الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨
يَتَفَاوَتُونَ فِي تَقَاضِي دُيُونِهِمْ رِفْقًا وَعُنْفًا، وَيُسْرًا وَعُسْرًا، فَلاَ يُلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ بِمَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ.
وَقِيَاسًا عَلَى الْمُحَال فَإِنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ مِثْلُهُ فِي أَنَّهُ طَرَفٌ فِي الْحَوَالَةِ لاَ تَمَامَ لَهَا بِدُونِهِ فَلْيَكُنْ مِثْلَهُ فِي اشْتِرَاطِ رِضَاهُ (١) .
اخْتِلاَفُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحَوَالَةِ وَكَالَةٌ:
٣٧ - قَدْ يَخْتَلِفُ الْمُحِيل وَالْمُحَال فِي حَقِيقَةِ الْعَقْدِ الْوَاقِعِ بَيْنَهُمَا: هَل كَانَ حَوَالَةً أَوْ وَكَالَةً عَنِ الْمُحِيل بِقَبْضِ الدَّيْنِ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ.
٣٨ - وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ احْتِمَالاَنِ:
أ - إِمَّا أَنْ يَخْتَلِفَا فِي اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَل بَيْنَهُمَا نَفْسِهِ: هَل كَانَ لَفْظَ الْحَوَالَةِ أَوِ الْوَكَالَةِ؟
ب - وَإِمَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ الْمُسْتَعْمَل بَيْنَهُمَا كَانَ لَفْظَ الْحَوَالَةِ وَلَكِنَّ الْمُحِيل يَقُول: إِنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ وَكَالَةً بِقَبْضِ دَيْنٍ لَهُ عَلَى الثَّالِثِ، أَمَّا الْمُحَال فَيَدَّعِي أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحَوَالَةِ مَعْنَاهَا الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ الْحَقِيقِيُّ وَلَيْسَ الْوَكَالَةَ.
فَفِي الْحَالَةِ الأُْولَى: يَكُونُ مِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ الْقَوْل لِلْمُحِيل فِي عَدَمِ الْحَوَالَةِ لأَِنَّهَا عَقْدٌ مُلْزِمٌ، فَلاَ يَثْبُتُ عَلَيْهِ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ، إِذِ الأَْصْل عَدَمُهُ وَعَلَى مُدَّعِيهِ إِثْبَاتُهُ.
وَفِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ: يُقْبَل فِي الْقَضَاءِ زَعْمُ الْمُحِيل بِيَمِينِهِ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ الْوَكَالَةَ، لأَِنَّ لَفْظَ
_________
(١) فتح القدير على الهداية ٥ / ٤٤٤، والبحر على الكنز ٦ / ٢١٧.
الْحَوَالَةِ صَالِحٌ لِمَعْنَى الْوَكَالَةِ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَمُسْتَعْمَلٌ بِمَعْنَاهَا فِي الْعُرْفِ الْفِقْهِيِّ، كَمَا وَقَعَ فِي كَلاَمِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ، وَلاَ سِيَّمَا أَنَّ الأَْصْل عَدَمُ الْحَوَالَةِ وَبَقَاءُ حَقِّ الْمُحِيل دَيْنًا، فَإِذَا أَنْكَرَ الْمُحِيل وَلاَ بَيِّنَةَ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِلاَّ الْيَمِينُ، لِنَصِّ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ. (١) وَلاَ يَكُونُ اسْتِعْمَال لَفْظِ الْحَوَالَةِ بِمَثَابَةِ إِقْرَارٍ مِنَ الْمُحِيل بِدَيْنٍ عَلَيْهِ لِلْمُحَال مَا دَامَ لَفْظُهَا صَالِحًا لِمَعْنَى الْوَكَالَةِ.
