الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨
٣ - بَعْدَ هَذَا التَّعْرِيفِ يَتَبَيَّنُ مَا يَلِي:
أ - أَنَّ الْمُحِيل هُوَ الْمَدِينُ، وَقَدْ يَكُونُ دَائِنًا أَيْضًا بِاعْتِبَارٍ آخَرَ (كَمَا سَنَرَى)، وَهُوَ طَرَفٌ فِي الْعَقْدِ إِذَا بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ أَجَازَهُ.
ب - وَأَمَّا الْمُحَال، فَهُوَ الدَّائِنُ، وَهُوَ أَبَدًا طَرَفٌ فِي الْعَقْدِ، إِمَّا بِمُبَاشَرَتِهِ، وَإِمَّا بِإِجَازَتِهِ.
وَيُقَال لَهُ أَيْضًا: حَوِيلٌ، وَمُحْتَالٌ (بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِل) . وَلاَ يُقَال: مُحَالٌ لَهُ، أَوْ مُحْتَالٌ لَهُ، لأَِنَّ هَذِهِ الصِّلَةَ لَغْوٌ - كَمَا قَال فِي الْمُغْرِبِ - وَإِنْ أَثْبَتَهَا الْبَعْضُ، وَتَكَلَّفَ ابْنُ عَابِدِينَ تَصْحِيحَهَا. (١)
ج - وَأَمَّا الْمُحَال عَلَيْهِ (وَيُقَال لَهُ أَيْضًا: حَوِيلٌ، بِزِنَةِ " كَفِيلٍ "، وَمُحْتَالٌ عَلَيْهِ) فَهُوَ الَّذِي الْتَزَمَ لأَِحَدِ الآْخَرَيْنِ بِدِيَتِهِ عَلَى ثَانِيهِمَا، وَهُوَ أَيْضًا أَبَدًا طَرَفٌ فِي الْعَقْدِ، عَلَى نَحْوِ مَا ذُكِرَ فِي الْمُحَال.
د - وَأَمَّا الْمُحَال بِهِ، (وَيُقَال: الْمُحْتَال بِهِ) فَهُوَ الدَّيْنُ نَفْسُهُ الَّذِي لِلْمُحْتَال عَلَى الْمُحِيل، وَهُوَ هُنَا مَحَل عَقْدِ الْحَوَالَةِ.
_________
(١) ابن عابدين ٤ / ٢٨٩.
أَلْفَاظٌ ذَاتُ صِلَةٍ:
أ - الْكَفَالَةُ أَوِ الضَّمَانُ:
٤ - الْكَفَالَةُ أَوِ الضَّمَانُ لُغَةً: الاِلْتِزَامُ بِالشَّيْءِ. (١) وَفِي الاِصْطِلاَحِ: ضَمُّ ذِمَّةِ الضَّامِنِ إِلَى ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فِي الْتِزَامِ الْحَقِّ
. (٢) وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَوَالَةِ وَالْكَفَالَةِ أَوِ الضَّمَانِ: أَنَّ الْحَوَالَةَ نَقْلٌ لِلدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى، أَمَّا الْكَفَالَةُ أَوِ الضَّمَانُ فَهُوَ ضَمُّ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ فِي الاِلْتِزَامِ بِالْحَقِّ فَهُمَا مُتَبَايِنَانِ، لأَِنَّ بِالْحَوَالَةِ تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمُحِيل، وَفِي الْكَفَالَةِ لاَ تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمَكْفُول.
ب - الإِْبْرَاءُ:
٥ - الإِْبْرَاءُ لُغَةً: التَّنْزِيهُ وَالتَّخْلِيصُ وَالْمُبَاعَدَةُ عَنِ الشَّيْءِ. وَاصْطِلاَحًا: إِسْقَاطُ الشَّخْصِ حَقًّا لَهُ فِي ذِمَّةِ آخَرَ أَوْ قِبَلَهُ. (٣)
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَوَالَةِ وَالإِْبْرَاءِ، أَنَّ الْحَوَالَةَ نَقْلٌ لِلْحَقِّ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ، وَالإِْبْرَاءُ إِسْقَاطٌ لِلْحَقِّ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٦ - الْحَوَالَةُ بِالدَّيْنِ مَشْرُوعَةٌ يَدُل لِذَلِكَ مَا يَأْتِي:
أ - السُّنَّةُ:
٧ - رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ
_________
(١) المصباح المنير مادة: " ضمن ".
