الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨
لاِبْنِ الْقَاسِمِ، فَإِنَّهُ يَرَى عَدَمَ الرُّجُوعِ مُطْلَقًا (١) .
الْحَوَالَةُ عَلَى عَيْنٍ:
٢٦ - وَالْحَوَالَةُ عَلَى عَيْنٍ - أَيًّا كَانَ نَوْعُ الْعَيْنِ - لاَ تُعْرَفُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. إِذْ هُمْ جَمِيعًا شَارِطُونَ فِي الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا.
كَمَا أَطْبَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ عَلَى هَذِهِ الشَّرِيطَةِ فِي جَانِبِ الْمَال الْمُحَال بِهِ.
عَلَى أَنَّ التَّحْقِيقَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْفُسِهِمْ يَرُدُّهُمْ إِلَى وِفَاقِ الآْخَرِينَ. فَقَدْ قَال السَّرَخْسِيُّ: (حَقِيقَةُ الْحَوَالَةِ هِيَ الْمُطْلَقَةُ، فَأَمَّا الْمُقَيَّدَةُ مِنْ وَجْهٍ فَتَوْكِيلٌ بِالأَْدَاءِ وَالْقَبْضِ) . (٢)
حُلُول الْحَوَالَةِ وَتَأْجِيلُهَا
٢٧ - فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحُلُول الْحَوَالَةِ وَتَأْجِيلِهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
أَرْكَانُ الْحَوَالَةِ وَشُرُوطُهَا:
٢٨ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ لِوُجُودِ الْحَوَالَةِ مِنَ الآْتِي:
١ - الصِّيغَةُ.
_________
(١) الخرشي على خليل ٤ / ٢٣٣، والمنتقى على الموطأ ٥ / ٦٩.
(٢) المبسوط للسرخسي ٢٠ / ٥٤، ونهاية المحتاج على المنهاج ٤ / ٤١٤ ومغني المحتاج على المنهاج ٢ / ١٩٤ والخرشي على خليل ٤ / ٢٣٣ وغاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى ٢ / ١١٥.
٢ - الْمُحِيل.
٣ - الْمُحَال.
٤ - الْمُحَال عَلَيْهِ.
٥ - الْمُحَال بِهِ (دَيْنُ الْمُحَال عَلَى الْمُحِيل) . كَمَا ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ لِوُجُودِ الْحَوَالَةِ مِنْ وُجُودِ دَيْنٍ لِلْمُحِيل عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ.
وَلَمْ يَعْتَبِرِ الْحَنَفِيَّةُ لِوُجُودِ الْحَوَالَةِ وُجُودَ هَذَا الدَّيْنِ.
وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي اعْتِبَارِ مَا سَبَقَ أَرْكَانًا فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى اعْتِبَارِهَا كُلِّهَا أَرْكَانًا.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى اعْتِبَارِ الصِّيغَةِ وَحْدَهَا رُكْنًا، أَمَّا الْمُحِيل وَالْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ فَهُمْ أَطْرَافُ الْحَوَالَةِ. وَالْمُحَال بِهِ هُوَ مَحَلُّهَا (١) .
الْمُرَادُ بِالصِّيغَةِ:
٢٩ - الصِّيغَةُ تَتَأَلَّفُ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ إِيجَابٍ وَقَبُولٍ.
الْمُرَادُ بِالإِْيجَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: كُل مَا يَدُل عَلَى
_________
(١) البدائع ٦ / ١٥، ١٦، والبحر على الكنز ٦ / ٢٦٨، فتح القدير ٥ / ٤٤٥، والخرشي على خليل ٤ / ٢٣٣، ٢٣٥، وبلغة السالك إلى أقرب المسالك ٢ / ١٥٣، ومغني المحتاج ٢ / ١٥، ١٩٣، والبجيرمي على المنهج ٣ / ٢٣، والنهاية على المنهاج ٤ / ٤٠٩، ٤١٣، والمغني ٥ / ٥٥، ٥٨، ٦٠، والفروع ٢ / ٤٦، والقواعد لابن رجب ص٣٢، قاعدة ٢٣، ومطالب أولي النهى ٣ / ٣٢٤، وكشف المخدرات ص ٢٥٤، وغاية المنتهى ٢ / ١١٤، والإنصاف ٥ / ١١٥.