وَبِهَذَا الأَْصْل يُتَمَسَّكُ لِقَوْل مُحَمَّدٍ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ - أَنَّ لِلْمُحِيل أَنْ يَقْبِضَ الْمَال فِي غَيْبَةِ الْمُحَال، وَأَنْ يُنْهَى عَنْ دَفْعِهِ إِلَيْهِ بِدَعْوَى أَنَّهُ حِينَ أَحَالَهُ إِنَّمَا أَرَادَ تَوْكِيلَهُ. وَإِنْ كَانَ الَّذِي رَوَاهُ بِشْرٌ - وَاعْتَمَدُوهُ وَيُعْزَى إِلَى أَبِي يُوسُفَ - خِلاَفَ ذَلِكَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَصْدِيقَهُ فِي دَعْوَاهُ هَذِهِ هُوَ مِنْ قَبِيل الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ. نَعَمْ إِذَا كَانَ فِي صِيغَةِ التَّعَاقُل نَفْسِهَا - وَرَاءَ ظَاهِرِ اللَّفْظِ - مَا يُكَذِّبُ هَذَا الاِدِّعَاءَ، فَلاَ سَبِيل إِلَى قَبُولِهِ، وَلِذَا يَنُصُّونَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا وَقَعَتِ الْحَوَالَةُ بِصِيغَةِ: اضْمَنْ عَنِّي كَذَا مِنَ الْمَال لِفُلاَنٍ، كَانَتْ دَعْوَى الْوَكَالَةِ كَذِبًا مَرْفُوضًا، لأَِنَّ الصِّيغَةَ لاَ تَحْتَمِلُهَا. (٢)
_________
(١) حديث: " البينة على المدعي واليمين. . . " أخرجه البيهقي (١٠ / ٢٥٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبد الله بن عباس. وإسناده صحيح.
(٢) الزيلعي على الكنز ٤ / ١٧٣، والفتاوى الهندية ٣ / ٣٠٤ وأبو السعود على ملا مسكين ٣ / ٢٢.
٣٩ - وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ قَبُول قَوْل الْمُحِيل بِأَنَّ الْحَوَالَةَ كَانَ الْمَقْصُودُ بِهَا وَكَالَةً، وَتَعْلِيلُهُ بِأَنَّ كَلِمَةَ الْحَوَالَةِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْوَكَالَةِ، فَلاَ يَكُونُ إِقْرَارًا بِدَيْنِ الْمُحَال، لاَ يَسْتَقِيمُ إِلاَّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كَلِمَةَ الْحَوَالَةِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْمَعْنَيَيْنِ (مَعْنَى الْحَوَالَةِ، وَمَعْنَى الْوَكَالَةِ) عَلَى سَوَاءٍ، لِتَكُونَ مِنْ قَبِيل اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ، وَلاَ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْوَكَالَةِ مِنْ قَبِيل الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ - إِلاَّ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ - لأَِنَّ الْحَقِيقَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَجَازِ عِنْدَ الإِْمَامِ، وَلِذَا تَكَلَّفَ شَمْسُ الأَْئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فَحَمَل الْمَسْأَلَةَ عَلَى: مَا إِذَا ادَّعَى الْمُحَال أَنَّ مَا عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ لَيْسَ إِلاَّ ثَمَنَ مَالٍ لَهُ هُوَ، وَأَنَّ الْمُحِيل كَانَ وَكِيلًا عَنْهُ فِي بَيْعِهِ.