(٢) المغني ٤ / ٥٩٠.
(٣) الموسوعة الفقهية ١ / ٤٢ (ف / ١) .
رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ (١)، وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الأَْوْسَطِ: وَمَنْ أُحِيل عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ (٢) وَفِي آخَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: وَمَنْ أُحِيل عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَل (٣) وَقَدْ يُرْوَى بِفَاءِ التَّفْرِيعِ: وَإِذَا أُحِلْتَ عَلَى مَلِيءٍ فَاتْبَعْهُ (٤)، فَيُفِيدُ أَنَّ مَا قَبْلَهُ عِلَّتُهُ، أَيْ أَنَّ مَطْل أَهْل الْمُلاَءَةِ وَالْيَسَارِ ظُلْمٌ مُحَرَّمٌ فِي الإِْسْلاَمِ، فَلاَ يَخْشَيَنَّهُ مُسْلِمٌ فَيَأْبَى مِنْ خَشْيَتِهِ قَبُول الْحَوَالَةِ عَلَى مَلِيءٍ بَل إِنَّهُ لَمَأْمُورٌ بِقَبُولِهَا (٥) .
_________
(١) نيل الأوطار ٥ / ٢٣٧ قال جمهور المحدثين: إن تاء (فليتبع) مشددة، والاستعمال القرآني يؤيده: " فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان " سورة البقرة / ١٧٨ ولكنهم ينقلون عن الخطابي أن الصواب في الحديث التخفيف من حيث الرواية. وحديث: " مطل الغني ظلم. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤٦٤ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١١٩٧ - ط الحلبي) .
(٢) حديث: " ومن أحيل على مليء فليتبع ". أخرجه الطبراني في الأوسط كما في نصب الراية (٤ / ٦٠ - ط المجلس الهندي العلمي) .
(٣) حديث: " ومن أحيل على مليء فليحتل ". أخرجه ابن أبي شيبة (٧ / ٧٩ - ط الدار السلفية - بمبي) وإسناده صحيح.
(٤) حديث: " وإذا أحلت على ملئ فاتبعه ". أخرجه الترمذي (٣ / ٥٩٢ - ط الحلبي) وابن ماجه (٢ / ٨٠٣ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر وأعلّه البوصيري بالانقطاع بين يونس بن عبيد ونافع.
(٥) فتح القدير على الهداية ٥ / ٤٤٤ والبجيرمي على المنهج ٣ / ٢٠. والمطل في الحديث فسره الأزهري بإطالة المدافعة ويقرب منه ما قاله ابن سيده من أنه التسويف في الوعد. والملئ أو الملي في الفقه هو الغني المقتدر على السداد كما في المصباح أو هو الثقة الغني كما في اللسان.
ب - الإِْجْمَاعُ:
٨ - انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْحَوَالَةِ (١) .
ج - الْقِيَاسُ:
٩ - الْحَوَالَةُ مَقِيسَةٌ عَلَى الْكَفَالَةِ، بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ وَالْكَفِيل قَدِ الْتَزَمَ مَا هُوَ أَهْلٌ لاِلْتِزَامِهِ وَقَادِرٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَكِلاَهُمَا طَرِيقٌ لِتَيْسِيرِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ، فَلاَ تَمْتَنِعُ هَذِهِ كَمَا لَمْ تَمْتَنِعْ تِلْكَ. وَالْحَاجَةُ تَدْعُو إِلَى الْحَوَالَةِ، وَالدِّينُ يُسْرٌ. وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِقِيَاسِ الْمَجْمُوعِ عَلَى آحَادِهِ: ذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنْ نَوْعَيِ الْحَوَالَةِ (الْمُطْلَقَةِ أَوِ الْمُقَيَّدَةِ) يَتَضَمَّنُ تَبَرُّعَ الْمُحَال عَلَيْهِ بِالاِلْتِزَامِ وَالإِْيفَاءِ، وَأَمْرَهُ بِالتَّسْلِيمِ إِلَى الْمُحَال، وَتَوْكِيل الْمُحَال بِالْقَبْضِ مِنْهُ. وَمَا مِنْهَا خَصْلَةٌ إِلاَّ وَهِيَ جَائِزَةٌ عَلَى الاِنْفِرَادِ، فَلْتَكُنْ كَذَلِكَ عِنْدَ الاِجْتِمَاعِ، بِجَامِعِ عَدَمِ الْفَرْقِ (٢) .