النَّقْل وَالتَّحْوِيل كَأَحَلْتُكَ، وَأَتْبَعْتُكَ، وَبِالْقَبُول: كُل مَا يَدُل عَلَى الرِّضَا بِهَذَا النَّقْل وَالتَّحْوِيل، نَحْوُ رَضِيتُ، وَقَبِلْتُ، وَفَعَلْتُ. وَمِنَ الْقَبُول: أَحِلْنِي، أَوْ لِتُحِلْنِي (بِلاَمِ الأَْمْرِ)، عَلَى الأَْصَحِّ مِنْ خِلاَفٍ فِقْهِيٍّ عَامٍّ، لِدَلاَلَتِهِ عَلَى الرِّضَا، وَيُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ مُرَّةً أُخْرَى بَعْدَ الإِْيجَابِ.
وَالإِْيجَابُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: هُوَ قَوْل الطَّرَفِ الْبَادِئِ بِالْعَقْدِ، وَالْقَبُول هُوَ الْقَوْل الْمُتَمِّمُ لَهُ مِنَ الطَّرَفِ الآْخَرِ بِأَيَّةِ أَلْفَاظٍ تَدُل عَلَى مَعْنَى الْحَوَالَةِ. وَيَقُومُ مَقَامَ الأَْلْفَاظِ كُل مَا يَدُل دَلاَلَتَهَا، كَالْكِتَابَةِ، وَإِشَارَةِ الأَْخْرَسِ الْمُفْهِمَةِ، وَلَوْ كَانَ الأَْخْرَسُ قَادِرًا عَلَى الْكِتَابَةِ فِيمَا اعْتَمَدُوهُ. فَالإِْيجَابُ أَنْ يَقُول كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا: قَبِلْتُ، أَوْ رَضِيتُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَدُل عَلَى الرِّضَا (١) .
وَيَكْفِي عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَجْرِيَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول بَيْنَ اثْنَيْنِ فَحَسْبُ أَيًّا كَانَا مِنَ الأَْطْرَافِ الثَّلاَثَةِ لِتَنْعَقِدَ الْحَوَالَةُ، لَكِنَّهَا عِنْدَئِذٍ قَدْ تَنْعَقِدُ نَاجِزَةً أَوْ مَوْقُوفَةً عَلَى رِضَا الثَّالِثِ بِحَسَبِ كَوْنِ الثَّالِثِ أَيَّ الثَّلاَثَةِ هُوَ:
_________
(١) البدائع ٦ / ١٥، فتح القدير على الهداية ٥ / ٤٤٣ والبحر على الكنز ٦ / ٢٦٧، ٢٦٨. وقد يطلق القبول - بشيء من التجوز - ويراد به التعبير في مجلس العقد عن الرضا، سواء تمثل في المبادأة أم في التعقيب المتمم (ابن عابدين على الدر ٤ / ٢٩٠) . والأشباه والنظائر بحاشية الحموي ٢ / ٢٩٩، ومغني المحتاج على المنهاج ٢ / ٥.
أ - فَإِنْ جَرَى الإِْيجَابُ وَالْقَبُول بَيْنَ الْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ وَكَانَ الثَّالِثُ هُوَ الْمُحِيل، انْعَقَدَتِ الْحَوَالَةُ نَاجِزَةً دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى إِجَازَتِهِ، بِنَاءً عَلَى رِوَايَةِ الزِّيَادَاتِ وَهِيَ الصَّحِيحَةُ، وَخِلاَفًا لِرِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ الَّتِي اشْتَرَطَتْ رِضَاهُ، وَلَوْ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ.
ب - وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ هُوَ الْمُحَال عَلَيْهِ انْعَقَدَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَتِهِ وَلَوْ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ.