فَالدَّيْنُ دَيْنُهُ هُوَ، وَقَدْ وَصَل إِلَيْهِ حَقُّهُ. وَإِذَنْ يَكُونُ الْقَوْل لِلْمُحِيل، لأَِنَّ أَصْل الْمُنَازَعَةِ وَقَعَ بَيْنَهُمَا فِي مِلْكِ ذَلِكَ الْمَال، وَالْيَدُ كَانَتْ لِلْمُحِيل فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَهُ. وَعَلَّقَ عَلَيْهِ الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ بِقَوْلِهِ: (ظَاهِرُهُ تَخْصِيصُ الْمَسْأَلَةِ بِنَحْوِ هَذِهِ الصُّورَةِ)، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَل جَوَابُ الْمَسْأَلَةِ مُطْلَقٌ فِي سَائِرِ الأُْمَّهَاتِ، وَالْحَقُّ أَنْ لاَ حَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ بَعْدَ تَجْوِيزِ كَوْنِ اللَّفْظِ: (أَحَلْتُكَ بِأَلْفٍ) يُرَادُ بِهِ أَلْفٌ لِلْمُحِيل، لأَِنَّ ثُبُوتَ الدَّيْنِ عَلَى الإِْنْسَانِ لاَ يُمْكِنُ بِمِثْل هَذِهِ الدَّلاَلَةِ، بَل لاَ بُدَّ مِنَ الْقَطْعِ بِهَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَوْ دَلاَلَتِهِ، مِثْل: لَهُ عَلَيَّ أَوْ فِي ذِمَّتِي، لأَِنَّ فَرَاغَ الذِّمَّةِ كَانَ ثَابِتًا بِيَقِينٍ فَلاَ يَلْزَمُ
فِيهِ ضَرَرُ شَغْل ذِمَّتِهِ إِلاَّ بِمِثْلِهِ مِنَ اللَّفْظِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: اتَّزِنْهَا، فِي جَوَابِ: " لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ " لِلتَّيَقُّنِ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ فِي اتَّزِنْهَا عَلَى الأَْلْفِ الْمُدَّعَاةِ بِخِلاَفِ مُجَرَّدِ (قَوْلِهِ: أَحَلْتُكَ) . (١)
٤٠ - وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ:
أ - أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُحَال قَدْ قَبَضَ بِالْفِعْل دَيْنَ الْحَوَالَةِ، الَّتِي أَنْكَرَ الْمُحِيل حَقِيقَتَهَا، بِدَعْوَى أَنَّهَا وَكَالَةٌ، فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِرَدِّ مَا قَبَضَهُ إِلَى الْمُحِيل، إِذْ قَدْ سَقَطَ - بِسُقُوطِ دَعْوَاهُ - حَقُّهُ فِيهِ.
ب - إِذَا كَانَ الْمُحِيل صَادِقًا فِي دَعْوَاهُ - وَلَيْسَ كَاذِبًا يُرِيدُ الْحِيلَةَ - فَإِنَّ الْحَوَالَةَ لاَ يَكُونُ قَدْ طَرَأَ عَلَيْهَا أَيُّ تَغْيِيرٍ، إِلاَّ بِحَسَبِ ظَاهِرِ الْحَال، وَهِيَ إِذَنْ لَمْ تَنْعَقِدْ مِنَ الأَْصْل حَوَالَةً حَقِيقِيَّةً، بَل وَكَالَةً (٢) .
٤١ - رَأْيُ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ: الَّذِي قَرَّرَهُ الْحَنَفِيَّةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، هُوَ قَوْل الْمُزَنِيِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَدْ اعْتَمَدُوهُ، لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاءُ الدَّيْنِ فِي مَحَلِّهِ، وَلَكِنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ سُرَيْجٍ مِنْهُمْ يُنَازِعُ فِيهِ، وَعِنْدَهُ أَنَّ مُدَّعِيَ الْحَوَالَةِ هُوَ الَّذِي يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ، لأَِنَّ اسْتِعْمَال صِيغَةِ الْحَوَالَةِ بِلَفْظِهَا يُؤَيِّدُهُ، فَالظَّاهِرُ مَعَهُ، كَمَا لَوْ تَنَازَعَ اثْنَانِ عَلَى مِلْكِ دَارٍ، وَهِيَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، وَسَيَأْتِي الْفَصْل فِي الْمَوْضُوعِ وَفْقَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ (ر: ف ٤٢) .
وَوَاضِحٌ أَنَّ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ يَبْقَى كَمَا هُوَ، إِذَا
_________
(١) فتح القدير ٥ / ٤٥٠.
(٢) ابن عابدين على الدر ٤ / ٢٩٣.
كَانَ النِّزَاعُ مُنْصَبًّا عَلَى اللَّفْظِ الَّذِي اسْتُعْمِل: أَكَانَ لَفْظَ الْحَوَالَةِ أَمْ لَفْظَ الْوَكَالَةِ.
