الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨ الصفحة 35

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨

وَأَيُّهُمَا كَانَ وَجَبَ أَنْ تَبْرَأَ بِهِ ذِمَّةُ الْمُحِيل) . (١) وَهُوَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ صَرِيحُ كَلاَمِهِمْ فِي تَعْلِيل شَرِيطَةَ تَسَاوِي الدَّيْنَيْنِ قَدْرًا وَصِفَةً: هَذَا ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ نَفْسُهُ - عَلَى خِلاَفِ مَا تَقَدَّمَ لَهُ - يَعُودُ فَيَقُول: (لأَِنَّهُ إِنِ اخْتَلَفَا فِي أَحَدِهِمَا كَانَ بَيْعًا وَلَمْ يَكُنْ حَوَالَةً) فَخَرَجَ مِنْ بَابِ الرُّخْصَةِ إِلَى بَابِ الْبَيْعِ، وَإِذَا خَرَجَ إِلَى بَابِ الْبَيْعِ دَخَلَهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ. إِلاَّ أَنْ يَكُونَ تَأْوِيل كَلاَمِهِ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: (إِنَّ الْحَوَالَةَ مِنْ أَصْلِهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، فَهُوَ لاَزِمٌ لَهَا، إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا اسْتُوْفِيَتْ شَرَائِطُ الصِّحَّةِ كَانَ ذَلِكَ هُوَ مَحَل الرُّخْصَةِ) وَإِذَنْ يَظَل الْمَالِكِيَّةُ - قَوْلًا وَاحِدًا - مَعَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْحَوَالَةَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ.

وَلَكِنَّ الْوَاقِعَ أَنَّ الْخِلاَفَ ثَابِتٌ عِنْدَهُمْ، غَيْرَ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ عَلَى أَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ (٢) .

١٦ - وَإِلَيْكَ مَا قَالَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ:

الْوَجْهُ الثَّانِي: (يَعْنِي مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْحَوَالَةَ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ) أَنَّ الْحَوَالَةَ مِنْ جِنْسِ إِيفَاءِ الْحَقِّ،

_________

(١) ابن عابدين على الدر المختار ٤ / ٢٩٤، والمهذب ١ / ٣٣٨، والمغني لابن قدامة ٥ / ٥٤، والإنصاف ٥ / ٢٢٢.

(٢) بداية المجتهد ٢ / ٣٠٠ (والمراد أنه إذا اعتبر من قبيل البيع أصبح خاضعا لحكم بيع الدين بالدين الذي ورد فيه النهي عن بيع الكالئ بالكالئ) . والخرشي على خليل بحاشية العدوي ٤ / ٢٣٤، والدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٣٢٥.

لاَ مِنْ جِنْسِ الْبَيْعِ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ إِذَا اسْتَوْفَى مِنَ الْمَدِينِ مَالَهُ كَانَ هَذَا اسْتِيفَاءً، فَإِذَا أَحَالَهُ عَلَى غَيْرِهِ كَانَ قَدِ اسْتَوْفَى ذَلِكَ الدَّيْنَ عَنِ الدَّيْنِ الَّذِي فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل، وَلِهَذَا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْحَوَالَةَ فِي مَعْرِضِ الْوَفَاءِ، فَقَال فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: مَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ (١): فَأَمَرَ الْمَدِينَ بِالْوَفَاءِ، وَنَهَاهُ عَنِ الْمَطْل، وَبَيَّنَ أَنَّهُ ظَالِمٌ إِذَا مَطَل، وَأَمَرَ الْغَرِيمَ بِقَبُول الْوَفَاءِ إِذَا أُحِيل عَلَى مَلِيءٍ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى. ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ . (٢) أَمَرَ الْمُسْتَحِقَّ أَنْ يُطَالِبَ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَمَرَ الْمَدِينَ أَنْ يُؤَدِّيَ بِإِحْسَانٍ. وَوَفَاءُ الْمَدِينِ لَيْسَ هُوَ الْبَيْعَ الْخَاصَّ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ شَوْبُ مُعَاوَضَةٍ (٣) .