ج - وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ هُوَ الْمُحَال، انْعَقَدَتْ مَوْقُوفَةً أَيْضًا عَلَى إِجَازَتِهِ وَلَوْ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، أَخْذًا بِمَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ الَّذِي اعْتَمَدَتْهُ الْمَجَلَّةُ (م ٦٨٣) تَيْسِيرًا عَلَى النَّاسِ فِي مُعَامَلاَتِهِمْ، وَإِنْ شَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ قَبُولَهُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَاعْتَبَرَهُ شُيُوخُ الْحَنَفِيَّةِ الْمُصَحَّحَ فِي الْمَذْهَبِ (١) .
تَغَيُّرُ الْحَوَالَةِ بِأَلْفَاظٍ مُعَيَّنَةٍ:
٣٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَقَيُّدَ بِأَلْفَاظٍ مُعَيَّنَةٍ فِي عَقْدِ الْحَوَالَةِ، شَأْنُهَا فِي ذَلِكَ كَسَائِرِ الْعُقُودِ، إِذْ الْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ بِالْمَعَانِي لاَ بِالأَْلْفَاظِ.
_________
(١) البدائع ٦ / ١٦، ٢٦٩، والبحر على الكنز ٦ / ٢٦٨، ٢٦٩ خلافا لما قرره صاحب البدائع من اشتراط مجلس العقد. وقد وافقه على ذلك صاحب البحر أولا، ثم عاد في موضع آخر فنقل هو ومحشوه خلافه (أي عدم اشتراط مجلس العقد) عن البزازية والخانية والخلاصة والدرر والغرر.
وَلِذَا قَالُوا: إِنَّ الْكَفَالَةَ بِشَرْطِ أَنْ يَبْرَأَ الأَْصِيل، حَوَالَةٌ، وَالْحَوَالَةُ بِشَرْطِ أَلاَّ يَبْرَأَ كَفَالَةٌ فَيَتْبَعُ الْمَعْنَى جَرَيَانَ أَحْكَامِ الْحَوَالَةِ أَوِ الْكَفَالَةِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ.
فَإِذَا اخْتَلَفَتِ الأَْطْرَافُ الْمَعْنِيَّةُ وَلاَ بَيِّنَةَ: أَهِيَ كَفَالَةٌ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الأَْصِيل - أَيْ حَوَالَةٌ مَعْنًى - أَمْ بِدُونِ شَرْطِ الْبَرَاءَةِ؟ فَالْمُصَدَّقُ هُوَ الدَّائِنُ الطَّالِبُ، لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاءُ حَقِّهِ فِي مُطَالَبَةِ الأَْصِيل، فَلاَ يَنْتَقِل إِلاَّ بِإِقْرَارِهِ.
فَتَنْعَقِدُ عِنْدَهُمْ بِكُل مَا يُفِيدُ مَعْنَاهَا، كَنَقَلْتُ حَقَّكَ إِلَى فُلاَنٍ، أَوْ جَعَلْتُ مَا أَسْتَحِقُّهُ عَلَى فُلاَنٍ لَكَ بِحَقِّكَ عَلَيَّ، أَوْ مَلَّكْتُكَ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ بِحَقِّكَ عَلَيَّ، أَوْ أَتْبَعْتُكَ دَيْنَاكَ عَلَى فُلاَنٍ، أَوْ اقْبِضْ دَيْنِي عَلَيْهِ لِنَفْسِكَ، أَوْ خُذْ - أَوِ اطْلُبْ - دَيْنَكَ مِنْهُ (١) .
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الصِّيغَةِ لَفْظُ الْحَوَالَةِ، وَاعْتَمَدَهُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَاشْتَرَطَ لَفْظُهُ الْحَوَالَةَ دُونَ بَدِيلٍ، وَهُوَ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ (٢) .
٣١ - وَلاَ تَنْعَقِدُ الْحَوَالَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ
_________
(١) مجمع الأنهر ٢ / ١٢٥ وجامع الفصولين ١ / ١٦٩ والبحر الرائق ٦ / ٢٣٩ ونصت على ذلك المجلة م (٦٤٨) و(٦٤٩) ومرشد الحيران م (٨٩١) والفتاوى الهندية ٣ / ٣٠٤ ومغني المحتاج ٢ / ١٩٤ وكشف المخدرات ٢٥٤ والإنصاف ٥ / ١١٥ وغاية المنتهى ٢ / ١١٤.
(٢) الخرشي على خليل ٤ / ٢٣٣.