١٠ - وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُول الْمُحَال لِلْحَوَالَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْحَدِيثِ، هَل هُوَ أَمْرُ إِيجَابٍ، أَمْ نَدْبٍ أَمْ إِبَاحَةٍ؟ قَال بِالأَْوَّل أَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ جَرِيرٍ.
لأَِنَّهُ الأَْصْل فِي صِيغَةِ الأَْمْرِ، وَقَال بِالثَّانِي: أَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَرِّحُ بِتَقْيِيدِهِ بِأَنْ يَكُونَ الْمَلِيءُ لَيْسَ فِي مَالِهِ شُبْهَةُ حَرَامٍ.
_________
(١) مطالب أولي النهى ٣ / ٣٢٤.
(٢) الزيلعي على الكنز ٤ / ١٧٤، ومطالب أولي النهى ٤ / ١٧٤.
وَإِنَّمَا صَرَفُوا الْكَلاَمَ عَنْ ظَاهِرِهِ إِلْحَاقًا لِلْحَوَالَةِ بِسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ، لأَِنَّهَا لاَ تَخْلُو مِنْ شَوْبِ مُعَاوَضَةٍ.
وَاسْتَظْهَرَ الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ أَنَّهُ أَمْرُ إِبَاحَةٍ، لأَِنَّ أَهْل الْمُلاَءَةِ قَدْ يَكُونُ فِيهِمُ اللَّدَدُ فِي الْخُصُومَةِ وَالْمَطْل بِالْحُقُوقِ، وَهُوَ ضَرَرٌ لاَ يَأْمُرُ الشَّارِعُ بِتَحَمُّلِهِ، بَل بِالتَّبَاعُدِ عَنْهُ وَاجْتِنَابِهِ. فَمَنْ عُرِفَ مِنْهُمْ بِحُسْنِ الْقَضَاءِ اسْتُحِبَّ اتِّبَاعُهُ، تَفَادِيًا لِلْمِسَاسِ بِمَشَاعِرِهِ، وَتَنْفِيسًا عَنِ الْمَدِينِ نَفْسِهِ، وَمَنْ جُهِل حَالُهُ فَعَلَى الإِْبَاحَةِ، إِذْ لاَ تَرْجِيحَ بِلاَ مُرَجِّحٍ (١) .
وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ يَجْعَل الْمُلاَءَةَ شَيْئًا، وَكُلًّا مِنِ الإِْقْرَارِ بِالدَّيْنِ وَعَدَمِ الْمُمَاطَلَةِ شَيْئًا آخَرَ.
وَذَلِكَ إِذْ يَقُول: (يُسَنُّ قَبُولُهَا عَلَى مَلِيءٍ، مُقِرٍّ، بَاذِلٍ، لاَ شُبْهَةَ فِي مَالِهِ) . (٢)
حَقِيقَةُ عَقْدِ الْحَوَالَةِ وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا:
١١ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٣) وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، أَنَّ الْحَوَالَةَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَنُسِبَ النَّصُّ عَلَيْهِ إِلَى الشَّافِعِيِّ نَفْسِهِ
_________
(١) فتح القدير على الهداية ٥ / ٤٤٤ والبجيرمي على المنهج ٣ / ٢٠ والمغني لابن قدامة ٥ / ٦٠.
(٢) حاشية الباجوري على ابن قاسم ١ / ٣٩١ ونهاية المحتاج على المنهاج بحواشيها ٥ / ٤٠٨، والبجيرمي على المنهج ٣ / ١١٩.
(٣) المغني لابن قدامة ٥ / ٥٤ والأشباه والنظائر بحاشية الحموي ٢ / ٢١٣.
لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مَلَكَ بِهَا مَا لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ، فَكَأَنَّمَا الْمُحَال قَدْ بَاعَ مَا لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل بِمَا لِهَذَا فِي ذِمَّةِ مَدِينِهِ.
وَعِبَارَةُ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: (الْحَوَالَةُ بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ: لأَِنَّ الْمُحْتَال يَبِيعُ مَا لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيل بِمَا لِلْمُحِيل فِي ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ، أَوْ أَنَّ الْمُحِيل يَبِيعُ مَا لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ بِمَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ) .
وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَوَّل كَلاَمِهِ، إِذْ يَقُول بِإِطْلاَقٍ: (وَالْحَوَالَةُ مُعَامَلَةٌ صَحِيحَةٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِنَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ) .