تَقْسِيمُ الْحَوَالَةِ وَبَيَانُ أَنْوَاعِهَا:

١٧ - تَتَنَوَّعُ الْحَوَالَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، إِلَى نَوْعَيْنِ أَصْلِيَّيْنِ:

١ - حَوَالَةٌ مُقَيَّدَةٌ.

٢ - وَحَوَالَةٌ مُطْلَقَةٌ.

ثُمَّ تَتَنَوَّعُ الْحَوَالَةُ الْمُطْلَقَةُ، بِدَوْرِهَا، إِلَى نَوْعَيْنِ فَرْعِيَّيْنِ:

_________

(١) حديث: " مطل الغني ظلم، وإذا. . . ". سبق تخريجه ف / ٧.

(٢) سورة البقرة / ١٧٨.

(٣) أعلام الموقعين ١ / ٣٨٩ - ٣٩٠، والأشباه والنظائر مع الحموي ٢ / ٢٠٩ - ٢١٠.

١ - حَوَالَةٌ حَالَّةٌ.

٢ - وَحَوَالَةٌ مُؤَجَّلَةٌ. وَيُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ تَتَنَوَّعَ الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ إِلَى أَنْوَاعٍ فَرْعِيَّةٍ:

١ - حَوَالَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِدَيْنٍ خَاصٍّ.

٢ - حَوَالَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِعَيْنٍ هِيَ أَمَانَةٌ، كَالْوَدِيعَةِ.

٣ - حَوَالَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِعَيْنٍ مَضْمُونَةٍ، كَالْمَغْصُوبَةِ. هَذَا، وَتُوجَدُ حَالَةٌ خَاصَّةٌ لِلْحَوَالَةِ لاَ تَخْرُجُ عَنْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، هِيَ السَّفْتَجَةُ فِي بَعْضِ صُوَرِهَا.

وَالسَّفْتَجَةُ وَرَقَةٌ تُكْتَبُ لِلْمُقْرِضِ فِي بَلَدٍ لِيَسْتَوْفِيَ نَظِيرَ قَرْضِهِ فِي بَلَدٍ آخَرَ اتِّقَاءً لِخَطَرِ الطَّرِيقِ الْمُحْتَمَل، لَوْ أَنَّ صَاحِبَ الْمَال سَافَرَ بِمَالِهِ إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي يَقْصِدُهُ، فَيَلْتَمِسُ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى الْمَال هُنَا وَلَهُ مَالٌ أَوْ دَيْنٌ فِي الْبَلَدِ الآْخَرِ، فَيُقْرِضُهُ الْمَال هُنَا عَلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ هُنَاكَ مِنْ وَكِيل الْمُقْتَرِضِ، أَوْ مِنْ مَدِينِهِ فِي ذَاكَ الْبَلَدِ.

وَنَظَرًا لأَِنَّ بَعْضَ صُوَرِ السَّفْتَجَةِ قَرْضٌ مَحْضٌ مَشْرُوطُ الْوَفَاءِ فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَبَعْضُهَا يَتَوَافَرُ فِيهَا مَعْنَى الْحَوَالَةِ، فَقَدْ أُفْرِدَ لَهَا بَحْثٌ فِي آخِرِ مَوْضُوعِ الْحَوَالَةِ.

أَوَّلًا - النَّوْعَانِ الأَْصْلِيَّانِ لِلْحَوَالَةِ:

١٨ - قَدْ يُقَيَّدُ قَضَاءُ دَيْنِ الْحَوَالَةِ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ مَال الْمُحِيل الَّذِي عِنْدَ الْمُحَال عَلَيْهِ أَوْ فِي ذِمَّتِهِ.

وَقَدْ لاَ يُقَيَّدُ بِذَلِكَ. فَفِي الْحَالَةِ الأُْولَى، تَكُونُ

الْحَوَالَةُ مُقَيَّدَةً، وَفِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ، تَكُونُ حَوَالَةً مُطْلَقَةً.