وَالْفَرْضُ أَنْ لاَ بَيِّنَةَ لأَِحَدِهِمَا، وَإِلاَّ عُمِل بِهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الأَْخِيرَةِ لإِمْكَانِهَا، وَهَذَا مِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ، كَمَا نَصُّوا عَلَى أَنَّ مُنْكَرَ الْحَوَالَةِ هُوَ فِي مُعْتَمَدِهِمُ الصِّدْقُ عَلَى كُل حَالٍ - لأَِنَّ الأَْصْل مَعَهُ - وَلَوْ كَانَ مُنْكِرُهَا وَزَاعِمُ الْوَكَالَةِ هُوَ الْمُحَال نَفْسُهُ لأَِمْرٍ مَا، كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ لَهُ إِفْلاَسُ الْمُحَال عَلَيْهِ.
وَمِنْ أَهَمِّ مَا صَرَّحُوا بِهِ أَيْضًا أَنَّ مَحَل الْخِلاَفِ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمُحِيل مُقِرًّا بِدَيْنِ الْمُحَال، وَإِلاَّ فَلاَ يُتَّجَهُ سِوَى تَصْدِيقِ الْمُحِيل، وَلِلْمُحَال تَحْلِيفُهُ عَلَى نَفْيِ دَيْنِهِ، لأَِنَّهُ، أَيِ الْمُحِيل، مُتَمَسِّكٌ عِنْدَئِذٍ بِنَفْسِ الأَْصْل الأَْوَّل الَّذِي لاَ تَتَحَقَّقُ حَوَالَةٌ إِلاَّ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ مَدِينًا لِلْمُحَال.
وَكَمَا وَافَقَ الشَّافِعِيَّةُ - فِي الْمُعْتَمَدِ لَدَيْهِمُ - الْحَنَفِيَّةَ فِي الأَْصْل، وَافَقُوهُمْ فِي الاِسْتِثْنَاءِ أَيْضًا - إِذْ هُوَ مِمَّا لاَ يَقْبَل النِّزَاعَ، فَذَكَرُوا أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي صِيغَةِ التَّعَاقُدِ مَا يُكَذِّبُ الْمُحِيل - كَمَا لَوْ قَال: أَحَلْتُكَ بِالْمِائَةِ الَّتِي لَكَ فِي ذِمَّتِي عَلَى فُلاَنٍ مَدِينِي - فَالْقَوْل قَوْل الْمُحَال عِنْدَئِذٍ، لأَِنَّ هَذَا لاَ يَحْتَمِل غَيْرَ الْحَوَالَةِ وَكُل مَا قَرَّرَهُ الشَّافِعِيَّةُ، أَصْلًا وَاسْتِثْنَاءً وَوِفَاقًا وَخِلاَفًا وَتَرْجِيحًا، ذَكَرَهُ الْحَنَابِلَةُ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ.
٤٢ - وَالْقَوْلاَنِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الشَّافِعِيَّةُ يُوجَدَانِ
أَيْضًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. فَابْنُ الْقَاسِمِ يَرَى رَأْيَ الْمُزَنِيِّ، وَابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَرَى رَأْيَ أَبِي الْعَبَّاسِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي يُوجَدُ لِكُلٍّ مِنْهَا إِنَّمَا هُوَ نُصُوصٌ جُزْئِيَّةٌ قَامَ أَصْحَابُهُمَا بِتَخْرِيجِ نَظَائِرِهَا عَلَيْهَا، وَقَدْ جَرَى خَلِيلٌ عَلَى الثَّانِي، وَلَكِنَّهُمْ نَقَدُوهُ وَآثَرُوا الأَْوَّل (١) .
وَمِنْ آثَارِ هَذَا الْخِلاَفِ: فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ حَالاَتٌ وَاحْتِمَالاَتٌ تَخْتَلِفُ فِي الأَْحْكَامِ تَبَعًا لِمَا إِذَا كَانَ مُنْكِرُ الْحَوَالَةِ وَمُدَّعِي الْوَكَالَةِ هُوَ الْمُحِيل أَوِ الْمُحَال. وَتَفْصِيل ذَلِكَ كَمَا يَلِي:
٤٣ - الْحَالَةُ الأُْولَى - حِينَ يَكُونُ الْمُحِيل هُوَ مُنْكَرَ الْحَوَالَةِ:
أ - فَعِنْدَ مَنْ يَقُولُونَ بِتَرْجِيحِ زَعْمِ مُثْبِتِهَا (وَهُوَ الْمُحَال) تَثْبُتُ الْحَوَالَةُ بِيَمِينِهِ وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا آثَارُهَا، وَفِي طَلِيعَةِ هَذِهِ الآْثَارِ بَرَاءَةُ الْمُحِيل، وَمُطَالَبَةُ الْمُحَال عَلَيْهِ.