فَالْحَوَالَةُ، عَلَى هَذَا، بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، أَوْ كَمَا يَقُول فِي الْحَاوِي الزَّاهِدِيِّ: (هِيَ تَمْلِيكُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ)، وَالْقِيَاسُ امْتِنَاعُهُ، وَلَكِنَّهُ جَوَّزَ لِلْحَاجَةِ، رُخْصَةً مِنَ الشَّارِعِ وَتَيْسِيرًا.
فَكَثِيرًا مَا يَكُونُ الْمَدِينُ مُمَاطِلًا، يُؤْذِي دَائِنِيهِ بِتَسْوِيفِهِ وَكَذُوبِ وُعُودِهِ، أَوْ بِمُشَاغَبَاتِهِ وَضِيقِ ذَاتِ يَدِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى آخَرَ هُوَ أَلْيَنُ عَرِيكَةً، وَأَحْسَنُ مُعَامَلَةً، وَأَوْفَرُ رِزْقًا، فَيَرْغَبُ دَائِنُو الأَْوَّل فِي التَّحَوُّل إِلَى هَذَا تَوْفِيرًا لِلْجَهْدِ وَالْوَقْتِ، وَاتِّقَاءً لأَِخْطَارِ الْخُصُومَاتِ، وَتَحْصِيلًا لِجُزْءٍ مِنَ الْمَال عَاطِلٍ، يُمْكِنُ أَنْ تُنَمَّى بِهِ ثَرْوَةٌ، أَوْ تُسَدُّ بِهِ خَلَّةٌ. فَرَخَّصَ فِي الْحَوَالَةِ مِنْ أَجْل هَذَا وَمَا شَاكَلَهُ، إِذْ لَوْ لَمْ تُشْرَعْ لَفَاتَتْ كُل هَذِهِ الأَْغْرَاضِ الصَّحِيحَةِ، وَلَحَاقَتْ بِالدَّائِنِينَ أَضْرَارٌ جَمَّةٌ، وَلاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ فِي الإِْسْلاَمِ. وَالْعَكْسُ
صَحِيحٌ أَيْضًا: فَرُبَّمَا كَانَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُمَاطِلًا، وَكَانَ الْمُحَال أَقْدَرَ مِنَ الْمُحِيل عَلَى اسْتِخْلاَصِ الْحَقِّ مِنْهُ، وَلَوْلاَ الْحَوَالَةُ لَطَال عَنَاءُ الدَّائِنِ الضَّعِيفِ، أَوْ لَضَاعَ مَالُهُ. وَلَيْسَ فِي كُل وَقْتٍ يُتَاحُ الْوَكِيل الصَّالِحُ، وَإِنْ أُتِيحَ فَقَلَّمَا يَكُونُ بِغَيْرِ أَجْرٍ. عَلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تُغْنِي فِي الْحَالَةِ الأُْولَى، لأَِنَّهَا عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ: فَقَدْ يُوَكِّل الْمَدِينُ الْمُمَاطِل دَائِنَهُ فِي اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ، وَيُسَلِّطُهُ عَلَى تَمَلُّكِهِ بَعْدَ قَبْضِهِ، تَحْتَ ضَغْطِ ظُرُوفٍ خَاصَّةٍ، ثُمَّ لاَ يَلْبَثُ أَنْ يَعْزِلَهُ قَبْل قَبْضِهِ، فَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ (١) .
١٢ - وَلاَ يَبْعُدُ كَثِيرًا عَنْ هَذَا الْمَذْهَبِ مِنَ الرَّأْيِ رَأْيُ الذَّاهِبِينَ إِلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ بَيْعُ عَيْنٍ بِعَيْنٍ تَقْدِيرًا.
وَقَدْ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالدَّيْنِ هُوَ الْمَاصَدَقَ (٢) الْخَارِجِيُّ لَهُ، إِذِ الْمَعَانِي الْكُلِّيَّةُ الْقَائِمَةُ بِالذِّمَّةِ، كَمِائَةِ ثَوْبٍ أَوْ دِينَارٍ، لاَ تَعْنِي لِذَاتِهَا - وَكَذَا لاَ يَبْعُدُ عَنْهُمُ الرَّأْيُ الْقَائِل بِأَنَّهَا
_________
(١) حاشية ابن عابدين على البحر ٦ / ٢٧٤ ومثله في الأشباه والنظائر لابن نجيم ٢ / ٢١٣، وبداية المجتهد ٢ / ٢٩٩، والمهذب ١ / ٣٣٧.