وَفِي الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ قَدْ لاَ يَكُونُ لِلْمُحِيل عِنْدَ الْمُحَال عَلَيْهِ عَيْنٌ - بِغَصْبٍ أَوْ إِيدَاعٍ أَوْ نَحْوِهِمَا - أَوْ لاَ يَكُونُ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنٌ بِسَبَبٍ مَا - كَمُعَاوَضَةٍ أَوْ إِتْلاَفٍ أَوْ غَيْرِهِمَا - فَيَقْبَل الْحَوَالَةَ مُتَبَرِّعٌ لَمْ تَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ لِلْمُحِيل أَيَّةُ حُقُوقٍ. وَقَدْ يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَكِنَّ الْحَوَالَةُ أُرْسِلَتْ إِرْسَالًا، وَلَمْ تُقَيَّدْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (١) . وَإِذَنْ يُمْكِنُ تَفْسِيرُ كُلٍّ مِنَ الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْمُقَيَّدَةِ كَمَا يَلِي:

١٩ - الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ: هِيَ الَّتِي تُقَيَّدُ بِدَيْنٍ لِلْمُحِيل عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، أَوْ بِعَيْنٍ لَهُ عِنْدَهُ، أَمَانَةً كَانَتْ أَمْ مَضْمُونَةً.

مِثَال ذَلِكَ: أَنْ يَقُول الْمَدِينُ لآِخَرَ: أَحَلْتُ فُلاَنًا عَلَيْكَ بِالأَْلْفِ الَّتِي لِي فِي ذِمَّتِكَ، فَيَقْبَل (الْمُحَال عَلَيْهِ)، أَوْ يَقُول لَهُ: أَحَلْتُ فُلاَنًا عَلَيْكَ بِالأَْلْفِ الَّتِي لَهُ عَلَيَّ، عَلَى أَنْ تُؤَدِّيَهَا إِلَيْهِ مِنَ الدَّنَانِيرِ الَّتِي أَوْدَعْتُكَهَا. أَوْ عَلَى أَنْ تُؤَدِّيَهَا إِلَيْهِ مِنْ الدَّنَانِيرِ الَّتِي اغْتَصَبْتَهَا مِنِّي، فَيَقْبَل (الْمُحَال عَلَيْهِ)، وَيُجِيزُ الْمُحَال فِي الأَْحْوَال كُلِّهَا.

٢٠ - وَالْحَوَالَةُ الْمُطْلَقَةُ: هِيَ الَّتِي لَمْ تُقَيَّدْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ لِلْمُحِيل لَدَى الْمُحَال عَلَيْهِ شَيْءٌ تُمْكِنُ التَّأْدِيَةُ مِنْهُ.

مِثَال ذَلِكَ: أَنْ يَرَى رَجُل خَيْرٍ دَائِنًا وَمَدِينَهُ يَتَشَاجَرَانِ فَيَقُول لِلدَّائِنِ: دَيْنُكَ عَلَيَّ، وَلاَ شَأْنَ لَكَ بِهَذَا

_________

(١) البحر على الكنز ٦ / ٢٧٤ والبدائع ٦ / ١٦.

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ، فَيَقْبَل الدَّائِنُ. أَوْ يَقُول الْمَدِينُ لِغَاصِبِهِ - سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ بَاقِيَةً أَمْ تَالِفَةً - أَحَلْتُ فُلاَنًا عَلَيْكَ بِالأَْلْفِ الَّتِي لَهُ عَلَيَّ (وَلَمْ يَقُل: عَلَى أَنْ تَقْتَضِيَهُ مِمَّا أَسْتَحِقُّهُ عَلَيْكَ) فَيَقْبَل الْغَاصِبُ، وَيُجِيزُ الْمُحَال.