ب - وَعِنْدَ مَنْ يَقُولُونَ بِتَرْجِيحِ زَعْمِ مُنْكِرِهَا (وَهُوَ الْمُحِيل) تَنْتَفِي الْحَوَالَةُ وَتَثْبُتُ الْوَكَالَةُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ تَبْرُزُ بَعْدَ ذَلِكَ احْتِمَالاَتٌ ثَلاَثَةٌ: لأَِنَّ الْمُحَال إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ قَبَضَ الْمَال مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ
_________
(١) مغني المحتاج على المنهاج ٢ / ١٩٧ ونهاية المحتاج ٤ / ٤١٧ والمغني لابن قدامة ٥ / ٦٣ - ٦٤ والفروع ٢ / ٦٢٩ ومطالب أولي النهى ٣ / ٣٣١ والخرشي على خليل ٤ / ٢٣٧ وكلامهم إنما هو في حالة الاتفاق لوقوع العقد بلفظ الحوالة، ولكن حالة الاختلاف في اللفظ أولى بما رجحوه.
يَقْبِضْهُ، وَفِي الْحَالَةِ الأُْولَى: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَال بَاقِيًا عِنْدَهُ أَوْ هَالِكًا.
٤٤ - الاِحْتِمَال الأَْوَّل: أَنَّ الْمُحَال لَمْ يَقْبِضِ الْمَال:
فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَنْعَزِل الْوَكِيل مِنَ الْوَكَالَةِ بِإِنْكَارِهِ إِيَّاهَا، فَلاَ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ فِي الْقَبْضِ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ، وَهَل يَرْجِعُ بِدَيْنِهِ عَلَى الْمُحِيل؟ الصَّوَابُ: نَعَمْ، لأَِنَّ الْمُحِيل يُنْكِرُ الْحَوَالَةَ، وَقِيل: لاَ يَرْجِعُ، مُؤَاخَذَةً لَهُ بِقَوْل نَفْسِهِ لأَِنَّ مُقْتَضَى الْحَوَالَةِ الَّتِي يَدَّعِيهَا بَرَاءَةُ الْمُحِيل، وَثُبُوتُ حَقِّهِ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ - وَلَوْ قَبَضَهُ الْمُحِيل مِنْهُ - لأَِنَّهُ فِي نَظَرِهِ وَزَعْمِهِ لَيْسَ إِلاَّ قَبْضَ ظَالِمٍ مَا لَيْسَ لَهُ بِحَقٍّ.
٤٥ - الاِحْتِمَال الثَّانِي: أَنَّ الْمُحَال قَبَضَ الْمَال، وَمَا زَال عِنْدَهُ.
فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ عَلَى الْمُحَال رَدُّ مَا قَبَضَهُ إِلَى الْمُحِيل، وَلِلْمُحِيل اسْتِرْدَادُهُ مِنْهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ هُوَ عَلَى الْمُحِيل بِدَيْنِهِ، لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ مُحَالًا فَقَدِ اسْتَرَدَّ مِنْهُ الْمُحِيل مَا قَبَضَهُ عَلَى أَسَاسِ الْحَوَالَةِ فَعَلَى الْمُحِيل أَنْ يَفِيَهُ دَيْنَهُ، وَإِنْ كَانَ وَكِيلًا فَحَقُّهُ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل.
هَكَذَا قَالُوا، مَعَ تَسْلِيمِهِمْ بِأَنَّهُ دَائِنٌ، وَلَمْ يَقُولُوا بِالْمُقَاصَّةِ، لأَِنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عَيْنٌ وَالَّذِي لَهُ دَيْنٌ، وَالْمُقَاصَّةُ عِنْدَهُمْ إِنَّمَا تَكُونُ بَيْنَ دَيْنَيْنِ
مُتَسَاوِيَيْنِ جِنْسًا وَقَدْرًا وَصِفَةً: فَلَيْسَ لَهَا هُنَا مَوْضِعٌ.
