَةَ بِهِ إِسْقَاطٌ لِحَقِّ نَفْسِهِ وَهُوَ الْقَبْضُ فَيَنْفُذُ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ كَالإِْبْرَاءِ تَمْنَعُ مُطَالَبَةَ الْمُحِيل، وَيَسْقُطُ بِذَلِكَ الثَّمَنُ مِنْ ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي تَبَعًا لِسُقُوطِ حَقِّ الْقَبْضِ، وَلَكِنْ لاَ يَسْقُطُ حَقُّ الْمُوَكِّل فِي الثَّمَنِ الَّذِي هُوَ عِوَضُ مِلْكِهِ. وَإِنَّمَا يَسْقُطُ الثَّمَنُ مِنْ ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي تَبَعًا، لأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْقُطْ مَعَ سُقُوطِ حَقِّ الْوَكِيل فِي قَبْضِهِ لَبَقِيَ دَيْنًا غَيْرَ قَابِلٍ لِلْقَبْضِ، وَهَذَا لاَ نَظِيرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ، كَمَا أَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ. فَلِذَا يَسْقُطُ الثَّمَنُ مِنْ ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي تَبَعًا لِسُقُوطِ حَقِّ الْوَكِيل فِي قَبْضِهِ، وَلَكِنْ يَضْمَنُهُ الْوَكِيل لِلْبَائِعِ الْمُوَكِّل، لأَِنَّ الْوَكِيل بِتَصَرُّفِهِ هَذَا قَدْ تَجَاوَزَ إِلَى حَقِّ غَيْرِهِ وَهُوَ الثَّمَنُ نَفْسُهُ حَيْثُ أَتْلَفَهُ عَلَى صَاحِبِهِ بِالإِْبْرَاءِ أَوْ قَبُول الْحَوَالَةِ بِهِ.
وَقَدْ لَخَصَّهُ فِي مَجْمَعِ الأَْنْهُرِ بِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ لِلْعَاقِدِ، وَالْحَوَالَةُ مِنْ هَذِهِ الْحُقُوقِ. وَاحْتِيَال الْوَكِيل فِي الْبَيْعِ، بِثَمَنِ الْمَبِيعِ بِالصُّورَةِ الْمَشْرُوحَةِ لَمْ نَجِدْ حُكْمَهُ مَنْصُوصًا عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ.
أَمَّا النَّائِبُ الشَّرْعِيُّ عَنِ الصَّغِيرِ، وَلِيًّا كَانَ كَالأَْبِ أَوْ وَصِيًّا، فَلاَ يَمْلِكُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ حَقَّ
الاِحْتِيَال بِمَال هَذَا الصَّغِيرِ عَلَى مَا قَرَّرَهُ السَّرَخْسِيُّ فِي الْمَبْسُوطِ بِإِطْلاَقِهِ، عَلَى خِلاَفِ عَامَّةِ الْكُتُبِ. وَنَصُّ عِبَارَتِهِ: لَوِ احْتَال بِمَال ابْنِهِ الصَّغِيرِ، أَوِ الْيَتِيمِ الَّذِي تَحْتَ وِصَايَتِهِ، لَمْ يَجُزْ، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ إِبْرَاءُ الأَْصِيل، وَهُوَ لاَ يَمْلِكُهُ فِي مَال الْقَاصِرِينَ. (١)
٩٦ - وَأَمَّا احْتِيَال وَلِيِّ الْقَاصِرِ، كَأَبِيهِ أَوْ وَصِيِّهِ بِدَيْنِهِ، فَلَمْ نَرَ فِي الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى إِطْلاَقَ عَدَمِ جَوَازِهِ، كَمَا فَعَل السَّرَخْسِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.
بَل فِي كَلاَمِ بَعْضِهِمْ - كَمَا هُوَ مُقْتَضَى إِطْلاَقِ حَدِيثِ الْحَوَالَةِ - التَّصْرِيحُ بِصِحَّتِهَا بِشَرِيطَةٍ وَاحِدَةٍ: أَنْ تَقْتَضِيَهَا مَصْلَحَةُ الْقَاصِرِ نَفْسِهِ - أَخْذًا مِنْ نَصِّ التَّنْزِيل الْحَكِيمِ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُل إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ (٢) - دُونَ تَقَيُّدٍ بِأَيِّ قَيْدٍ آخَرَ. وَلِذَا أَبْطَلُوا احْتِيَالَهُ عَلَى مُفْلِسٍ سَوَاءٌ أَعُلِمَ إِفْلاَسُهُ أَمْ جُهِل، وَكَذَا احْتِيَالُهُ بِدَيْنٍ مُوَثَّقٍ عَلَيْهِ بِرَهْنٍ أَوْ ضَمَانٍ، لِمَا فِي انْفِكَاكِ الْوَثِيقَةِ مِنَ الضَّرَرِ الْبَيِّنِ بِالْقَاصِرِ.