وَمِنَ الأَْمْثِلَةِ ذَاتِ الأَْهَمِّيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ: أَنَّهُ إِذَا بَاعَ الْمَدِينُ الرَّاهِنُ الْعَيْنَ الْمَرْهُونَةَ دُونَ إِذْنٍ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنَّ هَذَا الْبَيْعَ لاَ يَسْلُبُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِي حَبْسِ الْمَرْهُونِ إِلاَّ أَنْ يُجِيزَ هَذَا الْبَيْعَ فَيَكُونُ عِنْدَئِذٍ قَدْ تَنَازَل عَنْ حَقِّهِ فِي حَبْسِهِ بِمُقْتَضَى الرَّهْنِ، أَمَّا إِذَا تَمَسَّكَ الْمُرْتَهِنُ بِحَقِّهِ وَلَمْ يُجِزِ الْبَيْعَ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يَفُكَّ الرَّهْنَ، أَوْ يَرْفَعَ الأَْمْرَ إِلَى الْقَاضِي لِيَفْسَخَ لَهُ الْبَيْعَ، بِسَبَبِ الْعَجْزِ عَنِ التَّسْلِيمِ (١) .

فَإِذَا آثَرَ الاِنْتِظَارَ فَقَدْ يَطُول أَمَدُهُ وَحِينَئِذٍ رُبَّمَا بَدَا لَهُ أَنَّ خَيْرَ وَسِيلَةٍ لِحَل الْمُشْكِلَةِ أَنْ يَنْقُل الدَّيْنَ عَلَى نَفْسِهِ بِطَرِيقِ الْحَوَالَةِ، ثُمَّ يَفُكَّ الرَّهْنَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ عَنِ الرَّاهِنِ وَيَتَسَلَّمُ الْمَبِيعَ الْمَرْهُونَ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ بِمَا دَفَعَ عَنْ ذِمَّتِهِ إِلَى الْمُرْتَهِنِ.

ثَانِيًا - الأَْنْوَاعُ الْفَرْعِيَّةُ لِلْحَوَالَةِ:

أَنْوَاعُ الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ:

٢١ - تَبَيَّنَ مِمَّا سَلَفَ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ، أَنَّهَا عِنْدَ

_________

(١) مجمع الأنهر ٢ / ٥٧٨.

الْحَنَفِيَّةِ - بِالتَّفْصِيل - أَنْوَاعٌ ثَلاَثَةٌ:

١ - حَوَالَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِدَيْنٍ خَاصٍّ.

٢ - حَوَالَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِعَيْنٍ هِيَ أَمَانَةٌ: كَالْعَارِيَّةِ وَالْوَدِيعَةِ وَالْعَيْنِ الْمَوْهُوبَةِ - إِذَا تَرَاضَيَا عَلَى رَدِّهَا، أَوْ قَضَى الْقَاضِي بِهِ - أَوِ الْمَأْجُورُ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ.

٣ - حَوَالَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِعَيْنٍ مَضْمُونَةٍ. وَالْعَيْنُ الْمَضْمُونَةُ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ - كَمَا هُنَا - إِنَّمَا تَنْصَرِفُ إِلَى الْمَضْمُونَةِ بِنَفْسِهَا، أَيِ الَّتِي إِذَا هَلَكَتْ وَجَبَ مِثْلُهَا، إِنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، وَقِيمَتُهَا إِنْ كَانَتْ قِيَمِيَّةً - كَالْمَغْصُوبِ، وَبَدَل الْخُلْعِ، وَالْمَهْرِ، وَبَدَل الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَالْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا، وَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ (وَالْعَيْنُ الْمَضْمُونَةُ بِنَفْسِهَا هَذِهِ مُلْحَقَةٌ بِالدُّيُونِ فَتُكْفَل) .