نَعَمْ إِنْ خَشِيَ ضَيَاعَ حَقِّهِ كَانَ لَهُ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، أَخْذُ مَا مَعَهُ عَلَى سَبِيل الظَّفَرِ بِالْحَقِّ.
وَهُنَاكَ مَنْ يَقُول: لَيْسَ لِلْمُحَال حَقُّ الرُّجُوعِ بِدَيْنِهِ، مُؤَاخَذَةً لَهُ بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ، لأَِنَّهُ بِإِقْرَارِهِ بِالْحَوَالَةِ مُقِرٌّ بِبَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمُحِيل مِنْ هَذَا الدَّيْنِ.
٤٦ - الاِحْتِمَال الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُحَال قَبَضَ الْمَال، وَلَكِنَّهُ هَلَكَ عِنْدَهُ:
فَلاَ حَقَّ لِلْمُحِيل عَلَى الْمُحَال، وَلاَ لِلْمُحَال عَلَى الْمُحِيل، سَوَاءٌ أَكَانَ التَّلَفُ بِتَفْرِيطٍ مِنْهُ أَمْ بِدُونِ تَفْرِيطٍ.
فَإِنْ كَانَ بِتَفْرِيطٍ، فَلأَِنَّهُ إِمَّا مَالُهُ قَدْ تَلِفَ بِيَدِهِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي الْوَاقِعِ صَادِقًا فِي زَعْمِهِ الْحَوَالَةَ، وَإِمَّا مَالٌ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ، فَيَثْبُتُ عَلَيْهِ مِثْل مَا لَهُ عِنْدَ الْمُحِيل وَيَتَقَاصَّانِ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، فَلأَِنَّ الْمُحِيل مُقِرٌّ بِأَنَّ الْمَال إِنَّمَا تَلِفَ فِي يَدِ أَمِينِهِ، أَيْ وَكِيلِهِ بِمُقْتَضَى دَعْوَاهُ، وَالْفَرْضُ أَنْ لاَ تَعَدِّيَ. وَإِنْ كَانَ الْبَغَوِيُّ مِنْ كِبَارِ الشَّافِعِيَّةِ، يُنَازِعُ فِي هَذَا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَخْذَ الْوَكِيل لِنَفْسِهِ يُوجِبُ ضَمَانَهُ وَيَقُول: إِنَّهُ يَضْمَنُ لِثُبُوتِ وَكَالَتِهِ، كَمَا أَنَّهُ، أَيِ الْمُحَال، مُقِرٌّ بِأَنَّهُ قَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، وَتَلِفَ عِنْدَهُ (١) .
_________
(١) نهاية المحتاج على المنهاج بحواشيه ٤ / ٤١٧ ومغني المحتاج ٢ / ١٩٧ والمهذب ١ / ٣٣٩ والمغني لابن قدامة ٥ / ٦٤ و٦٥ والفروع ٢ / ٦٢٩.
٤٧ - (الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ): حِينَ يَكُونُ الْمُحَال هُوَ مُنْكِرُ الْحَوَالَةِ:
أ - فَعِنْدَ مَنْ يَقُولُونَ بِتَرْجِيحِ زَعْمِ مُثْبِتِهَا (وَهُوَ الْمُحِيل): تَثْبُتُ الْحَوَالَةُ بِيَمِينِهِ، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَحْكَامُهَا، فَيَبْرَأُ الْمُحِيل، وَيُطَالِبُ الْمُحَال عَلَيْهِ، ثُمَّ مَا قُبِضَ مِنْهُ يَكُونُ لِلْمُحَال، لأَِنَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى جَانِبِ الْمُحِيل، فَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى الْحَوَالَةِ الَّتِي أَقَرَّ هُوَ بِهَا، وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى جَانِبِ الْمُحَال، فَإِنَّهُ ظَافِرٌ بِجِنْسِ حَقِّهِ الَّذِي يَأْبَى الْمُحِيل تَسْلِيمَهُ إِلَيْهِ.