مُرَاعَاةً لِلَّفْظِ، وَقِيل: تَنْعَقِدُ مُرَاعَاةً لِلْمَعْنَى، كَالْبَيْعِ بِلَفْظِ السَّلَمِ (١) .
وَالْمَالِكِيَّةُ يَتَوَسَّعُونَ مَا لاَ يَتَوَسَّعُ غَيْرُهُمْ، وَهْم بِصَدَدِ صِيغَةِ الْحَوَالَةِ فَيَقُولُونَ: إِنَّهَا تَحْصُل (وَلَوْ بِإِشَارَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ) وَيُطْلِقُونَ ذَلِكَ إِطْلاَقًا يَتَنَاوَل الْقَادِرَ - عَلَى النُّطْقِ - وَالْعَاجِزَ، ثُمَّ يُعَقِّبُونَ بِمُقَابِلٍ ضَعِيفٍ عِنْدَهُمْ - وَإِنْ اعْتَمَدَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ - قَائِلِينَ: وَقِيل: لاَ تَكْفِي الإِْشَارَةُ وَالْكِتَابَةُ إِلاَّ مِنَ الأَْخْرَسِ (٢) .
الصِّيغَةُ:
٣٢ - الصِّيغَةُ تَدُل عَلَى التَّرَاضِي وَيَتَنَاوَل بَحْثُ التَّرَاضِي الْعَنَاصِرَ الثَّلاَثَةَ التَّالِيَةَ:
١ - رِضَا الْمُحِيل
٢ - رِضَا الْمُحَال
٣ - رِضَا الْمُحَال عَلَيْهِ.
وَيُلاَحَظُ أَنَّ رِضَا الْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ مُخْتَلَفٌ فِي اعْتِبَارِهِمَا مِنْ شَرَائِطِ الاِنْعِقَادِ أَوْ مِنْ شَرَائِطِ النَّفَاذِ.
أَوَّلًا: رِضَا الْمُحِيل:
٣٣ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى
_________
(١) مغني المحتاج على المنهاج ٢ / ١٩٤ وكشاف القناع ٣ / ٣٨٣.
(٢) الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٣٢٧ وبلغة السالك على أقرب المسالك ٢ / ١٥٣.
اشْتِرَاطِ رِضَا الْمُحِيل، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي جِهَاتِ قَضَاءِ الدَّيْنِ، فَلاَ تَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ جِهَةٌ قَهْرًا، كَجِهَةِ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ (١) .
٣٤ - وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ تَقَعَ الْحَوَالَةُ عَنْ رِضًا مِنَ الْمُحِيل لأَِنَّهَا إِبْرَاءٌ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ، فَيُفْسِدُهَا الإِْكْرَاهُ كَسَائِرِ التَّمْلِيكَاتِ (٢) .
وَفِي اشْتِرَاطِ رِضَاهُ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ رِوَايَتَيِ الْقُدُورِيِّ وَالزِّيَادَاتِ: وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ الْمُوجِبَةِ: أَنَّ ذَوِي الْمُرُوءَاتِ قَدْ يَأْنَفُونَ مِنْ أَنْ يَحْمِل عَنْهُمْ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ دُيُونِهِمْ، فَلاَ بُدَّ مِنْ رِضَاهُمْ، ثُمَّ يَطَّرِدُ الْبَابُ كُلُّهُ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ النَّافِيَةِ: أَنَّ الْتِزَامَ الدَّيْنِ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَالْمُحِيل لاَ يَلْحَقُهُ بِهِ ضَرَرٌ، بَل فِيهِ نَفْعُهُ عَاجِلًا وَآجِلًا: أَمَّا عَاجِلًا فَلأَِنَّهُ سَيَكْفِي الْمُطَالَبَةُ بِدَيْنِهِ فِي الْحَال، وَأَمَّا آجِلًا فَلأَِنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ لاَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَمْرِهِ قَدْ قَبِل حَوَالَةَ دَيْنِهِ، فَلَمْ يَبْقَ مَعْنًى لاِشْتِرَاطِ رِضَاهُ. لَكِنْ كَثِيرًا مِنْ مُحَقِّقِي الْمَذْهَبِ لاَ يَرَوْنَ أَنَّ هُنَاكَ فِي الْحَقِيقَةِ خِلاَفًا: فَإِنَّ الْقُدُورِيَّ لَمْ يُوجِبْ رِضَا الْمُحِيل لِنَفَاذِ عَقْدِ الْحَوَالَةِ، بَل لِيَسْقُطَ بِالْوَفَاءِ دَيْنُ الْمُحِيل فِي ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ - إِنْ كَانَ - وَلِيَرْجِعَ هَذَا إِلَى الْمُحِيل بِمَا أَدَّى عَنْهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَدِينًا لَهُ.