(٢) الماصدق في اصطلاح علماء المعقول هو كلمة مركبة من حرف النفي والفعل الماضي من الصدق، ومعناها ما يتحقق به مدلول اللفظ في الوجود. ويجعلون إعرابها بحركة على الحرف الأخير (القاف) كما لو كانت كلمة واحدة. فالماصدق الخارجي بالنسبة إلى الدين هو ما يتحقق به مدل
بَيْعُ عَيْنٍ بِدَيْنٍ - وَهَذَا قَدْ يَقْرُبُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ إِذَا كَانَتِ الْحَوَالَةُ مُقَيَّدَةً عَلَى مَا قَرَّرَهُ الزَّاهِدِيُّ، إِذِ الْمَقْصُودُ عِنْدَهُمْ بِالْمَبِيعِ عَيْنُهُ، لِتَعَلُّقِ الْحَاجَةِ بِمَنْفَعَتِهَا الذَّاتِيَّةِ، أَمَّا الْمَقْصُودُ بِالثَّمَنِ فَمَالِيَّتُهُ. وَلِذَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي تَسْلِيمُ مِثْلِهِ مَعَ بَقَائِهِ، وَلَوْ تَلِفَ أَوِ اسْتُحِقَّ لاَ يَبْطُل الْعَقْدُ، وَيُسَلَّمُ الْمِثْل، نَعَمْ فِي الْحَوَالَةِ الْمُطَلَّقَةِ الَّتِي تَفَرَّدَ بِهَا الْحَنَفِيَّةُ لاَ يُتَصَوَّرُ مَعْنَى الْبَيْعِ عَلَى حَالٍ، وَهِيَ بِالْحَمَالَةِ (الْكَفَالَةِ) أَشْبَهُ (١) .
١٣ - عَلَى أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ وَتِلْمِيذَهُ ابْنَ الْقَيِّمِ لاَ يُسَلِّمَانِ بِأَنَّ الْحَوَالَةَ وَارِدَةٌ عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ. وَفِي ذَلِكَ يُقَرِّرُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إِعْلاَمِ الْمُوَقِّعِينَ أَنَّ امْتِنَاعَ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَامٌّ، وَلاَ إِجْمَاعٌ. وَإِنَّمَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، وَالْكَالِئُ هُوَ الشَّيْءُ الْمُؤَخَّرُ الَّذِي لَمْ يُقْبَضْ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ شَيْئًا فِي شَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ، وَكِلاَهُمَا مُؤَخَّرٌ، فَهَذَا لاَ يَجُوزُ بِالاِتِّفَاقِ، وَهُوَ بَيْعُ كَالِئٍ بِكَالِئٍ.
وَأَمَّا بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ:
_________
(١) جامع الفصولين ١ / ١٦٤. ونص عبارتهم: " قضية العقد في جانب المبيع ثبوت الملك في العين، وقضيته في جانب الثمن وجوب الثمن في الذمة " لكنهم استثنوا ما إذا كان الثمن بطبيعته سلعة محضة (جامع الفصولين ١ / ١٦٤ - ١٦٧) وهي حالة المقايضة، وفيها يكون كل من العوضي والحموي على الأشباه ٢ / ١٥٨ والحواشي على النهاية شرح المنهاج ٤ / ٤٠٨.
إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْعَ وَاجِبٍ بِوَاجِبٍ كَالصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا، وَهُوَ الْمَمْنُوعُ، أَوْ يَكُونَ بَيْعَ سَاقِطٍ بِسَاقِطٍ (كَمَا فِي صُوَرِ الْمُقَاصَّةِ) (١)، أَوْ يَكُونَ بَيْعَ سَاقِطٍ بِوَاجِبٍ (كَمَا لَوْ بَاعَهُ دَيْنًا لَهُ فِي ذِمَّتِهِ، بِدَيْنٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ)، فَقَدْ سَقَطَ الدَّيْنُ الْمَبِيعُ وَوَجَبَ عِوَضُهُ، أَوْ يَكُونُ بَيْعَ وَاجِبٍ بِسَاقِطٍ (كَمَا لَوِ اشْتَرَى مِنْ مَدْيُونِهِ قَمْحًا عَلَى سَبِيل السَّلَمِ بِالدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ فَقَدْ وَجَبَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَسَقَطَ عَنْهُ غَيْرُهُ) . وَقَدْ حَكَى بَعْضُهُمُ الإِْجْمَاعَ عَلَى امْتِنَاعِ هَذَا شَرْعًا، وَلاَ إِجْمَاعَ فِيهِ.