وَقَدْ سُئِل السُّيُوطِيُّ عَنْ رَجُلٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ، فَمَاتَ الدَّائِنُ وَلَهُ وَرَثَةٌ فَأَخَذَ الأَْوْصِيَاءُ مِنَ الْمَدِينِ بَعْضَ الدَّيْنِ، وَأَحَالَهُمْ عَلَى آخَرَ بِالْبَاقِي فَقَبِلُوا الْحَوَالَةَ وَضَمِنَهَا لَهُمْ آخَرُ، فَمَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ، فَهَل لَهُمُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيل أَمْ لاَ
_________
(١) البدائع ٦ / ٢٨ موضحا. ومجمع الأنهر ٢ / ٢٧٧، والمبسوط ٢٠ / ٧١ وجامع الفصولين ٢ / ١٨ وحواشي ابن عابدين على البحر شرح الكنز ٦ / ٢٦٨، ٢٧٥.
(٢) سورة البقرة / ٢٢٠.
فَأَجَابَ: يُطَالِبُونَ الضَّامِنَ وَتَرِكَةُ الْمُحَال عَلَيْهِ، فَإِنْ تَبَيَّنَ إِفْلاَسُهُمَا فَقَدْ بَانَ فَسَادُ الْحَوَالَةِ، لأَِنَّهَا لَمْ تَقَعْ عَلَى وَفْقِ الْمَصْلَحَةِ لِلأَْيْتَامِ، فَيَرْجِعُونَ عَلَى الْمُحِيل. (١)
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمَصْلَحَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُحِيل بِمَال الْيَتِيمِ فَقِيرًا أَوْ مُمَاطِلًا، أَوْ مَخُوفَ الاِمْتِنَاعِ بِسَطْوَةٍ أَوْ هَرَبٍ، أَوْ سَيِّئَ الْقَضَاءِ عَلَى أَيَّةِ صُورَةٍ، وَالْمُحَال عَلَيْهِ بِعَكْسِ ذَلِكَ كُلِّهِ فَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ حِينَئِذٍ، لأَِنَّهَا أَصْلَحُ لِلْقَاصِرِ.
٩٧ - وَكَوْنُ احْتِيَال الْفُضُولِيِّ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ مَنْ لَهُ الْوِلاَيَةُ عَلَى دَيْنِ الْحَوَالَةِ، هُوَ اتِّجَاهٌ فِقْهِيٌّ يُوجَدُ أَيْضًا عِنْدَ كَثِيرِينَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ، كَالْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ. وَلَكِنِ الَّذِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْجَدِيدِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ حَوَالَةَ الْفُضُولِيِّ كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ بَاطِلَةٌ مِنْ أَصْلِهَا، فَلاَ تَعُودُ بِالإِْجَازَةِ صَحِيحَةً. وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ عَامَّةٌ، أُخِذَتْ مِنْ حَدِيثٍ ثَابِتٍ فِي بِيَاعَاتِ الْفُضُولِيِّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ (الَّذِي اعْتَبَرَهُ حَسَنًا) وَنَصُّهُ: لاَ بَيْعَ إِلاَّ فِيمَا تَمْلِكُ. وَطَرَدُوا هَذَا فِيمَا عَدَا الْبَيْعَ فَأَصْبَحَ (٢)
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ١٥ ونهاية المحتاج على المنهاج ٤ / ٤٠٩ - ٤١٠ والبجيرمي على المنهج ٣ / ٢٠ و٢٣ والحاوي للفتاوى ١ / ١٦٧.
(٢) شرح النيل ٤ / ٦٢٧ وبداية المجتهد ٢ / ١٧٢ والفروع ٢ / ٤٦٦ ومغني المحتاج على المنهاج ٢ / ١٥ ونيل الأوطار ٥ / ١٥٥. وحديث " لا بيع إلا فيما تملك ". أخرجه أبو داود (٢ / ٦٤٠ تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وإسناده حسن.
قَاعِدَةً. وَمِثْلُهُ حَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أَنَّهُ ﷺ قَال: لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ. . (١)
ثَالِثًا: قَبُول الْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ:
٩٨ - (أ) قَبُول الْمُحَال - إِذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ الْمُنْشِئَيْنِ لِلْعَقْدِ - لَيْسَ شَرِيطَةَ انْعِقَادٍ إِلاَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ.
أَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَيَكْتَفِي بِرِضَا الْمُحَال، وَلَوْ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ إِذْنَ شَرِيطَةِ نَفَاذٍ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَخَذَتْ بِهِ مَجَلَّةُ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ فِي الْمَادَّةِ ٦٨٣
(ب) وَرِضَا الْمُحَال عَلَيْهِ كَذَلِكَ - وَلَوْ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ - شَرِيطَةَ نَفَاذٍ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ الثَّلاَثَةِ.
هَذَا، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلاَمُ بِالتَّفْصِيل عَلَى فِقْهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْخِلاَفِ الاِجْتِهَادِيِّ فِيهَا بَيْنَ الْمَذَاهِبِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ.
أَحْكَامُ الْحَوَالَةِ:
٩٩ - إِذَا تَمَّتِ الْحَوَالَةُ بِأَرْكَانِهَا وَشَرَائِطِهَا تَرَتَّبَتْ
_________
(١) حديث: " لا تبع ما ليس عندك ". أخرجه الترمذي (٤ / ٤٣٠ - تحفة الأحوذي - ط السلفية) وحسنه الترمذي.