أَمَّا الْعَيْنُ الْمَضْمُونَةُ بِغَيْرِهَا، فَإِنَّهَا لاَ يَجْرِي ضَمَانُهَا عَلَى قَوَاعِدِ الضَّمَانِ الْعَامَّةِ، بَل يَكُونُ لَهَا ضَمَانٌ خَاصٌّ: وَذَلِكَ كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ - وَلَوْ بَعْدَ امْتِنَاعِهِ مِنْ تَسْلِيمِهِ إِلَى الْمُشْتَرِي، إِذْ لاَ يَصِيرُ بِذَلِكَ غَاصِبًا - وَكَالرَّهْنِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنَّهُ إِذَا هَلَكَ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِمِثْلٍ وَلاَ قِيمَةٍ، لَكِنَّ هَلاَكَ الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ يُسْقِطُ الثَّمَنَ عَنِ الْمُشْتَرِي، وَبِهَلاَكِ الرَّهْنِ يَسْقُطُ مَا يُقَابِلُهُ مِنَ الدَّيْنِ عَنِ الرَّاهِنِ. وَمَا زَادَ مِنْ قِيمَتِهِ عَلَى

الدَّيْنِ يَهْلِكُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى حُكْمِ الأَْمَانَةِ، وَلِذَا سُمِّيَ مَضْمُونًا بِغَيْرِهِ (١) .

أَنْوَاعُ الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ:

٢٢ - الْحَوَالَةُ الْمُطْلَقَةُ نَوْعَانِ:

أ - حَوَالَةٌ حَالَّةٌ:

٢٣ - وَهِيَ حَوَالَةُ الطَّالِبِ بِدَيْنٍ حَالٍّ عَلَى الْمُحِيل: إِذْ يَكُونُ الدَّيْنُ حَالًّا كَذَلِكَ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ. لأَِنَّ الدَّيْنَ يَتَحَوَّل فِي الْحَوَالَةِ، بِالصِّفَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا لَدَى الْمُحِيل، كَمَا أَنَّ الْكَفِيل يَتَحَمَّل مَا عَلَى الأَْصِيل، بِأَيِّ صِفَةٍ كَانَ (٢) .

ب - حَوَالَةٌ مُؤَجَّلَةٌ:

٢٤ - وَهِيَ حَوَالَةٌ اشْتُرِطَ فِيهَا أَجَلٌ مُعَيَّنٌ، أَوْ كَانَتْ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ عَلَى الْمُحِيل، أَوِ الْمُحَال عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهَا بِالأَْجَل كَشَرْطٍ.

إِذْ يَكُونُ الْمَال عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، إِلَى ذَلِكَ الأَْجَل

_________

(١) الأشباه والنظائر بحاشية الحموي ٢ / ٢١١ وفتح القدير على الهداية ٥ / ٤٥٠ وابن عابدين في رد المحتار ٤ / ٢٦٨ و٢٩٣.

(٢) فإذا كان الدين مؤجلا على المحيل فأحال به على دين حال هل تكون حوالة حالة صحيحة؟ لم نر للحنفية نصا، ولكن قياس ما قالوه من صحة اشتراط تأجيل المحال يقتضي صحتها بل هي أولى، لأنها تبرع من جانب المحيل بالتخلي عن الأجل، وهكذا نص كثيرون غير الحنفية (ر: ف / ٩

السَّابِقِ، أَوْ الَّذِي اسْتُحْدِثَ بِالشَّرْطِ، لأَِنَّ الْفَرْضَ فِي حَالَةِ الشَّرْطِ، أَوِ الْعِلْمِ بِالتَّأْجِيل عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ أَنَّ الْحَوَالَةَ كَذَلِكَ قُبِلَتْ. وَفِي حَالَةِ سَبْقِ الأَْجَل فِي جَانِبِ الْمُحِيل إِنَّمَا يَتَحَوَّل الدَّيْنُ بِالْوَصْفِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، اعْتِبَارًا بِالْكَفَالَةِ (١) .