وَنَقَل تِلْمِيذُهُ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنْهُ اخْتِيَارَ جَوَازِهِ، ثُمَّ قَال: وَهُوَ الصَّوَابُ، إِذْ لاَ مَحْذُورَ فِيهِ، وَلَيْسَ بَيْعَ كَالِئٍ بِكَالِئٍ فَيَتَنَاوَلُهُ النَّهْيُ بِلَفْظِهِ، وَلاَ فِي مَعْنَاهُ فَيَتَنَاوَلُهُ بِعُمُومِ الْمَعْنَى. فَإِنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ قَدْ شُغِلَتْ فِيهِ الذِّمَّتَانِ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ: فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَجَّل أَحَدُهُمَا مَا يَأْخُذُهُ فَيَنْتَفِعُ بِتَعْجِيلِهِ، وَيَنْتَفِعُ صَاحِبُ الْمُؤَخَّرِ بِرِبْحِهِ، بَل كِلاَهُمَا شُغِلَتْ ذِمَّتُهُ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ. وَأَمَّا مَا عَدَاهُ مِنَ الصُّوَرِ الثَّلاَثِ فَلِكُلٍّ مِنْهَا غَرَضٌ صَحِيحٌ، وَمَنْفَعَةٌ مَطْلُوبَةٌ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي مَسْأَلَةِ التَّقَاصِّ: فَإِنَّ ذِمَّتَهُمَا تَبْرَأُ مِنْ أَسْرِهَا، وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مَطْلُوبٌ لَهُمَا وَلِلشَّارِعِ.
وَأَمَّا فِي الصُّورَتَيْنِ الآْخِرَتَيْنِ: فَأَحَدُهُمَا يُعَجِّل
_________
(١) يتضح من سياق كلامه أن مراده بالدين الواجب هو الثابت الذي ينشئه العقد نفسه لا الواجب قبلا، وكذا مراده بالساقط الدين الذي يسقطه من الذمة العقد نفسه وبهذا التفسير يصبح كلامه واضح الصور.
بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ وَالآْخَرُ يَنْتَفِعُ بِرِبْحِهِ، يَعْنِي فَثَمَّ نَفْعٌ فِي مُقَابَلَةِ نَفْعٍ، فَتَجُوزُ، كَمَا فِي بَيْعِ الْعَيْنِ بِالدَّيْنِ سَوَاءٌ اتَّحَدَتِ الذِّمَّةُ أَمِ اخْتَلَفَتْ (١) .
١٤ - وَهُنَاكَ أَقْوَالٌ أُخَرُ أَجْمَلَهَا السُّيُوطِيُّ فِي سِتَّةٍ (٢):
١ - بَيْعٌ.
٢ - اسْتِيفَاءٌ.
٣ - بَيْعٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى اسْتِيفَاءٍ.
٤ - اسْتِيفَاءٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى بَيْعٍ.
٥ - إِسْقَاطٌ بِعِوَضٍ.
٦ - ضَمَانٌ بِإِبْرَاءٍ.
١٥ - وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْحَوَالَةَ عَقْدُ إِرْفَاقٍ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ لَيْسَ بِمَحْمُولٍ عَلَى غَيْرِهِ وَلَيْسَتِ الْحَوَالَةُ بَيْعًا، لأَِنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَيْعًا لَكَانَتْ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَلَمَا جَازَ التَّفَرُّقُ قَبْل الْقَبْضِ، وَلَيْسَتْ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ لِعَدَمِ الْعَيْنِ فِيهَا، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِلْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، إِذْ يَقُولُونَ: (الْحَوَالَةُ مَا وُضِعَتْ لِلتَّمْلِيكِ، وَإِنَّمَا وُضِعَتْ لِلنَّقْل)، أَوْ لِقَوْل بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَةِ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ: (إِذَا أَحَال بِالدَّيْنِ انْتَقَل الْحَقُّ إِلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، وَبَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمُحِيل، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ تَحْوِيل حَقٍّ، أَوْ بَيْعَ حَقٍّ،
_________
(١) النهاية وحواشيها على منهاج الطالبين ٤ / ٤٠٨، أعلام الموقعين ١ / ٣٨٨ - ٣٨٩.
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ٣٣٦.