_________
(١) الخرشي على خليل ٤ / ٢٣٢ ومغني المحتاج على المنهاج ٢ / ١٩٢ - ١٩٣ والمغني لابن قدامة ٥ / ٥٨.
(٢) البدائع ٦ / ١٦.
فَإِنَّهُ لاَ رُجُوعَ عَلَى الْمُحِيل وَلاَ سُقُوطَ لِدَيْنِهِ مَا لَمْ يَرْضَ (١)
ثَانِيًا: رِضَا الْمُحَال:
٣٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ رِضَا الْمُحَال لِلْمَعْنَى نَفْسِهِ الآْنِفِ فِي رِضَا الْمُحِيل، وَلأَِنَّ الدَّيْنَ حَقُّهُ، فَلاَ يَنْتَقِل مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ إِلاَّ بِرِضَاهُ، إِذِ الذِّمَمُ تَتَفَاوَتُ يَسَارًا وَإِعْسَارًا، وَبَذْلًا وَمَطْلًا، وَتَتَأَثَّرُ بِذَلِكَ قِيمَةُ الدَّيْنِ نَفْسِهِ، وَلاَ سَبِيل إِلَى إِلْزَامِهِ بِتَحَمُّل ضَرَرٍ لَمْ يَلْتَزِمْهُ (٢) .
وَاشْتَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ أَنْ يَكُونَ هَذَا الرِّضَا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، حَتَّى إِذَا كَانَ غَائِبًا عَنِ الْمَجْلِسِ ثُمَّ بَلَغَهُ خَبَرُ الْحَوَالَةِ فَأَجَازَهَا، لَمْ تَنْفُذِ الْحَوَالَةُ، لأَِنَّهَا لَمْ تَنْعَقِدْ أَصْلًا إِذْ أَنَّ رِضَا الْمُحَال عِنْدَهُمَا رُكْنٌ فِي انْعِقَادِهَا. أَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَيُكْتَفَى مِنْهُ بِمُجَرَّدِ الرِّضَا، أَيْنَمَا كَانَ وَلَوْ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، فَيَكُونُ شَرِيطَةَ نَفَاذٍ.
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَلاَ يُوجِبُونَ رِضَا الْمُحَال، إِلاَّ
_________
(١) فتح القدير ٥ / ٤٤، وابن عابدين على الدر ٤ / ٢٨٩ اشترط مرشد الحيران رضا الأطراف الثلاثة كشرائط صحة انعقاد في المادة (٨٨٢)، ولكنه بعد أن اشترط رضا المحيل لصحة الحوالة في هذه المادة عاد في المادة (٨٨٧) إلى عدم اشتراط رضا المحيل لصحة الحوالة، وإنما للرجوع عليه. أما المجلة فقد صححت في المادة (٦٨١) الحوالة المنعقدة بين المحال والمحال عليه وحدهما.
(٢) فتح القدير على الهداية ٥ / ٤٤٤.
عَلَى احْتِمَالٍ ضَعِيفٍ عِنْدَهُمْ. بَل يُجْبَرُ الْمُحَال عَلَى الْقَبُول، إِذَا كَانَ الْمُحَال عَلَيْهِ مَلِيئًا غَيْرَ جَاحِدٍ وَلاَ مُمَاطِلٍ. وَقَال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: يُسْتَغْنَى بَتَاتًا عَنْ قَبُول الْمُحَال، فَإِنْ قَبِل فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَل فَلاَ بَأْسَ، وَالْحَوَالَةُ نَافِذَةٌ بِرَغْمِهِ (١) .