عَلَى أَنَّهُمَا قَدْ تَفْتَرِقَانِ فِي بَعْضِ جَوَانِبِ الأَْجَل: فَفِي الْكَفَالَةِ، إِذَا أَجَّل الطَّالِبُ الدَّيْنَ، وَلَمْ يُضِفِ الأَْجَل إِلَى الْكَفِيل، يَصِيرُ الأَْجَل مَشْرُوطًا لِلأَْصِيل - حَتَّى لَوْ مَاتَ الْكَفِيل، يَبْقَى الدَّيْنُ عَلَى الأَْصِيل مُؤَجَّلًا. وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْحَوَالَةِ، وَلَمْ يُضِفِ الأَْجَل إِلَى الْمُحَال عَلَيْهِ - وَبِالأَْوْلَى إِذَا أَضَافَهُ - لاَ يَصِيرُ الأَْجَل مَشْرُوطًا فِي حَقِّ الأَْصِيل - فَلَوْ مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا عَادَ الدَّيْنُ عَلَى الأَْصِيل حَالًّا.

ثُمَّ تُغْتَفَرُ فِي الأَْجَل الْجَهَالَةُ الْيَسِيرَةُ. فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَبِل الْحَوَالَةَ إِلَى الْحَصَادِ، لاَ يُجْبَرُ عَلَى الأَْدَاءِ قَبْلَهُ. وَسَوَاءٌ هُنَا فِي لُزُومِ التَّأْجِيل دَيْنُ الْقَرْضِ وَغَيْرُهُ (وَإِنْ كَانَ الأَْصْل فِي دَيْنِ الْقَرْضِ عَدَمَ لُزُومِ التَّأْجِيل فِيهِ، إِذِ الْمُقْرِضُ مُتَبَرِّعٌ، فَلاَ يُجْبَرُ عَلَى عَدَمِ الْمُطَالَبَةِ) فَقَدْ جَاءَ فِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ مَا خُلاَصَتُهُ: (رَجُلٌ مَدِينٌ بِأَلْفٍ قَرْضًا، وَدَائِنٌ بِمِثْلِهَا، لَهُ أَنْ يُحِيل

_________

(١) فتح القدير على الهداية ٥ / ٤٥١ والمبسوط للسرخسي ٢٠ / ٧١ والبحر ٦ / ٢٦٧ وابن عابدين على الدر المختار ٤ / ١٧٠.

دَائِنَهُ عَلَى مَدِينِهِ إِلَى أَجَلٍ مُعَيَّنٍ كَسَنَةٍ. ثُمَّ لَيْسَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، أَنْ يَأْخُذَ مَدِينَهُ بِدَيْنِهِ، أَوْ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِنْهُ، أَوْ يَهَبَهُ لَهُ) . (١) وَمِنْ جُمْلَةِ مَا عَلَّلَهُ بِهِ شَارِحُهُ السَّرَخْسِيُّ فِي مَبْسُوطِهِ: (إِنَّ حَقَّ الطَّالِبِ تَعَلُّقٌ بِالْمَال الْمُحَال بِهِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الْحَجْرَ عَلَى الْمُحِيل عَنِ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَإِلاَّ بَطَل حَقُّ الطَّالِبِ: لأَِنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ مَا الْتَزَمَ الْحَوَالَةَ مُطْلَقَةً، وَإِنَّمَا مُقَيَّدَةً بِذَلِكَ الْمَال، فَإِذَا سَقَطَ لَمْ تَبْقَ عَلَيْهِ مُطَالَبَةٌ بِشَيْءٍ. أَلاَ تَرَى أَنَّ الْحَوَالَةَ لَوْ كَانَتْ مُقَيَّدَةً بِوَدِيعَةٍ، فَهَلَكَتْ تِلْكَ الْوَدِيعَةُ، بَطَلَتِ الْحَوَالَةُ) . وَلِذَا نُقِل عَنْهُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: إِنَّ الْحِيلَةَ فِي تَأْجِيل الْقَرْضِ أَنْ يُحَال بِهِ الدَّائِنُ عَلَى ثَالِثٍ، فَيُؤَجَّل ذَلِكَ الثَّالِثُ مُدَّةً مَعْلُومَةً. إِذْ هَذَا صَحِيحٌ، وَمِنْ لَوَازِمِهِ أَلاَّ يُطَالِبَ الْمُحِيل، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ مُبَرِّئَةٌ مِنْ مُطَالَبَتِهِ، وَلاَ الْمُحَال عَلَيْهِ قَبْل حُلُول أَجَلِهِ بِسَبَبٍ مَا، وَلَوْ بِمَوْتِهِ أَوْ إِسْقَاطِهِ (٢) .