ب - أَمَّا عِنْدَ مَنْ يَقُولُونَ بِتَرْجِيحِ زَعْمِ نَافِيهَا (وَهُوَ الْمُحَال) فَتَثْبُتُ الْوَكَالَةُ بِيَمِينِهِ وَيُعْتَبَرُ وَكِيلًا بِالْقَبْضِ، عَنِ الْمُحِيل، كَمَا أَنَّ الْمُحِيل فِي تَمَسُّكِهِ بِأَنَّ الْعَقْدَ كَانَ حَوَالَةً يَكُونُ مُعْتَرِفًا بِدَيْنِ الْمُحَال فِي ذِمَّتِهِ.
ثُمَّ الاِحْتِمَالاَتُ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلاَثَةٌ: لأَِنَّ الْمُحَال إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ قَبَضَ الْمَال مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَفِي الْحَالَةِ الأُْولَى: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَال بَاقِيًا عِنْدَهُ أَوْ هَالِكًا.
٤٨ - (الاِحْتِمَال الأَْوَّل) أَنَّ الْمُحَال لَمْ يَقْبِضِ الْمَال:
وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَأْخُذُ الْمُحَال حَقَّهُ مِنَ الْمُحِيل، ثُمَّ يَكُونُ لِلْمُحِيل مُطَالَبَةُ الْمُحَال عَلَيْهِ بِدَيْنِهِ، لأَِنَّ الْوَاقِعَ إِنْ كَانَ وَكَالَةً - كَمَا ثَبَتَ ظَاهِرًا - فَدَيْنُهُ مَا زَال فِي ذِمَّةِ مَدِينِهِ لَمْ يَقْبِضْهُ
الْوَكِيل بَعْدُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْوَاقِعِ حَوَالَةً، فَإِنَّ الْمُحَال لَمْ يَعْمَل بِمُقْتَضَاهَا لأَِنَّهَا اعْتُبِرَتْ فِي الظَّاهِرِ وَكَالَةً، وَبَدَلًا مِنْ أَنْ يَأْخُذَ الْمُحَال حَقَّهُ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ، أَخَذَهُ مِنَ الْمُحِيل ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، فَيَكُونُ لَهُ - رَغْمَ إِقْرَارِهِ بِأَنَّ مَا فِي ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ هُوَ لِلْمُحِيل - أَنْ يَأْخُذَهُ لِنَفْسِهِ وَفَاءً بِمَا أَخَذَهُ الْمُحَال مِنْهُ، كَالظَّافِرِ بِجِنْسِ حَقِّهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ الْمُقْرِيِّ مِنْ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ. وَإِنْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يَمْنَعُهُ مِنْ أَخْذِهِ، وُقُوفًا عِنْدَ مُؤَاخَذَتِهِ بِإِقْرَارِهِ هَذَا.
٤٩ - (الاِحْتِمَال الثَّانِي) أَنَّ الْمُحَال قَبَضَ الْمَال، وَمَا زَال عِنْدَهُ:
فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ فِي تَمَلُّكِ مَا قَبَضَ. لأَِنَّهُ مَعَ ثُبُوتِ الْوَكَالَةِ يُعْتَبَرُ ظَافِرًا بِجِنْسِ حَقِّهِ الَّذِي يَأْبَى الْمُحِيل تَسْلِيمَهُ إِلَيْهِ تَمَسُّكًا بِالْحَوَالَةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ إِقْرَارَ الْمُحِيل لَهُ بِدَيْنِهِ.
٥٠ - (الاِحْتِمَال الثَّالِثُ) الْمُحَال قَبَضَ الْمَال، وَلَكِنَّهُ هَلَكَ عِنْدَهُ:
وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ - تَفْرِيعًا عَلَى الْوَكَالَةِ الَّتِي ثَبَتَتْ - إِنْ كَانَ قَدْ تَلِفَ بِتَفْرِيطٍ مِنْهُ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ، وَثَبَتَ عَلَيْهِ مِثْل مَا لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل، فَيَتَقَاصَّانِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، فَقَدْ هَلَكَ عَلَى صَاحِبِهِ وَهُوَ الْمُحِيل، وَيَرْجِعُ هُوَ بِدَيْنِهِ