قَال صَاحِبُ الإِْنْصَافِ: فِي رِوَايَةٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: لاَ يَبْرَأُ الْمُحِيل إِلاَّ بِرِضَا الْمُحَال. فَإِنْ أَبَى أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ، لَكِنْ تَنْقَطِعُ الْمُطَالَبَةُ بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ. وَقِيل: يَتَوَجَّهُ أَنَّ لِلْمُحَال مُطَالَبَةُ الْمُحِيل قَبْل إِجْبَارِ الْحَاكِمِ.
وَمَبْنَى الرِّوَايَتَيْنِ: أَنَّ الْحَوَالَةَ هَل هِيَ نَقْلٌ لِلْحَقِّ أَوْ تَقْبِيضٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ نَقْلٌ لِلْحَقِّ، لَمْ يُعْتَبَرْ لَهَا قَبُولٌ. وَإِنْ قُلْنَا: هِيَ تَقْبِيضٌ، فَلاَ بُدَّ مِنَ الْقَبْضِ بِالْقَوْل، وَهُوَ قَبُولُهَا. فَيُجْبَرُ عَلَيْهِ الْمُحَال. اهـ.
وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ بِظَاهِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ: قَال ﷺ: مَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ. وَيُفَسِّرُهُ لَفْظُ
_________
(١) فتح القدير على الهداية ٥ / ٤٤٤ وأبو السعود على ملا مسكين ٣ / ٢٠ وبرأي أبي يوسف أخذت المجلة في المادة (٦٨٣) فاعتبرت رضا المحال شريطة نفاذ إذا عقدت الحوالة بإرادة الطرفين الآخرين. والخرشي على خليل ٤ / ٢٣٢ - ٢٣٣ والمهذب ١ / ٣٣٧ - ٣٣٨ والفروع ٢ / ٦٢٦ والإنصاف ٥ / ٢٢٨ وقواعد ابن رجب ص ٣٢.
أَحْمَدَ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: وَمَنْ أُحِيل عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَل (١) . فَقَدْ أَمَرَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ الدَّائِنَ بِقَبُول الْحَوَالَةِ أَوِ الاِلْتِزَامِ بِمُقْتَضَاهَا، وَالأَْمْرُ بِأَصْل وَضْعِهِ لِلْوُجُوبِ، وَلَيْسَ هُنَا مَا يَصْرِفُهُ عَنْ هَذَا الأَْصْل.
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِالْمَعْقُول: فَإِنَّ الدَّائِنَ الَّذِي يُهَيِّئُ لَهُ مَدِينُهُ مِثْل دَيْنِهِ عَدًّا وَنَقْدًا مِنْ يَدٍ أُخْرَى فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ، وَيُصِرُّ عَلَى أَنْ يَنْقُدَهُ إِيَّاهُ مَدِينُهُ بِالذَّاتِ، لاَ يَكُونُ إِلاَّ مُتَعَنِّتًا مُعَانِدًا (٢) .
ثَالِثًا: رِضَا الْمُحَال عَلَيْهِ:
٣٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ) إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ رِضَا الْمُحَال عَلَيْهِ لِقَوْل الرَّسُول ﷺ مَنْ أُحِيل عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ (٣) وَلَمْ يَقُل عَلَى مَلِيءٍ رَاضٍ ". (٤)
وَلأَِنَّ الْحَقَّ لِلْمُحِيل فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بِغَيْرِهِ كَمَا لَوْ وَكَّل غَيْرَهُ بِالاِسْتِيفَاءِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ إِلَى اشْتِرَاطِ رِضَا الْمُحَال عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَكَانَ مَدِينًا أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَتَسَاوَى الدَّيْنَانِ أَمْ لاَ، لأَِنَّ النَّاسَ
_________
(١) الحديثان تقدم تخريجهما ف / ٧.
(٢) الإنصاف ٥ / ٢٢٨ والمهذب ١ / ٣٣٨.
(٣) حديث: " من أحيل على مليء. . . " سبق تخريجه ف / ٧.
(٤) الرهوني على خليل ٥ / ٣٩٥ وبداية المجتهد ٢ / ٢٩٩ ومغني المحتاج ٢ / ١٤٩ والمغني لابن قدامة ٥ / ٦٠.