ثَالِثًا: أَقْسَامُ الْحَوَالَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ:

٢٥ - لاَ يُوجَدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هَذَا التَّنْوِيعُ لِلْحَوَالَةِ إِلَى مُطْلَقَةٍ وَمُقَيَّدَةٍ. وَإِنْ كَانَ مِنَ الْجَائِزِ (عَلَى الْمَرْجُوحِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ) حَوَالَةٌ عَلَى غَيْرِ

_________

(١) البحر على الكنز ٦ / ٢٧٠ وابن عابدين مع رد المحتار ٤ / ٢٧٥، ٢٩٥، والحموي على الأشباه ٢ / ٤٦.

(٢) المبسوط للسرخسي ٢٠ / ٧٠ - ٧١، وجامع الفصولين ٢ / ١٥٤ والحموي على الأشباه ٢ / ٤٧ - ٤٨.

مَدِينٍ - بِشَرْطِ رِضَاهُ - تَتَرَتَّب عَلَيْهَا أَحْكَامُهَا عِنْدَهُمْ وَفِي مُقَدِّمَتِهَا سُقُوطُ دَيْنِ الْمُحِيل وَبَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ (بِصُورَةٍ نِهَائِيَّةٍ غَيْرِ مَوْقُوتَةٍ)، فَيَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا حَوَالَةٌ مُطْلَقَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُسَمُّوهَا هُمْ بِهَذَا الاِسْمِ.

عَلَى أَنَّ ابْنَ الْمَاجِشُونِ - وَهُوَ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْل الْمَرْجُوحِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - قَدِ اشْتَرَطَ أَنْ تَقَعَ الْحَوَالَةُ بِلَفْظِهَا وَإِلاَّ فَهِيَ حَمَالَةٌ، أَيْ ضَمَانٌ (١) (كَفَالَةٌ) .

وَالَّذِي رَجَّحَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، أَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيل الضَّمَانِ، وَلَيْسَ مِنَ الْحَوَالَةِ فِي شَيْءٍ، وَلَوِ اسْتُعْمِل لَفْظُهَا (٢) .

وَيُفَرِّعُ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى هَذَا الَّذِي رَجَّحُوهُ قَائِلِينَ: (لَوْ أَعْدَمَ - أَيْ أَفْلَسَ - الْمُحَال عَلَيْهِ لَرَجَعَ الْمُحَال عَلَى الْمُحِيل - إِلاَّ أَنْ يَعْلَمَ الْمُحَال أَنَّهُ لاَ شَيْءَ لِلْمُحِيل عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ - وَيَشْتَرِطُ الْمُحِيل بَرَاءَتَهُ مِنَ الدَّيْنِ، فَلاَ رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ) .

وَلَيْسَ الإِْعْدَامُ، أَيِ الْفَقْرُ، شَرِيطَةً حَتْمِيَّةً عِنْدَهُمْ لِيَثْبُتَ حَقُّ الرُّجُوعِ، بَل مِثْلُهُ الْمَوْتُ وَكُل سَبَبٍ يَتَعَذَّرُ بِهِ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ، كَامْتِنَاعِ ذِي سَطْوَةٍ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَشْهَبَ، وَعَلَيْهَا تَعْوِيلُهُمْ فِي هَذَا الْحُكْمِ خِلاَفًا

_________

(١) المنتقى على الموطأ ٥ / ٦٨.

(٢) مغني المحتاج على المنهاج ٢ / ١٩٤ والمغني لابن قدامة ٥ / ٥٧.